close

بعد إغلاق «مدى مصر»: الاتحاد الأوروبي يدعو القاهرة إلى حماية الإعلام المستقل.. ويواصل تمويلها

بعد إغلاق مدى مصر، يدعو الاتحاد الأوروبي لحماية الإعلام المستقل فيما تواصل القاهرة تلقي التمويل الأوروبي.
كولاج توضيحي لعلم الاتحاد الأوروبي وصحيفة مقفلة، عن التمويل الأوروبي وحرية الصحافة في مصر.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

دعا الاتحاد الأوروبي، الخميس 29 أكتوبر 2026، السلطات المصرية إلى «الحفاظ على وسائل الإعلام المستقلة وحمايتها»، في بيان صادر عن المتحدث باسمه للشؤون الخارجية، بعد يومين من حكم بإغلاق موقع «مدى مصر» وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله ثلاثة ملايين جنيه، وبعد شهر من القبض على فريق تحرير منصة «متصدقش» كاملًا.

البيان، الذي نشرته دائرة العمل الخارجي الأوروبي ويحمل اسم المتحدث أنور العنوني في بيانات التواصل، جاء في ست جمل لم ترد فيها كلمات «قلق» أو «إدانة» أو «إفراج»، ولم يُذكر فيه اسم عطا الله ولا أسماء الصحفيين الستة المحبوسين. واختار أن يخاطب القاهرة بلغتها: استند إلى اتفاقية الشراكة و«الشراكة الاستراتيجية والشاملة» الموقعة في مارس 2024، وإلى «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» المصرية، وإلى أن «القوانين المصرية تعترف بالحق في حرية الرأي والتعبير».

ويصدر البيان بينما تنتظر مصر الشريحة الأخيرة، 1.5 مليار يورو، من قرض أوروبي قيمته أربعة مليارات يورو، يشترط نصه أن تتخذ القاهرة «خطوات ملموسة وذات مصداقية» نحو الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وهو شرط قالت المفوضية الأوروبية في يوليو الماضي إن مصر استوفته، رغم أن وثيقة داخلية للمفوضية نفسها، كشفتها المنصة، رصدت «احتجاز الصحفيين» والقيود على حرية الإعلام بين «التحديات» القائمة.

ما قاله البيان، وما لم يقل

يبدأ بيان 29 أكتوبر بواقعتين: «في 28 و29 سبتمبر، قُبض على فريق تحرير "متصدقش" ولا يزال أعضاؤه محتجزين. وفي 27 أكتوبر، أُدينت رئيسة تحرير المؤسسة الإعلامية المصرية المستقلة "مدى مصر" والشريكة في تأسيسها، مما أدى إلى إغلاقها». ثم يضيف: «حرية التعبير حق أساسي للاتحاد الأوروبي ولمصر على السواء. واتفاقية الشراكة بيننا وشراكتنا الاستراتيجية والشاملة تتضمنان التزامًا مشتركًا بالقيم العالمية للديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وتسعى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر إلى تعزيز ثقافة التعددية وتنوع الآراء ووجهات النظر. وتعترف القوانين المصرية بالحق في حرية الرأي والتعبير، وهو حق أساسي». ويختم: «في ضوء ذلك، فإن الحفاظ على وسائل الإعلام المستقلة وحمايتها أمر ضروري».

لا يطالب البيان بالإفراج عن صحفيي «متصدقش»، ولا بإلغاء الحكم أو إعادة فتح الموقع، ولا يعلّق على ما رواه الدفاع عن مجريات الجلسة، ولا على ادعاءات التعذيب التي أبلغ بها بعض المحبوسين النيابة. ولا يرد فيه تعبير عن «القلق»، وهي الكلمة التي استخدمها الاتحاد نفسه قبل سبع سنوات في واقعة أقل حدة تخص الموقع ذاته.

ففي 24 نوفمبر 2019، حين داهمت قوات الأمن مقر «مدى مصر» واحتجزت صحفيين ساعات ثم أطلقت سراحهم، أصدرت المتحدثة باسم الاتحاد بيانًا في اليوم نفسه قالت فيه إن «القيود المستمرة على الحريات المدنية، بما في ذلك القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع وتآكل حرية وسائل الإعلام في مصر، تدعو للقلق»، وإن الصحفيين يجب أن يتمكنوا من أداء عملهم «دون خوف من المضايقة، بما يتماشى مع الدستور المصري والالتزامات الدولية لمصر». بين البيانين انتقل الموقع من مداهمة لساعات إلى إغلاق بحكم قضائي، وانتقلت اللغة الأوروبية من «التآكل» و«القلق» إلى التذكير بنصوص مصرية، وتأخر البيان الأخير يومين عن الحكم وواحدًا وثلاثين يومًا عن القبض على فريق «متصدقش».

ثلاثون يومًا: من «متصدقش» إلى إغلاق «مدى مصر»

بدأت الواقعة الأولى التي يشير إليها البيان مساء الاثنين 28 سبتمبر 2026، حين داهمت قوات الأمن منزلي الصحفيين محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري، ثم اعتقلت في اليوم التالي إسلام بركات من منزله في الغربية وعمر هلال من منزله في بورسعيد، ومحمد محمود ومحمد عادل من أحد شوارع القاهرة، بحسب لجنة حماية الصحفيين. وبذلك صار فريق التحرير العامل داخل مصر كله قيد الاحتجاز. وقال بسام خواجا، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، إن «تفكيك غرفة أخبار كاملة خلال ساعات دون سابق إنذار أو سبب يبعث برسالة مخيفة إلى كل صحفي يعمل في مصر»، بحسب بيان المنظمة في 2 أكتوبر.

ولم تعترف أي جهة رسمية باحتجاز الستة نحو ستين ساعة، إلى أن نشرت وزارة الداخلية في 1 أكتوبر بيانًا وصفت فيه المنصة بأنها صفحة «غير مرخصة» تُدار من الخارج، وربطتها ومؤسسها عبد الرحمن منصور بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نفاه منصور، قائلًا للجنة حماية الصحفيين: «لا انتماء لنا إلى جماعة الإخوان المسلمين، والسلطات تعرف ذلك. في 2023 قُبض على زميلنا السابق كريم أسعد بعد أن نشرنا تحقيقًا كبيرًا، وحققت السلطات في الاتهامات نفسها، وأُطلق سراحه خلال 36 ساعة». وقالت سارة القضاة، المديرة الإقليمية للجنة، إن «القبض على ستة صحفيين من غرفة أخبار واحدة واختفاءهم الظاهر تصعيد خطير في حملة مصر على الصحافة المستقلة»، وإن «على المجتمع الدولي ألا يشيح بنظره» عما يجري. ثم ظهر الستة أمام نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 8083 لسنة 2026، بتهم الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها ونشر أخبار كاذبة، وأبلغ بعضهم النيابة بتعرضهم للتعذيب بالتقييد وتعصيب الأعين والضرب والصعق بالكهرباء، وإجبارهم على تسجيل اعترافات، بحسب ما وثّقته «زاوية ثالثة» في عددها الرابع والعشرين من نشرة «سطور محذوفة». وجددت النيابة حبسهم خمسة عشر يومًا في 13 أكتوبر، ثم خمسة عشر يومًا أخرى في 27 أكتوبر، يوم الحكم على عطا الله، بحسب تقرير لموقع القاهرة 24.

وفي 19 أكتوبر، انضم «مدى مصر» إلى سبع مؤسسات إعلامية مصرية وعربية أطلقت غرفة أخبار تضامنية تحت شعار «لحد ما يرجعوا.. التحقق مستمر»، لتدقيق ما يُعلن في «منتدى مصر 2026» في غياب فريق «متصدقش». وبعد ساعات من الإعلان، تلقت عطا الله استدعاءً للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 9072 لسنة 2026. وفي 21 أكتوبر استجوبتها النيابة أكثر من ست ساعات عن تغطية الموقع لموجة احتجاجات في السجون أعقبت تأجيل العمل بقانون الإجراءات الجنائية، وعن الوضع القانوني لترخيصه، ووجهت إليها تهمتي إدارة موقع دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة، ثم أخلت سبيلها بكفالة مئة ألف جنيه (نحو 1,780 دولارًا). وفي اليوم نفسه، قالت الحكومة المصرية على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي في «منتدى مصر» إنها «تستمع وتناقش وتتقبل أي نقد»، وفق ما رصدته منظمة العفو الدولية.

وفي 22 أكتوبر أحالت النيابة عطا الله إلى محكمة الجنح في القضية رقم 11743 لسنة 2026 جنح التجمع الخامس، مقتصرة على تهمة الترخيص، وحددت الجلسة الأولى بعد خمسة أيام، كما رصدت «زاوية ثالثة». وقبل الجلسة بأيام، وقّعت «زاوية ثالثة» مع 118 منظمة ومنفذًا إعلاميًا نداءً عالميًا يطالب بوقف الملاحقة.

جلسة واحدة وأقصى عقوبة

قضت الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة، برئاسة المستشار محمد مبارك، الثلاثاء 27 أكتوبر، بتغريم عطا الله ثلاثة ملايين جنيه (نحو 53,400 دولار بسعر صرف يوم الحكم، نحو 56.2 جنيه للدولار، بحسب المال)، وإغلاق «مدى مصر» ومصادرة معداته وأجهزته، وهي العقوبة القصوى للتهمة، كما وثّقت «زاوية ثالثة» يوم الحكم.

وروى حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي حضر الجلسة، أن المحكمة رفعت الجلسة بعدما تمسك الدفاع بطلب وقت كافٍ للاطلاع على أوراق القضية، ثم أمر القاضي بإخلاء القاعة من الحاضرين عدا عطا الله ومحاميها، فامتلأت بضباط وحرس بملابس مدنية بينهم ضابط من الأمن الوطني. وعند استئناف الجلسة رفض رئيس المحكمة جميع الدفوع الإجرائية، بما فيها طلبات ضم مستندات وسماع شهود، وطلب من الدفاع المرافعة، فرفض المحامون الترافع قبل الاستجابة لطلباتهم. عندها استدعى القاضي محاميًا لا يعرفه أحد من فريق الدفاع وأعلن انتدابه، رغم حضور ثمانية محامين واعتراض عطا الله نفسها، ورفض إثبات اعتراضها في محضر الجلسة، ثم سجّل بنفسه طلبات المحامي المنتدب الذي لم يتكلم، وتلا الحكم وسط احتجاج الدفاع. وبعد النطق به، أحاط أفراد الأمن بعطا الله وحملوها إلى خارج القاعة.

واحتُجزت عطا الله سبع ساعات حتى سدد الموقع الغرامة، وخلال إجراءات إخلاء سبيلها علمت بحكم غيابي صادر ضدها في 2024 بالحبس سنة بتهمتي نشر أخبار كاذبة وإدارة موقع دون ترخيص، لم تكن تعرف بوجوده، فقدم الدفاع معارضة تُنظر في 11 نوفمبر، بحسب المدن. وقال «مدى مصر» في افتتاحية نشرها بعد ساعات من الحكم إنه دخل المحكمة «بقدر من الإيمان بالقانون ومنظومة العدالة»، لكن «ما وجدناه في المحكمة لم يُبقِ من ذلك الإيمان شيئًا». ويعتزم فريقه القانوني استئناف الحكم.

ولا يعني الإغلاق قانونًا حجب الموقع عن القارئ المصري، فهو محجوب داخل البلاد منذ مايو 2017، لكنه يعني أن أي استمرار في النشر بعد الحكم يعرّض المؤسسة لتطبيق المادة 105 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، التي تقضي بمضاعفة الغرامة في حديها الأدنى والأقصى عند العودة إلى المخالفة، أي من مليوني جنيه إلى ستة ملايين (نحو 35,600 إلى 106,800 دولار).

ترخيص يُطلب منذ 2018 ولا يأتي

وتذكّر هيومن رايتس ووتش بأن مصر ملزمة، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، باحترام حرية الصحافة، وبأن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة خلصت إلى أنه لا يجوز للحكومات منع موقع أو نظام لنشر المعلومات من نشر مواد لمجرد أنها قد تنتقد الحكومة. وهذا العهد جزء من «الالتزامات الدولية» التي أحال إليها بيان الاتحاد الأوروبي في 2019، وغابت عن بيان 2026.

ويستند الحكم إلى المادة السادسة من القانون رقم 180 لسنة 2018، التي تشترط ترخيصًا من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لتأسيس المواقع الإلكترونية أو إدارتها. وتقدم «مدى مصر» بطلب ترخيص في 2018 ولم يتلق ردًا، ثم بطلب ثانٍ بعد صدور اللائحة التنفيذية في 2020 ولم يتلق ردًا أيضًا، ولم يعلم برفض الطلب إلا في 2022 خلال تحقيق استُدعيت إليه عطا الله. وأقام الموقع دعوى أمام القضاء الإداري رُفضت في مايو 2023، ثم قدم طلبًا جديدًا في يونيو 2023 بعد استكمال مستندات قال المجلس إنها ناقصة، ولا يزال معلقًا، بحسب هيومن رايتس ووتش ومحامي الموقع حسن الأزهري.

وقال بسام خواجا إن «فرض شروط للتسجيل ثم تجاهل محاولات "مدى مصر" المتكررة بحسن نية للوفاء بها هو محاولة مكشوفة» لإسكات الموقع، ورأت المنظمة أن رفض طلبات الترخيص تعسفًا، أو تركها بلا رد بما يُبقي المؤسسات في فراغ قانوني، ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقالت ياسمين أحمد، المديرة العليا للتأثير الإقليمي في منظمة العفو الدولية، إنه «لا يمكن بأي حال أن يكون إغلاق وسيلة إعلامية ردًا متناسبًا على العمل دون تصريح حكومي»، وإن المعايير الدولية واضحة في أن أنظمة التسجيل «يجب ألا تُستخدم أداة للرقابة المسبقة أو لانتقاء وسائل الإعلام التي تحبها الحكومات وتلك التي تريد إسكاتها»، بحسب بيان المنظمة يوم الحكم.

وفي الوقت الذي ظل فيه طلب «مدى مصر» معلقًا، كان المجلس يمنح تراخيص لمواقع أخرى؛ ففي 20 أبريل 2026 وحده وافق على ترخيص عشرة مواقع وتطبيقات، بحسب اليوم السابع. ولم يصدر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تعليق على الحكم أو على وضع طلب الموقع حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

شراكة بقيمة 7.4 مليار يورو وشرط سياسي واحد

لفهم اللغة التي اختارها البيان الأوروبي، ينبغي العودة إلى 17 مارس 2024، حين وقّعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس السيسي في القاهرة إعلان «الشراكة الاستراتيجية والشاملة»، المبنية على ست ركائز: العلاقات السياسية، والاستقرار الاقتصادي، والتجارة والاستثمار، والهجرة والتنقل، والأمن، والسكان ورأس المال البشري. وتدعم الشراكةَ حزمةٌ مالية قيمتها 7.4 مليار يورو للفترة من 2024 إلى 2027، منها خمسة مليارات يورو قروضًا عبر عمليتين للمساعدة المالية الكلية، و1.8 مليار يورو استثمارات، و600 مليون يورو منحًا، بينها 200 مليون لإدارة الهجرة، بحسب المفوضية الأوروبية.

صُرف القرض الأول، مليار يورو، في ديسمبر 2024. أما الثاني، أربعة مليارات يورو بأجل سداد 35 عامًا، فقد وافق عليه البرلمان الأوروبي في يونيو 2025 بأغلبية 386 صوتًا مقابل 132 وامتناع 49، بحسب البرلمان الأوروبي، مع تكليف المفوضية بتقييم سنوي للخطوات المتخذة «لتعزيز الآليات الديمقراطية وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان». وقالت المقررة سيلين إيمار، من حزب الشعب الأوروبي، إن دعم مصر «يرعى مصالح الاتحاد الأوروبي في منطقة غير مستقرة». وفي 22 أكتوبر 2025 عُقدت في بروكسل أول قمة أوروبية مصرية، قُدمت فيها مذكرة التفاهم الخاصة بالقرض، وقالت فون دير لاين إن «الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر أقوى من أي وقت مضى».

وصرفت المفوضية الشريحة الأولى من القرض، مليار يورو، في يناير 2026، قائلة إن مصر «استوفت جميع الشروط المطلوبة» واتخذت «خطوات ملموسة وذات مصداقية نحو احترام الآليات الديمقراطية الفعالة، بما في ذلك نظام برلماني متعدد الأحزاب، ودعم سيادة القانون، وضمان احترام حقوق الإنسان». ثم أعلنت فون دير لاين على منصة إكس، بعد لقائها السيسي على هامش قمة مجموعة السبع في 16 يونيو، صرف «1.5 مليار يورو هذا الشهر لدعم أجندة الإصلاح في مصر»، وصُرفت الشريحة الثانية فعلًا في 24 يوليو، بحسب يونيوز. وبقيت شريحة ثالثة قيمتها 1.5 مليار يورو يُنتظر صرفها «في الأشهر المقبلة».

وقبل صرف الشريحة الثانية بنحو ستة أسابيع، عُقد مجلس المشاركة الحادي عشر بين مصر والاتحاد الأوروبي في لوكسمبورج، في 15 يونيو 2026، برئاسة مشتركة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي والممثلة العليا للاتحاد كايا كالاس، وجدد الطرفان في بيانهما المشترك «التزامهما بتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية»، واتفقا على أن المجتمع المدني «مساهم وفاعل مهم» في تنفيذ الشراكة، بحسب مصراوي. وهذه هي الصياغة نفسها التي عاد إليها بيان 29 أكتوبر: التزام «مشترك» يُذكَّر به الشريك.

ما تكتبه المفوضية ولا تعلنه

في أغسطس الماضي، نشرت المنصة تحقيقًا للصحفية بيسان كساب عن وثيقة إحاطة غير منشورة بعنوان «المساعدة المالية الكلية لجمهورية مصر العربية: صرف الشريحة الثانية»، أرسلتها المفوضية في يوليو 2026 إلى البرلمان الأوروبي والمجلس لتقييم استيفاء مصر الشروط. وعلى خلاف البيان العلني الذي تحدث عن استيفاء «جميع الشروط»، ذكرت الوثيقة أن مصر تواجه «تحديات كبرى» في الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والمحاسبة، وأن الاحتجاز التعسفي وسوء ظروف الاحتجاز وغياب الزيارات الرقابية المفاجئة والتعذيب والاختفاء القسري والضغط على المدافعين عن حقوق الإنسان «مستمرة». ورصدت الوثيقة القيود على المجتمع المدني وحرية التعبير وحرية الإعلام، مشيرة إلى التماسين قدمتهما نقابة الصحفيين للإفراج عن 17 صحفيًا محتجزًا، تجاوز 15 منهم المدد القانونية للحبس الاحتياطي. وقدّرت عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المحتجزين في حملات الربع الأول من 2026، ومعظمهم سودانيون وسوريون، بين خمسة آلاف وعشرة آلاف.

وكانت وثيقة مماثلة أرسلتها المفوضية مع صرف الشريحة الأولى في يناير قد اكتفت، بحسب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بالإشارة إلى تواصل مصر مع الاتحاد والأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان و«العمل الجاري» على إصلاحات تشريعية، دون أن تذكر تحسنًا ملموسًا واحدًا على الأرض، وخلصت إلى أن «هناك حاجة إلى التنفيذ الفعلي بما يتجاوز إعلانات النوايا أو العمليات التشريعية».

وبعد صرف الشريحة الثانية، طالبت ثلاث عشرة منظمة حقوقية، في بيان نشره مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في 30 يوليو، الاتحاد بتوضيح أسباب الصرف، وقالت إنه «يتجاوز قواعده مرة أخرى ويقدم شريان حياة ماليًا لحكومة سلطوية مسؤولة عن قمع ممنهج»، مشيرة إلى أن خمس عشرة منظمة مصرية وإقليمية ودولية خلصت في يونيو إلى أن مصر لم تحقق «أي تقدم ملموس» في الشرط السياسي منذ إطلاق الشراكة في 2024، وأن الأوضاع تدهورت. ولفت البيان إلى أن مفوضة المتوسط دوبرافكا شويتسا كتبت، في اليوم التالي لإعلان فون دير لاين، أن «دفع الإصلاحات يظل أساسيًا لدعمنا المالي»، وأن «الشراكات تنجح على أفضل وجه حين يسير التعاون وحقوق الإنسان جنبًا إلى جنب».

لماذا تحتاج بروكسل القاهرة؟

يقدّم الخطاب الأوروبي مصر شريكًا في أربعة ملفات: أمن الطاقة، وإدارة الهجرة، والاستقرار الإقليمي، وموازين القوى في الشرق الأوسط بعد حرب غزة، بحسب يونيوز. وتتضمن حزمة 2024 مئتي مليون يورو مخصصة لإدارة الهجرة، وأعلنت المفوضية في قمة أكتوبر 2025 تشغيل مشروعات هذا المحور. وتأتي هذه التمويلات في لحظة تواجه فيها القاهرة استحقاقات دين خارجي بين 60 و70 مليار دولار خلال 2026، كما رصدت «زاوية ثالثة» في مارس الماضي.

هذه المعادلة تجعل الشريحة الثالثة، 1.5 مليار يورو، أداة الضغط الوحيدة المرتبطة بشرط سياسي مكتوب. ويُلزم قرار القرض المفوضية بتقييم استيفاء ذلك الشرط قبل كل صرف، لكن بيان 29 أكتوبر لم يربط بين الحكم على عطا الله وتقييم الشريحة المقبلة، ولم يُشر إلى القرض إطلاقًا.

مصر في المؤشرات الدولية

تحتل مصر المرتبة 169 من 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، وتظل بين أكبر عشر دول سجنًا للصحفيين في العالم، إذ كان 25 صحفيًا على الأقل خلف القضبان حتى أواخر أكتوبر، بحسب لجنة حماية الصحفيين، وفق المونيتور. وتحجب السلطات أكثر من 600 موقع إلكتروني دون أوامر قضائية، بينها «مدى مصر» و«المنصة» و«زاوية ثالثة».

ولا تقتصر الملاحقة على «مدى مصر» و«متصدقش». ففي 5 أكتوبر، استدعت نيابة أمن الدولة العليا الصحفية رشا عزب، إحدى المشاركات في وقفة نقابة الصحفيين التضامنية مع فريق «متصدقش»، بسبب منشور ينتقد وزارة الداخلية، ووجهت إليها اتهامات تتعلق بالإرهاب، قبل إخلاء سبيلها بكفالة عشرة آلاف جنيه (نحو 180 دولارًا). وفي سبتمبر 2025 احتُجز الصحفي إسماعيل الإسكندراني بسبب منشورات على فيسبوك، ووُجهت إليه تهم بينها «نشر أخبار كاذبة» و«الانتماء إلى جماعة إرهابية»، وفي 2026 حوكم الكاتب والناشط أحمد دومة وسُجن بتهمة «نشر أخبار كاذبة» بسبب مقال ومنشور عن ظروف الاحتجاز، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وخاضت نقابة الصحفيين، التي ينتمي إليها عبد الله قدري وحده من الستة، معركة الدفاع عنهم جميعًا؛ إذ قرر مجلسها بالإجماع التقدم ببلاغ إلى النائب العام بشأن ما أثير عن تعرضهم لانتهاكات بدنية وإجبارهم على تسجيلات «على غير الحقيقة»، مع إثبات بطلان أي اعترافات أُخذت تحت الإكراه، وطالب بالإفراج عنهم بضمان النقابة، وقال إن الصحفيين «غير مسؤولين عن التحقق من مصادر تمويل المؤسسة التي يعملون بها»، بحسب مصراوي. وتعرضت النقابة لاحقًا لما وصفته أكثر من 130 منظمة بـ«حملة تشهير منسقة»، بحسب القدس العربي.

رد المنظمات: «يوم مظلم للصحافة المستقلة»

قالت ياسمين أحمد، في بيان العفو الدولية يوم الحكم، إن القرار «ضربة ساحقة لحرية الصحافة في مصر ويوم مظلم للصحافة المستقلة»، وإن السلطات ترسل «رسالة واضحة وقاسية: الصحافة النقدية المستقلة لن يُتسامح معها»، وإن الحكم «تتويج لسنوات من المضايقة المتواصلة والإجراءات الجائرة الهادفة إلى إغلاق أحد آخر الأصوات الإعلامية المستقلة في البلاد». وطالبت بإلغاء الحكم فورًا ووقف الإغلاق القسري للموقع. وأضافت أن سرعة جدولة التحقيق والمحاكمة ورفض القاضي تأجيل الجلسة لإعطاء الدفاع وقتًا كافيًا «يثيران مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة».

وفي 28 أكتوبر، أصدرت أكثر من مئة منظمة، بينها «زاوية ثالثة»، بيانًا مشتركًا نشره معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يدين الحكم «بأشد العبارات» ويصف الحملة على الإعلام المستقل بأنها «غير مسبوقة»، ويطالب بمنح المؤسسات المستقلة تراخيص دون تمييز، ووقف توظيف قواعد الترخيص لتجريم العمل الصحفي، وإنهاء ترهيب الصحفيين ونقابتهم، والإفراج الفوري وغير المشروط عن 25 صحفيًا محتجزًا. وعرض البيان ما وصفه بانتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة، منها منع الصحفيين من حضور أجزاء مهمة من الجلسة.

وأرسلت «زاوية ثالثة» إلى المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية ستة أسئلة: هل يرى الاتحاد أن إدانة رئيسة تحرير «مدى مصر» وإغلاق الموقع يتوافقان مع التزامات مصر بموجب اتفاقية الشراكة والشراكة الاستراتيجية والشاملة؟ وهل يطالب بالإفراج عن صحفيي «متصدقش» الستة، وهل أثار مع السلطات المصرية ادعاءاتهم بالتعذيب؟ ولماذا خلا بيان 2026 من التعبير عن القلق الذي تضمنه بيان 2019؟ وهل ستؤخذ هذه التطورات في الاعتبار عند تقييم الشرط السياسي قبل صرف الشريحة الثالثة من القرض، ومتى يُتوقع صرفها؟ وهل ستنشر المفوضية تقييمها لاستيفاء مصر الشرط السياسي في صرف شريحتي يناير ويوليو 2026؟ وهل حضرت بعثة الاتحاد في القاهرة جلسات محاكمة عطا الله أو طلبت حضورها، بما فيها جلسة 11 نوفمبر؟ ولم يصل رد حتى لحظة النشر، وستحدّث «زاوية ثالثة» هذا التقرير فور تلقيه.

ولم تصدر وزارة الخارجية المصرية أو الهيئة العامة للاستعلامات تعليقًا على البيان الأوروبي حتى لحظة إعداد هذا التقرير، ولم تعلّق السلطات المصرية علنًا على الحكم، بحسب المونيتور.

ما الذي ينتظر «مدى مصر» وفريق «متصدقش»؟

أمام عطا الله جلستان قريبتان: معارضة الحكم الغيابي الصادر في 2024 بحبسها سنة، المحددة في 11 نوفمبر، واستئناف حكم 27 أكتوبر الذي يعتزم دفاعها تقديمه. ويظل الصحفيون الستة من «متصدقش» قيد الحبس الاحتياطي في القضية رقم 8083 لسنة 2026، بعد تجديد حبسهم للمرة الثانية في 27 أكتوبر، دون أن تعلن النيابة نتيجة أي تحقيق في بلاغات التعذيب التي قدموها.

وفي بروكسل، تنتظر الشريحة الثالثة من القرض تقييمًا جديدًا لاستيفاء مصر «الشرط السياسي». وجاء بيان 29 أكتوبر بعد واحد وثلاثين يومًا من القبض على فريق «متصدقش»، واكتفى بأن ذكّر القاهرة بقوانينها واستراتيجيتها، وبأن «الحفاظ على وسائل الإعلام المستقلة وحمايتها أمر ضروري»، في يوم بات فيه أحد أبرز هذه المنابر مغلقًا بحكم قضائي.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

Search