في عام 1972، كان الجنيه المصري يعادل 2.3 دولار، وجرام الذهب من عيار 21 لا يتجاوز 170 قرشًا. في تلك السنة، صدر قانون تنظيم الجامعات رقم 49 حاملاً جدول رواتب أعضاء هيئة التدريس؛ تراوحت رواتب درجة “الأستاذ” فيه بين 1400 و1800 جنيه سنويًا، مضافًا إليها 420 جنيهًا بدل جامعة و75 جنيهًا علاوة دورية سنوية. بالقسمة، كان متوسط الراتب الشهري لأعلى درجة جامعية 174.5 جنيهًا، ما يعادل 405.8 دولار — دون احتساب القوة الشرائية المعدّلة بالتضخم — أو 102.6 جرامًا من الذهب عيار 21.
اليوم، بعد أكثر من 50 عامًا، يتراوح راتب الأستاذ الجامعي في نهاية خدمته بين 15 و17 ألف جنيه — أي 300 إلى 340 دولار، أو 2.5 إلى 2.9 جرام ذهب. الراتب الذي كان يعادل أكثر من مئة جرام من الذهب بات لا يبلغ ثلاثة جرامات، والقانون الذي صدر حين كان الجنيه يساوي دولارَين لا يزال يُعمل ببعض بنوده حتى الساعة.
يقول الدكتور وائل كامل، الأستاذ بكلية التربية الموسيقية جامعة العاصمة، لـ”زاوية ثالثة”: “ولا نزال نتقاضى رواتبنا معدودة بالجنيهات والقروش، بعد مشوار حافل من العمل والبحث والحصول على الدرجات العلمية المرموقة، والنتيجة عضو هيئة تدريس يدور في طاحونة لجلب المال، وطلاب لا يحصّلون حقهم في التعليم كاملاً، وأبحاث علمية غلب كمها على كيفها، والمجتمع خسر في النهاية”.
هذا الجدل الذي تتصاعد أصداؤه في الأوساط الأكاديمية بلغ مجلس النواب، فيما لا يزال القانون الذي أرسى تلك الرواتب يُعمل ببعض بنوده بعد أكثر من نصف قرن. خلال الخمسين عامًا الفاصلة، شهد جدول الرواتب تعديلاً واحدًا عام 1983 وآخر عام 2012 اقتصر على زيادة بدل الجامعة فقط. ثم جاء قرار ربط الموازنة العامة عام 2015 ليُثبّت الحوافز والبدلات والمكافآت كمبالغ مستقطعة من الراتب الأساسي لعام 2015 تحديدًا، لا كنسبة مئوية من الراتب الأساسي المتغيّر سنويًا، في حين تحتسب المستقطعات وفق راتب العام الجاري — وهو ما أفضى إلى تآكل متواصل في الأجور مع مرور السنوات وتراكم التضخم، وصولاً إلى الأرقام المتداولة اليوم.

أزمة الأجور ومستقبل اقتصاد المعرفة
في دراسة بعنوان “أزمة الأجور الأكاديمية ومستقبل اقتصاد المعرفة في مصر”، يرصد الدكتور طارق قابيل، خبير البيوتكنولوجي ومستشار الصحافة والتواصل العلمي بكلية العلوم جامعة القاهرة، ضغوطًا متراكمة يعانيها عضو هيئة التدريس؛ ارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة تكاليف البحث العلمي، ورسوم النشر الدولي، وتكاليف المؤتمرات العلمية، والمنافسة الإقليمية والعالمية على الكفاءات — كل ذلك في مواجهة راتب أساسي لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من الأجر الكلي، فيما تشكّل المكافآت والحوافز — وفي مقدمتها حافز الجودة — وبدل الجامعة الحصة الغالبة منه.
وتؤكد الدراسة أن أستاذ الجامعة يمثل حجر الأساس في التنمية؛ إذ يُنوط به إعداد رأس المال البشري، وإنتاج المعرفة والبحث العلمي، ونقل التكنولوجيا، ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة، وتحسين تصنيف الجامعات دوليًا. غير أن الوضع الراهن للرواتب يُفضي إلى تداعيات موثّقة: اتساع الفجوة بين البحث العلمي والصناعة، وتراجع فرص التحول إلى اقتصاد المعرفة، وانخفاض معدلات الابتكار، وتراجع القدرة التنافسية للجامعات، وانخفاض جاذبية المسار الأكاديمي، وهجرة العقول والكفاءات.
وتستشهد الدراسة بتجارب دولية في هذا الملف؛ فالولايات المتحدة ربطت بين الأداء والتمويل والبحث العلمي ووضعت نظام عقود مرن قائم على الإنتاجية والتميز، وحققت ألمانيا استقرارًا وظيفيًا لأعضاء هيئة التدريس مع دعم بحثي قوي ونظام تقييم شامل، فيما قدّمت سنغافورة استثمارات ضخمة لاستقطاب العلماء ورواتب تنافسية عالمية، وشهدت الصين زيادات كبيرة في الإنفاق البحثي مع ربط الجامعات بالصناعة والابتكار.
يبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بالجامعات الحكومية والأزهر 123.5 ألف عضو حتى عام 2024/2025، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. يُقسّم الدكتور وائل كامل هذا المجتمع إلى شطرين متساويين: نحو 50% من تخصصات طبية وهندسية قد تتاح لهم فرص عمل مستقل خارج الجامعة، و50% من التخصصات الإنسانية وغيرها يقتصر دخلهم على الراتب الجامعي ونادرًا ما يجدون عملاً بالخارج. وفي كل الحالات، تُقيّد المواد من 100 إلى 103 من قانون تنظيم الجامعات العمل خارج أسوارها، وتحظر الدروس الخصوصية وإنشاء الشركات والتجارة إلا بتصريح استثنائي من رئيس الجامعة وفق ضوابط محددة.
ويلفت كامل إلى أن بعض بنود الراتب لا تزال تُقاس بالقروش حتى اليوم؛ العلاوة الدورية السنوية لدرجة الأستاذ المساعد 72 جنيهًا، ولدرجة الأستاذ 75 جنيهًا، والفارق 3 جنيهات، أي 25 قرشًا شهريًا عند القسمة على اثني عشر — وهو ما يحصده الأستاذ المساعد بعد أبحاث ترقية مضنية. أما الفارق في إجمالي الراتب بين الدرجتين فيبلغ نحو 2000 جنيه.
ويُشير كامل إلى أن تعديل بدل الجامعة عام 2012 كان يُفترض أن يكون بداية لمراحل أخرى من الإصلاح، لكن ذلك لم يحدث. ولأن أعضاء هيئة التدريس يخضعون لكادر خاص لا لقانون الخدمة المدنية، يمثل راتبهم الأساسي 20% فقط من إجمالي ما يتقاضونه، فيما تشكّل المتغيرات من حوافز وبدلات النسبة الباقية — وجميعها تُحتسب على أساسي راتب عام 2015 لا على الراتب المتغيّر سنويًا. وبينما يرتفع الراتب الأساسي وفق نظام الكادر بنسبة 10 أو 15% سنويًا، يظل المبلغ الفعلي لهذه الزيادة هزيلاً نسبةً إلى قيمة الأساسي المنخفضة أصلاً.

يرى الدكتور محمد إسحاق، العميد الأسبق لكلية التربية الفنية جامعة العاصمة، أن اعتماد 80% من الراتب على بنود متغيرة — بعضها تصرفه وزارة المالية وآخر مسؤولية الجامعة — يجعل العضو غير قادر على معرفة راتبه بدقة أو التحكم فيه. ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن هذا الواقع أفرز نمطًا من التكالب على فتات المال: “أصبح العضو منشغلاً تمامًا بالأمر المادي، فيسعى بأي شكل للإشراف على رسالة بغض النظر عن مستواها العلمي، أو عضوية لجنة حتى لو كانت شكلية من أجل البدل الذي يحصل عليه من هذه الأعمال، والذي هو جنيهات معدودة، وهو أمر لا يليق بعضو هيئة التدريس ولا بالدور المنوط به”.

حل المشكلات بمشكلات
يرى الدكتور وائل كامل أن الحكومة واجهت ضعف الرواتب بحل أفضى إلى مشكلة أكبر؛ استحدثت حافز الجودة الذي تصاعد عامًا بعد عام حتى خرج عن طبيعته الإدارية والمالية، وبات يُشكّل أكثر من ربع دخل أعضاء هيئة التدريس، فلا يستطيعون الاستغناء عنه، فيما تحوّل إلى عبء على موازنة الدولة. وحين جرى تجاهل زيادته العام الماضي، احتاج الأمر إلى مناشدات برلمانية وضغط من أعضاء هيئة التدريس قبل أن تُرصد له 1.5 مليار جنيه هذا العام، وسط بحث مستمر عن آليات لضبط التضخم الذي بلغه الحافز. وقد وافقت لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب على دعم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بهذا المبلغ لصرف حافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالجامعات والمعاهد والمراكز البحثية في موازنة 2026/2027.
ومشكلة المعاشات لا تختلف في منطقها؛ إذ تُحتسب على الأجر الأساسي وحده، فلا يتجاوز معاش العضو 4000 إلى 5000 جنيه على أقصى تقدير. وكان الحل الحكومي هنا أيضًا السماح باستكمال المسيرة المهنية بعد سن الستين، فيجمع الأستاذ بين المعاش والراتب. النتيجة أن أعضاء هيئة التدريس يواصلون العمل حتى حين تعيقهم أمراض الشيخوخة كالزهايمر، مما أحدث تضخمًا في الأعداد وعبئًا إضافيًا على الموازنة. وبينما تتساهل بعض الكليات مع كبار السن بالاكتفاء بحضورهم يومًا أو يومين أسبوعيًا، تستقطع كليات أخرى حوافزهم وبدلاتهم كاملةً إن غابوا. يتساءل كامل: “كيف يعيش أستاذ جامعي لديه التزامات مادية واجتماعية بـ4000 جنيه فقط؟”
الترقية في الجامعة المصرية مسار مُكلف قبل أن يكون علميًا. كل خطوة نحوها تستلزم مالاً، فضلاً عن أن متطلباتها بُنيت على معيار الكم لا الكيف، تنفيذًا لتوصيات تصنيفات دولية للجامعات — وهي تصنيفات يصفها كامل بأنها وهمية انسحبت منها أكثر من جامعة عالمية.
يشترط دليل قواعد الدورة الـ15 للمجلس الأعلى للجامعات لعام 2025 أن يتقدم عضو هيئة التدريس بين 3 و8 أبحاث علمية منشورة أو قابلة للنشر للحصول على الترقية، إلى جانب بيان بدورات تدريبية بحد أدنى 3 دورات وافقت الكلية على حضورها، موقعًا من العميد. وهذه الدورات غير مجانية.
أما تكلفة النشر فحسابها وحده مُثقل؛ يبلغ سعر الورقة الواحدة في مجلة الكلية 30 جنيهًا بمتوسط 2000 جنيه للبحث الواحد، يتضاعف مع نشر 7 أو 8 أبحاث. والنشر الدولي يُدفع بالدولار. ولا توجد موازنة مرصودة للأبحاث على مستوى الدولة، وما تقدمه الكليات قد يكون معدومًا.
يقول كامل إن لعضو هيئة التدريس ثلاث مهام: التدريس وتخريج أجيال، وخدمة المجتمع، والبحث العلمي. لكن نظام الترقيات لا يُقيّم سوى الأبحاث، فتتراجع المهمتان الأخريان. والنتيجة طلاب يكرهون المواد لأن المدرّس لا يُحاسَب على جودة تدريسه، وأستاذ غير قادر على خدمة مجتمعه لأنه لا يستطيع الوفاء بمتطلبات أسرته أصلاً. ويرى كامل أن بحثًا واحدًا يحل مشكلة حقيقية يكون أجدر بمنح الترقية من سبعة أبحاث تُرصّ على أرفف المكتبات، لكن غلبة الكم أنشأت مصانع أبحاث يتوه فيها الجيد وسط الزحام.
ويُقارن كامل هذا الواقع ببعض جامعات أوروبا التي تُفصل بين التدريس والبحث؛ فتعيّن أعضاء مهمتهم التدريس وحده، وآخرين يتفرغون للبحث العلمي بالتعاون مع سوق العمل لإنتاج أبحاث تعالج مشكلات حقيقية. ويؤكد أن دور الجامعة الحقيقي هو تبني الطالب المتفوق المعيّن معيدًا ودعمه حتى تُثمر خبراته مستقبلاً، لكن الوضع انقلب في مصر فصار التدريس عبئًا على الموظفين.
يشيع الاعتقاد بأن أعضاء هيئة التدريس يحصلون على دخل إضافي من الكتاب الجامعي يُعوّض ضعف الراتب. يصحح الدكتور وائل كامل هذه الصورة؛ فالكتاب الجامعي في أصله ليس ظاهرة أكاديمية طبيعية، بل نشأ من رحم أزمة الرواتب. الأصل في التعليم الجامعي أن يُحيل الأستاذ طلابه إلى مصادر متعددة يبحثون فيها بأنفسهم، لكن ضعف الراتب دفع أعضاء هيئة التدريس إلى تأليف كتب يبيعونها لطلابهم ويستفيدون من عائدها المادي بحسب عدد المقيدين لديهم — فمن يُدرّس تخصصًا مزدحمًا يجني أكثر بكثير مما يجنيه من يُدرّس تخصصًا لا يتجاوز طلابه العشرات.
ومع الوقت، وضعت الجامعات يدها على هذا المورد؛ بات الكتاب يُباع عبرها مقابل نسبة للأستاذ ونسب أعلى تذهب للقيادات، ثم تحوّل لاحقًا إلى صيغة إلكترونية. يضرب كامل مثلاً بتجربته الشخصية: شارك في إعداد كتاب جامعي لم يتقاضَ منه سوى 1200 جنيه طوال الفصل الدراسي كاملاً، بسبب محدودية عدد طلابه.

طلبات إحاطة بمجلس النواب
وخلال شهر يونيو الماضي وتزامنًا مع إقرار الموازنة العامة الجديدة للدولة، تقدم ثلاثة من أعضاء مجلس النواب بطلبات إحاطة لبحث أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس، فنقدمت النائبة هايدي المغازي، بطلب إحاطة لوزيري التعليم العالي والمالية، بشأن مدى اتساق هيكل الأجور والبدلات المطبق على أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بالجامعات الحكومية مع مستهدفات الدولة في تطوير التعليم العالي والبحث العلمي.
وطالبت النائبة الحكومة بتوضيح سبب استمرار العمل بجداول مالية تستند في بعض مكوناتها إلى تعديلات تاريخية مضى عليها عقود، ومدى انعكاس ذلك على استبقاء الكفاءات الأكاديمية والبحثية وجودة العملية التعليمية، خاصة في ظل اهتمام الدولة بقطاع التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره أحد الركائز الأساسية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
كما تقدم النائب مصطفى بكري بطلب إحاطة موجهًا إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري التعليم العالي والمالية، مؤكدًا رواتب أعضاء هيئة التدريس لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم في مجالات التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع.
وعبر حسابه على منصة إكس، قال بكري إنه علم أن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، شكل لجنة برئاسة المستشار شريف الشاذلي، رئيس هيئة مستشاري الوزراء؛ لدراسة الموقف القانوني بهدف تحسين رواتب هيئات التدريس بالجامعات المصرية في ضوء تدني الرواتب، حيث يحصل المعيد على نحو 8 آلاف جنيه فقط، وعميد الكلية 15 ألف جنيه، ورئيس الجامعة 17 ألف جنيه، وسينظر رئيس الوزراء في الأمر في ضوء التقرير المقدم.
بدوره علق أحد أعضاء هيئة التدريس- تحفظ على ذكر اسمه- لـ”زاوية ثالثة، على الرواتب التي ذكرها النائب مصطفى بكري بالنسبة للعمداء ورؤساء الجامعات، مشيرًا إلى أن الوضع بالنسبة لهؤلاء يختلف عن أعضاء هيئة التدريس بسبب المكافآت، فرئيس الجامعة على سبيل المثال قد يصل راتبه إلى مليون جنيه، بفضل المكافآت، فمكافآة الوافدين وحدها 18 ضعف الدخل الشهري لرئيس الجامعة والعميد، وقد تتجاوز في الفصل الدراسي الواحد حاجز الـ300 ألف جنيه، وفي المقابل يحصل عضو هيئة التدريس على 1200 جنيه فقط في الفصل الدراسي، وهناك العديد من الموارد الأخرى مثل البرامج الخاصة والكتاب الجامعي وغير ذلك، ما يشير إلى عدم العدالة في توزيع الموارد.
وأشار إلى أن أحد جوانب عدم حل أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس هو أن القيادات التي تتحدث بأسمائهم من أصحاب الدخول الكبيرة، ولا يواجهون نفس المعاناة، وبعضهم لا يهتم بإثارة الأزمة من الأساس.
وقدم الدكتور هشام البدري، أستاذ ورئيس قسم القانون العام بجامعة المنوفية، كتابًا بعنوان ” الصناديق والحسابات الخاصة”، قدم فيه دراسة تطبيقية عن صندوقين من صناديق الجامعات، وهما صندوق الأنشطة التعليمية وصندوق المستشفيات الجامعية، مشيرًا إلى وجود خلل في توزيع عوائد هذه الصناديق لصالح القيادات الجامعية، لدرجة جعلت دخل رئيس أضعف جامعة ونوابه والعمداء، يتجاوز عدة ملايين شهريًا.
ولم يصدر أي تصريح رسمي من مجلس الوزراء بشأن تشكيل اللجنة، أو اتخاذ إجراءات لتحسين رواتب أعضاء هيئة التدريس حتى الآن، خلاف تصريح بكري.
كما تقدمت النائبة ثريا البدوي، بطلب إحاطة قالت فيه إن تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس له أثار مباشرة على جودة التعليم الجامعي واستقرار العملية الأكاديمية ومستقبل البحث العلمي والقدرة على الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية داخل الجامعات المصرية، مشيرة إلى أن المعالجة المطلوبة تقتضي نصًا تشريعيًا صريحًا في قانون تنظيم الجامعات يحيل إلى لائحة مالية واضحة ومحدثة.
وأوضحت أن التفرغ الأكاديمي الذي تقتضيه المادة 100 من قانون تنظيم الجامعات، من أجل مهام التدريس والإرشاد الأكاديمي وخدمة المجتمع والبحث العلمي، لا يجوز أن يبقى التزامًا قانونيًا من طرف واحد بل يجب أن يقابله تنظيم مالي عادل يحفظ الاستقرار والكرامة.

أوضاع صعبة تُخرج أجيالاً ضعيفة أكاديميًا
يؤكد الدكتور محمد إسحاق أن أعضاء هيئة التدريس تفوّقوا ليكونوا علماء ومفكرين في خدمة المجتمع، لا موظفين لا يعرفون رواتبهم لغلبة البنود المتغيرة عليها. وخلال ولايته عميدًا لكلية التربية الفنية، يقول إنه عاصر من المآسي ما لا يليق بمؤسسة أكاديمية: “عاصرت شابًا لا يريد العودة إلى بيته إلا بعد نوم أولاده لأنهم طلبوا منه أشياء لا يستطيع توفيرها، وآخرين يذهبون لأعمال تصحيح الامتحانات وتكلفة المواصلات أكثر من مقابل التصحيح، وثالثًا من الأساتذة الكبار كان على شفا الموت ولا بد أن يذهب للكلية حتى لا تُخصم حوافزه وبدلاته، فأي وضع إنساني يعيشه أعضاء هيئة التدريس؟ وأي كرامة يتحدث عنها المجتمع للأستاذ الجامعي، وأي خذلان يواجهه في مواجهة احتياجات أسرته؟”

ويُضيف الدكتور وائل كامل أن بعض أعضاء هيئة التدريس، رغم تقييد القانون للعمل خارج أسوار الجامعة، يضطرون إلى أعمال إضافية بعضها لا يليق بعضو هيئة تدريس. وفي الوقت ذاته، هناك أساتذة لا تربطهم بالجامعة سوى صفتها؛ يعملون خارجها ولا يستخدمون انتمائهم إليها إلا للتعريف بأنفسهم في مجالات أخرى. ويرى كامل أن هذا الخلل، مع غياب الإرشاد الأكاديمي والبحث الحقيقي وخدمة المجتمع، أفرز أجيالاً ضعيفة أكاديميًا؛ وما يُثار عن تراجع أهمية بعض التخصصات مردّه في جوهره إلى ضعف الرواتب ونظم الترقيات وعجز الأساتذة عن أداء واجبهم تجاه طلابهم.

الطلبات والحلول
يرفض الدكتور محمد إسحاق فكرة المعالجة بالمسكّنات؛ فعضو هيئة التدريس ليس أجيرًا حتى يُكتفى بمنحه بدلات وحوافز متغيرة. المطلوب راتب ثابت لا يقل عن 50 ألف جنيه شهريًا، وهو في تقديره متوسط يكفي لتأمين المأكل والملبس والتعليم والعلاج لأسرة الأستاذ، لا للرفاهيات. ومع انتشار أنباء عن تشكيل لجنة حكومية لبحث المطالب، يطالب إسحاق بأن يكون ممثلو أعضاء هيئة التدريس فيها منتخبين من كل جامعة لا مرشّحين من رؤساء الجامعات، مستغربًا حالة التجاهل التي يُبديها كثير من القيادات الجامعية التي عاشت هي ذاتها تفاصيل هذه المعاناة قبل أن تصل إلى مناصب تتقاضى عليها مكافآت وبدلات أعلى بكثير. ويطالب بوضع حد أدنى وأقصى للمكافآت وعدالة في توزيعها.
ويطالب الدكتور وائل كامل بإعادة توزيع موارد الجامعات بصورة عادلة، مستندًا إلى أن جامعات أعلنت امتلاكها فائضًا بالمليارات دون أن يُترجم ذلك في رواتب أعضاء هيئة التدريس. ولمعالجة أزمة المعاشات تحديدًا، يقترح إنشاء صندوق على غرار ما فعلته فئات أخرى خاضعة لكادرات خاصة، تكون موارده نسبة محددة من مصروفات الطلاب والكتاب الجامعي وعوائد الوافدين والبرامج الخاصة، ويُطبَّق على جميع الجامعات المصرية حكومية وخاصة وأهلية ودولية. مهمة الصندوق توفير 80% من آخر راتب للأستاذ الجامعي، بما يُغني المريض وغير القادر عن النزول للعمل، ويُوفّر على موازنة الدولة في الوقت ذاته المكافآت والبدلات التي تُصرف حاليًا.
أما الدكتور طارق قابيل فيضع في دراسته رؤية استراتيجية للإصلاح تقوم على: رفع المكوّن الأساسي من الدخل ليصبح تنافسيًا ومستدامًا، وإعادة هيكلة الأجور وفق هيكل واضح وعادل وشفاف قائم على الأداء والكفاءة، وربط الحوافز بالإنتاج العلمي والابتكار، ودعم الباحثين الشباب عبر برامج تمويل ومنح في بداية مسيرتهم، وتوفير تمويل تنافسي للمشروعات البحثية وفق معايير واضحة، وتعزيز الشراكة مع الصناعة عبر مشروعات مشتركة ونقل تكنولوجيا وتسويق ابتكارات، وتشجيع الشركات الجامعية الناشئة وحاضنات الأعمال، ودعم النشر الدولي ماليًا وفنيًا في الدوريات العلمية المرموقة. وتنتهي الدراسة إلى أن الاستثمار في الأكاديمي استثمار في مستقبل الوطن؛ فالأستاذ الجامعي المتميز يعني بحثًا علميًا قويًا وابتكارًا واقتصاد معرفة مستدامًا وتنمية شاملة.