close
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تونس: حرية التعبير في ظل المناخ الانتخابي، حريةٌ مع وقفِ التنفيذ

12/10/2023

“الحرية”، هي إحدى الكلمات المنقوشة على الشعار الرسمي للبلاد التونسية واللصيقة بثقافتها منذ الاستقلال والمتجذرة في الفكر الجمعي التونسي، فمنذ استقلالها يوم 20 مارس/آذار 1956 انتزعت تونس النفس الأول لعبق الحرية عبر صناديق الاقتراع ودسترة الحريات الأساسية.

كانت الظرفية التاريخية والتوجه السياسي للأحزاب الحاكمة العاملان الأكثر تأثيراً في كل مرة على نتائج الاستحقاقات وتاريخ تونس، وكذلك الشأن بالنسبة للانتخابات المقبلة التي تلفها حالة من الغموض والارتباك، في ظل عدم وضوحٍ في المواعيد والتشريعات. بالرغم من استعدادات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات البطيئة نسبياً، يبقى التساؤل الأكبر المطروح حول مدى احترام الحق في حرية التعبير في ظل المناخ الانتخابي القاتم.

إطار قانوني قاحل 

مبدئيا، لا أحد ينكر دخول تونس في طريق اللاعودة عن المكتسبات القانونية والإجرائية الناجعة على مستوى حماية الحق المصون لحرية التعبير، غير أن الازدواجية القانونية الصارخة تقوض وبشدة هذه المكتسبات عبر ترسانة من المراسيم القانونية والتعديلات التي تضرب عمق حرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر[1]، وهو ما بدا واضحاً وجلياً في معظم المراسيم الجديدة.

حافظ دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 على هذه الحريات صورياً، غير أنه لم تُسن الضمانات والضوابط اللازمة لحمايتها، كما لم تُعزز استقلالية القضاء ولم يتم العمل على إنشاء “المحكمة الدستورية”[2] بصفة قطعية.

لقد صدر مؤخراً في صحيفة الرائد الرسمي للجمهورية التونسية (العدد 108)   الأمر المرقم 588 لسنة 2023  المؤرخ في 21 سبتمبر/ أيلول 2023 والمتعلق بدعوة الناخبين لانتخابات أعضاء المجالس المحلية بعد دعوات التأخير والتأجيل لهذه الانتخابات أمام الصعوبات الاقتصادية وتزامنها مع بعض التوجهات بتعديل بعض القوانين على غرار القانون الانتخابي وإلغاء البعض الآخر  كالمرسوم المرقم 54 لسنة 2022 والمؤرخ في 13 سبتمبر/أيلول 2022والمتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصالات، والذي يُشكل أحد أبرز المراسيم الخطيرة التي صدرت خلال فترة استثنائية، وكذلك الشأن بالنسبة لبعض الفصول الواردة في كل من، المجلـة الجزائيـة[3]، مجلـة الاتصـالات[4]، مجلة المرافعات، وكذلك العقوبات العسكرية[5] التي تعد من العوامل والأدوات القانونيـة التـي أدت إلـى بتر وقمع  المكتسبات التـي جـاء بهـا المرسـوم المرقم 115 لسنة 2011 المتعلـق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.

ضاعفت كل هذه الوقائع القانونية من هشاشة وضع حرية التعبير في تونس التي تراجعت بـمقدار21 مرتبة سنة 2022 في التصنيف السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود وتواصل التراجع  خلال سنة 2023 الحالية التي تراكمت فيها الانتهاكات والجرائم ضد حرية التعبير وذلك بسبب معاناة وسائل الإعلام والصحفيين/ـــات من صعوبات اقتصادية جمة، وملاحقات قضائية للأشخاص بسبب مشاركتهم في التجمعات السلمية أو رفعهم لشعارات مناهضة للسلطات العمومية أو نشرهم تدوينات أو آراء سياسية، رغم أن النص الدستوري صريح ومباشر في فصله المرقم 23 والذي أقر مبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون[6]   .

بناءً على ذلك  هناك ضرورةً  المراجعة المرسوم  الانتخابي الذي تخللته العديد من النقائص خاصة مع  التعقيد الذي تميز به بعد تنقيحه في 14 سبتمبر/أيلول2022 لتجاوز الصعوبات وإنجاح المسار الانتخابي. فيجب التأكيد على أن الديمقراطية وصون الحريات وتعزيز حقوق الإنسان وتكريس علوية القانون والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد خيارات لا رجعة فيها في تونس.

ترهيب الحريات وبتر الحقوق

في 25 من يوليو/تموز الماضي، خلال الحملة الانتخابية للاستفتاء[7] وضمن اختصاصها الرقابي رفعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، 24 شكوى أمام المحكمة الابتدائية بتونس ضد وسائل إعلام وصفحات على الفيسبوك، بتهم من بينها، “القذف” و”الاعتداء على الأخلاق الحميدة” و”التمويل الأجنبي” و”الإشهار السياسي” و”المسّ من كرامة الناخبين”، وهو ما نددت به عدد من المنظمات [8] وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين لاستهدافها حرية الرأي والتعبير التي بلغت حد ممارسة دور “البوليس” الرقيب على الرأي العام للمواطنين و وسائل الإعلام.     

هل سيتواصل هذا التوجه في الانتخابات القادمة عبر إقصاء وسائل الإعلام؟

أبدت منظمات المجتمع المدني استغرابها لعدم اهتمام هيئة الانتخابات بنزاهة وشفافية العملية الانتخابية، وتوفير مناخ انتخابي سليم قائم على الحرية وهو ما دعمته الأرقام والبيانات المحددة للجهات القائمة بالاعتداءات تجاه الصحفيين/ـــات ووضح الملخص التنفيذي تسجيل 68 حالة منع من العمل، 44 منها سجلت خلال الفترات الانتخابية وسجلت 42 حالة مضايقة منها 15 خلال الفترة الانتخابية السابقة هذا وقد كانت الأطراف مسؤولة عن هذه الاعتداءات من جهات حكومية بنسبة 90% من الاعتداءات والتي توزعت كما يلي:

لقد ورد ذلك في التقرير السنوي للحريات الذي أقر بالتراجع الكبير لتونس في  مجالي حرية التعبير وحرية الصحافة، حيث ارتفعت نسب المضايقات والاعتقالات ومحاكمة النشطاء والمعارضين السياسيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بتهم تتعلق بحرية التعبير والنشر.

إن بعضهم حوكم في محاكم عسكريّة دون الأخذ بالمعايير والمبادئ الدولية والوطنية التي توجب المحاكمة العادلة في محكمة مدنية حيث تم انتهاك ذلك بالإضافة إلى عدم توفير ضمانات الإجراءات القانونية الوجوبية.

على مستوى السياق السياسي تواصل هيئة الانتخابات في تونس التحضيرات للانتخابات البلدية وانتخابات مجالس الجهات والأقاليم، في مقابل ذلك، تواصل المعارضة مقاطعة المسار الانتخابي.

تُعتبر هذه الانتخابات غير مسبوقة في تونس، لكونها ستجرى لأول مرة في  2155 دائرة انتخابية، وهو رقم ضخم جدا، مقارنة بالانتخابات البلدية التي جرت في 350 دائرة كأقصى حد في الانتخابات السابقة ، كما أنها انتخابات بلدية مباشرة من عموم المواطنين/ـــات، وتشكل تمهيداً  لانتخابات مجالس الجهات والأقاليم، حيث لا يمكن الوصول إليها إلا بعد انتخابات المجالس البلدية.    

هذا وتعمل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية، منذ فترة منقوصة العدد، فهي تضم 4 أعضاء حالياً بدلاً من 7 أعضاء وذلك بعد قرار حلّ مجلس هيئة الانتخابات المنبثقة من دستور 2014 والمنتخبة من قبل البرلمان السابق.

يُشار إلى أنّ تنظيم هذه الانتخابات المحلية كان مرتبط بشرط جوهري هو سدّ الوظائف الشاغرة في هيئة الانتخابات المستقلة، ليصبح نصابها قانونياً وبما يسمح لمجلسها بالانعقاد وتنظيم كل المسارات الانتخابية القادمة.

قام الرئيس قيس سعيد بتعيين 3 أعضاء جدد أدوا اليمين الدستورية أمامه عام 2022 دون أي اعتبارات استشارية أو نسبية لهذه التعيينات الأحادية ذات الطبيعة الاستبدادية.

في نفس السياق يواصل البرلمان التونسي العمل منقوصاً عددياً [9]، منذ جلسته الافتتاحية في 13 مارس/آذار الماضي، حيث يضم حالياً 153 نائباً فقط من جملة 161 نائباً نصّ عليها دستور 2022 الذي حدد هذا العدد حصرا.

تجدر الإشارة أنه لا بد من وجود فاصلة زمنية مناسبة  بين انتخابات الغرفة الثانية (مجلس الجهات والأقاليم) والغرفة الأولى (أي البرلمان) دون أن يكون هناكفارقاً زمنياً كبيراً بين الممارستين .هناك مخاوف من أن إطالة موعد الانتخابات قد تعطل النظر في قوانين اقتصادية ومخططات التنمية التي تتطلب المصادقة الثنائية بين الغرفتين، وكذلك تؤجل النظر في القوانين التي تمس حرية التعبير وتقمع الحريات الأساسية التي تعتبر من أدوات الرقابة على السلطات.

تترقب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مراسلتها من مجلس نواب الشعب للبدء في الاستعدادات للانتخابات التشريعية الجزئية واقتراح جدول زمني  انتخابيترسلها لرئيس الجمهورية، وبعد موافقته يدعو بنفسه إلى الانتخابات بأمر رئاسي ينشر في صحيفة الرائد الرسمي غير أن هذا الأمر يبدو غير قابل للتنفيذ في هذه الفترة.

إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو، إلى متى ستتواصل المماطلة دون تحديد استراتيجية لضمان الديمقراطية في تونس؟     

 لجم صوت المجتمع المدني

طالب المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية بتأخير الانتخابات البلدية، رغم أن فرضية التأجيل لم تطرح للانتخابات الرئاسية، لأن الوضع العام الاقتصادي والاجتماعي وتصدع الإطار القانوني لا يسمح بالقيام بالانتخابات في ظل ديمقراطية هشة.

 بوجود توجه عام بين المواطنين  بعدم   الاقبال على العملية السياسية، يرافقه  قلة الإقبال على العملية الانتخابية لأن العملية صعبة التنفيذ في الوضع الحالي بسبب القرب الزمني. 

إن ذلك بسبب عدم إمكانية إجراء الانتخابات تقنياً، لعدم جهوزية الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية، وضرورة تكوين مراقبين ومساعدين، بالنظر لكثرةعدد الترشيحات، وتعدد الدوائر الانتخابية، والحاجة إلى تحضيرات لوجستية كبيرة أخرى، بالإضافة إلى عملية جمع التزكيات التي تتضمن امضاء عدد من الناخبين بقبول المرشح قبولاً اولياً، وهذا يتطلب جهداً كبيراً ورقابة إعلامية أكبر.     

واقع حرية التعبير في تونس

تدهور وضع حرية التعبير في تونس في الأشهر الأخيرة. في عام 2023، منعت وزارة الثقافة نشر العديد من الكتب في معرض الكتاب التونسي. وهو ما اعتبرته منظمات المجتمع المدني انتهاكاً صارخاً وخطيراً لحرية الفكر.

يضمن الدستور التونسي حرية الفكر والتعبير. إلا أن الانتهاكات اليومية لهذه الحقوق تعد انتهاكاً للقانون.

هناك حاليا العديد من الدعوات لحماية حرية التعبير، لكن هذه الدعوات غالبا ما تقابل بالصمت من قبل السلطات. ُيشكل هذا الصمت علامة مثيرة للقلق على عودة القمع.

يُظهر وضع حرية التعبير في تونس أن البلاد لا تزال تكافح من أجل تحقيق أهدافها الديمقراطية.

التوصيات

يحث مركز الخليج لحقوق الإنسان الحكومة  التونسية على العمل بالتوصيات التالية :

 1. ضرورةً مراجعة المرسوم الانتخابي الذي تخللته العديد من النقائص لتجاوز الصعوبات وإنجاح المسار الانتخابي والعمل على تعزيز الدور الرقابي للسلطة الرابعة؛     

2. نسـخ الفصـول المذكورة آنفا مـن المجلـة الجزائيـة ومجلة الاتصالات لوجـود جرائـم مشابهة في التكييف القانوني في صلـب المرسـوم 115 بعقوبات أكثـر ملائمة مع العمل في المجال الإعلامي؛     

3. العمل بأسرع وقتٍ ممكن على الاستعداد للانتخابات التشريعية الجزئية لما فيه من أهمية لتحقيق الديمقراطية التمثيلية الكاملة؛     

 4. الإيقاف الفوري لكافة الإجراءات الحكومية التي تقوم بها السلطات أو الجهات المرتبطة بها والتي تقوض الحريات الفكرية والثقافية؛

5. التأكيد على أن الديمقراطية وصيانة الحريات وتعزيز حقوق الإنسان وتكريس علوية القانون والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد خيارات لا رجعة فيها في تونس.


[1] الفصل 37:”حريّة الرّأي والفكر والتّعبير والإعلام والنّشر مضمونة.”

[2]  الباب الخامس من دستور التونسي: المحكمة الدستوريّة.

[3] المجلة الجزائية: الفصول 125 و128 التي تتعلق بعقوبات سالبة للحرية في جرائم الثلب والشتم ونشر الأخبار الزائفة.

[4] مجلة الاتصالات: الفصل 86 التي تتعلق بعقوبات سالبة للحرية بالنسبة للمحتوى الرقمي المسيء.

[5]  مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية: الفصل 91 المتعلق بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

[6]  الفصل 23: “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون دون أيّ تمييز.”

[7] الاستفتاء على الدستور الجديد للجمهورية التونسية 2022.

[8]  (وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب).

[9] ويعود الشغور في مقاعد البرلمان إلى عدم إجراء انتخابات في 7 دوائر انتخابية في الخارج خلال انتخابات ديسمبر 2022 بسبب عدم تسجيل ترشحات وعدم مقدرة المترشحين على جمع 400 تزكية من الناخبين التونسيين المقيمين في المهجر. فيما يعود الشغور في المقعد الثامن إلى سجن النائب وجدي الغاوي عن دائرة المروج منذ ثلاثة أشهر، حيث قبض عليه يوم افتتاح أعمال البرلمان بسبب قضية انتخابية، فيما يرفض القضاء إلى اليوم الإفراج عنه.