close
قطر

استمرار انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة

5/05/2026

يعرب مركز الخليج لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ من السياسات القمعية الممنهجة التي تنتهجها السلطات في قطر بحق المواطنين وبضمنهم مختلف الناشطين، من الذين يعبرون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بكل سلمية وتحضر عن آرائهم حول الشؤون العامة ببلدهم، وسياسات الحكومة وتوجهاتها التي لا تتوافق مع مصالح المواطنين في كثيرٍ من الأحيان.

محامي حقوق الإنسان الدكتور نجيب النعيمي

أكد أحد السجناء الذين تم الأفراج عنهم وغادر على إثرها قطر في السنة الماضية، إن محامي حقوق الإنسان الدكتور نجيب محمد النعيمي وأثنين من مساعديه تم الزج بهما في السجن.

قال السجين السابق، في حديثْ له مع مركز الخليج لحقوق الإنسان، أنه قد تم اعتقاله بعد كمينٍ نصبته له القوات الأمنية بتاريخ 26 أبريل/نيسان 2025، ولم يُطلق سراحه إلا في 12 يوليو/تموز 2025.

أوضح كذلك أنه تم احتجازه في سجن يقع داخل معسكر قوات الأمن الداخلي “لخويا” بمنطقة الدحيل في الدوحة، والخاص بالمعتقلين في قضايا ترتبط بالإرهاب والمخدرات والجرائم الإلكترونية.

أضاف أنه في شهر مايو/أيار 2025، تم احتجاز اثنين من العاملين في مكتب المحاماة الذي يديره النعيمي وهم، محمد المصري وحمدي الكاتب ويحملون الجنسية المصرية، وبعدها بأسبوع قامت القوات الأمنية باحتجاز الدكتور النعيمي ايضاً.

أكد السجين السابق أنه التقى بهم بانتظام في أوقات خروج جميع السجناء، الذين قارب عددهم 172 سجيناً، من الزنازين للتعرض إلى الشمس. أوضح كذلك أن السجن، الذي يضم سجناء قد صدرت ضدهم أحكاماً بالسجن وآخرين ينتظرون إكمال التحقيقات، يتكون من أربع قاعات، ثلاثة منها مفتوحة على بعضها، في حين أن القاعة الرابعة مغلقة وتضم المحتجزين من المواطنين القطريين فقط وهي التي كان الدكتور النعيمي قابعاً فيها.

في ختام حديثه، قال السجين السابق الذي واجه قضية كيدية، تم تبرأنه منها لاحقاً، أن الدكتور النعيمي لايزال في السجن في حين تم إطلاق سراح مساعديْه في شهر آب/أغسطس 2025. لقد بين أن الدكتور النعيمي يواجه قضية جنائية مزعومة كبرى.

سعى مركز الخليج لحقوق الإنسان للتأكد من مصير الدكتور نجيب النعيمي عبر الاتصال بالجهات المختصة في داخل قطر وخارجها وبضمنها السفارة القطرية في لندن، لكنها رفضت جميعها التعليق على الموضوع. إن هذا يأتي ضمن سياسة الصمت المطبق التي أقرها جهاز أمن الدولة، وتتضمن الامتناع الكامل عن التعليق على انتهاكات حقوق الإنسان.

ذكرت مصادر موثوقة لمركز الخليج لحقوق الإنسان، أن آخر اتصال هاتفي لها مع الدكتور النعيمي كان في يوم 09 ابريل/نيسان 2025، وأنه بعدها صادر جهاز أمن الدولة، جميع أجهزته الإلكترونية وبضمنها هاتفه. كذلك لاحظ مركز الخليج لحقوق الإنسان اختفاء الموقع الإلكتروني لمكتبه الخاص للمحاماة.

الجدير بالذكر أن الدكتور النعيمي، الذي شغل منصب وزير العدل من 1995 إلى 1997، يخضع لمنع سفر تعسفي منذ عام 2017. أُخطر النعيمي بهذا المنع في يناير/كانون الثاني 2017 في رسالة نصية من المديرية العامة للجوازات والنيابة العامة تحمل رقم بطاقة هويته. صدر أمر قضائي لصالح النعيمي في يونيو/حزيران 2017 يقضي بأن أسباب المنع من السفر انتهت، وبالتالي يُلغى منع السفر الصادر بحق المستأنِف. بالرغم من ذلك، تستمر السلطات في منع الدكتور النعيمي من مغادرة البلاد.

كان النعيمي محامي دفاع عن الشاعر محمد العجمي الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد في عام 2012 بسبب قصيدة ألقاها في محفل خاص ينتقد فيها الأمير. لقد أُفرج عن العجمي في مارس/آذار 2016 بعد عفو أميري، لكنه سرعان ماحُكم عليه بالسجن المؤبد مرة أخرى بعد التظاهرات السلمية التي انطلقت في شهر أغسطس/آب 2021، غادر البلاد بعدها.

ناشط الإنترنت محمد السليطي

 كان المواطن القطري محمد بن يوسف السليطي، حاملاً لإقامة أمريكية، وبالرغم منذ ذلك قامت السلطات ايضاً بمنعه من السفر خارج البلاد منذ 2018، واحتجزته منذ أكتوبر/تشرين الأول 2020.

أكدت تقارير محلية متتالية استلمها مركز الخليج لحقوق الإنسان، صدور حكمٍ بالسجن المؤبد ضده بتاريخ 12 يونيو/حزيران 2021، وأنه لايزال يقضي محكوميته في السجن المركزي بمدينة الدوحة، بعد أن وُجهت ضده اتهامات زائفة منها التجسس وقلب نظام الحكم.

 بتاريخ 04 أكتوبر/تشرين الأول 2020، قامت قوات أمن بملابس مدنية باعتقاله من منزله في الدوحة، واحتجزته بمعزل عن العالم الخارجي لمدة أسبوعين. قبل أسابيع من اعتقاله، كان السليطي قد نشر على وسائل التواصل الاجتماعي بياناً أصدرته منظمة العفو الدولية يوضح تفاصيل حظر السفر التعسفي الذي تعرض له هو ومواطنون آخرون في قطر. قالت منظمة العفو الدولية أيضا إنه نشر استطلاعاً على حسابه في “تويتر” لجمع بيانات عن القطريين الممنوعين من السفر تعسفاً، وقد تم تعليق حسابه بعد اعتقاله.

عاش السليطي في الولايات المتحدة منذ عام 2015، حيث كان يمتلك شركتين. كانت السلطات قد اعتقلته لأول مرة في 2018 في مطار حمد الدولي بينما كان يستعد لمغادرة البلاد واحتجزته خمسة أشهر تعسفاً دون توجيه اتهامات إليه، وتم منعه من السفر منذ ذلك الحين.

الصحفي فرج مزهر الشمري

تمثل قضية الصحفي المستقل فرج مزهر الشمري دليلاً مؤكداً على الاستهداف المستمر التي تقوم به السلطات لكل الأصوات الحرة والتي تعبر عن آرائها الشخصية التي تنتقد توجهات الحكومة وسياساتها.

في سنة 1996، فاز الشمري، الذي عمل سابقاً كمذيعٍ في تلفزيون قطر الرسمي لمدة أربع سنوات، بانتخابات المجلس البلدي لإحدى المناطق المحلية في العاصمة الدوحة، وبدلاً من أن يتم دعمه كمواطن مخلص لأصوات مؤيديه من المواطنين، كان هذا الفوز هو بداية استهدافه.

حال فوزه تم تكليفه بكتابة عمود بعنوان “البعد الرابع” في جريدة الراية القطرية، حيث تناول فيه الشؤون الدولية. بتاريخ 15 يونيو/حزيران1999، وللمرة الأولى كتب عموداً عن الرسوم والضرائب المفروضة على المواطنين في ذلك الوقت، والذي تم نشره بعد موافقة رئيس التحرير حينذاك.

في اليوم التالي تم الاتصال به واستدعائه من قبل دائرة جوازات الغرافة، قرب العاصمة الدوحة، وتم سحب البطاقة المدنية الشخصية العائدة له إضافة إلى بطاقات أفراد أسرته. لم يتم توضيح الأسباب الموجبة لهذا الإجراء التعسفي.

بتاريخ 28 يونيو/حزيران 1999، تم إيداعه وأسرته في سجن الابعاد لمدة ثلاثة أشهر بدون أن يُجرى معه أي تحقيق أو مقابلة. بالرغم من قيامه وهو في السجن، بعد أن وعده أحد الضباط بالعفو عنه، بنشر اعتذار في نفس الجريدة عن مقالته، التي خلت من أية إساءة، لكن السلطات لم تعف عنه وتطلق سراحه. لقد اضطر بعدها لتقديم طلب بترحيله إلى السعودية حيث يُقيم فيها حالياً مع أسرته منذ سنة 1999. لقد تمت مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة وخرجوا فقط بالثياب التي عليهم.

التقى وهو في السجن بمواطنين قطريين آخرين تم سجنهم وتجريدهم من جنسياتهم تمهيداً لترحيلهم إلى الفليبين بسبب نشرهم لآرائهم حول الشؤون العامة، وهي مواضيع لم تزل السلطات حتى اليوم لا تريد أحداً غيرها للقيام بالتعليق عليها.

بعد وصوله في السعودية ابتعد عن الصحافة والإعلام لكنه استمر في نشاطاته الكتابية والتسجيلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وطيلة 26 سنة من الإبعاد كان يوجه المناشدة تلو الأخرى للسلطات للسماح له للعودة إلى وطنه، ولكنها لم يتلق اية آذان صاغية.

في نهاية سنة 2025، بدأ بالحديث عن قضيته عبر حسابٍ أنشأه في موقع تيك توك، وجه خلاله انتقادات لاذعة للسياسات القطرية. في شهر فبراير/شباط 2026، تم تهديده من قبل أحد المسؤولين القطريين بالتوقف عن البث عبر حسابه في تيك توك والكف عن انتقاد الدولة وإلا سيتم محاسبته. أعقب ذلك مباشرةً حذف حسابه بدون أن يحصل على اية توضيحات من إدارة الموقع.

كذلك منعته السلطات القطرية من دخول البلاد حتى بشكلٍ مؤقت للمشاركة في مجلسيْ العزاء المقامين بعد وفاة والده في سنة 2021 ووفاة والدته في سنة 2023.

سبق أن وثق مركز الخليج لحقوق الإنسان قضيته في مطلع سنة 2023، وطالب السلطات بإعادة الجنسية له ولجميع أفراد أسرته وتعويضهم تعويضاً عادلاً عن كل الأضرار المادية والنفسية التي لحقت بهم بسبب إجراءاتها التعسفية وغير المنصفة.

رجل الأعمال عبد الله المهندي

إن رجل الإعمال والناشط على الإنترنت عبد الله بن أحمد بو مطر المهندي، هو الآخر تمنعه السلطات من السفر منذ سنة 2013.

لقد منع جهاز أمن الدولة المصارف من قبول عملياته المالية ومنع، بدون أي قرار قضائي أو بيان الأسباب، مطار حمد الدولي من السماح له بالسفر عبره. في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، تلقى المهندي رسالة نصية تفيد بإنهاء منع السفر، لكن عندما حاول السفر إلى تركيا في يناير/كانون الثاني 2019، منعه مسؤولون في المطار من المغادرة، وأبلغوه بأنه ما يزال يخضع لحظر سفر مفروض من جهاز أمن الدولة.

في 12 يوليو/تموز 2022، تم الإعلان في قطر عن تأسيس “الحملة الوطنية للممنوعين عن السفر” وتم انتخابه منسقاً عاماً لها خلال الاجتماع التأسيسي الذي وثقه مركز الخليج لحقوق الإنسان. ضمت الحملة عدداً من المواطنين الذين تم منعهم من السفر بشكلٍ تعسفي لسنواتٍ طويلة، وكان هدفها إلغاء منع السفر الصادر ضدهم، ورد الاعتبار الكامل لهم كمواطنين صالحين لم يرتكبوا أي مخالفة حتى ولو كانت بسيطة، بالإضافة إلى تعويضهم عن كافة الأضرار التي لحقت بهم وبأسرهم.

بتاريخ 21 يوليو/تموز 2022، انقطعت الاتصالات به حيث قام جهاز أمن الدولة باعتقاله وثلاثة من زملائه من أعضاء اللجنة الآخرين في وقتٍ واحد وبعملية واسعة، واحتجزهم بعدها في زنزانات انفرادية بمعزلٍ عن العالم الخارجي. لقد تم إطلاق سراحه في شهر مارس/آذار 2023.

جهاز أمن الدولة لا يخضع للقضاء

تخوّل المادة 7 من قانون جهاز أمن الدولة، المعدل عام 2008، رئيس الجهاز منع المتهمين بجرائم تدخل في اختصاص الجهاز من مغادرة البلاد لمدة أقصاها 30 يوما قبل مثولهم أمام النيابة العامة، ويجوز تمديد الحظر بأمر من النيابة العامة لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد. لا تنص المادة على وجوب إبلاغ الشخص المعني بمنع السفر، أو تقديم أسبابه، أو الأدلة الأساسية، ولا تنص على أي وسيلة للطعن قانوناً في القرار.

  بعد زيارة رسمية لقطر في عام 2019، قال فريق الأمم المتحدة العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي إنه مُنع من زيارة مركز الاحتجاز التابع لجهاز أمن الدولة، وإن القانون المنشئ لهذا الجهاز، “لا ينص على أي رقابة قضائية على هذا الاحتجاز، وقد أُبلغ الفريق العامل أن هذا الاحتجاز قد يؤدي في الممارسة إلى فترات احتجاز طويلة تنتهك القواعد الدولية لحقوق الإنسان.”

ينص “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية“، الذي صادقت عليه قطر في 2018، على أن لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده. تسمح هذه المعاهدة للدول بفرض قيود على هذا الحق طالما ينص عليها القانون وعندما تكون ضرورية ومتناسبة لحماية الأمن القومي، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، أو حقوق الغير وحرياتهم.

التوصيات

يناشد مركز الخليج لحقوق الإنسان الحكومة القطرية إطلاق محامي حقوق الإنسان البارز الدكتور نجيب النعيمي والناشط على الإنترنت محمد السليطي فوراً وبدون شروط ورفع منع السفر عنهم.

يدعو مركز الخليج لحقوق الإنسان السطات المختصة العمل على رفع منع السفر عن كافة المواطنين وبضمنهم رجل الإعمال والناشط على الإنترنت عبد الله بن أحمد بو مطر المهندي.

مرة أخرى يدعو مركز الخليج لحقوق الإنسان الحكومة في قطر، إلى إعادة الجنسية القطرية للصحفي المستقل مزهر فرج الشمري وجميع أفراد أسرته، وتعويضهم عن جميع الأضرار المادية والنفسية التي لحقت بهم بسبب استهدافهم غير العادل.

على الحكومة في قطر احترام الحقوق الأساسية للمواطنين والمقيمين، بما في ذلك حرية التعبير على الإنترنت وخارجه، وحرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات والنقابات المستقلة عن الحكومة، وحرية الحركة داخل وخارج البلاد.