يرى خالد البلشي، نقيب الصحفيين المصريين، أن الصحافة المصرية تعيش «أزمة حقيقية لازم نعترف بيها»، وأن الرسائل التي تصل إلى الجماعة الصحفية في الفترة الأخيرة «بتدي إشارات سلبية شديدة». وفي حوار خاص مع زاوية ثالثة، تحدث البلشي عن قضية «مدى مصر» ورئيسة تحريرها لينا عطا الله، وعن أسباب دفاع النقابة عن فريق منصة «متصدقش»، وعن مطالب النقابة المعلقة: الإفراج عن الصحفيين المحبوسين، وحرية الإصدار، ورفع الحجب، وتعديل المادة 12 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وإصدار قانون لحرية تداول المعلومات، ومنع الحبس في قضايا النشر.
وتحدث البلشي أيضًا عن وضع صحفيي المواقع الإلكترونية خارج مظلة النقابة، وعن «روشتات» تطوير الإعلام التي خرجت من النقابة والحوار الوطني ولجنة تطوير الإعلام ولم تُنفَّذ، وعن البدل وعلاقته بالانتخابات، والكيانات الوهمية، والاغتيال المعنوي للصحفيين على مواقع التواصل. وقبل انتخابات النقابة المقبلة، يقيّم البلشي تجربته نقيبًا، ويقول: «أنا راجل كده كده ماشي».
إلى نص الحوار.
حرية الرأي والتعبير: «أزمة حقيقية»
بدايةً، عن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة: تواجه الصحافة الآن أزمات عدة، فكيف تراها؟
نتحدث عن حرية الرأي والتعبير منذ فترة طويلة، ونقول منذ فترة طويلة إن لدينا أزمة كبيرة تتعلق بحرية الرأي والتعبير، سواء في البنية التشريعية أو في الممارسة، أو في قدرة الصحفيين على الحركة في الشارع، بسبب القيود التشريعية والقيود التي كبّلت حركة الصحفيين وقدرتهم على العمل بشكل عام.
هناك أزمة حقيقية لا بد أن نعترف بها، ولسنا وحدنا من يعترف بها. فالنقابة ركزت عليها في مؤتمرها العام السادس وفي جمعيتها العمومية، وطالبت بتحرير الصحافة. وليس النقابة وحدها، بل لجنة تطوير الإعلام التي شكّلها رئيس الوزراء، والتي خرجت بتوصيات واضحة تقول إن الحل هو حرية الصحافة، وإن الصحافة المقيدة لا تصنع مستقبلًا.
إذن لدينا أزمة يجب أن نعترف بها، ومظاهرها كثيرة في الحقيقة. ويمكن التعامل مع هذه المظاهر، لكن المهم أن تكون هناك رغبة وإرادة للتعامل معها وحل هذه الأزمات. المؤشرات فيها صعوبات كثيرة، وتقول إننا أمام أزمة كبيرة.
«مدى مصر» ولينا عطا الله
نود أن نسمّي بعض الأحداث بأسمائها لتعلّق عليها. ماذا عما حدث مع «مدى مصر» ورئيسة تحريرها لينا عطا الله؟
العنوان الموجود في قضية «مدى مصر» عنوان لا بد أن نجتمع عليه، وهو حرية الإصدار. فلنمشِ في الإطار السليم لكل حالة: من حق الناس أن تكون لهم مواقع، ولدينا شروط واضحة وشفافة، وقواعد شفافة وعادلة للإصدار. حين يتقدم أحد للإصدار، فالحل ليس أن نحيله إلى الجنايات، بل أن نرد عليه ونقول له إن لديه نقصًا في كذا فيستكمله، إلى أن يستكمل أوراقه، ما دام يسير في الإطار القانوني السليم.
والأمر لا يقتصر على «مدى مصر»؛ فلدينا عدد كبير من المواقع التي تواجه مشكلة في الترخيص، وتنتظره منذ فترة طويلة، وبعضها تعرّض للحجب أيضًا لأنه، كما قيل، لم يستكمل شروط الترخيص. وعدم استكمال الشروط معناه أن تخاطب الموقع لاستكمالها، وأن تقول له: ينقصك الورق الفلاني، وينقصك كذا وكذا، إلا إذا كان قد ارتكب جريمة كبرى.
لقد أُنشئ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بقانون كي يتحقق من ذلك، ويضع الضوابط، ويخاطب الناس لاستكمال أوضاعهم. القاعدة العامة هي حرية الإصدار، والمجلس جاء ليضع ضوابط القانون، ثم يأتي الحديث عمن يخالف هذه الضوابط. أما من كان ملتزمًا بالضوابط وتنقصه ورقتان أو مجموعة أوراق، فليأتِ بها وفقًا لمواد اللائحة.
ما يحدث الآن أننا أمام استسهال للحجب، واستسهال لركن الناس وعدم الرد عليهم، أو الرفض. ولم أرَ رفضًا إلا ربما في الحالة الأولى لـ«مدى مصر»، التي قال أصحابها إنهم قدّموا الطلب بعدها من جديد.
حين تقدّم مشهدًا عكسيًا، فما تأثيره؟ تجد مصر في مراكز متأخرة في قوائم حرية الصحافة. المسألة أن تكون لدينا رغبة في إعلام متنوع، إعلام حر يمثل جميع الناس. أريد إعلامًا لكل الناس، إعلامًا متنوعًا: إعلامًا للحكومة، وإعلامًا للمعارضة، وإعلامًا للأطراف المختلفة في المجتمع، إعلامًا يمثل المجتمع كله بتنوعاته. فهذا الإعلام هو عين الدولة، وليس السلطة وحدها، بل هو عين السلطة أيضًا، وعين المواطن التي تتابع مسارات عمل السلطة، وتنقل في الوقت نفسه مشكلاته وهمومه. هذا هو الإعلام الذي يُفترض أن يكون موجودًا.
ما يحدث الآن أن لدينا رسائل بأن الناس الذين يتكلمون بطريقة مختلفة لا يظهرون، وهذه مشكلة كبيرة. والمشكلة الثانية في طريقة التحرك في مواجهة ذلك، والخطوات التي يجري بها التحرك. فلنقل إن الرأي يُردّ عليه بالرأي، وإن الإجراءات يمكن أن تكون واضحة وبقواعد واضحة. لكن حين تُغلق كل هذه الأبواب، تبدأ الاتهامات، ونصبح في مرحلة تعطي إشارات عكسية: تقول الآن إنك تعمل من أجل تطوير الإعلام، ثم تجد فجأة صحفيين يُقبض عليهم بدلًا من الطرق العادية. وبالمناسبة، نحن لسنا ضد المحاسبة، لكن بالطرق القانونية وأمام القضاء الطبيعي.
هل كانت لينا عطا الله قد تقدّمت بالفعل بطلب ترخيص؟
طبقًا للمذكرة التي وصلت إلى النقابة، نعم تقدّمت. قدّمت مذكرة إلى النقابة استندنا إليها، وأعددنا على أساسها مذكرة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ومذكرة أخرى كانت مجهزة للتقديم في المحاكمة، تقول إنها أعادت التقديم من جديد واستكملت الأوراق. وبالمناسبة، عاقبها المجلس فطعنت، أو تظلّمت.
وبالمناسبة أيضًا، طبقًا للمذكرة المقدمة، تقدّمت في المرة الأولى في 2018، ثم وفّقت أوضاعها في 2020، ولم يُردّ عليها، ثم فوجئت بعد فترة بأنها رُفضت. فهي التي اتخذت الإجراءات القانونية، وهذا إعلان رغبة في العمل داخل هذا البلد، وإصرار على إبداء أنها تريد أن تخضع للقانون المصري. والمصرّون على ذلك حاسِبهم بالقانون المصري. حين يأتي أحد ليعمل تحت مظلة المجلس الأعلى وتحت مظلة القانون المصري، فهذا معناه أنه يضع نفسه تحت طائلة القانون المصري، ويرتضي القانون والدستور المصريين، رغم الصعوبات التي نتحدث عنها.
كم من المؤسسات يمكن أن تعمل من الخارج ولا يستطيع أحد أن يحاسبها! الأفضل أن تتيح الفرصة لمن يعملون في الداخل ليقولوا رأيهم كاملًا.
«متصدقش»: لماذا تحركت النقابة؟
أُثير جدل كبير حول «متصدقش»، وهاجمك البعض لأنك وقفت مع فريقها. ما الحقيقة التي تقف عندها؟ ولماذا تحركت النقابة أصلًا؟
لدينا قاعدة وضعناها منذ بداية المجلس، وهي أن ندافع عن جميع الصحفيين. ولدينا قانون في النقابة يقول إن الصحفي يعمل صحفيًا أولًا ثم يدخل النقابة، ولدينا وقائع كثيرة دافعنا فيها عن صحفيين نقابيين وغير نقابيين. وهؤلاء صحفيون، وإن لم يكونوا أعضاء في النقابة، وبينهم عضو نقابي أيضًا، فانتبه. ونحن أمام اتهامات جنائية موجّهة إليهم لم أتحقق منها.
هذا اتهام، والاتهام يثبته من؟ المحكمة. النيابة ليست سلطة إثبات اتهام، النيابة سلطة اتهام. وحين توجّه النيابة اتهامًا يُخلق له محامٍ، ويدخل المحامي، والمحكمة قد تحكم بالبراءة وقد تحكم بالإدانة، ثم تأتي درجة ثانية. وكثير من الناس يُدانون في الدرجة الأولى ثم يُبرّؤون في الثانية. فحق الدفاع حق لجميع الناس، والنقابات خُلقت لتدافع عن ممارس المهنة.
ولدينا وضع خاص تحديدًا: قانون يقول للصحفي اشتغل واحترف الصحافة ثم تعالَ وادخل النقابة، وقطاعات واسعة من الصحفيين غير منضمة إلى النقابة لأسباب نعرفها، لأن الصحافة الإلكترونية لم تُقنَّن إلا في 2018، ونحن نناقش ضمّهم. وقد أخذنا عهدًا على أنفسنا أن ندافع عن كل هؤلاء، عن كل ممارس للمهنة.
حين تحاسب أحدًا يعمل في مهنة النشر، فأنت تتهمه طبقًا لما نشره، وتحاسبه على ما نشره. أما الباقي فيمكن أن تجمع أدلتك عليه، وإلى أن يثبت الاتهام، هناك محامٍ يدافع عنه.
والناس الذين هاجمونا بسبب دفاعنا أشادوا بنا، بصراحة، في الدفاع عن صحفي تعرّض للاعتداء، وقالوا إن النقابة وقفت وقفة قوية، وكان لا بد من ذلك، ودافعنا. ونحن بالفعل كذلك، لأن الميزان عندنا واحد على الجميع، على كل من يمارس المهنة.
جاءتنا شكاوى واضحة بأن هؤلاء يمارسون المهنة، وبأنهم قُبض عليهم بالطرق الفلانية، فتدخّلنا. كان لا بد أن نتدخل، وعلى الفور، خاصة أن بينهم عضوًا نقابيًا. والأهم أن هذا هو دور النقابات.
فلنتفق إذن: حين يُعرضون على المحكمة وتدينهم بحكم نهائي وبات، فهذا شأن آخر. أما قبل ذلك، فستظل النقابة تدافع عنهم في كل درجات التقاضي.
وقد حدث ذلك مع أعضاء في النقابة بالمناسبة: أُدين بعض الصحفيين في الدرجات الأولى من المحاكمات، ثم أُلغيت الأحكام وبُرّئوا. وأنا واحد ممن أُدينوا في الدرجات الأولى من المحاكمات، وبُرّئت في الدرجات الثانية. ولهذا أنشأنا ما يُسمى درجات التقاضي، ومستويات مختلفة من القضاء: محكمة جزئية، ثم محكمة جنايات أو جنح، ثم استئناف، ثم نقض. كل هذه الدرجات تقول إنه حتى الوصول إلى حكم نهائي وبات، لا بد للمتهم من محامٍ، ولا بد للصحفي من نقابة تدافع عنه. هذه هي القاعدة العامة التي يجب أن نعمل بها.
والذين خرجوا يقولون لي: اسكت، النيابة قالت، أقول لهم: النيابة سلطة اتهام وليست سلطة إدانة. الإدانة أو البراءة تأتي في المحاكمة، والمحاكمة تكون في المحكمة. وبناءً عليه، ما زلنا نحضر مع الزملاء. حتى إن النيابة، حين تتمسك بالتصريح، قد تسألك: هل ستحضر عن النقابة؟ ونحن ندافع عن حقنا في الحضور مع الجميع، وحضرنا في مختلف النيابات مع زملاء غير نقابيين.
وقدّمت النقابة مذكرة واضحة تؤسس للدفاع عن كل ممارس للمهنة، نقول فيها بوضوح إن المادة الثالثة من قانون النقابة تشترط الاحتراف، وإن المادة الخامسة تقول إن احتراف المهنة شرط لعضوية النقابة. ونحن أيضًا في وضع فيه سوق صحفية متسعة، ونريد مدّ مظلة الحماية النقابية. قد نختلف على طريقة المد، فكل الناس في النقابة يتساءلون كيف نمدّها: واحد يقول نعدّل القانون، وآخر يقول نفسّر القانون. لكننا جميعًا نتفق على ضرورة مدّ المظلة النقابية، وعلى حماية كل من يمارسون المهنة، كجزء من حماية المجتمع، لأن الحماية تعني المحاسبة أيضًا.
رسائل سلبية ومطالب النقابة
هل تعني كثرة الأحداث في هذه الأيام شيئًا، أم هي مجرد صدفة؟
حين يجمع الناس الأحداث، يخرج كل واحد بنتيجة. الرسائل كلها تعطي إشارات سلبية، وأتمنى أن نعيد النظر في كل هذه الإجراءات. لدينا مطالب واضحة ترفعها النقابة طوال الوقت: الإفراج عن زملائنا المحبوسين، وحرية الإصدار، ورفع الحجب، وتعديل المادة 12 من القانون رقم 180 لسنة 2018 أو إلغاؤها، وهي المادة التي تشترط أن نحصل على إذن لنعمل في الشارع، وإصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإصدار تشريع يمنع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.
هذه كلها مطالب استقرت عليها الجماعة الصحفية وجمعيتها العمومية ونقابتها، ورُفعت إلى الجهات المختلفة. واستقرت عليها أيضًا لجنة تطوير الإعلام المشكّلة من رئيس مجلس الوزراء، التي تبنّت مشروعاتنا، بل تبنّت كل المطالب التي تقدمت بها نقابة الصحفيين. لذلك حين يحدث التراجع، فهو يعطي إشارات سلبية بالتأكيد.
كانت الإشارات إيجابية في بعض الأوقات: كانت هناك إخلاءات سبيل تعطي إشارة إلى أننا نتقدم خطوات إلى الأمام، ومساحات للحديث تتسع. لكن ستظل المطالبة قائمة بإقرار وضع تشريعي يحمي هذه المهنة، ويحمي حريتها، ويحمي حق المجتمع في المعرفة.
دفاعنا عن الصحافة ليس دفاعًا عن فئة، بل دفاع عن حق المجتمع كله في المعرفة، دفاع عن حقنا جميعًا في أن نعرف ونراقب ونتابع. والمفاجأة أن بعض الاتهامات التي تُوجَّه إلى الصحافة هي أنها تراقب، وتنتقد، وتحاسب المسؤولين. هذه هي أدوار الصحافة الرئيسية. هناك أدوار أخرى تتصل بنشر الأخبار وتداول المعلومات، لكن دورها الأساسي أنها سلطة رقابة، أو ما اعتدنا تسميته السلطة الرابعة، وستظل طوال الوقت إحدى الأدوات التي تبني هذا البلد أو تشارك في بنائه.
تشارك الصحافة في البناء بدقّ أجراس الإنذار والخطر: أن هناك أزمة هنا وأزمة هناك، وأن مواطنًا يشتكي هنا، وأن مواطنين لديهم أزمات. هذا ليس عداءً، ولا منهج فيه للعداء، بل هو منهج للدفاع عن الحقوق، بل للدفاع عن الدول نفسها. فالدول التي فيها إعلام حر وصحافة حرة تدرك أزماتها ومشكلاتها، وتكون فيها رقابة شعبية، والصحافة إحدى أدوات الرقابة الشعبية على العمل التنفيذي، وهي رقابة يُفترض أن تكون موجودة بشكل عام.
المواقع الإلكترونية والمجلس الأعلى للإعلام
هناك خلط كبير: المواقع الإلكترونية جزء لا يتجزأ من الصحافة، لكنها خارج نقابة الصحفيين، والتحقيق فيما تنشره يجري الآن داخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. كيف يحدث ذلك؟ وأين تقف الحدود؟
القانون ينظم هذا الموضوع. الصحفي، أيًّا كان، يُحاسَب أين؟ في نقابته. الملاك فقط هم من يُحاسَبون داخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وأي صحفي يُستدعى بصفته الصحفية إلى المجلس يأتي إلينا. أما المالك، فيذهب ومعه محاميه وأدواته، ويُسأل عن طبيعة نشاطه، أي عن إدارة النشاط نفسه، وفقًا للوائح المنظمة للمجلس، لأن جزءًا من مهام المجلس متابعة الضوابط المهنية. لكنه لا يسائل ممارسًا للمهنة، لا يسائل صحفيًا. والقانون واضح في هذا، والدستور واضح بالمناسبة، في أن الصحفيين يُحاسَبون أمام نقابتهم.
المالك هو من يضع السياسات التحريرية، وبناءً عليه أخذ المجلس سلطة محاسبة الملاك، مثلًا على مخالفة السياسات التحريرية أو على التمويل أو غير ذلك. أما حين يصل الأمر إلى الصحفي، فمكانه نقابته، لا أي جهة أخرى.
ألا يوجد تضارب هنا؟
لا يوجد تضارب. المفترض أن تحدد: لو جاء أحد يسألك عن مصادر العمل الصحفي، فهذه محمية بنص القانون، حتى بالنسبة إلى المالك، والمسؤول عنها رئيس التحرير، ورئيس التحرير يُحاسَب عنها. أما حين يسأل عن مخالفة القواعد العامة للمجتمع، أو مخالفة السياسات التي قدّمتها، فأنت تقدّم سياسة تحريرية حين تتقدم لترخيص موقع، والمجلس لديه قواعد وضوابط يضعها، فالمفترض أن يحاسِب في هذا الإطار، وفي إطار الملاك فقط، لا أن يسأل الصحفي عن أصل العمل الصحفي. من حقه أن يحيل الصحفي إلى النقابة، ومن حق المجلس في تلك اللحظة أن يحيل المالك إلى المحكمة، لأن هناك سلطة تذهب إلى المحكمة بعد ذلك.
الموضوع طبعًا يحتاج دقة وتحريًا، ويحتاج تركيزًا على أدوار كل طرف وتحديدها بوضوح. هذه هي المشكلة التي نتكلم فيها: شفافية القواعد وضوابطها، وتحديد الأدوار وحدودها، بحيث يعرف كل طرف أين تبدأ حدوده وأين تنتهي. ونحن بالمناسبة كلنا نخضع للقانون المصري، ونخضع للمحاكم المصرية.
ندعو الناس دائمًا إلى الرجوع إلى النقابة للشكوى في حق الصحفيين بدلًا من اللجوء إلى القضاء، لكننا لا نستطيع أن نمنع أحدًا من اللجوء إليه. وحين يلجأ إليه، نكون طرفًا مساندًا للصحفي، وبعض المساندة تكون بأن نقول له: صحّح. فحق الرد وحق التصحيح جزء من القانون، ولكي تحاسب صحفيًا هناك قواعد قانونية تبدأ بحق الرد وحق التصحيح. وكنا نقول دائمًا إن عقوبة الخبر الكاذب تكذيبه وتكذيب صاحبه، لأنه يفقد مصداقيته. هذا هو المناخ العام المفتوح الذي يجب أن نعمل فيه جميعًا.
تطوير الإعلام: روشتات تنتظر الدواء
تحدث الرئيس السيسي مؤخرًا عن تطوير الإعلام، وعن ضرورة الاهتمام بالملف الإعلامي. هل ترى أن شيئًا تحقق بالفعل؟
ما حدث باختصار شديد أن لدينا لجنة تكلمت كثيرًا، ونريد أن نأخذ بالتوصيات التي خرجت بها هذه اللجان، ونتمنى أن تأخذ موضع التنفيذ. والرسائل في الفترة الأخيرة، كما قلنا، تعطي إشارات سلبية شديدة.
متى نشعر بأن هناك خطوات؟ لديّ الآن، بسم الله ما شاء الله، عدة روشتات: روشتة خرجت من نقابة الصحفيين، وروشتة خرجت من الحوار الوطني، وروشتة خرجت من لجنة تطوير الإعلام، كلها تنتظر أن نشتري الدواء، أو أن نعطي المريض الدواء المكتوب، لكي نفكّ هذه الحالة. وفي انتظار مؤتمر 3 ديسمبر، المطلوب أن نتخذ خطوات، لا أن نعيد النقاش من جديد. لم نعد في حاجة إلى نقاش جديد. قد نحتاج إلى نقاش للملفات التي تُفتح بعد ذلك، لكن لدينا ملفات محسومة نتفق عليها جميعًا، مثل حرية تداول المعلومات، وقد قدّمت النقابة مشروعها.
أنا أقول لهم الآن: يا جماعة، المهم أن نصدر قانونًا، أيًّا كان شكله، ثم نطوّره بعد ذلك. أنا متمسك بمشروع نقابتي، لكن في النهاية، لو صدر مشروع في الحدود المقبولة، حتى لو كانت فيه بعض المشكلات، سنتعامل معه ونكون قد خطونا خطوة.
لدينا استحقاقات دستورية، منها منع العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر. هذا استحقاق دستوري. والدستور حين صدر أحال ثلاث جرائم إلى القانون العام، هي الخوض في الأعراض، والتحريض على العنف، والتمييز بين المواطنين، وقلنا إننا نرتضي هذه القاعدة بشكل عام. فتعالوا نستكمل الاستحقاق الدستوري. وهناك أيضًا حرية الإصدار، وقواعد حرية الإصدار في بعض القوانين التي تحتاج إلى مراجعة لأنها تخالف النص الدستوري. وقد أعددنا مشروعًا لمنع العقوبات السالبة للحرية، قدّمته النقابة وفتحت حوله نقاشًا.
خذ مثلًا تعيين المؤقتين: هل يحتاج إلى أكثر من قرار؟ سعينا فيه، وأُجريت مسابقات، والهيئة خرجت تقول إنها جاهزة، والمسابقة أُجريت، والقرار يحتاج إلى إشارة. وتجديد شباب المؤسسات الصحفية القومية يحتاج إلى إشارة، مجرد قرار لا أعرف أين هو معلّق. في النهاية، حين نصل إلى كل هذه الإجراءات ويظل القرار معلّقًا.. مجرد قرار، مجرد قرار، والقرار يعني إرادة.
وحين نتحدث عن كثير من الأزمات، فإعلام الخدمة العامة في العالم مدعوم، وخطوات تطوير إعلام الخدمة العامة مهمة، بشرط أن يبقى إعلام خدمة عامة يعبّر عن الناس كلهم. أن تعطي مساحات مختلفة للناس مجرد قرار، وأن يسمح المناخ العام والتشريعات بممارسة النشاط الصحفي بحرية.
في المادة 12 مثلًا، وصلنا إلى أكثر من صيغة للتعديل. وإلى أن تُعدَّل المادة 12، فليصدر قرار تنفيذي بأن كارنيه النقابة بمثابة الترخيص الذي نتحدث عنه، لا أكثر، وأن خطابات الصحف المعتمدة بمثابة ترخيص لحين تعديل المادة. ونحن نعرف أن هناك حدودًا للمناطق العسكرية لن نذهب إليها. الصحفي المصري يعرف محددات الأمن القومي، وكان طوال الوقت شريكًا في حماية هذا الأمن القومي، وشريكًا في معارك الوطن، وشريكًا في الدفاع عنه. والدفاع لا يعني الدفاع عن الأنظمة؛ الدفاع معناه أن من حقنا النقد، وكشف مواطن الخلل، ومراقبة عمل المسؤولين وانتقادهم. وهذه بالنسبة إليّ إحدى أدوات الدفاع عن هذا المجتمع، وعن الحقوق الأساسية التي ندافع عنها، وهي حقوق المواطن والتعبير عنه.
مظلة النقابة لصحفيي المواقع
ننتقل إلى روشتة المواقع الإلكترونية وصحفييها: ما الجديد؟
ما جرى طوال الوقت في موضوع المواقع الإلكترونية أن هناك إيمانًا راسخًا، أتبناه طوال الوقت، بأن مدّ مظلة الحماية النقابية إلى جميع ممارسي المهنة حل ودواء ناجع لأزمة المهنة؛ فلا يصح أن يبقى أحد خارج الحماية النقابية. والحماية النقابية لا تدافع عن الناس فقط، بل تحمي المهنة أيضًا، وتمنع الممارسات الخاطئة: انتحال الصفة، والتغطيات غير المسؤولة، ونشر الشائعات.
الشائعة قد تنتشر من غير قصد، لكن هناك أناسًا غير مدربين بشكل حقيقي يمارسون المهنة خارج الإطار، فينقلون معلومة هي مجرد معلومة خام تحتاج إلى تحقق، وربما يرون جزءًا بسيطًا منها، فأنت تحتاج إلى صحفي مهني حقيقي يتابعها. وتحديد الصحفيين المهنيين في المجتمع ضرورة مهمة جدًا لحماية المجتمع.
دخل الموضوع في نقاشات بأكثر من شكل. هناك من يرى أنه يحتاج إلى تعديل تشريعي، وأنا من المنحازين إلى أنه لا يحتاج إلى تعديل تشريعي، ولا يحتاج إلى أكثر من تفسير للقانون. فالقانون ينص على الصحافة المطبوعة، والطباعة في التفسير العام في مصادر القوانين المصرية، من قانون المطبوعات عام 1936 حتى الآن، تشمل كافة الأشكال، ومنها التصوير. واليوم يُعامَل ملف الـPDF على أنه طباعة، وتحدثت بعض الأحكام عن الكتابة على لوحة المفاتيح باعتبارها طباعة. المهم أن القانون وسّع المفهوم إلى أبعد من الطباعة، وتحدث عن الوكالات نفسها.
والقانون في فلسفته كان يقصد حماية كل ممارس للمهنة على أرض مصر: الممارس المتفرغ، وحتى المنتسب الذي يعمل في وظيفة أخرى، والأجنبي، والعربي. كل هؤلاء كانت تمتد إليهم مظلة الحماية النقابية، فالهدف هو مدّها إلى الجميع. وهذا بالمناسبة جزء من حماية المهنة، ومن ضبط السوق وتوسيعها أمام الصحفيين. مدّ المظلة إلى كل من يمارس المهنة، لا إلى المواقع وحدها، يفتح السوق الصحفية. لن أقول إن الصحافة الورقية انتهت وإن الإلكترونية هي المستقبل، فهذا كلام محل نقاش، لكن لدينا على الأقل وسائط متعددة، واتباع جميع الوسائط جزء من توسيع السوق الصحفية التي يمكن أن تستوعب كثيرين. الفائدة ستعمّ، والأمر ليس مصدر خطر كما يعتبره بعض الناس.
ما دمت من أنصار تفسير القانون فقط، فلماذا لا توجد خطوات جادة؟
اتخذنا إجراءً رفضه الناس في البداية: أعلنّا قاعدة للانتساب، وتحمّلتها بشكل واضح ومنفرد، فلم تعجب الأطراف كلها، رغم أنها كانت خطوة حماية أولى تمدّ المظلة النقابية، ولو من باب الانتساب، إلى أن نرى مسارات أخرى. وحين رفضها الناس قلنا: فلنفتح نقاشًا حولها. فخالد البلشي ليس هو النقابة، ولن يقبل أن يكون هو النقابة، ولن يقبل أن يتخذ قرارًا علويًا. أنا طوال عمري أقف ضد القرارات العلوية والفوقية التي تصدر من السلطة مباشرة دون مشاركة الناس، وما يصدر دون مشاركة الناس ودون اقتناعهم سيكون الرد عليه عنيفًا، وسيأتي من يلغيه في اليوم التالي.
بمشاركة الناس تُؤسّس الأشياء. وهذه النقابة خاضت هذه المعارك سابقًا وانتهت إلى الانتصار لحماية الممارسين للمهنة. لذلك لا بد من نقاش جاد داخل الجماعة الصحفية. أعرف أن الموضوع صعب، وأعرف أنه سيأخذ وقتًا، لكني أرى هذا النقاش يتطور، وأرى مساحة القبول تتسع. مجرد فتحه كان خطوة مهمة، مجرد طرحه مرة واثنتين وثلاثًا، والأهم أن نصل في النهاية. وما نحاوله الآن أن نصل إلى الجمعية العمومية المقبلة ولدينا تصوّر يُطرح عليها. لن يتم شيء، ولن يُسمح بأن يتم شيء، خارج إرادة الجمعية العمومية، لأن الجمعية العمومية إذا أرادت فستتحمل المستقبل، وستتحمل الحقوق أيضًا.
هل يدرس المجلس هذا الملف الآن؟
بدأنا بالفعل في الدراسة، وسنعدّ تصوّرًا، لكن تلاحقت مجموعة من الأحداث بعد طرح الموضوع. وفي النهاية لن يمنعنا ذلك من الوصول إلى الجمعية العمومية، وسنصل إليها إن شاء الله ولدينا تصوّر يُطرح عليها لتقبله أو ترفضه، وأتمنى أن تناقشه.
البدل والانتخابات
تُطرح في الشارع الصحفي أسئلة من نوع: لماذا لا تأتي زيادة البدل بشكل دوري، وترتبط بانتخابات النقيب، رغم أنه يُصرف من وزارة المالية مثل زيادات المرتبات والمكافآت التي يقرها الرئيس؟
فلنفرّق بين مطلب الجماعة الصحفية، الذي نصرّ عليه، وتصوّر الدولة. مطلب الجماعة الصحفية أن نحرّر الانتخابات من سلطة البدل، حتى لا يظهر في صيغ مختلفة يتحدث عنها الناس كثيرًا، أو يصبح اتهامًا، أو استغلالًا للاحتياجات. فقلنا: يا جماعة، فليدخل البدل في زيادة سنوية مرتبطة بمعدلات التضخم.
ونستند في ذلك إلى أحكام قضائية، وإلى أن البدل جزء من التدريب فعلًا، ومن تطور احتياجات التدريب. في الماضي كان يكفي أن تذهب لتتلقى تدريبًا، أما الآن فأنت تحتاج إلى أدوات تدريب: هاتف بمواصفات معينة، وطريقة تصوير، ومعدات، وتحتاج إلى تدريب على المعدات والمستحدثات، والذكاء الاصطناعي نفسه يفتح مساحات ضخمة. كل ذلك يحتاج إلى دعم كبير من البدل المخصص لهذه الاحتياجات، ويحتاج أن يكون الدعم مستمرًا، وأن تواكب الزيادة هذا التطور وهذه الاحتياجات.
واستندنا إلى أحكام محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا التي قالت إن هذا حق، واستندنا أيضًا إلى حديث الرئيس نفسه عن البدل بوصفه حقًا للجمعية العمومية كلها. ورفعنا ذلك إلى جهات مختلفة، وذهبنا إلى البرلمان، وأوصت اللجنة المختصة بالإعلام فيه بالتوصية نفسها. يبقى إذن ما نتحدث عنه دائمًا: العتبة السياسية، أو الإرادة السياسية. وهناك طبعًا رؤية مالية للموضوع، لكن يا إخواننا، هذا ليس مرتبًا، هذا بدل، فلا تُخضعه لقواعد المرتب، ومع ذلك فهو يزيد.
الأفضل ألا يتحول إلى ما يشبه الدعم الانتخابي لأحد الأطراف، ولا أريد أن أسميه بالمسمى الآخر السيئ. لماذا؟ لأن ذلك إعلان بأن الحكومة لا تريد التدخل: البدل سيزيد في كل الأحوال، فلا تتدخل في الموضوع. هذا أفضل للجميع، ورسالة للجميع، وقد طالبنا به. وما حدث خلال السنوات الماضية أن زيادات جرت خارج الانتخابات، ونحن نريدها أن تصبح قاعدة: أن تكون الزيادة، مهما كانت، ثابتة ودورية، ثم تأتي الانتخابات ويأتي من يتنافس، فتكون منافسة حرة بعيدة عن أي ضغوط أو مزايا أخرى. فمن يقدر على المزايا غير الحكومة؟ الحكومة تعلن أنها لا تدعم أي طرف من الأطراف، لكن نزول البدل يقول شيئًا آخر إذا ظهر في يد أحد المرشحين.
ولذلك جرى تجنّب الإعلان عن البدل بشكل مباشر في المرات الماضية، حين كان كل مرشح يقول إنه سيأتي بالبدل. وهذا سلوك جيد، وعلينا أن نعززه بأن تكون هناك زيادة دورية. لماذا؟ بسبب معدلات التضخم كما قلت، ولأن الاحتياجات التدريبية تتزايد بشكل كبير جدًا.
ولن أتحدث هنا عن أوضاع الصحف والصحافة بشكل عام، التي نتشارك جميعًا في تحمّل عواقبها. ما حدث أنه، نتيجة ما قيل إنه أوضاع استثنائية امتدت لفترات طويلة، صار لدينا إعلام يشبه بعضه بعضًا، وكان ذلك نوعًا من مراعاة الأوضاع الصعبة. لقد خرجنا من هذه الأوضاع، والإعلام دفع بسببها الكثير، والخروج من هذا المأزق لا بد أن يكون تشاركيًا من جميع الأطراف.
الكيانات الوهمية
وماذا عن الكيانات الوهمية التي تستغل الصحفيين؟ هل ترى تقدمًا في هذا الملف؟
جرت في هذا الملف على الأقل خطوات حكومية جيدة. تحركنا قضائيًا، والقضاء ينظر الآن، والخبر الذي أريد قوله إن النيابة استمعت إلى النقابة في أكثر من قضية تخص بعض هذه الكيانات. وأريد أن نركز على هذه الكيانات، لأن لها ضحايا آخرين تستغلهم: بعض الزملاء لا يعرفون من هو الصحفي وما هي الصحافة على وجه الدقة، فيجد مكانًا يقول له: تعالَ وسأشغّلك صحفيًا، فيذهب إليه. والأهم أن يُحاسَب من يفعل ذلك.
هذا أولًا. وثانيًا، أرسلنا خطابات إلى جميع الجهات التنفيذية، وصدرت قرارات من الحكومة باعتماد التوصيات التي أخرجتها النقابة: أن يكون التعامل مع الصحفي النقابي الذي يحمل كارنيه النقابة، ومع الصحفيين في المواقع المعتمدة والمتقدمة للترخيص بخطاب من مواقعهم، لأن هناك محاولة لضبط السوق. وجزء من الموضوع أيضًا التصدي لبعض الظواهر، مثل ما يجري في الجنازات وغيرها، لكن التصدي الجذري ليس مجرد ذلك، بل خطوات جادة في هذا الإطار.
والحقيقة أن السلطة أصدرت تعليمات دورية، وذهبنا إلى المحافظين فأصدروا تعليمات دورية بطريقة التعامل، وتواصل بعضهم مع النقابة وعقدوا لقاءات مع الناس. وطرقنا أبواب جهات مختلفة لتنفيذ ذلك، ولوضع ضوابط، ولتدريب الناس أيضًا. أتمنى أن تكون هذه خطوات بدأت بشكل جيد، وسنستكملها، ونحن مصرّون على استكمالها.
الاغتيال المعنوي للصحفيين
تحدثنا عن الإجراءات القانونية ضد الصحفيين، مثل الاستدعاءات والقبض. فماذا عن غير القانونية: محاولات الاغتيال المعنوي للصحفيين على مواقع التواصل الاجتماعي من بعض أصحاب المصالح؟
هذه جرائم تخضع للقانون العام، وحمايتها أن نتضامن مع زملائنا، ونذهب إلى الطرف الآخر ونحاسبه على ما يفعله، سواء من خلال القضاء أو القانون، وهذا حقنا. أما كيف تحاصر شخصًا يخرج ليقول إن الصحفي فعل كذا وكذا، فلا يكون ذلك إلا بإثبات العكس.
هناك صحفيون يتعرضون لهجوم معنوي وسباب عنيف حين ينشرون شيئًا، ويتخذون الإجراءات القانونية ويبلّغون مباحث الإنترنت، لكن هذه القضايا تموت. ماذا تفعل النقابة؟
ولماذا تموت؟ فلنتابعها معًا. تابعنا كثيرًا من هذه القضايا مع الزملاء، ونعمل فيها، فلنمشِ فيها معًا لو كانت هناك اتهامات. لكن المهم أن نتحدث عن شيء: نحن لسنا مجتمع ملائكة، ولدينا كثير من المخطئين، لكن لدينا أيضًا كثير من الاتهامات المعلّقة التي يجب على أصحابها أن يثبتوها. نحن نتضامن طوال الوقت مع الزميل، وجزء من التضامن أن نحاسبه على الخطأ أيضًا، حتى نكون منصفين، ونتضامن مع المهنة حين تأتينا شكاوى في حق الزملاء. وفي النهاية، الادعاءات الباطلة لها مكان ولها مسارات قانونية، نحن ملتزمون بها وسنلتزم بها، وسندافع عن الصحفي في إطار هذه المسارات.
انتخابات النقابة المقبلة
ولايتك نقيبًا للصحفيين تنتهي قريبًا، وسيأتي نقيب جديد. كيف تتخيله؟
لن أستطيع أن أقول أسماء، ولا أحد يستطيع أن يقول حتى الآن. لكن أقول لك شيئًا: البورصة بدأت مبكرًا، والتوقعات بدأت مبكرًا، والحقيقة أن كل هذه التوقعات المبكرة تسقط، لأنه حين يحل موعد الانتخابات تتغير قواعد كثيرة، وتعيد أطراف كثيرة حساباتها.
ما أفهمه أن الناس تقسّم المشهد هكذا: مرشح الدولة أو القريب من الدولة، ومرشح اليسار أو تيار الاستقلال. وبالمناسبة، لا يوجد يسار في النقابة بهذا المعنى؛ لو بحثت في مجلس النقابة عن اليسار بالمفهوم العام، اليسار الرسمي، فلن تجد أكثر من اثنين. أما مفهوم الاستقلال فواسع جدًا، يمتد إلى كل من يدافع عن هذه المهنة، وليس شرطًا أن يكون منتميًا إلى اتجاه بعينه؛ فقد كان في تيار الاستقلال أعضاء من الحزب الوطني، ومن أحزاب مختلفة. إنه ليس تيارًا حزبيًا، بل تيار مهني ونقابي، فلنكن واضحين.
أما التيار الآخر في النقابة، فحين تنظر الآن في البورصة المطروحة ستجد خمسة محسوبين عليه، وكل هذا يتغير وقت الانتخابات، فتكتشف أن الخمسة اصطفّوا خلف واحد.
من ستدعم في الانتخابات؟
لن أدعم أحدًا، فأنا رئيس لجنة الانتخابات. ميلي مع من؟ ميلي طبعًا طوال الوقت مع المساحة التي أعبّر عنها، لكنني حين صرت نقيبًا أصبح ميلي مع الجمعية العمومية كلها. وهذه المرة سأكون حَكَمًا للجمعية العمومية: رئيس الجمعية العمومية ورئيس لجنة الانتخابات. فالحل الآن أن أتحقق من أنني محايد في النهاية. الميل النفسي والاختيار النفسي شيء يأتي وقت التصويت، حين أدخل لأصوّت لمن أريد. أما قبل ذلك فأنا مضطر إلى مراعاة قواعد الحياد المهني التام في كل شيء، لأنني أؤسس لذلك أثناء الانتخابات.
أتمنى بشكل ما أن يستمر المشروع الذي أمثله، هذه أمنيتي. لكن في القواعد العامة علينا أن نضمن قواعد عادلة للجميع، في تنافس حر وعادل وشريف، ونتمنى أن نتجنب الظواهر السلبية التي شهدتها الانتخابات الماضية.
هل نرى أحدًا من المجلس الحالي مرشحًا على مقعد النقيب؟
كل واحد من حقه أن يعبّر عن نفسه، ولا تستطيع في هذه اللحظة أن تقول لأحد لا تترشح. أظن أن هناك رغبات داخل المجلس، وكثيرون يعبّرون عن رغباتهم إما بطريقة علنية أو من تحت لتحت، ومن كل الأطراف. هناك زميل يقول إنه داخل الانتخابات في كل الأحوال، لكنني لن أطرح أسماء بهذه الطريقة. حين نصل إلى العتبة الانتخابية لا بد أن يطرح المرشح نفسه علنًا، وللطرح العلني قواعد أخرى.
وأريد أن أقول لك شيئًا: دائمًا قبل الانتخابات بفترة تجد ثلاثة أو أربعة أسماء مطروحة بوصفها مرشحي تيار الاستقلال، ثم تنتهي إلى اسم واحد. وكذلك المرشح القريب من الدولة، أو القريب من الحكومة كما يسمونه، تجد أسماء كثيرة جدًا مطروحة، ثم يُستقر على اسم واحد. الآن هناك أسماء كثيرة، لكن دائمًا يكون لدينا مرشحان كبيران، أو ثلاثة على الأكثر، ولا أتوقع أن يزيد الأمر عن ذلك هذه المرة.
هناك كلام الآن على أن الأمر سيُترك مفتوحًا، وأن يترشح كل من يرغب في الترشح، وهذه هي القواعد العامة التي يجب أن تسود. هناك من يقول: يا جماعة، لن يكون هناك مرشح للدولة، وسيترشح كل من يريد. هذا كلام يُقال الآن، وهناك كلام آخر ورغبات أخرى. لم يُحسم شيء بعد. والأفضل، وأنا مع هذه الفكرة، أن تنتظر حتى تقترب الانتخابات وتطرح نفسك بشكل حقيقي.
الولاية الأولى والثانية وتقييم التجربة
بماذا تردّ على من يقولون إن أداءك في الولاية الثانية اختلف عن الأولى، وكان أقل؟
الموضوع ليس بهذه الطريقة. باختصار شديد: جئت على أرض فضاء، فبنيت وبنيت وبنيت، فأحسّ الناس بالتغيير. وجدت النقابة مغلقة بشكل كامل في الدور الرابع، لا دور للجمعية العمومية، وتفاصيل كثيرة من هذا النوع، فملأت كل ذلك. والآن هناك إحساس بأنك تبني في متن الموضوعات. حين يعود مركز التدريب للعمل، وينتظم التطوير داخل المجلس، يرى الناس انتظامًا فلا يشعرون بالجديد. في فترة من الفترات كان المشروع أكثر بروزًا، والآن نحن ندير مشروعًا ومشروعات.
هل زادت القيود؟ نعم طبعًا، هناك أزمات، والموضوع يعلو وينزل، لكن تقديري في النهاية أن الجهد مستمر بالطريقة نفسها. ربما زادت العقبات قليلًا في بعض الأمور، ونحن نقترب من انتخابات محسوم أنني لن أكون فيها. وحين تكون هناك تيارات مختلفة داخل النقابة، فمن مصلحة بعضها أن يقول إن هذا التيار لديه مشكلات كبيرة، وأن يعلي منها، وهذا حقهم.
وهناك انتقادات حقيقية بالمناسبة، نتيجة العقبات التي نتحدث عنها: أمامنا أكثر من أزمة تفجّرت خلال الفترة الأخيرة، وعليك أن تواجهها، وحين تواجهها تكون أمامك رؤى نقابية مختلفة. هناك من يرى ألا تخوض هذه المعارك أصلًا، وهناك من يرى أن عدم خوضها يؤثر على المهنة ومسارها بشكل عام، وأننا ندفع ثمنه حتى في الأجور. فتظل هذه المناطق الحادة والشائكة محل تقييمات مختلفة طوال الوقت.
كيف تقيّم تجربتك نقيبًا للصحفيين؟
من سيقيّم التجربة هو الجميع، الجمعية العمومية. جرى تقييم بعد الفترة الأولى وظهر في الانتخابات، وسيجري تقييم آخر لاحق للتجربة كلها. تقديري أنني على الأقل حاولت. وعدت بأشياء رئيسية: أن أتفرغ للعمل النقابي، وحرصت على ذلك، وألا أتربح من هذا العمل بشكل أو بآخر، وحرصت على ذلك، حتى إن الناس تبحث عن كلام غير حقيقي وتنسج حوله تفاصيل وتفاصيل. لن أتحدث عن وضعي الشخصي، لكنني حرصت في النهاية على أن هناك أشياء يجب أن تتم مهما كانت، وتصديت لها، وأن هناك حدودًا نقابية لن أتنازل عنها، تتعلق بحرية الصحافة وحرية المهنة.
وهناك سعي لحل المشكلات. سعينا مثلًا لحل مشكلة المؤقتين. حين تقيّم أداء النقابة، هل تقيّمه على أساس أن الحل تمّ، أم على أساس أنه عُرقل؟ النقابة بذلت كل جهد وما زالت، ثم توقف صاحب القرار فجأة، فماذا نفعل؟ بعد كل المساعي صارت القضية مطروحة، ولم تكن مطروحة من قبل، ووصل طرحها إلى تشكيل لجان وإجراء امتحانات، وأصبح الناس معروفين، وبقي قرار التوقيع. فكيف نقيّم ذلك؟
تقديري أن النقابة ما زالت تبذل كل الجهد في هذا الملف. وإذا قال الناس إن النقيب القوي كان سيفعل كذا، فالنقباء السابقون كلهم لم يطرحوا القضية أصلًا. فمن سعى واجتهد ووصل بها إلى هذه المرحلة؟ ومن يتصدى لخدمة الجمعية العمومية، كيف يكون الحل عنده؟ أن يخرج من الصورة؟ أم أن يساعد زملاءه؟ أظن أن هذه قضية تخص الجمعية العمومية، ومفتوحة لكل من يبذل جهدًا، إلا إذا كنا نعطي الناس على قدر انتخابهم لنا: لو انتخبوني أعطيهم، ولو لم ينتخبوني أعاقبهم! أم أننا جئنا لنخدم الناس بشكل عام؟ هذا ما نفهمه.
حين كنت خارج النقابة، كنت آتي إلى النقيب هنا وأطرق بابه، وأقول له في الجزء الذي أفهم فيه: القانون 180 نصوصه خطيرة، وأنا أقدّم نفسي معك لنخوض معركة تغيير نصوصه الخطيرة، ونتشارك، ولو تحقق النجاح فسيُنسب إلى النقابة. فأنا جندي من جنود هذه النقابة، وما زلت جنديًا من جنودها.
حين يأتيني أي أحد يحمل خدمة، أنزل معه، وأستخدم سلطة النقابة المعنوية وقوتها المعنوية، وحين أعلنها أقول إنها بجهود الزميل فلان، مع أنني بذلت الجهد وذهبت، لأن جزءًا من سلطة النقابة المعنوية أن يأتي أحد بخدمة ويشارك في التفاوض وفي تسهيل الحصول عليها، فهذا حقه. فما بالك لو كانت معي خدمة وحجبتها، كما يقول البعض؟ لكن الفكرة في النهاية أن نتقبل الجميع، وأن نتشارك جميعًا في العمل وفي خدمة الجمعية العمومية.
أنا الآن راحل في كل الأحوال، وأتمنى أن أكون قد تركت انطباعًا جيدًا لدى الجمعية العمومية. عذري، أو شفاعتي لنفسي، أنني حاولت أن أؤدي ما عليّ بأقصى طاقة امتلكتها. ولا بد أن أُتبع ذلك بكلام واضح: في بعض الملفات واجهت عقبات اضطرتني إلى بذل جهد مضاعف بدرجات كبيرة حتى نخرج بالملف إلى بر الأمان. ولو كنا أمام مناخ طبيعي، لأخذت ملفات أخرى كثيرة حقها من الجهد.
رسائل أخيرة
رسالة مختصرة للدولة والرئيس؟
الرسالة هي حرية الصحافة، وستظل هي الرسالة لأي دولة: الإعلام الحر إعلام لصالح الدولة، ولصالح الناس، ولصالح المجتمع.
وللجماعة الصحفية؟
تمسّكوا بوحدتكم، وتمسّكوا بقوّتكم. هذه المهنة لن تنتهي، فهي مهنة المستقبل، ومستقبلها في الحرية. وأوضاعنا الاقتصادية تتحسن بأن نحافظ على المهنة.
وللنقيب المقبل؟
أتمنى أن نستكمل كل الملفات معًا، وأن يكون الله في عونك.
