close

300 كيلومتر من أجل جرعة.. مرضى الدم في مطروح يدفعون ثمن غياب الطبيب

في مطروح، تتنقل أسر أطفال مرضى الدم بين انتظار الاستشارية والسفر إلى الإسكندرية وشراء الأدوية. شهادات تكشف تكلفة غياب الرعاية المتخصصة المستمرة.
رسم تحريري: طريق طويل إلى المستشفى وكيس دم ويد طفل تمسك بيد مرافقه، على خلفية بنفسجية.
Picture of مروة محيي الدين

مروة محيي الدين

قبل عامين، لجأت والدة الطفلة سارة إلى التأمين الصحي في مطروح، لتجري فحوصات لابنتها التي تبلغ من العمر ست سنوات، بعدما رجح طبيب أطفال في إحدى العيادات الخاصة بمطروح أنها تعاني من أنيميا البحر المتوسط، لتطلب منها استشارية أمراض الدم في التأمين إجراء بعض التحاليل، التي أكدت المرض فيما بعد.

بعد تأكيد المرض، ذهبت والدة سارة لصرف الأدوية الموصوفة لابنتها، لكنها فوجئت بأن الأمر يتطلب موافقة استشارية أمراض الدم، التي لم تكن موجودة. تقول لـ«زاوية ثالثة»: «أخبروني أنه يلزم حجز دور والانتظار لحضورها إلى التأمين»، وتضيف أن الانتظار امتد إلى ثلاثة أشهر.

عادت الأم إلى طبيبة الأطفال لتطلب السماح بصرف الأدوية إلى حين عودة الاستشارية، لكنها أُبلغت بأن اعتماد العلاج من اختصاص الأخيرة. وكان البديل الحصول على استثناء من مدير فرع التأمين الصحي القديم في شارع الإسكندرية، الذي يبعد نحو خمسة كيلومترات عن الفرع الجديد قرب محطة القطار، أو الانتظار حتى حضور الطبيبة.

توقف صرف الأدوية وتغيب بالشهور

تتكرر الشكوى في شهادات أسر أطفال يعانون أمراض الدم في مطروح: غياب الاستشارية الزائرة يعرقل الكشف وتجديد الموافقات على العلاج. وتحدثت شكاوى محلية عن تضرر أكثر من ألفي طفل، لكن هذا العدد لم يتسنَّ التحقق منه بسجل رسمي منشور. وتقول الأسر إن غياب الطبيبة منذ مايو 2026 وضعها بين السفر إلى الإسكندرية وشراء الأدوية على نفقتها الخاصة. تتناول هذه الشهادات الوضع خلال فترة جمع مادة التقرير، حتى مطلع سبتمبر 2026.

تقول والدة سارة إن آخر حضور للطبيبة كان في مايو 2026، بعد انتظار امتد خمسة أشهر، وتزامن مع امتحانات نهاية العام. والأم، التي تعمل معلمة وتشرف على الامتحانات، لم تجد إعلانًا عن الموعد على صفحة التأمين مثل المرات السابقة؛ فوجدت نفسها بين ترك عملها للحصول على الكشف والعلاج أو تفويت الزيارة والانتظار مجددًا.

أرسلت الأم ابنتها الكبرى إلى التأمين قبل ذهابها إلى الجامعة لتصرف علاج شقيقتها، لكنها تقول إن بعض الأصناف الموصوفة لم تكن متاحة. وتضيف أنها اضطرت إلى شرائها على نفقتها، لأن ابنتها تحتاج إلى جرعات منتظمة لا تستطيع الاستغناء عنها.

كانت الأم تنتظر بالأشهر وتتنقل إلى الفرع القديم للحصول على استثناء شهري، رغم آلام مفاصلها. تقول: «كلما ذهبت إلى التأمين لصرف الدواء يطالبوني بإحضار استثناء، إلى أن تعود الطبيبة وتوقع على صرف الأدوية».

سبق أن طالب مواطن في يناير 2026 بتوفير استشاري لأمراض دم الأطفال، بعد انقطاع الطبيبة المتعاقدة منذ نوفمبر 2025، لتخفيف أعباء السفر إلى الإسكندرية ثم العودة إلى مطروح لصرف الأدوية.

وقالت هيئة التأمين الصحي في يناير 2026 إنها أعادت الطبيبة، بعد غياب لأسباب صحية، استجابة لشكاوى المواطنين. وأوضحت أنها تُحيل المرضى، في حال غياب الاستشارية، إلى مستشفى الطلبة بالإسكندرية لإجراء الكشف والفحوصات اللازمة.

لكن الأسر تقول إن الشكاوى تجددت مع غياب الطبيبة منذ مايو 2026. وتثير شهاداتها أسئلة عن الاعتماد على استشارية واحدة، والبديل المتاح لضمان استمرار المتابعة وصرف الأدوية دون انقطاع.

وللإجابة عن هذه الأسئلة تواصلت “زاوية ثالثة” مع الدكتورة مي رسلان، مديرة فرع التأمين الصحي بمطروح، هاتفيًا وعبر محادثات الواتساب، لكنها لم ترد.

وتواصلت أيضًا مع الدكتور أحمد محمد مصطفى، مدير الهيئة العامة للتأمين الصحي، إلا أنه رفض الإدلاء بأي تصريحات، وأجاب برد مقتضب أن الدكتور حسام عبد الغفار، متحدث وزير الصحة، هو المخول بالرد على الصحفيين.

كما تواصلت «زاوية ثالثة» مع محمد الزملوط، محافظ مطروح، هاتفيًا وعبر الرسائل، ولم تتلقَّ ردًا حتى انتهاء جمع مادة التقرير مطلع سبتمبر 2026.

نقص يمتد إلى سيوة وحلول مؤقتة

بحسب شهادات جمعتها “زاوية ثالثة” لأهالي أطفال أمراض الدم، ومداخلة عضو مجلس النواب، فإن الضرر الواقع لا يقع على المرضى وحدهم، بل ذويهم أيضًا، مقابل التكلفة التي يتحملونها للحصول على الخدمة الطبية في هذا التخصص، وصرف الأدوية.

تقول فتحية السنوسي، عضو مجلس النواب عن مطروح، إن النقص يشمل أطباء أمراض الدم للأطفال والبالغين، وإنه يمتد إلى سيوة. وتشير إلى وجود حالات كثيرة من الأنيميا المنجلية بين المرضى، من دون أن توفر بيانات تتيح استخلاص نسبة انتشار للمرض بين سكان المحافظة.

وتضيف في حديثها لـ “زاوية ثالثة” أن ما يزيد الأزمة أنه حتى عند توافر طبيب، فإنه لا يقيم باستمرار، إنما يتواجد على فترات متقطعة، وذلك يضطر الحالات إلى السفر من سيوة ومطروح إلى الإسكندرية لإجراء الفحوصات، وصرف الأدوية مما يضيف أعباء مادية وصحية على المرضى وذويهم.

وتقول إنهم تقدّموا بعدد من طلبات الإحاطة إلى وزارة الصحة، إلا أنها تؤكد أن الحلول التي فعلتها ما هي إلا حلول مؤقتة، إذ تقوم بإرسال قوافل طبية لمتابعة الحالات، وتحويل عدد من المرضى إلى الإسكندرية، وهذه لا تحل الأزمة، مشددة على ضرورة توفير طبيب أمراض دم في المستشفى العام في مطروح لتفادي الأزمات الناتجة عن ذلك.

وتشير السنوسي أيضًا إلى نقص أكياس الدم التي يحتاجها بعض المرضى، وتقول إن حالات تصل متأخرة وتعاني انخفاضًا حادًا في الهيموجلوبين، ما يضاعف مخاطر تأخر الرعاية.

أهالي المرضى بين تحمل مشقة السفر وشراء الأدوية

تقول والدة سارة وأسر أخرى إن بعض الأدوية غير متاحة في مطروح. في المقابل، تنفي مسؤولة طبية في هيئة التأمين الصحي بالإسكندرية أن يكون نقص الأدوية سبب انتقال المرضى إليها. وتعرض هذه الشهادات روايتين مختلفتين عن أسباب السفر والوصول إلى العلاج.

بعد صلاة الفجر كل سبت، يستعد عمر مبروك للسفر إلى الإسكندرية مع ابنة أخيه ياسمين، البالغة ست سنوات، للحصول على حقنتها الأسبوعية. يقول إن طبيبة أمراض الدم شخصت حالتها قبل نحو عام ونصف، وإن الخطة العلاجية تتضمن جرعة أسبوعية لثلاثة أشهر، ثم فحوصات لتقييم الحاجة إلى تجديد العلاج.

هذه الحقنة غير متوفرة في فرع التأمين الصحي بمطروح، يقول عمر إنه وذوي الأطفال الآخرين الذين يترددون على التأمين الصحي بالإسكندرية طالبوا بتوفيرها في مطروح، وكان الرد دائمًا أنها متاحة فقط في مستشفى الطلبة بالإسكندرية، دون ذكر السبب وراء نقصانها في مطروح، مطالبًا بتوفيرها لتخفيف أعباء السفر على الأطفال المرضى “في أهالي كانت تشكو إنها لا تملك تكاليف السفر”.

تتكلف مواصلات ياسمين 500 جنيه أسبوعيًا ذهابًا وعودة، بخلاف الطعام والمشروبات، بحسب عمها. ويقول إن والدها موظف ولديه أطفال آخرون، ما يجعل هذه النفقات عبئًا متكررًا. ويقدر عمر ثمن الحقنة، إذا اشتُريت، بنحو 11 ألف جنيه، ويقول إن الطفلة تحصل على أربع جرعات شهريًا؛ وهو تقدير للأسرة لم يتسنَّ التحقق من سعره، ولا يعني أنها تدفع هذا المبلغ كل شهر.

لا تقف الأزمة عند هذا الحد، إذ يضطر عمها عمر للتخلف عن العمل ليوم وأحيانًا يومين وثلاثة، مقابل اصطحاب الطفلة إلى الإسكندرية للكشف الطبي وأخذ الجرعة الأسبوعية، بدلًا من والدها، نظرًا لطبيعة عمل الأخير طوال أيام الأسبوع، في المقابل يضحي عمر بقبض يومية تصل إلى 600 جنيه، نظرًا لأنه يعمل في الزراعة باليومية، يقول لـ “زاوية ثالثة”.

يقدر عمر المسافة إلى الإسكندرية بنحو 300 كيلومتر في اتجاه واحد، ويقول إن السفر يرهق ياسمين. وفي بعض زيارات لجنة أمراض الدم يضطران إلى المبيت يومين أو ثلاثة لإجراء فحوصات الدم ومراجعة قرار تجديد العلاج.

على نقيض عمر لا تتحمل والدة سارة السفر من مطروح إلى الإسكندرية، نظرًا لإصابتها بالروماتيد، تقول إنها عند الذهاب إلى طبيبتها في مطروح تصطحب زوجها برفقتها لأنها لا تستطيع المشي وحدها.

تكاليف السفر والعلاج بحسب شهادتي أسرتي ياسمين وسارة

تنفي مسؤولة طبية في التأمين الصحي بالإسكندرية، طلبت عدم ذكر اسمها، أن يكون ضعف المقابل المالي سببًا لغياب الاستشارية. وتقول إن الطبيبة تزور مطروح منذ سنوات، وإن فرع الإسكندرية يوفر سيارة لنقلها، وتصف عملها بأنه يقوم أيضًا على دافع إنساني.

وبمواجهتها أن هناك أهالي تأتي إلى الإسكندرية ليس فقط للكشف بل لنقص الأدوية وإتاحتها في الإسكندرية فقط، أكدت أن بعض أهالي مطروح يترددون على فرع التأمين الصحي بالإسكندرية للعرض على لجنة أمراض الدم، التي تتولى تقييم الحالات ووصف العلاج لمدة تصل إلى ستة أشهر، لكنها أصرت على الرغم من رواية عُمر وأهالي آخرين، بالتنقل من أجل الحصول على الجرعات المحددة، على أن الأدوية متوفرة جميعها في مطروح، مستنكرة شكاوى ذوي أمراض الدم من ترددهم على الإسكندرية من أجل العلاج.

وتشير المسؤولة إلى أن لا يقتصر تردد مرضى مطروح على التأمين بالإسكندرية، بينما محافظات أخرى يترددون على مستشفى الطلبة بالإسكندرية، مؤكدة أن أي مشكلة تواجه مرضى مطروح يجري التعامل معها من جانب التأمين الصحي بالإسكندرية، وفيما يتعلق بالأزمة الحالية بشأن انقطاع الطبيبة، أوضحت أن محاولات تجري حاليًا لحلها بالتنسيق مع الدكتورة مي رسلان، مديرة التأمين الصحي في مطروح، لكنها لم تذكر الإجراءات التي تم اتخاذها.

رواتب غير مجزية وتدريبات غائبة

يقول الدكتور أحمد السيد، عضو مجلس نقابة الأطباء ومقرر لجنة الشباب بالنقابة، إن مطروح من المحافظات النائية التي تعاني من عجز كبيرًا في أعداد الأطباء، ولا زالت هذه الأزمة مستمرة حتى الآن، رغم مطالبات النقابة المتكررة لوزارة الصحة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحلها.

ويضيف في حديثه لـ “زاوية ثالثة” أن جانبًا من الأزمة يعود إلى عدم توافر امتيازات مادية أو معنوية كافية في المحافظات الحدودية تجعلها مناخًا جاذبًا للأطباء، مما يولد عزوفًا مستمرًا عن العمل فيها بمختلف التخصصات، مقارنة بمحافظة القاهرة التي تتمتع بقدرة أكبر على جذب الأطباء، إلى جانب توافر فرص التدريب والتطور الطبي فيها.

ويرى السيد أن التعامل مع الأزمة يتطلب إجراء دراسة جذرية لاحتياجات المحافظات النائية، بالتوازي مع توفير عوامل جذب حقيقية للأطباء، من بينها تحسين الحوافز المالية، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى اتساع فجوة العجز وظهور آثارها بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة.

يقول السيد إن الأجور لا تتناسب مع ظروف عمل الطبيب المقيم، ويقدر نطاقها قبل الزيادة الأخيرة بما بين 7 و12 ألف جنيه، وبعدها بما بين 8 و12 ألفًا. وهذه تقديرات نقلها في المقابلة، وليست كشفًا موحدًا بأجور جميع الأطباء.

ويضيف أن النقابة طالبت الحكومات والوزارات المتعاقبة بتحسين أوضاع الأطباء في المحافظات النائية، لكنه يرى أن الاستجابة لم تكن كافية.

لماذا يغادر الأطباء؟

يربط أحمد النجار، طبيب الطوارئ والحالات الحرجة الذي غادر مصر، قراره بضعف الأجور وبيئة العمل الشاقة وقصور الحماية المهنية. يقول إن آخر راتب تقاضاه قبل استقالته من وزارة الصحة بلغ 3 آلاف جنيه بالحوافز؛ وهو راتبه في تلك المرحلة، وليس بيانًا عن الأجور الحالية.

“الأطباء هدفهم الأول الهجرة بعد التخصص، بل أصبح هدف الخريجين الهجرة قبل التخصص، بعد معادلة شهادته بأي شهادة أجنبية”، يقول أحمد النجار في حديثه لـ “زاوية ثالثة”، موضحًا أن السبب في ذلك غياب أي مميزات في مجال الطب بعد إنهاء الدراسة، ويضيف أنه فوق ذلك لا تسعى الدولة إلى إصلاح المنظومة بل الأوضاع الحالية تشجع الأطباء على الهجرة إلى الخارج.

في حوار على قناة «إكسترا نيوز» عام 2025، قدر نقيب الأطباء أسامة عبد الحي عدد الأطباء المصريين العاملين خارج البلاد بنحو 130 ألفًا، من أصل 230 ألفًا مسجلين بالنقابة. وذكر من بينهم نحو 70 ألفًا في السعودية و10 آلاف في دول خليجية أخرى و20 ألفًا في أوروبا وأمريكا؛ وهي وجهات وردت في حديثه وليست حصرًا كاملًا لكل العاملين بالخارج.

وقدر عبد الحي، في الحوار نفسه، عدد الأطباء الموجودين في مصر بنحو 90 إلى 95 ألفًا، بمعدل 8.4 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن. وحذر من استمرار عوامل الطرد داخل البلاد مقابل عوامل الجذب في الخارج. هذه تقديرات نقلها النقيب عام 2025، وليست إحصاءً محدثًا إلى تاريخ نشر هذا التقرير.

تُظهر بيانات النقابة عن الأطباء الذين قدموا مستندات إنهاء خدمتهم بالقطاع الحكومي ارتفاع العدد من 1044 في 2016 إلى 4261 في 2022، أي نحو 12 طبيبًا يوميًا في العام الأخير. ويعرض الرسم السلسلة السنوية كاملة.

ولا تعني الاستقالة من القطاع الحكومي بالضرورة الهجرة إلى الخارج؛ فقد ينتقل الطبيب إلى العمل الخاص داخل مصر. كما أن المستندات التي تصل إلى النقابة لا تمثل بالضرورة كل حالات ترك الخدمة.

وذكر نقيب الأطباء في تصريحاته أن الاستقالات بلغت نحو 7 آلاف في 2023. يُنسب هذا التقدير إلى تصريحه، ولا يُدمج في الرسم الذي يعرض سلسلة المستندات المسجلة لدى النقابة بين 2016 و2022.

أجور وتدريب يحتاجان إلى المراجعة

يصف النجار ساعات العمل الطويلة وتدني الأجور، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، بأنهما من عوامل دفع الأطباء إلى البحث عن فرص أخرى.

وفي سياق الجدل حول أجور أطباء الامتياز، حددت المادة الثالثة مكررًا من القانون رقم 18 لسنة 2023 مكافأة شهرية قدرها 2800 جنيه، مع إمكانية زيادتها بقرار من رئيس الوزراء وفق الإجراءات الواردة في النص. يوضح ذلك المبلغ المنصوص عليه عند صدور القانون، ولا يكفي وحده لتحديد ما يتقاضاه كل متدرب فعليًا اليوم.

والمفارقة أن هذا المبلغ الضئيل صدر بعد تعديل نص قانوني سابق، إذ كانت تنص المادة الثالثة من القانون رقم 153 لسنة 2019، المُعدل لبعض أحكام القانون رقم 415 لسنة 1954 بشأن مزاولة الطب، على أن يُمنح المتدرب خلال مدة التدريب الإجباري مكافأة تدريبية شهرية تعادل (80%) من إجمالي ما يتقاضاه شاغل وظيفة طبيب مقيم، وذلك دون الإخلال بالقوانين والقرارات المعمول بها.

وللمقارنة الحسابية فقط، فإن 80% من نطاق الأجر الذي ذكره السيد، من 8 إلى 12 ألف جنيه، تعادل 6400 إلى 9600 جنيه. هذه مقارنة افتراضية بين النص السابق وتقدير الأجر، وليست إثباتًا لاستحقاق قائم حاليًا.

ولم تنته الأزمة عند ضعف الرواتب، بل عزوف الأطباء عن العمل في المحافظات النائية، يتعلق بمرحلة ما بعد انتهاء التكليف، حين يتقدم الطبيب لحركة النيابات للالتحاق بفترة التخصص، فإنهم يعزفون عن اختيار المستشفيات النائية لعدم توافر برامج تدريبية وإمكانات طبية كافية تتيح لهم اكتساب الخبرة المطلوبة في تخصصاتهم، فيفضلون الانتظار لحركة نيابات لاحقة، أو قد يضطر بعضهم إلى تغيير التخصص الذي يرغبون في دراسته، وفقًا لحديث الدكتور أحمد النجار لـ “زاوية ثالثة”.

ويضيف النجار أن الأطباء الذين يستمرون في العمل بالمستشفيات النائية يكونون في الغالب من الأطباء الذين عُينوا فيها منذ البداية، ثم يعودون إليها بعد انتهاء مراحل تدريبهم بينما تتولى مديريات الصحة توزيعهم على المستشفيات التابعة لها وفقًا للاحتياجات.

ويرى النجار أن التغلب على هذا العزوف يتطلب تقديم حوافز واضحة للأطباء عند شغل الوظائف في المستشفيات النائية سواء من خلال مزايا مالية أو تسهيلات مرتبطة بالتدريب والتسجيل في برامج التخصص أو غيرها من الحوافز التي تجعل اختيار تلك المستشفيات أكثر جاذبية للأطباء إلى جانب أن تراعي وزارة الصحة عند ترشيح الأطباء لهذه المستشفيات طبيعة الاحتياجات الفعلية لكل تخصص.

ضعف تخطيط القوى البشرية

من وجهة نظر الدكتور علاء غنام، مسؤول الحق في الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن أزمة غياب استشاري أمراض الدم في مطروح لا تنفصل عن مشكلة أوسع تتعلق بضعف تخطيط القوى البشرية الطبية في المحافظات النائية، مشيرًا إلى أن مسؤولية هذا التخطيط تقع بصورة أساسية على عاتق وزارتي التعليم العالي والصحة بما يضمن مواءمة أعداد الخريجين والتخصصات الطبية مع الاحتياجات الفعلية للسكان وتوزيعها جغرافيًا.

ويشير في حديثه إلى “زاوية ثالثة” إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التركيز على التخصصات التي تعاني نقصًا في المحافظات النائية، والعمل على توفير أعداد كافية من المتخصصين بها بصورة دائمة، بدلًا من الاكتفاء بحلول مؤقتة تعتمد على إرسال الاستشاريين للزيارة على فترات متباعدة، ويؤكد أن وجود طبيب متخصص بشكل مستمر في المحافظة يضمن استمرارية متابعة المرضى ويجنبهم معاناة للحصول على خدمات طبية متخصصة.

وتواصلت «زاوية ثالثة» مع الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان. طلب إرسال الأسئلة عبر «واتساب» لانشغاله بمؤتمر مع وزير الصحة، لكنها لم تتلقَّ إجابة حتى انتهاء جمع مادة التقرير مطلع سبتمبر 2026.

ووسط استمرار الأزمة، تدفع أسر أطفال أمراض الدم أثمان باهظة، للحصول على الكشف الطبي والعلاج، الذي يفوق أسعاره إمكاناتهم المادية، فما يزال عُمر وياسمين يتنقلان بين مطروح والإسكندرية، يترك عمر عمله في الزراعة، الذي يحصل منه على 600 جنيه يومية، بينما يقتطع والد ياسمين 500 جنيه أسبوعيًا من راتبه، لتوفير جرعة ابنته، فيما قررت والدة سارة شراء العلاج على نفقتها الخاصة، مقابل 300 جنيه أسبوعيًا، عوضًا عن غياب استشارية أمراض الدم، وصعوبة الحصول على استثناء من التأمين الصحي.

مروة محيي الدين
صحفية مصرية، عملت بعدد من المواقع المصرية والعربية، مهتمة بالصحافة الإجتماعية والإنسانية والتحقيقات

Search