في العام 2013 كان شريف ممدوح، يحلم بامتلاك شقة سكنية في القطامية، حينها أغراه مسوقون عقاريون بشراء وحدة في مشروع “مكاني بسرايات القطامية” الواقع بمحاذاة الطريق الدائري قرب بداية طريق العين السخنة، والذي تمتلكه شركة “كايرو كونسلت للتنمية العقارية بالقطامية”، بسعر نحو 400 ألف جنيه مصري، وقدموا له وعودًا بتسهيلات في الدفع على أن يتسلم وحدته في عام 2018، وفق العقد، لكنه لم يستلم وحدته حتى اليوم بينما يشارف عام 2025 على الانتهاء.
أزمة شريف مع الشركة المالكة مستمرة منذ أكثر من 7 سنوات، إلى جانب نحو 1500 مالك متضرر، لجأوا للشكوى إلى جهات حكومية مختلفة، من بينها محافظة القاهرة ورئاسة مجلس الوزراء ووزارة الكهرباء وشركة توزيع الكهرباء، دون الوصول إلى حلٍّ جذريّ، وفي أكتوبر الماضي نظم عدد منهم وقفة احتجاجية أمام مبنى محافظة القاهرة، احتجاجًا على ما اعتبروه تقاعس المحافظة عن اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الشركة التي خالفت قرارات التخصيص الصادر من محافظة القاهرة برقم 379 لسنة 1998، والذى خُصص بموجبه بالأمر المباشر للشركة قطعة أرض من أملاك المحافظة بمساحة 32 فداناً بغرض إقامة مشروع سكنى متكامل الخدمات، بالقطعة رقم 11، ضمن دائرة حى البساتين، وذلك مقابل 80 جنيهاً للمتر المربع، بشرط الانتهاء من المشروع وتسليمه خلال مدة لا تتجاوز 3 سنوات من تاريخ التخصيص.

يحكي ممدوح أنّ عددًا كبيرًا من العمارات السكنية داخل المشروع لم يُشيَّد أصلًا، رغم أن التعاقد مع المشترين جرى على أساس تسليم الوحدات بين عامي 2016 و2018. وفي المقابل، هناك فئة أخرى من الملاك، من بينهم هو نفسه، اكتمل بناء وحداتهم بالفعل، لكنها لا تزال بلا مرافق حتى اليوم؛ فلا كهرباء ولا مياه، فضلًا عن نواقص واضحة في التشطيبات النهائية، تشمل المصاعد والواجهات والمداخل. وبذلك يجد كثير من الملاك أنفسهم متجاوزين مواعيد الاستلام المتفق عليها بخمس أو ست أو حتى ثماني سنوات، من دون أن يتمكنوا من الانتفاع بالشقق التي سدّدوا ثمنها كاملًا.
يؤكد ممدوح أن جميع الملاك سدّدوا قيمة وحداتهم كاملة، والتي تراوحت بين 380 و400 ألف جنيه في عام 2014 تقريبًا، مع تباين الأسعار من عام لآخر، موضحًا أن الأقساط كانت تُدفع بانتظام، وأن الشركة لا تملك، في رأيه، أي مبرر لتأخير التسليم بعد اكتمال السداد. ويرجّح المالك المتضرر وجود نفوذ غير مفهوم تتمتع به الشركة، مشيرًا إلى أنها، وفق روايته، تسعى إلى تحصيل مبالغ إضافية من جميع الوحدات بالمشروع تقدَّر بنحو 100 ألف جنيه لكل شقة، وهو ما يعني، عند احتساب متوسط العائد من العمارة الواحدة، إمكانية تحقيق عشرات الملايين الإضافية.
ويكشف ممدوح لـ”زاوية ثالثة” أن الشركة تطالب بعض الملاك أيضًا بسداد مبالغ غير منصوص عليها في العقود، تصل إلى 100 ألف جنيه نظير توصيل المرافق والعدادات، كما تُلزمهم، بحسب قوله، بالتوقيع على محاضر استلام تتضمن بنودًا جديدة تفرض عليهم رسوم صيانة “مدى الحياة”. ويؤكد أن عددًا من المشترين اضطروا للرضوخ لهذه المطالب تحت ضغط الحاجة إلى السكن، رغم مخالفتها للقانون.

ويضيف أنّ الأسباب التي تبرّر بها الجهات الرسمية تأخر تنفيذ المشروع “غير مقنعة”، إذ تُرجِع التأخير إلى الظروف الاقتصادية، وجائحة كورونا، ودعم الدولة للمستثمرين، بينما يؤكد الملاك أنّ مواعيد تسليمهم كانت مقررة قبل هذه الظروف بسنوات، وبعضهم كان موعد استلامه في 2016 و2017 و2018، أي قبل موجات الغلاء الأخيرة.

يشترك معه مينا فكنر جرس في المعاناة نفسها الناتجة عن عدم التزام المطوّر العقاري بمواعيد التسليم المنصوص عليها في العقود؛ وكان قد اشترى وحدة سكنية في أحد المشروعات التابعة لشركة “النساجون الشرقيون” وذراعها العقاري (O.U.D) عام 2020، بقيمة مليون وسبعمائة ألف جنيه، شاملة وديعة الصيانة وموقف السيارات واشتراك النادي، داخل العاصمة الإدارية الجديدة. وكان من المقرر أن يتسلّم الوحدة بحلول نهاية عام 2023، غير أنه فوجئ بأن وتيرة العمل في المشروع تسير ببطء شديد، ولم يحصل على وحدته حتى اليوم.
وفي وقت لاحق، اشترى مينا وحدة أخرى من شركة البحر الأحمر للتنمية السياحية ضمن مشروع “شاطئ الشرقيون” الواقع على الساحل الجنوبي لمدينة القصير، وكان من المفترض تسليمها في مايو 2024، إلا أن هذا لم يتحقق أيضًا.

يذكر مينا أنه تعاقد على شراء الوحدتين في وقت كان سعر الدولار يتراوح فيه بين 15 و16 جنيهًا، بينما تضاعفت لاحقًا القيمة السوقية للوحدات السكنية المملوكة للمواطنين لتصل إلى ما بين ثلاثة ونصف وأربعة ملايين جنيه. وبحسب روايته، ترى شركة (O.U.D) أنها الطرف الخاسر في هذه المعادلة، باعتبار أن الأسعار المدفوعة آنذاك باتت زهيدة مقارنةً بقيمة السوق الحالية. ويضيف أن موظفي الشركة أبلغوا الملاك بأنهم حصلوا على وحداتهم بأسعار “بخسة”، مع تكرار الوعود بجلب مقاولين جدد، من دون أي تقدّم فعلي في التنفيذ.
ويفسّر مينا هذا التعثر بأن الشركة تحاول دفع الملاك إلى الانسحاب واسترداد أموالهم المسددة قبل خمسة أعوام، وهو ما دفعه إلى التوقف عن السداد احتجاجًا على عدم التزام الشركة، قبل أن يلجأ إلى القضاء لرفع دعوى تعويض ضدها.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أزمة العملاء تكمن في أنّهم سددوا التزاماتهم اعتمادًا على سمعة الشركة، واقترض كثيرون منهم أموالًا لتسديد الأقساط، بينما لا تزال المشروعات دون تقدّمٍ حقيقي، حيث يعمل المقاولون لشهرين أو ثلاثة ثم يتوقفون لعشرين شهرًا.”

تتشابه قصتاهما مع ما مرّ به إبراهيم عبد الناصر، الذي قرّر العودة إلى مصر عام 2023 بعد سنوات من الغربة، بحثًا عن استقرار يضمنه امتلاك عقار لأسـرته. وبعد أن باع جزءًا من ممتلكاته في الخارج، نصحه أحد الوسطاء العقاريين بالاستثمار في السوق العقارية، موجّهًا إياه إلى شركة “ذا مارك” للتطوير العقاري ــ وهي شركة مساهمة مصرية يرأس مجلس إدارتها عمرو بدر. تعاقد إبراهيم على شراء مكتب وفيلّا ضمن مشروع “وندر مارك” بمدينة المستقبل، وبدأ في سداد الأقساط بانتظام، غير أن المشروع لم يشهد أي تقدّم يُذكر، ودخل عامه الثالث دون أن يُوضَع ــ على حد تعبيره ــ “مسمار واحد” في الأرض، التي ما زالت صحراء جرداء، في الوقت الذي جرى فيه تسليم مجمّعات سكنية أخرى بدأت بعد مشروعه الذي أُطلق في 2022.
ويكشف إبراهيم أنه دفع حتى الآن ما يقرب من 9 ملايين جنيه، ورغم ذلك لم تُباشر الشركة أي أعمال إنشائية حقيقية. ويوضح أنه شارك مع مجموعة من العملاء في وقفة احتجاجية ضد الشركة، التي رفضت ــ بحسب قوله ــ ردّ المبالغ كاملة، وعرضت إعادة جزء منها مع خصم 15% من قيمة الوحدات، وهو ما اعتبره الملاك ظلمًا بيّنًا. ويروي أن الشركة، عقب الوقفة والدعاوى القضائية التي رفعها ما بين 50 و60 مالكًا، أرسلت عددًا محدودًا من العمال لصب بعض الخرسانات في خطوة شكلية لا ترقى إلى مستوى مشروع يضم نحو 600 فيلّا.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “اكتشفنا أن الأرض المقام عليها المشروع ليست مسجّلة باسم الشركة، وأن العقد الذي وقّعناه هو “عقد إذعان” يفتقر إلى الأسس القانونية، لأن الشركة باعت أرضًا لا تملكها، كذلك غياب الإنشاءات أفقد الملاك القدرة على إعادة البيع؛ إذ لا توجد هياكل أو أعمال قائمة يمكن تقييمها، ما يُفقدها أيّ قيمة سوقية حقيقية”.
وفي سياق مشابه يعيش شكري تمّام، وغيره من المتضرّرين من مشروع “بلاج”، والذي يقع في سيدي عبد الرحمن عند الكيلو 120 على طريق الإسكندرية – مرسى مطروح -، أزمة منذ عدة سنوات، إذ كان من المقرر أن يتسلّم بعض الملاك وحداتهم في عام 2017، وآخرون في عام 2019، إلا أنّ أيًّا منهم لم يتسلّم حتى اليوم.
المشروع الذي كان تابعًا في بدايته لشركة “ماكسيم للتطوير العقاري” – وهي جزء من مجموعة مكسيم القابضة-، قبل أن تتولّى شركة “ماونتن فيو” دور المطوّر العقاري له وتطرح جدولًا زمنيًا يتضمّن تسليم وحداتٍ في أغسطس وسبتمبر من العام الماضي، يؤكد شكري أن ملاكه لم يتسلّموا وحداتَهم فيه حتى الآن، ولم تُجر الشركة أيّ أعمالٍ إنشائية جديدة، إذ لا تزال المباني على حالها منذ 2017 و2018، دون تطويرٍ أو استكمالٍ -بحد قوله-.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “ رفعت دعوى قضائية لوقف الأقساط بعد معاناةٍ امتدّت لأكثر من عامين، وهناك حالات دفعت ثمانين أو تسعين في المئة من قيمة وحداتها، بينما لا تزال أرض المشروع صحراء جرداء”.
ويوضح أنّ نحو 3 آلاف مالكٍ متضرّرون من المشروع، لم يتسلموا وحداتهم، غير أنّ الأزمة تفاقمت بعدما رفعت الشركة دعاوى قضائية ضد العملاء المتوقّفين عن سداد الأقساط، رغم أنّ التأخير في التسليم تجاوز عامين لدى معظمهم، وأنّ كثيرًا من العملاء اضطروا إلى وقف السداد بعد وصولهم إلى معدلات سدادٍ بلغت ستينَ أو سبعينَ في المئة من إجمالي قيمة الوحدة دون حدوث أي تقدّمٍ فعلي في التنفيذ.
بدورهم حرر عدد من الملاك المتضررين محضرًا إداريًا في قسم شرطة التجمع الخامس، قبل عامين، حمل الرقم 5324، كما تقدموا بدعوى قضائية حملت الرقم 821 لسنة 2023.
وتأتي نزاعات الملاك مع شركات التطوير العقاري، على خلفية تأخر إنجاز المشروعات وعدم تسليمهم وحداتهم، رغم إصدار قرار حكومي في عام 2021 يمنع المطورين العقاريين من عرض أي وحدات للبيع قبل الانتهاء من تنفيذ 30% على الأقل من المشروع، بهدف حماية حقوق المشترين.
وفي يونيو 2022، أصدر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، قرارًا ينص على أن تلتزم جهات الولاية بإدراج ” ضوابط بيع وحدات مشروعات التطوير العقاري لضمان حقوق المشترين” ضمن مستندات طرح مشروعات التطوير العقاري، وإدراجها ضمن ملاحق العقود المبرمة مع المطورين العقاريين.
وحدد القرار ضوابط بيع وحدات مشروعات التطوير العقاري لضمان حقوق المشترين، تضمنت عدم جواز الإعلان عن بيع وحدات بأي مشروع قبل الحصول على القرار الوزاري باعتماد المُخطط العام، والقرار الوزاري التفصيلي للمرحلة المراد الإعلان عنها، وعدم جواز الإعلان عن مرحلة جديدة إلا بعد التأكد بالالتزام بالبرنامج الزمني المعتمد للمرحلة السابق الإعلان عنها، على أن يلتزم المطور العقاري بإيداع مبلغ مالي بالحساب البنكي الخاص بالمشروع، تتناسب قيمته مع مساحة (المشروع / المرحلة)، أو الجزء المطلوب طرحه للبيع، ويجوز أن يكون المبلغ في صورة نقدية أو في صورة شيكات من إيرادات مشروعات سابقة مسلمة، أو التسهيلات الائتمانية الخاصة، أو خطاب ضمان بنكي.
كذلك نصت قواعد الإعلان عن بيع الوحدات، على قيام المطور بتقديم ما يفيد توافر الغطاء المالي اللازم للمرحلة أو الجزء المراد بيعه بالحساب البنكي الخاص بالمشروع، وإيداع المبالغ الخاصة بالمرحلة، قبل أن يتم التصريح للمطور بطرح المرحلة المراد بيعها مع الالتزام بالبرنامج الزمني المعتمد؟
ونصت المادة (5) على أنه “في حالة تأخر المطور العقاري في تسليم الوحدة العقارية المباعة إلى العميل عن الموعد المتفق عليه في العقد المبرم، شريطة التزام جهة الولاية بشرط التعاقد واستخراج التراخيص طبقا للقوانين المنظمة، وبشرط التزام العميل بكافة بنود العقد مع المطور العقاري والالتزام بسداد الأقساط المستحقة عليه في مواعيدها طبقًا للعقد مع المطور العقاري، يتم منح المطور اثني عشر شهرًا للالتزام بتسليم الوحدة طبقًا للتاريخ المحدد بالعقد، وإذا تجاوزت مدة التأخير عن اثنى عشر شهرًا ترحل الأقساط المستحقة لحين الاستلام بذات المدة بعد الانتهاء من الأقساط المتبقية، وفي حال تجاوز مدة التأخير عن (24) شهرًا يكون من حق العميل الاختيار بين استمرار البند السابق لحين الاستلام أو استرداد ما تم سداده في خلال مدة 3 أشهر من الطلب، ويسرى حكم هذه المادة على كافة المشروعات، ومنح القرار المطورين العقاريين بشأن المشروعات الجاري تنفيذها، في حالة التأخير عن التسليم، مهلة لتوفيق أوضاعهم خلال اثنى عشر شهراً من تاريخ صدور هذه الضوابط.”
نوصي للقراءة: البيع بالأمر المباشر.. ماذا نعرف عن صفقة “بنك القاهرة”؟

مخالفات البناء تضع الملاك في “ورطة”
وفي سياق متصل، يخوض عدد من ملاك شاليهات الصف الأول في قرية “بورتو ساوث بيتش” بالعين السخنة نزاعًا قانونيًا مع شركة عامر جروب. إذ اشتروا وحداتهم منذ أكثر من عقد، مكوّنة من طابق أرضي وطابق أول فقط، قبل أن يتفاجأوا في عام 2025 برغبة الشركة في إضافة طابق ثانٍ فوق شاليهاتهم، مستندةً إلى بنود في العقود تتيح لها إجراء تعديلات إنشائية. غير أن الملاك رفضوا خطة التعلية التي تقتضي إخلاء وحداتهم، في ظل غياب أي ضمانات بشأن مدة الإخلاء، وتخوّفهم من مخاطر محتملة مثل هبوط الأرض أو حدوث تصدعات بالمباني، خاصة وأن العقود لا تكفل لهم حقوقًا واضحة في مثل هذه الحالات.
وتوضح ممثلة عن الملاك لـ”زاوية ثالثة”، فضلت عدم ذكر اسمها، أن الشركة عرضت عليهم وحدات بديلة، إلا أن معظمهم رفض الانتقال، متمسكين بمواقعهم المميزة في الصف الأول المطلّ على البحر، والتي يقضون فيها عطلات نهاية الأسبوع، ويقيم بعضهم بها بشكل دائم. لذلك لجأوا إلى القضاء لوقف ما وصفوه بالتعدي على ممتلكاتهم، بعد أن أبلغتهم الشركة هاتفيًا بنيتها إزالة وحدات التكييف الخاصة بهم، وهو ما اعتبره الملاك انتهاكًا صريحًا للملكية الخاصة يعاقب عليه القانون.
وتضيف: “الشركة يحق لها البناء ما لم يمسّ ذلك حقوق الملاك، أو يؤدي إلى قطع الكهرباء والمياه، أو تعريضهم لأي مخاطر ناتجة عن أعمال الهدم أو التعديلات الهيكلية لصب الأسقف.” وتشير إلى أن التجارب السابقة تعزّز المخاوف، إذ جرى هدم الجزء الأول من القرية المخصّص لنظام (التايم شير) بالكامل، وكانت الشركة تخطط لهدم صف الملاك الحالي دفعة واحدة، غير أنهم رفضوا، كما رفض أغلبهم عروض الانتقال إلى مناطق أخرى داخل المشروع.
وتوضح أنّ الملاك أرسلوا إنذارات داخلية لمدير القرية وإنذارات قضائية للشركة تؤكد رفضهم الخروج، كذلك لجأوا إلى حرس الحدود الذي أفاد بأن أقصى ارتفاع مسموح به للصف الأول على البحر هو 6 أمتار (طابق أرضي وطابق أول فقط)، موضحة أنّ الشركة تسعى للحصول على موافقة حرس الحدود، بينما يلجأ السكان إلى القضاء لحماية حقوقهم ومنع إخراجهم من منازلهم.
نوصي للقراءة: 25 مليون متر مربع في يد رجل واحد.. كيف أصبح العبار شريك مصر في أرضها؟

مطالبات بهيئة لتنظيم السوق العقاري
قبل سنوات كان الكاتب أسامة سماحة أحد الداعمين للمشاريع القومية خلال السنوات الماضية، وهو ما دفعه إلى حضور مؤتمر دعم الاقتصاد المصري في شرم الشيخ عام 2015، حيث جرت مناقشة فكرة العاصمة الإدارية الجديدة بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وممثلي الشركات، ما عزّز ثقته في المشاريع داخل نطاق العاصمة؛ فكان من أوائل المشترين، وقام بالتسويق للمشروعات بين أهله وأصدقائه، ثم توسّع لاحقًا في الترويج لها بين المصريين المقيمين في أوروبا، غير أن ثقته في المشروع سرعان ما تبددت وخابت آماله، حين لم يستلم وحدته السكنية في الموعد المقرر للتسليم في عام 2021، وحتى اليوم، بحسب ما يروي إلى زاوية ثالثة.
الخسائر بالنسبة إليه لم تقتصر على الأموال المدفوعة، وفقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها خلال الأعوام الماضية، بل امتدت تتسبب في خلافات شخصية وقطيعة عائلية، كونه كان قد شجّعهم على الشراء بحكم تعامله المباشر مع الجهة الرسمية وممثليها، الأمر الذي دفعه إلى إطلاق حملة إلكترونية بعنوان: “هيئة تنظيم السوق العقاري مطلب شعبي“.
ويُبيّن مؤسس الحملة أنّ النموذج الأكثر تكرارًا بين بعض المطورين هو استخدام مقدمات الوحدات لشراء أراضٍ جديدة بدلًا من تطوير المشروعات الأصلية، ما يؤدي إلى توسع الشركات دون امتلاكها القدرة الفعلية على التنفيذ، وهي – على حد وصفه – ممارسة لم تصل لمرحلة “النصب الممنهج” فحسب، بل تعكس سوء إدارة وغياب تخطيط يرقى إلى مستوى “السفه المالي”، ما يستوجب تدخل الدولة لتنظيم السوق وفقًا لقواعد صارمة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المشكلة لا تقتصر على التأخر في التسليم، بل تمتد إلى غياب المصداقية، وتغيّر الموظفين المسؤولين في الشركات بشكل مستمر، إضافة إلى انقطاع التواصل مع المالكين، وعدم وجود أيّ جهة رقابية تتلقى شكاوى المتضررين أو تحاسب المتقاعسين، وبعض المشروعات في العاصمة وصلت نسبة إنجازها إلى 80%، لكنها متوقفة منذ سنوات رغم حلول مواعيد التسليم، فيما لم يبدأ التنفيذ “في مشروعات أخرى رغم استلام الشركات مبالغ كبيرة من العملاء منذ عام 2018”.
ويضيف: “شكاوى المتضررين لا تقتصر على التأخير فقط، بل تشمل سحب الوحدات، وإعادة بيعها لعملاء آخرين، وانقطاع التواصل، فضلًا عن مشروعات لم تُسلّم منذ عقود في مناطق متعددة، من بينها العاصمة الإدارية والساحل الشمالي والعاشر من رمضان والعين السخنة، بعض العملاء اضطروا إلى بناء وحداتهم بأنفسهم بعد تعثر المطورين، بينما فقد آخرون حقوقهم بالكامل بسبب نزاعات على الأراضي.
ويؤكد سماحة أنّ الدافع الأساسي للمطالبة بإنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري هو حماية أموال المواطنين ومنع المطورين من التصرف في مقدمات الحجز إلا في إطار مراحل إنجاز واضحة، على غرار الممارسات المتبعة في أسواق عقارية دولية، معتبرًا أنّ صدور قرار من القيادة السياسية بإنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري سيعيد الثقة للسوق، ويحوّل القطاع إلى محفّز قوي للاستثمار المحلي والأجنبي، وسيؤدي، وفق تقديره، إلى انتعاش كبير في البورصة، وجذب تدفقات استثمارية جديدة.
ويوضح أنّ وزارة الإسكان، رغم امتلاكها إمكانات كبيرة، تركز في الوقت الحالي على بيع الأراضي أكثر من دورها المفترض في المتابعة والتنظيم، بينما لا تمتلك الشركات العقارية إطارًا تشريعيًا ملزمًا يحدد مسؤولياتها تجاه العملاء، مضيفًا أن جهاز حماية المستهلك لا يتدخل في حالات العقارات، وأن القضاة أنفسهم يعانون من غياب تشريع واضح يمكن الاستناد إليه للفصل في النزاعات العقارية، ما يجعل المتضررين بلا حماية حقيقية.
ويؤكد سماحة أنّ جوهر الأزمة هو غياب التشريع، وأن إنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري أصبح ضرورة لحماية المواطنين، واستعادة الثقة في القطاع، ،معتبرًا أنّ غياب الرقابة الفعلية فتح الباب لتكرار الأزمات على نطاق واسع، ويثير التساؤلات حول مسؤولية الجهات التشريعية والتنفيذية عن ترك السوق دون تنظيم.
وينقسم القطاع العقاري بمصر إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي القطاع السكني، والقطاع التجاري والخدمي، والقطاع السياحي أو الفندقي، ويبلغ حجم القطاع السكني بمصر نحو 40 مليون وحدة، وفقًا لبيانات عام 2022، تمثل نسبة الإشغال بتلك الوحدات حوالي 65%، بينما 35% منها شاغرة، ويقدر حجم سوق العقارات السكنية في مصر بنحو 20.02 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 33.67 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10.96٪ خلال الفترة المتوقعة (2024-2029).
بدوره يرى المهندس محمد عبد الرحمن، – أمين عام الجمعية المصرية لخبراء التقييم العقاري-، أن المشكلات القائمة بين الملاك وشركات التطوير العقاري ليست جديدة، لكنها تفاقمت خلال السنوات الأخيرة مع الزيادة الكبيرة في عدد الشركات العاملة في السوق، ودخول مستثمرين غير متخصصين إلى المجال، موضحًا أن كثيرًا من المنضمين الجدد إلى التطوير العقاري يخلطون بينه وبين مجرد بناء عمارة سكنية، بينما هو صناعة متكاملة تضم المقاولات والتنفيذ والتسويق والمبيعات والخدمات الاستشارية وإدارة المشروعات، ما يخلق فجوات في التخطيط والتنفيذ لدى الشركات غير المدربة.
ويوضح عبد الرحمن أن شركات التسويق تسهم كذلك في تضليل بعض المطورين غير المحترفين، عبر إقناعهم بتنظيم فعاليات كبرى لجذب العملاء وتحقيق مبيعات سريعة بأسعار غير مدروسة. ورغم شعور المطورين بالنجاح في البداية بعد تحقيق نسب بيع مرتفعة، إلا أنهم يكتشفون لاحقًا أن الأسعار التي حددوها لا تغطي التكلفة الفعلية للمشروع، فيقعون في أزمة مالية عند بدء التنفيذ. ويؤدي ذلك، بحسب قوله، إلى انقسام المطورين إلى فئتين: فئة لديها مشروعات وأراضٍ أخرى قادرة على امتصاص الخسائر والاستمرار، وفئة أخرى، وغالبًا هي الشركات الحديثة، تنهار سريعًا وتلجأ لمخالفة المواصفات، وتأخير التسليم، والمطالبة بزيادات سعرية غير مبررة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “تأخر تسليم الوحدات أصبح نمطًا عامًا وليس حالات فردية، يطال الشركات الكبيرة والصغيرة على حد سواء”. مشددًا على أن جزءًا كبيرًا من التأخير يعود إلى تعطّل الإجراءات الحكومية، سواء في إصدار القرارات الوزارية أو التراخيص أو إمدادات المرافق، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على الجدول الزمني للتنفيذ. والمطورين غير الجادين يستغلون هذه الفجوات في الوقت لتوجيه “أموال المشروعات لاستخدامات أخرى، ما يفاقم الأزمة.
وفيما يتعلق بغياب الجهة التنظيمية، يعتبر أمين عام الجمعية أن ترك السوق دون رقابة واضحة أدى إلى استفحال مشكلات التلاعب في العقود، وفرض رسوم غير منصوص عليها، وتأخير التسليم، مؤكدًا أن نظام البيع على الخريطة بصورته الحالية يمثل أكبر سبب للفوضى، إذ يسمح للمطور بالاعتماد على أموال العملاء دون وجود ضمانات كافية للالتزام بالجدول الزمني، لافتًا إلى أن التجارب العالمية تعتمد على تنفيذ المطور للمشروع بتمويل ذاتي كامل قبل البدء في البيع، أو في حالة البيع المبكر، وضع جميع إيرادات المشروع في حساب بنكي مخصص له، يتم الصرف منه تحت رقابة البنوك وخبراء التقييم والمهندسين الاستشاريين وفق نسب الإنجاز الفعلية.
ويحذّر من أن الاعتماد الحالي للمطورين على دفع 10% فقط كمقدم لثمن الأرض، وهي لا تمثل سوى نحو 3% من القيمة الإجمالية للمشروع، ثم جمع أموال العملاء، يفتح الباب أمام التلاعب وإعادة تدوير أموال المشروعات في مشروعات أخرى، مشددًا على ضرورة أن تلتزم الدولة بأحد حلّين: إما منع البيع إلا بعد تنفيذ نسبة كبيرة من المشروع، أو إلزام المطورين بفتح حسابات بنكية خاصة للمشروعات تمنع توجيه أموال العملاء إلى أي نشاط آخر.
ويكشف عبد الرحمن أن الأمر لا يتوقف عند تضارب اختصاصات المحافظات وهيئة المجتمعات العمرانية ووزارة الإسكان وجهاز حماية المستهلك، بل يمتد إلى “تخبط واضح” في الاشتراطات البنائية، خاصة بالمناطق القديمة داخل المحافظات، موضحًا أن اختلاف تطبيق الارتفاعات والاشتراطات بين الأحياء والهيئة الهندسية وقرارات رئاسة الوزراء أدى إلى غياب رؤية موحدة؛ فبينما تحدد المدن الجديدة اشتراطاتها بدقة، تعمل المناطق الأخرى بمنطق “كل حي له قواعده”، الأمر الذي يرهق المستثمرين الذين لا يستطيعون إعداد دراسات جدوى دقيقة في ظل غياب معايير ثابتة.
ويضيف: “هذا التخبط ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري، إذ يفقد السوق العقاري جانبًا كبيرًا من جاذبيته، سواء للمستثمر الأجنبي أو المصري المقيم في الخارج. ويقول إن كثيرًا من العملاء اكتشفوا بعد انتهاء مدة التسليم المتفق عليها أن مشروعاتهم لم يبدأ تنفيذها فعليًا، بسبب تأخر الموافقات الحكومية أو سوء إدارة المطورين، ما دفعهم إلى تحويل استثماراتهم نحو أسواق أكثر استقرارًا مثل تركيا واليونان وقبرص وسلطنة عمان”.
ويؤكد أن تنظيم السوق العقاري سيؤدي إلى نتائج إيجابية مغايرة تمامًا للوضع الراهن، وسيعيد ثقة المستثمرين ويحد من النزاعات، لافتًا إلى أن قرار رئيس الوزراء عام 2022 بمنع الإعلان عن البيع قبل تنفيذ 30% من المشروع كان خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه لم يُطبَّق بسبب سيطرة رجال الأعمال والمطورين على الجهات التشريعية والتنفيذية.
نوصي للقراءة: كيف تسببت شركة “إعمار” الإماراتية في تآكل شواطئ مصرية؟

فقدان الثقة في الاستثمار العقاري
من جهته، يعتبر – الخبير الاقتصادي-، الدكتور أحمد شوقي، أنّ جذور الأزمة تعود إلى طبيعة عمل شركات التطوير العقاري، التي تعتمد على مجموعة من المستثمرين يضخّون رؤوس أموال كبيرة لشراء الأراضي والتوسع في المشروعات، مشيرًا إلى أنّها تعتمد بشكل أساسي على الأموال التي تحصل عليها من المشترين، سواء المقدمات أو الأقساط، لاستخدامها في تمويل مشروعات أخرى، بدلًا من أن تُخصّص تلك الأموال للمشروع ذاته، ومع مرور الوقت، توسّعت الشركات في إطلاق مشروعات جديدة اعتمادًا على التدفقات المالية المستمرة من السوق، دون أن يكون لديها القدرة الفعلية على التنفيذ الذاتي أو التمويل المستقل.
ويوضح الخبير الاقتصادي أنّ هذا النمط من العمل خلق حلقة مفرغة؛ فالمطور ينتظر الدفعات الجديدة من المشترين ليستكمل البناء، بينما يتوقف المشترون عن الدفع بسبب تأخُّر التنفيذ أو توقفه، ما يؤدي إلى مزيد من التعطل، ويُدخل الطرفين في نزاعات مالية وقانونية، معتبرًا أنّ هذه هي المشكلة الأساسية التي تُنتج الفوضى الموجودة حاليًا في السوق العقاري، والذي يستدعي وجود تنظيم حكومي فعّال لهذا القطاع.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “غياب الرقابة القوية هو ما يسمح للمطورين التوسع دون ضوابط، ويجعل المشترين في مواجهة مباشرة مع الشركات دون سند أو حماية فعليّـة، في حين أن تنظيم السوق العقاري ووضع ضوابط واضحة وفعّالة سيُعيد الثقة للمستثمرين والمشترين على حد سواء، وسيعالج التشوهات القائمة التي باتت تُكلِّف الاقتصاد والمواطنين خسائر فادحة”.
ويوضح الخبير الاقتصادي أن فوضى السوق، تؤدّي إلى إفساد مناخ الاستثمار العقاري وتقليل جاذبيته. لأن المستثمرون المحليون والأجانب يتجهون إلى الشركات الكبرى ذات السمعة المستقرة، فيما يواجه المطورون الصغار تحديات كبيرة في جذب المستثمرين وتمويل المشروعات، مضيفًا أنّ هذه الفوضى تُضعف السوق ككل وتؤثر على قيمة الوحدات العقارية، بينما يبدو انخفاض القيمة ظاهريًـا في مصلحة المواطن؛ إلا أنّه يضرّ بالسوق على المدى الطويل، ويقلل من جاذبيته الاستثمارية، ويؤثر على تنافسية القطاع العقاري في الداخل والخارج.
ويشدّد شوقي على ضرورة إخضاع جميع مشروعات التطوير العقاري لرقابة جهة حكومية مختصة، مثل هيئة المجتمعات العمرانية، بحيث تتولى دراسة المشروعات قبل طرحها، ومراقبة مراحل التنفيذ، وضمان حماية حقوق المشترين. وأوضح أنّ وجود جهة رقابية ذات صلاحيات تنفيذية سيمنح السوق انضباطًا حقيقيًـا، إذ يمكن للهيئة، في حال إخلال المطور بالتزاماته، فرض عقوبات صارمة، أو حتى سحب الأرض منه واستكمال المشروع بنفسها أو إعادة بيعها لتعويض المواطنين، خاصة وأن قيمة الأرض ترتفع مع مرور الوقت.
ويساهم قطاعا الأنشطة العقارية والبناء والتشييد بنسبة 18.3% من إجمالي الناتج المحلي، بحسب بيانات الربع الثاني من عام 2024. تشير تقارير أخرى إلى أن حجم القطاع العقاري في مصر، يُقدر بحوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشمل العقارات والتشييد والبناء.
وشهد القطاع نموًا كبيرًا في عام 2024، حيث ارتفعت مبيعات العقارات إلى 2.5 تريليون جنيه مصري، ووفقًا لتقارير صادرة عن شركات متخصصة في المجال العقاري بمصر، فإن مبيعات أكبر عشر شركات عقارية في السوق ارتفعت إلى 290 مليار جنيه خلال الربع الأول من عام 2025، ويأتي هذا الارتفاع مقارنة بمبيعات عام 2024، التي بلغت 239 مليار جنيه.
بدوره يوضح ساهر السعدي، – مستشار الأعمال وعضو رابطة الاقتصاد العالمي ورئيس جمعية المصريين في الصين-، أنّ المشكلات الحالية في السوق العقاري ليست جديدة، لكنها تفاقمت خلال السنوات الأخيرة نتيجة تزايد عدد شركات التطوير العقاري التي دخلت السوق دون خبرة كافية، مشيرًا إلى أنّ كثيرًا من المستثمرين يدخلون المجال باعتباره مقاولة، بينما التطوير العقاري صناعةٌ معقدةٌ تضم المقاولاتَ والتنفيذَ والتسويقَ والاستشاراتِ الهندسيةَ وإدارةَ المشروعِ بعد تشغيله.
ويبيّن السعدي أنّ شركات التسويق تسهم في تضليل المطورين غير الخبراء عبر تشجيعهم على طرح الوحدات بأسعارٍ غيرِ واقعيّةٍ لا تغطي تكلفة البناء الفعلية، وهو ما يؤدي لاحقًا إلى تعثّر المطور وفشلِه في استكمال المشروع. وبرأيه، يظهر عندها نوعان من المطورين: مطورٌ ذو خبرةٍ يتحمّل الخسارة ويستكمل التنفيذ، وآخرُ جديدٌ ينهار سريعًا ويبدأ بتغيير المواصفات وتأخيرِ المواعيد والمطالبةِ بزياداتٍ سعرية.
يقول لـ”زاوية ثالثة” إن “تأخير التسليم أصبح نمطًا عامًا في السوق لدى المطورين الكبار والصغار، لافتًا إلى أنّ جزءًا من هذا التأخير يعود إلى تعطّل التراخيص والقرارات الوزارية من جهات حكومية مختلفة، كما أنّ تعددَ الجهاتِ المعنية بالعقارات تسبب أيضًا في فوضى وتضاربٍ في الاشتراطات البنائية، والمدن الجديدة تتمتع بقواعد واضحة، بينما تعاني المحافظات والمدن القديمة من قراراتٍ متضاربةٍ مثل قرار تحديد الارتفاعات بأربعةِ طوابقٍ ثم التراجع عنه، مما يربك المستثمر ويُعطّل الاستثمارات”.
ويضيف أنّ غياب جهة رقابية موحدة يُعدّ السببَ الرئيسي في انتشار مشكلات السوق ويضرّ بسمعة الاستثمار العقاري في مصر، إذ يفضّل المستثمر الأجنبي التوجه إلى دولٍ يتوافر بها العقار الجاهز ونُظُمٌ تنظيميةٌ أكثر وضوحًا، لافتًا إلى أنّ البيع على الخارطة بصورته الحالية أحدُ أهم مصادر الخلل، لأنّه يتيح استخدام أموال المشترين في مشروعات أخرى، بينما يفترض أن يلتزم كل مشروع بحساب بنكيٍّ خاصّ تُودع فيه الإيرادات ويُصرف منه على المشروع فقط، تحت رقابة مصرفية صارمة.
ويؤكّد مستشار الأعمال، أنّ تنظيمَ السوق العقاري سيحقق عدة فوائد، أهمها استعادة الثقة، ومنع تكرار تأخير التسليم، وتحديد أسعار عادلة لكل منطقة، بما يحدّ من التلاعب، ويعيد جذب المستثمرين الأجانب بشكل واسع، سواء عبر الشراء أو التطوير، مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المصري.
بين قصص سيد ومينا وإبراهيم وشكري، مرورًا بنزاعات ملاك بورتو ساوث بيتش، يتّضح أن ما يجمع الملاك المتضررين ليس مجرد تأخيرٍ في جداول التسليم، بل منظومة عقارية بأكملها تعمل دون مظلة رقابية رادعة أو تشريع واضح يُلزم المطوّرين بحقوق عملائهم. ورغم صدور قرارات حكومية في السنوات الأخيرة تهدف لضبط السوق، فإن الواقع يشي بضعفٍ في التنفيذ وغيابٍ لآليات المحاسبة، ما يدفع آلاف الملاك إلى ساحات القضاء والاحتجاجات بدل السكن في منازل دفعوا ثمنها على مدار سنوات.
تكشف شهادات المتضررين عن أزمة ثقة ممتدة، لا تتعلق فقط بجودة المشروعات أو التزام الشركات، بل بغياب جهة محايدة يمكن الرجوع إليها، وانعدام قناة رسمية تتلقى الشكاوى أو تضمن الحد الأدنى من الشفافية. وبينما تتوسّع الشركات في الإعلان عن مراحل جديدة وترويج مشروعات غير مكتملة، يبقى المشترون الطرف الأضعف، محاصرين بين عقود إذعان، وبرامج زمنية لا تُحترم، وأموال مجمّدة في مشروعات متوقفة أو أراضٍ بلا أساسات.
ومع ازدياد حجم النزاعات، تتصاعد الدعوات لإنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري، قادرة على وضع قواعد ملزمة، ومراقبة استخدام مقدمات الحجز، والتحقق من توافر الغطاء المالي قبل البيع، ومراجعة التنفيذ على الأرض بصورة دورية. هيئة يمكنها أن تعيد الثقة للمواطن قبل المستثمر، وتُغلق الباب أمام الممارسات التي يرى كثيرون أنها تجاوزت حدود الأخطاء الفردية، لتصبح نمطًا متكررًا يُهدد واحدًا من أهم القطاعات الاقتصادية في مصر.
وحتى يصدر تشريعٌ واضح وهيكل رقابي صلب، ستظل معاناة الملاك قائمة، وستظل الأسئلة معلّقة: من يحمي المواطن حين يلتزم بسداد أقساطه ولا يلتزم المطوّر بوعده؟ وكيف يمكن لقطاعٍ يُعوَّل عليه في جذب الاستثمارات أن ينهض بلا قواعد مُحكمة؟ وبين انتظارٍ طال، ودعاوى قضائية تزداد، وأحلام سكن معلّقة في الهواء، يبقى الإصلاح الحقيقي مرهونًا بإرادة سياسية تُعيد ضبط ميزان القوة بين المطوّر والمشتري، ليصبح السوق العقاري مساحة آمنة، لا مغامرة غير محسوبة العواقب.