close

11 مليار دولار خرجت في شهر واحد: ما كشفته حرب إيران عن الاقتصاد المصري

الجنيه المصري فقد 7% من قيمته في خمسة أشهر من الحرب الأمريكية الإيرانية وخرج 11 مليار دولار أموال ساخنة في مارس وحده، في اقتصاد توجه 63.9% من موازنته لخدمة ديون بلغت 164.78 مليار دولار، ويعتمد على مصادر دولارية تتأثر جميعها بالتوترات الإقليمية دون اقتصاد إنتاجي يولّد الدولار من الداخل
Picture of ياسمين علي

ياسمين علي

خلال 5 أشهر من بدء الحرب الأمريكية الإيرانية  لعام 2026، تخللها فترة توقف لم تتجاوز 20 يومًا، فقد الجنيه المصري نحو 7% من قيمته أمام الدولار، بينها 4% فقط خلال شهر يوليو، متأثرًا بما ترتب على هذا التوتر الإقليمي، من خروج سريع للأموال الساخنة، في انعكاس للهشاشة الاقتصادية، التي أرجعها الخبراء لاعتماد الدولة على أدوات السياسة النقدية فقط، بدلًا من الاقتصاد الحقيقي.

وبينما سجل سعر الجنيه أمام الدولار يوم 28 فبراير -يوم اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران- في البنك المركزي المصري 47.99 جنيه للدولار، قفز إلى 51.42 جنيه للدولار في يوليو، على إثر الحرب.

جاء هذا تزامنًا مع استعداد مصر لاستكمال برنامج التسهيل الائتماني الذي وقعته في نهاية عام 2022 مع صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار، ارتفعت فيما بعد لـ8 مليارات، حصلت منها حتى الآن على 5.5 مليار دولار، وإعلانها بدء العمل على إعداد ” برنامج اقتصادي وطني شامل” يقود المرحلة التالية للاقتصاد بعد انتهاء حقبة الصندوق، مستهدفًا الانتقال من تثبيت الاستقرار إلى تحقيق نمو مستدام ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين، وفقًا لتصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال كلمته بافتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة.

 

وشهدت فترة الحرب الإيرانية الأمريكية، موجات من التذبذب في تدفقات وتخارجات الأموال الساخنة بالسوق المصرية، فبعد اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي، تراجعت استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة خلال شهر مارس بنحو 11 مليار دولار، لتسجل 27.1 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ سبتمبر 2025، وفقًا لوزارة المالية المصرية، ومع الهدوء المؤقت للأوضاع، عادت الأموال الساخنة للتدفق مسجلة 8.76 مليار دولار خلال تعاملات شهر يونيو الماضي، لتبدأ الخروج من جديد خلال النصف الأول من شهر يوليو مع تصاعد التوترات العسكرية، مسجلة صافي خروج بنحو 1.92 مليار دولار خلال أسبوعين، منها 1.46 مليار دولار في أسبوع واحد.

تقول مريانا عزمي، المحلل المالي وعضو مجلس إدارة شركة ماكينزي للاستشارات المالية، إن اعتماد الدولة في سياستها النقدية على استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية أو ما يُعرف بالأموال الساخنة، يعني أنها تعتمد في اقتصادها على ما لا تملك ولا تتحكم فيه، فأصحاب الأموال الساخنة هم الذين يتحكمون في دخول وخروج الأموال وفق الظروف المحيطة، ما يجعلنا رهنًا لقرارتهم التي تخدم مصالحهم.

وأوضحت لـ”زاوية ثالثة”، أن قيمة الجنيه  يجب أن تعكس حجم الاقتصاد وليس مدى توافر العملة من خلال جذب الأموال الساخنة، مشيرة إلى أن هذه المشكلة نعاني منها منذ 10 سنوات، ولا تزال الدولة تعتمد عليها في التدفقات الدولارية.

والأموال الساخنة التي هي استثمارات أجنبية قصيرة الأجل تضخ في أدوات الدين الحكومية كأذون وسندات الخزانة أو البورصة، لم تعد مصر تحتسبها ضمن الاحتياطي النقدي الأجنبي، الذي وصل بنهاية يونيو الماضي إلى 55.07 مليار دولار، لأنها تعتبر التزامًا سريع الخروج وليست ملكًا خالصًا للدولة.

لكن للأموال الساخنة أدوارًا في الاقتصاد، تتمثل في تعزيز السيولة من العملة الأجنبية، ودعم سعر الصرف بسبب زيادة المعروض من العملة الأجنبية في السوق المصرية، وتنشيط التداول في الأسواق المالية من خلال ضخ الأموال في البورصة.

 

ووفقُا لتقرير أعدته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ضمن سلسلة تقارير “عين على الدين”، فإنه خلال السنوات الأخيرة، قدمت مصر واحدًا من أعلى الفوائد الحقيقية على استثمارات الأموال الساخنة في الأسواق الناشئة، ما حافظ على جاذبية أذون الخزانة السيادية المصرية طوال الفترة الماضية، فكانت بنهاية عام 2023 في حدود 10 مليارات دولار، وارتفعت إلى 42 مليار دولار بنهاية 2025 (بما يمثل خمس الدين المحلي)، 

وأشار التقرير إلى أن الإبقاء على معدلات فائدة مرتفعة يعني أن مستثمري الأموال الساخنة حصلوا على أرباح كثيرة خلال عام 2025، موضحًا أن شغل الأموال الساخنة نسبة 20% من الدين، يجعلها مصدرًا للهشاشة البنيوية  التي تجعل استقرار الاقتصاد المصري صعبًا، ويعني أننا أكثر هشاشة في مواجهة العوامل الاقتصادية الخارجية، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.

 

اقتصاد هش قائم على السياسة النقدية

يقول الدكتور مدحت نافع خبير الاقتصاد والتمويل، إن بيانات السنوات الماضية، تشير إلى أن الجنيه المصري يفقد جزءًا من قيمته أمام الدولار بصورة شبه منتظمة، فخلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، اقترب متوسط تراجع قيمة الجنيه من 16% سنويًا مع تسارع هذا المعدل بوضوح خلال السنوات الخمس الأخيرة، ما يجعل هناك تساؤل مستمر حول ما يدعم فترات استقرار في أسعار الصرف؟

ويؤكد نافع من خلال منشور له على “فيسبوك”، أن قوة العملة لا تُبنى على سعر الصرف وحده، بل على اقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار الحقيقي، وبالتالي إذا لم يكن استقرار الجنيه المصري مدعومًا بزيادة الإنتاجية والصادرات والقيمة المضافة، فإنه يكون استقرارًا مؤقتًا.

ويضيف أنه قديمًا كان الجنيه يحافظ على استقراره عبر استنزاف الاحتياطي من النقد الأجنبي، أما الآن لا يتم استنزاف الاحتياطي بالوتيرة نفسها، مع تراجع الاعتماد على الأموال الساخنة في تكوينه، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الجنيه أصبح أقوى بصورة مستدامة.

ويوضح الخبير الاقتصادي أنه إذا لم يكن الحفاظ على سعر الصرف يتم عبر استنزاف الاحتياطي، فقد يكون ثمنه في بعض الأحيان ارتفاع الالتزامات الخارجية أو الاعتماد على تدفقات رؤوس الأموال الباحثة عن أسعار الفائدة المرتفعة، وبالتالي أصبح تقييم قوة الجنيه لا ينبغي أن يقتصر على متابعة الاحتياطي النقدي فقط، بل يجب أن يشمل تطور الدين الخارجي، وحجم الالتزامات الخارجية، ومدى تحسن قدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة، مشددًا أن الاقتصاد الحقيقي هو الضامن الدائم لقوة أي عملة.

 

ووفقا للملامح الأساسية لخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2026/2027، الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، فإن الناتج المحلي الإجمالي المتوقع خلال العام الجاري والمقدر بـ24.5 تريليون دولار، تسهم فيه قطاعات الاقتصاد الحقيقي بأكثر من 62% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي قطاعات الزراعة بنسبة 16.7%، والصناعة بنسبة 16.2%، والإنشاءات بنسبة 15.3%، وتجارة الجملة والتجزئة بنسبة 14.2%.

ورغم مساهمة الاقتصاد الحقيقي بنسبة معتبرة في الناتج القومي الإجمالي، إلا أن هذا لا يعبر عن إدارة الاقتصاد من خلال قطاعات الاقتصاد الحقيقي بشكل أكبر من السياسة النقدية، لأن قطاع البنوك الذي يساهم بنسبة 3.4% فقط من الناتج المحلي، يؤثر مباشرة في تكلفة النمو لنسبة الـ62%، نتيجة اعتماد الاقتصاد الحقيقي على الاستيراد، واحتياجه للعملة الصعبة بشكل مستمر، وضعف حصيلته التصديرية ومردوده الدولاري مقارنة بضخامة الاحتياجات المالية العاجلة.

 

وكشفت مؤشرات التجارة الخارجية لمصر لعام 2025، فجوة بين قيمة الصادرات والواردات المصرية، إذ سجلت قيمة الصادرات غير البترولية نحو 48.5 مليار دولار، بينما سجلت الواردات نحو 83 مليار دولار.

ووفق وزارة التخطيط، بلغ حجم الدين الخارجي لمصر، بنهاية مارس 2026،  164.78 مليار دولار، مرتفعًا بنحو 0.5% بما يعادل نحو 868 مليون دولار، مقارنة بالربع الأخير لعام 2025، تأثرًا بزيادة صافي تدفقات الاقتراض الخارجي بنحو 2.8 مليار دولار من ناحية، وانخفاض أسعار صرف العملات المقترض بها أمام الدولار من ناحية أخرى.

 

ويتفق الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، مع نافع قائلًا إن الحكومة لم تهتم بأهم جوانب الاقتصاد وهو التصنيع متسائلًا: “كم مصنع تم افتتاحه خلال السنوات الـ30 الأخيرة؟ وكم مصنع تم افتتحتهم حكوماتش الدكتور مصطفى مدبولي؟”، مشيرًا إلى أن عدم الاهتمام بالاقتصاد الحقيقي، يجعل سداد تكلفة العجز من جيب المواطن.

وأضاف عبده لـ”زاوية ثالثة”، أن انخفاض الجنيه بشكل متسارع يشير إلى هشاشة الاقتصاد، ضاربًا مثلاً بالدولة الروسية التي انخرطت في الحرب منذ 3 سنوات، وتُنصف ضمن أكبر اقتصادات العالم، أما مصر فتتأثر بأي مشكلة كأزمة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والآن حرب إيران، لأن اقتصادها معتمد على مصادر محددة لتوفير العملة تتأثر بالتغيرات المحيطة، ومنها: إيرادات قناة السويس التي تأثرت بفعل الحرب، وتحويلات المصريين في الخارج التي تأثرت أيضًا بتورط دول الخليج في الحرب، وحركة التجارة التي تأثرت بإغلاق مضيق هرمز، ما يعني أن الاقتصاد المصري عبارة عن رد فعل للأزمات المحيطة.

وتتأثر إيرادات قناة السويس بالتوترات المحيطة، إذ تلقت ضربة قوية خلال عام 2024/2026، بسبب تبعات هجمات الحوثيين على بضائع الشحن، لكنها عادت للارتفاع خلال الـ9 أشهر الأخيرة من العام المالي 2025/2026، مسجلة نحو 3.2 مليار دولار، مقابل 2.6 مليار دولار مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.

ووفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، بلغت تحويلات المصريين بالخارج خلال الأشهر الـ9 الأولى من العام المالي 2025/2026، حتى نهاية مارس 2026، نحو 34.9 مليار دولار، وسجل شهر مارس وحده 5.5 مليار دولار، قبل أن تعود المعدلات مرة أخرى إلى 3.9 مليار دولار في مايو 2026. وتتأثر تحويلات المصريين في الخليج بحرب إيران، التي دفعت الكثير لتحويل أموالهم في إطار التحوط ضد الازمة.

 

وفي الأيام الأولى للحرب الأمريكية الإيرانية، وتأثرًا بإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، اتجهت مصر لزيادة أسعار الوقود بنحو 17% في المتوسط، ما أثر على مختلف الأنشطة الاقتصادية، وحذر معهد التمويل الدولي IIF من أن ارتفاع أسعار النفط العالمية قد يزيد من الضغوط على المالية العامة في مصر، مشيرًا إلى أن زيادة دولار واحد في سعر برميل النفط ترفع أعباء الموازنة المصرية بين 4 و4.5 مليار جنيه.

وتقدر الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي 2026/2027، متوسط سعر برميل النفط بـ75 دولارًا للبرميل، في حين تدور أسعار العقود الآجلة لـ”خام برنت حول 100 دولار للبرميل، ومع تصاعد التوترات السياسية في المنطقة أعادت كبرى البنوك وشركات الاستثمارات العالمية النظر في توقعاتها وصولًا إلى مستويات قد تبلغ 150 دولارًا حال تفاقمت أزمة مضيق هرمز، و80 دولارًا حال هدوء التوترات.

وخلص تقرير “عين على الدين” للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى أن الحكومة لا تعالج الإشكالات الهيكلية للاقتصاد المتمثلة في ارتفاع تكلفة الدين وهشاشة مصادر النقد الأجنبي وضعف الاستثمار الإنتاجي، وتراجع الحماية الاجتماعية، بل تتمسك هي وصندوق النقد بإدارة الأزمة من الجانب النقدي والمالي فقط، من خلال التركيز على مرونة سعر الصرف، وأسعار الفائدة المرتفعة، وتقليص الإنفاق على الدعم والخدمات العامة والاستثمار، وبيع الأصول، واستهداف الفائض الأولي.

 

نصف اقتصاد

وفي منشور آخر يقول الدكتور مدحت نافع، إن مصر دفعت خلال عام 2025، 8 مليارات جنيه فوائد فقط على ديونها الخارجية، إذ بلغت مدفعوعات الدين الخارجي 33.4 مليار دولار، منها 25.36 مليار دولار أقساط، و8.06 مليار دولار فوائد، بنسبة 24% من إجمالي المدفوع.

وتساءل عن ماذا بإمكاننا فعله إذا استطعنا تخفيض هذه الفوائد أو تجنب جزء منها، كم مدرسة ستُبنى، وكم مستشفى يمكن تطويره؟ وكم فرصة عمل يمكن خلقها؟ وكم مساحة مالية ستتوفر للاستثمار في الإنسان بدلًا من خدمة الدين؟، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي في تقليل الاعتماد على الاقتراض مرتفع التكلفة حتى تتحول موارد الدولة من سداد الفوائد إلى تمويل التنمية.

 

ووفقًا لموازنة 2026/2027، تستحوذ المخصصات الموجهة إلى سداد أقساط وفوائد الديون المحلية والأجنبية على 63.9% من النفقات الإجمالية المخصصة للسنة المالية بقيمة 5.2 تريليون جنيه، بينما يتبقى نحو 36.1% فقط من إجمالي المخصصات لتمويل الأجور والدعم والإنفاق على التعليم والصحة والاستثمارات وشراء السلع.

ووفقًا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن الجزء الأكبر من الديون الجديدة التي تخطط الدولة لاقتراضها في خلال السنة المالية، يوجه لسداد أقساط القروض المحلية والأجنبية السابقة بنسبة 68%.

ويوضح تقرير “عين على الدين”، أن الحكومة تعتمد بشكل مستمر على تدوير الدين، أي اقتراض ديون جديدة لسداد ديون أقدم، بدلًا من تقليص الدين بالتوقف عن الاقتراض لتمويل مشروعات البنية التحتية الكبرى أو تقليل وتيرة الاقتراض لحين انتهاء الأزمة الاقتصادية.

تقول المحللة المالية مريانا عزمي، إن الاعتماد على السياسة النقدية فقط يعني أننا نسير بنصف القوة الحقيقية للاقتصاد الفعلي، فالأساس أن تهتم الدولة بالسياسات الاقتصادية الهيكلية لتكون هي المحرك الرئيسي للسياسة النقدية.

وأوضحت أن السياسة النقدية تمثل علاج سريع وقوي وقصير الأجل، يمكن اللجوء إليه حتى تؤتي السياسات الاقتصادية ثمارها من على المدى المتوسط أو البعيد، لكن لا يمكن الاعتماد عليها كحل مستمر لأزمات الاقتصاد، لان هذا يعني تحريك أرقام التحسن أو الاستقرار بشكل غير حقيقي، وأن الدولة لا تملك اقتصادًا حقيقيًا ثابتًا أمام الأزمات.

ياسمين علي
صحفية مصرية، متخصصة في ملفي التعليم والاقتصاد، عملت في مواقع محلية وإقليمية ودولية.

Search