فاز زوهران ممداني (34 عامًا) بعمودية نيويورك. هذه لحظة فارقة في السياسة الأمريكية، ومن ثمّ في العالم أيضًا. لماذا هي فارقة؟ سنشرح ذلك لاحقًا، لكن لنبدأ القصة من جذورها. في 1961، انتُخب جون كينيدي (43 عامًا) كأصغر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، حتى ذلك الوقت، وأول رئيس كاثوليكي لا بروتستانتي. ابن لعائلة من النخبة الأمريكية الكاثوليكية، درس في هارفارد، وفاز بجائزة بوليتزر المرموقة عن كتابه «نماذج في الشجاعة»، ووصل إلى الرئاسة ببرنامج طموح لإنهاء التمييز العنصري ضد السود في الولايات المتحدة. لكن أثناء رئاسته، قرأ كينيدي مقالًا في مجلة «ذا نيويوركر» الأمريكية المرموقة، يتناول فيه الكاتب المعروف دوايت ماكدونالد كتابًا بعنوان «أمريكا الأخرى».
«أمريكا الأخرى» كتاب للكاتب والناشط في الحزب الاشتراكي آنذاك مايكل هارينجتون، صدر عام 1961. كان الحزب الاشتراكي قد تراجع كثيرًا، بعد أن تبنى الحزب الديمقراطي منذ 1933 حزمة من السياسات الاجتماعية الفعالة التي عرفت باسم «نيو ديل»، من بينها قانون الأمن الاجتماعي social security act للمعاشات وإعانات البطالة، وقانون واجنر الذي أعطى العمال حق تشكيل النقابات والتفاوض مع الإدارات، بعد عقود طويلة من تمسك الإدارات الأمريكية بالسلطة المطلقة لأصحاب العمل على شركاتهم.
دفع هذا الاقتصادي الأمريكي الكبير جون كينيث جالبريث إلى أن يؤكد، عام 1958، في كتابه «المجتمع الميسور» أن الفقر لم يعد مشكلة في الولايات المتحدة. أراد هارينجتون في كتابه أن يكشف عما أسماه أمريكا الأخرى، أو أمريكا غير المرئية التي مازالت ترزح تحت الفقر. أمريكا المزارعين المهاجرين في ريف الجنوب، والسود في أحيائهم المعزولة في المدن، وكبار السن المعدمين، والمرضى العقليين المهملين، وأحياء الفقر على هوامش المدن.
قرأ كينيدي أفكار هارينجتون فأصيب بصدمة، وقرر على الفور وضع برنامج لمحاربة الفقر يتضمن قانونًا لمساعدات الطعام وتطوير المناطق المهمشة ومساعدة القوى العاملة على تطوير قدراتها والحصول على فرص عمل. سيتبنى ليندون جونسون لاحقًا خطة كينيدي بعد اغتياله، فيما سيعرف ببرنامج الحرب على الفقر، وصولًا إلى قانون الحقوق المدنية الذي جرّم التمييز ضد السود. سيخسر الحزب الاشتراكي حججه مرة أخرى، وفي 1973، انفصل هارينجتون ليؤسس لجنة منظمة الديمقراطيين الاشتراكيين التي ستصبح سنة 1982 حركة «الديمقراطيين الاشتراكيين في أمريكا» Democratic Socialists in America، أو اختصار DSA.
كان هارينجتون ماركسيًا وليس ليبراليًا اجتماعيًا، لكنه كان من بين الماركسيين الأمريكيين الذين رفضوا القراءة السوفيتية لماركس. ماركس بالنسبة إليهم كان مفكرًا ديمقراطيًا، أو يمكن لأفكاره على الأقل أن تزدهر في إطار نظام ديمقراطي. لكنه كان صارمًا في رؤيته أن الاشتراكية لا يمكن أن تجد لها مكانًا واقعيًا في الولايات المتحدة خارج الحزب الديمقراطي. وظلت DSA حركة هامشية في الإطار الواسع للحزب الديمقراطي الذي أخذ هو نفسه يخفف من انحيازاته الاجتماعية على خلفية النجاحات الاقتصادية لإدارة ريجان، ما قاد إلى تشكل ما عرف بالديمقراطيين الجدد تحت قيادة بيل كلينتون.
ممداني هو ابن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين. ولكن السؤال، كيف تحولت الحركة من حركة هامشية إلى واحدة من أبرز الظواهر السياسية في الولايات المتحدة؟ بعد الأزمة المالية العالمية في 2008-2009، صعد باراك أوباما إلى السلطة برؤية تستنسخ إلى حد بعيد رؤية الرئيس فرانكلين روزفلت في النيوديل. برامج اجتماعية كبيرة لتخفيف معاناة الفئات الأفقر، أبرزها برنامج أوباماكير أو ميديكير الذي يقدم رعاية صحية شاملة لكل المقيمين في الولايات المتحدة من غير المؤمن عليهم أو العاجزين عن دفع مقابل الخدمة. مع ذلك، لم تنجح إدارة أوباما في تقليص نفوذ القطاع المالي أو المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
في 2016، خاض السيناتور الاشتراكي بيرني ساندرز الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي ضد هيلاري كلينتون التي تمثل القيادة التقليدية للحزب، أو ما يعرف بالديمقراطيين الجدد كما سبقت الإشارة. لم ينجح ساندرز في الحصول على ترشيح الحزب، لكنه سمح لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين بالنمو، لتتضاعف عضويتها من بضعة آلاف إلى نحو 80 ألف عضو. علاوة على ذلك، نجحت الحركة في استقطاب وجوه شابة وغير تقليدية كالنائبة ألكساندرا أوكازيو كورتيز، والنائبة رشيدة طليب في ولاية ميتشجان. تحول الديمقراطيون الاشتراكيون إلى حركة تجتذب الشباب كممداني، وتقدم وعدًا كبيرًا بتغيير حقيقي في الحزب الديمقراطي، وبإمكانية استيعاب المكونات الشعبية الغاضبة بعد الأزمة المالية، والتي اتجهت إلى تيار ماجا (Make America Great Again) الذي دشّنه دونالد ترامب.
جاء الدفع بجو بايدن من قبل قيادة الحزب الديمقراطي ليعطل صعود الديمقراطيين الاشتراكيين، لكن الحركة، بجانب غيرها، من الحركات والنشطاء التقدميين في الحزب الديمقراطي لعبت دورًا محوريًا في انتخابات 2020، لتؤمّن لمرشح فاقد للكاريزما مثل بايدن فوزًا كاسحًا على رئيس قضى فترته الأولى في البيت الأبيض بالفعل، بفارق نحو عشرة ملايين صوت. في الواقع، صنع هؤلاء معجزة بالنسبة للحزب الديمقراطي وقيادته منتهية الصلاحية. لكن 2023 سيكون محطة فارقة جديدة. قادت الانتخابات الداخلية لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين إلى صعود قيادة جديدة أكثر شبابًا وأكثر ميلًا لليسار، وضمت اللجنة السياسية الوطنية للحركة عضوًا خاض الانتخابات ببرنامج معادٍ للصهيونية، التي أصبحت تمثل بالنسبة لليسار الاشتراكي الأمريكي رمزًا للإمبريالية الأمريكية، أكثر مما هي رمز لاحتضان الولايات المتحدة لليهود في مواجهة العداء للسامية.
في المقابل، اصطدمت المجموعات التقدمية في الحزب الديمقراطي بموقف بايدن الداعم للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بشكل غير مشروط، شجّع إسرائيل على تحويل العدوان والاحتلال إلى إبادة جماعية صريحة. الحملة القمعية التي شنّتها الشرطة الأمريكية على الحركة الطلابية المناهضة للحرب في ظل صمت البيت الأبيض، ومؤتمر الحزب الديمقراطي، قبيل الانتخابات الرئاسية في 2024، الذي أُقصيت فيه المجموعات المناهضة للحرب، كانا إعلانًا واضحًا عن القطيعة بين قيادة الحزب الديمقراطي العتيقة التي تضم وجوها مثل تشاك شومر ونانسي بيلوسي وبين المجموعات التقدمية الشبابية الصاعدة كحركة الديمقراطيين الاشتراكيين.
تعرض اليسار منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وربما قبل ذلك بنحو عشر سنوات، إلى أزمة سياسية واضحة، على مستويين. من ناحية، مستوى الاستراتيجية أو الطريقة التي يمكن لليسار بها أن يصل إلى السلطة في ظل هيمنة أحزاب الوسط على المشهد الانتخابي في الشمال العالمي (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية) وتفكك المنظمات العمالية في عصر انتقال الصناعة التقليدية إلى آسيا. من ناحية أخرى، افتقد اليسار إلى رؤية سياسية واضحة عما يعد به بعد أن أصبح المجتمع الاشتراكي في الصورة السوفيتية سببًا للفرار من اليسار وصورة للتبرؤ منها أكثر مما هي وعد.
جد مفكرو اليسار في بناء البدائل، لكن سلافوي جيجك، مثلًا، اختار اجترار الماركسية اللينينية كما هي، في صورة كاريكاتورية أحيانًا تليق بنجوم الميديا أكثر مما تليق بالمفكرين السياسيين المهمومين حقًا بالبحث عن بدائل. أنطونيو نيجري ومايكل هاردت ارتأيا استحالة أن تقوم المشاعية إلا بتفكيك الدولة السيادية، ولتفكيك الدولة السيادية لا نحتاج إلى حزب أو منظمة أو مجتمع مدني، وإنما إلى حشد يندفع بزخمه إلى تقويض السيادة وبناء المؤسسات غير السيادية.
أخيرًا، وبفاعلية أكثر، طرح إرنستو لاكلو وشانتال موف، ومعهما نانسي فريزر، فكرة الشعبوية اليسارية والديمقراطية الجذرية. ينطلق ذلك الطرح من رؤية مفادها ألا سبيل فعليًا إلى يوتوبيا اجتماعية تنتهي فيها الصراعات، ولكن ما نبحث عنه هو مزيد من الديمقراطية في حسم هذه الصراعات عبر نقل الديمقراطية وليس تفكيكها، من المستوى السياسي الليبرالي إلى المستوى الاقتصادي، بإجراءات تضمن عدالة أكثر ليس فقط في توزيع الثروة ولكن أيضًا في التنافس للحصول على الثروة وإدارتها. الطريق إلى ذلك يكون ببناء الحزب اليساري الشعبوي الذي يحشد الناس على أساس استقطابي ضد مؤسسات السلطة التقليدية.
أسهمت نظرية لاكلو وموف في صعود اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية. وبعد الأزمة المالية العالمية، تلقفتها أيضًا المجموعات اليسارية الجديدة في أوروبا لتنشأ فجأة كوكبة من الأحزاب اليسارية الشعبوية: سيريزا في اليونان، فرنسا الأبية في فرنسا، دي لينكه في ألمانيا، وبوديموس في أسبانيا، وأخيرًا جناح كوربن في حزب العمال البريطاني. مرت التجربة بموجات من الزهو والإخفاق، لكن زخمها لم يخفت نهائيًا إلى اليوم.
عندما تشكلت حملة ممداني، كان الهدف هو ذلك بالضبط: برنامج يتشكل عبر تجميع مطالب الناس في نيويورك، ثم وضع شعار تندرج داخله كل هذه المطالب، ثم طرح هذا الشعار وحامليه كنقيض لمؤسسة السلطة في نيويورك. هذه هي وصفة لاكلو بحذافيرها التي صاغها في لغة نظرية تجريدية: تشكيل سلسلة متكافئة من المطالب equivalential chain of demands، ثم إدراجها في دال فارغ empty signifier، ثم خلق خط تدافع داخلي internal antagonistic frontier بين حاملي هذا الدال الفارغ وبين نخبة السلطة.
إذا سألت أي شخص مر على نيويورك، ولو ليوم واحد، عن أكبر عقبة واجهته، فستكون إجابة 90% من الناس على الأرجح هي «السكن». الإيجارات تتضاعف بشكل هندسي مذهل في نيويورك. الحل هو بناء سكن اجتماعي ينافس العقارات الخاصة ويجبرها على خفض إيجاراتها. يحتاج ذلك إلى سنوات ولذلك يجب العثور على حل على المدى القصير، نعم، هذا هو: تجميد الإيجارات. يقول الناس غالبًا إن الإنفاق على الغذاء لا يشكل مشكلة كبرى في المجتمعات الميسورة، ولكن الحال ليس كذلك في نيويورك. سلع البقالة مكلفة جدًا. الحل: بقالات حكومية لخفض الأسعار. المسألة الثالثة هي العمل، ما الذي يمنع الناس في نيويورك من العمل؟ أولًا، صعوبة الانتقال عبر أحياء المدينة المتباعدة والمفصولة بمجموعة من الممرات المائية كالنهر الشرقي ونهر هارلم والمحيط الأطلسي ونهر هادسون، وثانيًا اضطرار الأهل للبقاء في المنزل لرعاية الأطفال. الحل: خدمة حضانات شاملة تساعد الأمهات والآباء على الذهاب للعمل، وخدمة نقل داخلي (أتوبيسات) مجانية وسريعة.
كانت كل هذه المطالب والبرنامج الجذاب بحاجة إلى شعار، ووقع الاختيار على كلمة affordability (القدرة على تحمل المصاريف). كلمة لا تنتمي إلى المعجم الاشتراكي التقليدي، ولكن يفهمها كل شخص في نيويورك، ويتعاطف معها، ويسعى إليها.
أخيرا ما هو خط التدافع؟ إنه بوضوح الخصم الطبقي. يستخدم ممداني كثيرًا لغة هجومية. لا يتورع عن إغضاب أثرياء نيويورك، ولا يسعى لكسبهم. هو مضطر أن يخسرهم، أن يخلق منهم خصمًا كي يجمع حوله جيشًا من المصوّتين المتحفزين لمواجهة هذا الخصم.
هكذا تشكلت حملة ممداني، حملة شديدة الذكاء والطرافة والبساطة، بتمويل متواضع إذا ما قيس بالتمويل الباهظ لخصومه، وتطوع الآلاف من الشباب المتحمسين لهذا الشكل الجديد من السياسة، سياسة الديمقراطية الجذرية.
تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي في كل مكان بالجدل حول شخص ممداني، مهاجر أم أمريكي، مسلم أم علماني، مؤيد للمثليين أم رمز لكاريزما الذكر الجذاب الذي تجتمع حوله الفتيات الجذابات. ممداني هو عنصر، وجه، مناضل بين مجموعة من المناضلين، أولويتهم ليست إشعال كل هذه المواجهات الثقافية حول العرق والهجرة والجندر والجنس، وإنما تحرير كل هذه الخيارات الثقافية من قيود السلطة الثقافية الموروثة، ولكن أيضًا تحرير خيارات البشر بشكل أوسع من القيود المادية، قيود الفقر والعوز والعمل المأجور غير المجزي وغير الكريم.
لنفترض أن ممداني كان يهوديًا أو مسلمًا أو ملحدًا، امرأة أو متحولًا جنسيًا أو أسود أو أبيض، ذكر وسيم أو مثلي أو عازف عن الجنس، ولد في ألمانيا أو تعود جذوره للبوربون في أسبانيا، لا يهم كثيرًا هوية ممداني الفرد، لا يهم كثيرًا الهويات التي يختارها البشر لأنفسهم، المطلوب هو تحرير خيارات البشر من السلطة الثقافية والاقتصادية، وهذا ما أرادته حملة ممداني وما يناضل من أجله الديمقراطيون الاشتراكيون.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر