مسلسل المدينة البعيدة: حين يسير ا
ثمة مدنٌ لا تُرى إلا من بعيد؛ كلما اقتربتَ منها تلاشت في عيونك كأنها حلمٌ يرفض أن يستيقظ. «المدينة البعيدة» واحدةٌ من تلك المدن؛ لا يقدّمها المسلسل كجغرافيا فحسب، بل كحالة شعورية تسكن شخوصه وتؤثث مشاهدهم. هنا تتقاطع الطرق بين غرباء صاروا أهلًا، وبين أهلٍ صاروا غرباء على أنفسهم. تتردد الأقدام على أرصفةٍ يغسلها المطر، وتُفتح النوافذ على هواءٍ يوقظ الذاكرة قبل أن ينعش الرئة.
ليست الحكاية هنا حبًا معلبًا في قوالب جاهزة؛ إنها مسافةٌ تُقطع بتؤدة، ونبضٌ يختبر دلالاته في كل لقاءٍ قصير. يضعنا المسلسل أمام حوارٍ طويلٍ بين القلب والمنطق؛ الأول يصرّ على أن يتبع حدسه حتى لو انكسرت أقدامه، والثاني يذكّره بأن للواقع أنيابه. بين هذين القطبين يتشكّل لحنٌ رقيقٌ لمدينةٍ تبدو بعيدةً على الخريطة، قريبةً حين نغمض أعيننا.
الطبيعة شريكةٌ في الكتابة
يمنح «المدينة البعيدة» للطبيعة حقّها في الكلام؛ الغيوم لا تمرّ عبثًا، والرياح لا تزمجر بلا سبب. يختار الإخراج أن يلتقط تلك التفاصيل الصغيرة التي تغيب في عجلة المدن الكبيرة: قطرة ماءٍ تستقر على حافة زهرة، رائحة ترابٍ مبلولٍ تتسلل إلى الذاكرة، وصمتٌ ينبت بين كلمتين في حوارٍ يوشك على الانهيار. كل ذلك يخلق إيقاعًا بصريًا يعطي للمشاهد وقتًا لكي يسمع نفسه.
شخصياتٌ تبحث عن منازلها
أبطال العمل ليسوا أبطالًا بالمعنى الصارخ؛ إنهم بشرٌ يسألون: أين نضع رؤوسنا حين يثقلنا المساء؟ هناك فتاةٌ تتعلم أن تُعيد تعريف الحب بعيدًا عن الأساطير، ورجلٌ يتعثر في معنى الرجولة حتى يجدها في لطفه لا في صلابته، وعجوزٌ تعرف أن الحكمة ليست في الكلام الكثير، بل في الصمت المضيء حين يحين وقته. هكذا تتجاور القصص الصغيرة لتبني روايةً واحدة، وتتساند الجراح كي تصير شفاءً للجميع.
الموسيقى: وترٌ واحدٌ يكفي أحيانًا
لا تملأ الموسيقى الفراغ هنا؛ هي تتركه ليقول ما لا يقال. آلةٌ وتريةٌ حزينةٌ تُمسك بأطراف المشهد وتربطه بقلب المشاهد، فتتحول اللقطات إلى ما يشبه الذكرى. لا تحتاج القصة إلى صخبٍ كي تُقنعنا؛ يكفيها أن تمشي على أطراف الضباب، وأن تُغلق الأبواب بهدوء، وأن تترك لنا فرصةً لنكمل الحديث مع أنفسنا بعد نزول الشارة.
لماذا نعود إلى هذه المدينة؟
نعود لأننا نعرفها؛ لأن في كل واحدٍ منا مدينةً بعيدةً يحاول أن يقترب منها ولا يستطيع. نعود لأن المسلسل لا يفرض علينا أجوبته، بل يضع أمامنا مرآةً لا تكذب. ربما لذلك كله يبدو «المدينة البعيدة» عملًا لا يُشاهَد مرةً واحدة؛ فهو لا يُستنفد، بل يتسع مع كل مشاهدة، كطريقٍ ريفيٍّ لا يصل إلى مكانٍ محدد، لكنه يعلّمنا متعة السير.
في خاتمة المطاف، لا تدّعي هذه المقالة تقديم ملخصٍ تقريري؛ إنها محاولةٌ لالتقاط العطر الذي يتركه العمل خلفه. العطر الذي يجعلنا نفكر في من مرّوا بنا ومررنا بهم، وفي المدن التي تأخذ أسماءنا ثم تتركنا واقفين على أطرافها، نلوّح بقلوبٍ تعلمت أخيرًا كيف تصبر.