لم يتخيل أحمد محمد أن مشواره المهني في قطاع البترول، والذي امتد 23 عامًا، سينتهي فجأة، ليُحرم من دخله الثابت، وتفقد أسرته استقرارها المالي. أدت هذه الصدمة إلى استنزاف مدخراتهم وبيع مقتنياتهم، ثم الغرق في الديون، فيما اضطر نجله إلى التخلي عن حلمه الجامعي ليصبح المعيل الوحيد للعائلة.
كان أحمد قد تعرّض لحادث عمل في عام 2010 خلّف له إصابة بنسبة عجز بلغت 25%. ومنذ ذلك الحين، واظب على تلقي علاج دوري عبر الشبكة الطبية التابعة للشركة، شمل مسكنات قوية، من بينها مخدر الترامادول، الذي كان يُصرف له رسميًا من وزارة الصحة لعلاج مشكلات مزمنة في العظام.
وبعد صدور القانون رقم 73 لسنة 2021، المعروف إعلاميًا بـ”الفصل بسبب تعاطي المخدرات”، توجّه أحمد بأوراقه الطبية إلى الإدارة المختصة، مطالبًا بإرفاق حالته الصحية ضمن ملف تحاليل المخدرات. لكن المفاجأة وقعت حين أجري التحليل دون إرفاق المستندات، فجاءت النتيجة إيجابية للترامادول.
يقول أحمد في حديثه إلى “زاوية ثالثة”: “أخبرت مدير الإدارة الطبية بما حدث، فطمأنني قائلاً: وقّع على المحضر، وسنُسوي الأمر في الطب الشرعي. حاولت أن أطلب اللجوء إلى الطب الشرعي فورًا، لكنه رفض، وأكد أن كل شيء سيُحل لاحقًا. وقّعت، لكنني فوجئت لاحقًا بتثبيت نتيجة التحليل كإيجابية، مما أدى إلى صدور قرار فصلي من العمل مباشرة”.
لم يتوقف أحمد عند هذا الحد؛ فطرق كل الأبواب الممكنة، بدءًا من الإدارة الطبية، مرورًا برئيس مجلس الإدارة، ووصولًا إلى النقابة العامة للبترول. ورغم اعتراف رئيس المجلس بوقوع الظلم، فإنه رفض التدخل قائلًا: “أنا أعلم أنك مظلوم، لكن ليس في يدي شيء. إذا ساندتك، أتعرض لغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه، والسجن عامًا كاملًا. صحيح أنني أحبك، لكن لا أحبك أكثر من نفسي”.
تنص المادة السادسة من القانون رقم 73 لسنة 2021 على أن: “يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من يسمح عمدًا لمن ثبت تعاطيه المخدرات بشغل إحدى الوظائف بالجهات المشار إليها في المادة الثانية من هذا القانون أو الاستمرار فيها”.
لم يقف الأمر عند هذا الحد بالنسبة لأحمد؛ إذ كان يستعد لإجراء عملية جراحية في العمود الفقري قبل التحليل بأيام قليلة، لكن قرار فصله قلب حياته رأسًا على عقب. انقطع راتبه فجأة رغم التزاماته المالية والقروض التي رتّب حياته على أساسها، وحُرم من مكافأة نهاية الخدمة ومعاشه التعاقدي. لاحقًا حاول العمل في إحدى شركات المقاولات الخاصة، لكنه لم يستطع إكمال يوم عمل كامل بسبب حالته الصحية. ومع مرور الوقت اضطر إلى بيع سيارته الجديدة، ثم مصوغات زوجته وأولاده، حتى تبخرت المدخرات التي كان يحتفظ بها لتزويج بناته في محاولة لسداد الأقساط والقروض المستحقة للبنك. اليوم يعيش أحمد على دعم أشقائه الذين يجمعون له مبلغًا شهريًا لمساعدة أسرته، بينما ضاع حلم ابنه في الالتحاق بكلية الهندسة بسبب عجز الأسرة عن تحمل نفقات الدروس، فترك الدراسة الجامعية والتحق بالعمل في القطاع الخاص لإعالة البيت.
يصف أحمد هذا القانون بـ”الذبح الوظيفي”، قائلاً: “كيف يذبح القانون الموظف من المرة الأولى دون إعطائه فرصة للدفاع عن نفسه؟ حتى تاجر المخدرات له درجات تقاضٍ، أما الموظف الذي تظهر نتيجة تحاليله إيجابية فيُفصل فورًا بلا رجعة. هذا ليس عدلًا”. ويؤكد أن الطعن على دستورية القانون أصبح ضرورة، لاسيما أن ما حدث معه لم يكن ظلمًا فرديًا، بل مأساة طالت عشرات غيره ممن وجدوا أنفسهم خارج أعمالهم في لحظة واحدة بلا فرصة ولا رحمة.
وفي سياق مشابه، كان محمد صلاح، الذي قضى سنوات يعمل فنّي جهد منخفض في شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء، ينتظر ترقية في منتصف 2025. في 31 مايو من العام الجاري خضع لتحليل مخدرات روتيني، فكانت المفاجأة أن النتيجة إيجابية. يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أنا لا أتعاطى شيئًا، لكن اللجنة التابعة لصندوق مكافحة الإدمان أخبرتني بأنه لو لجأت إلى الطب الشرعي فلن تعود لي فرصتي في العمل. رفضت نصيحتهم، كنت أعلم أن الاستسلام يعني اعترافًا بجريمة لم أرتكبها”.
في 26 يونيو احتكم محمد رسميًا إلى الطب الشرعي، لكن قبل ظهور النتيجة التأكيدية صدر قرار بوقفه ثلاثة أشهر مع خصم نصف راتبه. وبعد أسابيع قليلة، وتحديدًا في 20 يوليو الماضي، صدر القرار بفصله نهائيًا دون صرف أي راتب، حتى نصف راتب الشهر الذي كان يؤدي فيه عمله كاملًا. يضيف محمد: “منذ ذلك اليوم وأنا وعائلتي في الشارع. أي مكان أذهب إليه بحثًا عن عمل يسألوني: لماذا تركت وظيفتك السابقة؟ ومهما حاولت شرح أن التحليل خطأ أو ظلم، لا أحد يصدق. لا أحد يريد موظفًا فُصل بدعوى تعاطي المخدرات”.
لكن المأساة لم تتوقف عند خسارة الوظيفة؛ فمحمد وكثير من زملائه المفصولين وجدوا أنفسهم في مواجهة قروض بنكية لم يعودوا قادرين على سدادها، وقضايا مرفوعة ضدهم، وتهديد بالسجن، وأبواب عمل مغلقة. يقول بمرارة: “نحن نحارب على جبهات كثيرة في وقت واحد”. وتكشف حالته الصحية جانبًا أعمق من المأساة، فيوضح: “أنا مريض منذ سنوات، أجريت أكثر من عملية في الغضروف بالركبة، وقبل التحليل بأيام كنت أتناول علاجًا للعظام والصدر. طلبت منهم إرفاق الروشتات الطبية مع محضر العينة، لكنهم رفضوا”. اليوم يعاني محمد من نزيف دموي مستمر، والطبيب طلب منه إجراء منظار للمعدة والقولون، لكنه عاجز عن تغطية التكلفة. بصوت يختلط فيه الخوف باليأس يقول: “أخشى أن يكون المرض سرطانًا في مرحلة متقدمة، لكنني لا أملك المال حتى لأطمئن على نفسي”.

ضغوط نفسية واقتصادية
الضغوط النفسية والاقتصادية التي يواجهها الموظفون المفصولون جعلت محمد يصف القرار بأنه أشبه بحكم بالإعدام، ويستشهد بواقعة مؤلمة قائلاً: “زميل لنا تُوفي الشهر الماضي. أصيب بجلطة قلبية من شدة الحزن والضغط، وكان مقررًا أن يخضع لعملية قلب مفتوح على نفقة الدولة، لكن قبل أن تكتمل الإجراءات كان قد فارق الحياة”.
أما محمد يوسف، وهو مهندس في الخامسة والأربعين من عمره قضى أكثر من 23 عامًا يعمل في إحدى شركات البترول، فكان يستعد للترقي إلى منصب رئيس قسم. في أبريل 2023 توجه إلى القاهرة لإجراء تحليل المخدرات، وهو شرط أساسي للترقية، لكن ما شهده في ذلك اليوم بدد أحلامه الوظيفية ودمر حياة أسرته. يحكي محمد أن مكان إجراء التحاليل كان يعج بالفوضى والارتباك، إذ كانت هذه أول دفعة من الموظفين تخضع للتحليل بغرض الترقيات، ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “لم أُجر التحليل من الأساس، لم تخرج مني أي عينة بول. نشبت بيني وبين الممرض مشادة بسبب أسلوبه المهين؛ إذ كان يخاطبنا كأننا من الشارع. قلت له: نحن مهندسون ومديرون، فليكن خطابك أكثر احترامًا. عندها طلب مني أن أتنحى جانبًا بحجة أنه سيناديني لاحقًا، لكنه لم يفعل، وفي نهاية اليوم فوجئت بأنه حرر محضرًا ضدي بتهمة غش العينة”. عاد يوسف إلى شركته مرتبكًا لكنه لم يستسلم، فأجرى تحليلًا آخر في مستشفى حكومي على نفقته الخاصة ليبرهن على براءته، وجاءت النتيجة سلبية، غير أن الشركة لم تعترف بها. وبعد أيام صدر قرار فصله نهائيًا من العمل رغم أنه قدّم كل ما يثبت خلوه من أي مواد مخدرة.
ووفقًا للمادة الخامسة من القانون، يُعد ثبوت تعمد الامتناع عن إجراء التحليل أثناء الخدمة أو التهرب منه بغير عذر مقبول سببًا موجبًا لإنهاء الخدمة، وتحدد اللائحة التنفيذية القواعد والضوابط اللازمة لتنفيذ أحكام هذه المادة. يضيف محمد موضحًا: “منذ عام 2000 وأنا أعمل في الشركة، بدأت بعقد مؤقت لمدة ثماني سنوات، ثم تم تثبيتي عام 2008 إلى أن فُصلت في 2023. كل ما بنيته انهار فجأة. كنت أعول أمي وأختي وأولادي، وفجأة وجدت نفسي بلا مصدر رزق. صحيح أنني تمكنت من العمل في أحد المصانع الخاصة دون تثبيت لإطعام أطفالي، لكن غيري من الزملاء لم يجدوا سبيلًا. بعضهم انتحر، وبعضهم مات قهرًا، والبنوك تطاردنا جميعًا بسبب القروض التي أخذناها بضمان رواتبنا”. ويتساءل: “حتى لو افترضنا أن أحدنا أخطأ بالفعل، أليس من الأجدر معاقبته بالحرمان من الأرباح أو بخصم جزء من راتبه بدلًا من قتله بالفصل؟ في الماضي كان الموظف الذي تثبت إيجابية عينته يُوقف ثلاثة أشهر بنصف راتب، ثم يُمنح فرصة أخرى، أما الآن فقد أصبح الفصل هو الحكم النهائي”.
ويرى محمد يوسف أن القانون 73 لسنة 2021 غير دستوري وأن تطبيقه كان قاسيًا ومجحفًا؛ فبعد فصله لم يعد بإمكانه الحصول على وظيفة رسمية أخرى بسبب وجود “سابقة فصل للتعاطي”. وحين تمكن من العمل في مصنع بات يعمل بلا تأمينات أو حقوق. ويختتم حديثه لـ”زاوية ثالثة” قائلًا: “لا يجب أن يُحكم على الإنسان من خطأ واحد، بل من مسيرته كلها. أنا خدمت شركتي أكثر من عقدين بلا جزاءات، ثم انتهى بي المطاف بهذه الطريقة”. ويعتبر أن الطعن الدستوري المقدم ضد القانون أعاد قليلًا من الأمل لآلاف الموظفين المفصولين على خلفية هذا القانون الذي ترك أسرهم تواجه المجهول.
الصدمة نفسها عاشها عبد الحميد محمد، الموظف في قطاع البترول، الذي لم يتخيل أن سنوات عمله ستنتهي في لحظة بقرار فصل مفاجئ، وأنه سيفقد راتبه الذي تعتمد عليه أسرته كمصدر وحيد للدخل، كما يستعين به في سداد التزاماته المادية وأقساط قرض حصل عليه من البنك بضمان راتبه الشهري. لكن الاستقرار المادي الذي عاشته أسرته انهار فجأة حين أُبلغ بأن التحليل أظهر تعاطيه مادة مخدرة. يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أنا رجل لا أدخن حتى السجائر، فكيف تُظهر النتيجة إيجابية تعاطي الحشيش؟ كنا 213 شخصًا نجري التحليل في وقت واحد في ظل حالة من الفوضى والعشوائية، وأنا على يقين بأن عينتي من البول تم تبديلها، ورغم ذلك صدر قرار فصلي بلا رحمة”.
لم يتوقف الضرر عند فقدان عبد الحميد للوظيفة؛ إذ كان يستعد لتزويج ابنته لكنه بعد انقطاع دخله عجز عن شراء مستلزمات زواجها وتم فسخ خطبتها إثر ذلك. ويضيف: “ابنتي لم تتزوج حتى الآن بسبب ما جرى لي، وابني الذي أنهى خدمته العسكرية وجد نفسه بلا سند بعدما عجزت عن إعانته”. ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف نزيف خسائر الأسرة؛ إذ اضطر عبد الحميد لبيع سيارته وكل ما يملك محاولًا سداد أقساط القرض لكنه لم ينجح في التخلص من الدين، واليوم يواجه دعوى قضائية من البنك تهدد بحبسه. يعلق بأسى: “بعد أن كنت رجلًا محترمًا أعيش حياة كريمة، صرت الآن أنتظر حكمًا بالحبس”. ويرى أن الطعن على دستورية القانون هو آخر ما تبقى للموظفين المفصولين وأسرهم من بصيص أمل، ويختتم حديثه قائلًا: “كنا نعتمد على أن يعدل مجلس الشعب القانون، لكن الدورة الماضية انتهت دون أي تغيير، فجاء هذا الطعن ليعيد لنا شيئًا من الأمل، ونشكر كل من يسعى لتحقيق العدالة”.
بدورها تروي مشيرة سامي، زوجة أحد الموظفين المفصولين على خلفية القانون 73 لسنة 2021، تفاصيل ما جرى مع زوجها قبل نحو ثلاث سنوات حين كان لا يزال يعمل منذ 19 عامًا في إحدى المصالح الحكومية التابعة لوزارة المالية وتلقى إشعارًا بالترقية على أن يخضع لتحليل المخدرات بعد عشرة أيام من تاريخ الإخطار. وتحكي أن يوم إجراء التحليل شهد توافد الموظفين من مختلف المحافظات في الوقت نفسه ودخولهم لإجراء الفحوصات بشكل جماعي، مما أدى إلى اختلاط العينات –على حد قولها–. وبعد ساعة نادوا على بعض الأسماء ومن بينهم زوجها وطلبوا منه أن يوقع على ورقة دون توضيح السبب، وعندما سألهم عن ماهية التوقيع قيل له: “لا شيء.. الجميع يوقعون”.
مرت الأمور بشكل طبيعي بعد الفحص حيث واصل الزوج عمله لشهرين ونصف وتقاضى راتبه بشكل منتظم، إلى أن تلقى خطابًا رسميًا يفيد بإيقافه عن العمل لحين صدور ما سموه “نتيجة العينة التأكيدية”. لكن المفاجأة –كما تقول مشيرة– أن القرار بفصله صدر بعد يومين فقط من تسلمه الخطاب. تقول لـ”زاوية ثالثة”: “زوجي لا يدخن السجائر أصلًا ولا يتعاطى أي شيء على الإطلاق، ومع ذلك قام بالتوقيع مثل غيره.. والنتيجة النهائية كان من المفترض أن تظهر خلال عشرة أيام إلا أنها لم تصدر إلا بعد شهرين ونصف. هل يعقل أن تظل عينة بول صالحة طوال هذه المدة؟”.
وتتابع: “لدينا ثلاث بنات؛ الكبرى في الصف الثالث الابتدائي، والوسطى في الصف الأول، والصغرى في الروضة. كما أن والدة زوجي مسنة في الثمانين من عمرها تعاني من أمراض السكري والضغط والكبد، وكان يتحمل مسؤوليتنا المادية كاملة قبل فصله من عمله”. وتؤكد أن سجل زوجها الوظيفي كان نظيفًا تمامًا بلا أي جزاءات وأنه كان محبوبًا بين زملائه ويؤدي عمله بإخلاص. وتختتم حديثها لـ”زاوية ثالثة” قائلة: “لقد فوجئنا بما حدث، بينما هناك أشخاص في نفس مكان عمله ما زالوا يتعاطون المخدرات حتى هذه اللحظة وما زالوا على رأس عملهم”، مشيرة إلى أن زوجها لجأ إلى الطب الشرعي وقدم تظلمات ورفع دعاوى قضائية لكنه خسرها جميعًا.
وطبقًا للمادة الرابعة من القانون، يتم إجراء التحليل الفجائي لجميع العاملين بالجهات المشار إليها في المادة الثانية بمعرفة الجهات المختصة طبقًا لخطة سنوية تعدها هذه الجهات بالتنسيق مع جهات العمل. ويكون التحليل في هذه الحالة تحليلاً استدلاليًا بالحصول على عينة التحليل من العامل وإجرائها في حضوره، ويتعين على العامل الإفصاح قبل إجراء التحليل عن جميع العقاقير التي يتناولها. وفي حالة إيجابية العينة يتم تحريزها وإيقاف العامل بقوة القانون عن العمل لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو لحين ورود نتيجة التحليل التوكيدي أيهما أقرب، مع وقف صرف نصف أجره طوال فترة الوقف عن العمل.
ويُجرى التحليل التوكيدي على ذات العينة في الجهات المختصة، ويجوز للعامل في هذه الحالة –وعلى نفقته– طلب الاحتكام إلى مصلحة الطب الشرعي إما لفحص العينة المشار إليها خلال 24 ساعة من وقت ظهور نتيجتها أو لتوقيع الكشف الطبي عليه خلال اليوم ذاته الحاصل فيه التحليل. وفي حالة سلبية النتيجة تلتزم جهة العمل بأن ترد للعامل قيمة ما تحمله من نفقات فعلية سددت لمصلحة الطب الشرعي، وتلتزم الجهات المختصة أو مصلحة الطب الشرعي –بحسب الأحوال– بإخطار جهة العمل بالنتيجة النهائية للتحليل خلال عشرة أيام عمل من تاريخ وصول العينة إليها. فإذا تأكدت إيجابية العينة يتم إنهاء خدمة العامل بقوة القانون وتحدد حقوقه بعد إنهاء خدمته طبقًا للقوانين واللوائح أو النظم التي تحكم علاقته بجهة عمله، وذلك وفقًا للقواعد والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.
نوصي للقراءة: تحليل المخدرات: وسيلة للفصل التعسفي ومأساة الموظفين في مصر

طعن دستوري ضد القانون
يوضح المحامي بالنقض مصطفى ذكي، المدافع عن حقوق العمال، أن القانون رقم 73 لسنة 2021 لا يسري على جميع الشركات، بل يطبَّق فقط على الجهات التي تساهم الدولة في ملكيتها، مثل المصالح الحكومية والشركات القابضة. ويشير إلى أن هذا القانون يُنهي خدمة العامل “بقوة القانون”، وليس عبر إجراءات الفصل التقليدية التي تخضع لتحقيق أو لمراجعة المحكمة العمالية، ما يعني حرمان العامل من أي ضمانات قانونية أو فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه.
ويبيّن ذكي أن القانون يطبق في حالتين: ثبوت إيجابية العينة، أو امتناع العامل عن إجراء التحليل، دون اشتراط أن يكون العامل متأثرًا بالمخدر أثناء العمل، بخلاف ما كان معمولًا به في قانون العمل والخدمة المدنية. كما أن القانون لا يمنح العامل “فرصة ثانية”، على عكس قانون الخدمة المدنية الذي كان يتيح إعادة التحليل بعد شهرين. ويضيف أن وجود نسبة ضئيلة جدًا من المخدر في الجسم قد تؤدي إلى إنهاء الخدمة، حتى وإن نتجت عن تدخين سلبي أو تناول دواء مشروع يؤثر على نتيجة التحليل.
ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “تطبيق القانون في مصر يشوبه كثير من الإشكاليات؛ إذ تُجمع عينات البول بشكل جماعي في مقار العمل، مما يزيد احتمالات اختلاطها، في حين تعتمد معظم الدول على عينات الدم الأكثر دقة. كما أن عينة البول تفقد صلاحيتها بعد ساعتين، بينما يتم في بعض الحالات إرسالها إلى الطب الشرعي بعد أيام أو حتى أسابيع، ما يفتح الباب أمام نتائج غير دقيقة”. ويضيف أن “دقة التحليل الاستدلالي لا تتجاوز 50%، ورغم ذلك تم فصل آلاف العمال استنادًا إلى هذه النتائج”.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، تقدم المحامي مصطفى ذكي بطعن دستوري ضد القانون رقم 73 لسنة 2021، المعروف إعلاميًا بـ”قانون الفصل بسبب التعاطي”، وذلك على خلفية تصريح صدر عن محكمة استئناف الإسكندرية في أغسطس 2025. ويستند الطعن إلى عدة مبررات دستورية، في مقدمتها: إهدار حق العامل في الدفاع عن نفسه، إذ يتم فصله تلقائيًا دون إجراء تحقيق أو سماع أقواله؛ إلغاء السلطة التقديرية للقضاء عبر تحويل الفصل إلى إجراء آلي خارج رقابة المحكمة؛ عدم تناسب العقوبة، حيث يساوي القانون بين حالات التعاطي العرضي وحالات الإدمان؛ وأخيرًا، مخالفة مبدأ الحماية الاجتماعية، من خلال معاقبة العامل بالطرد دون معالجة واقعية لمرض الإدمان.
ويعتبر ذكي أن هذا الطعن قد يشكّل نقطة تحوّل في مصير آلاف القضايا المماثلة، ويفتح النقاش حول بدائل أكثر عدالة، مثل إقرار “فرصة ثانية” قبل الفصل النهائي. ويؤكد أن أثر قرارات الفصل لا يقتصر على العامل وحده، بل يمتد إلى أسرته، التي تُحرم فجأة من مصدر رزقها دون تعويض كافٍ، مشيرًا إلى وجود عدد كبير من القضايا المنظورة أمام المحاكم، وقد قبلت المحكمة الدستورية بالفعل بعض الطعون.
ويضيف أن عدد المتضررين قد يتراوح بين 50 و100 ألف عامل، مما يشكّل أزمة اجتماعية واسعة النطاق. ويشير أيضًا إلى حالات تم فيها فصل عمال لأسباب استثنائية، مثل العجز الصحي عن إجراء التحليل في الوقت المحدد، أو تناول أدوية أثرت على النتيجة، أو حتى حالات كانت تخضع لبرامج علاجية تحت إشراف صندوق مكافحة الإدمان. “ورغم هذه الظروف، لم يُمنح أصحابها أي فرصة لتفسير أو تظلم، إذ أُخضعت إدارات الشركات والقضاة لآلية واحدة لا تراعي الفروق بين الحالات”، بحسب تعبيره.
ويشدد ذكي على أن قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 تضمن بعض المخارج، إذ اشترط أن يتم تحليل المخدرات في مستشفيين محددين، مع ضرورة فتح تحقيق وعرض الأمر على المحكمة، ما اعتُبر تعديلًا جزئيًا على آلية قانون 73. إلا أن ذكي يرى أن الحل الجذري يتمثل في تعديل القانون ذاته، بحيث يشمل آلية تدرجية للعقوبة، ويعتمد على فحوصات أكثر دقة، ويراعي الحالات المرضية والتاريخ المهني للعامل.
ويحذر من أن الإبقاء على القانون بصورته الحالية “يشكل قنبلة موقوتة”، إذ قد يدفع آلاف المفصولين، لا سيما المتعافين من الإدمان، إلى الانهيار والانزلاق نحو سلوكيات خطيرة بسبب انقطاع مصدر رزقهم، مؤكدًا أن الضغط الإعلامي والمجتمعي على المشرّع لإجراء تعديلات عاجلة لم يعد خيارًا بل ضرورة.
وقد اختصمت الدعوى الدستورية رقم 47 لسنة 47 ق دستورية، المقيدة بتاريخ 8 سبتمبر 2025، كلًّا من رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس النواب، وزير العدل، النائب العام، وزير البترول، ورئيس شركة بتروجاس. وطعنت الدعوى بعدم دستورية المواد (2، 3، 4، 5) من القانون 73 لسنة 2021، لمخالفتها عددًا من المواد الدستورية (2، 9، 12، 14، 49، 53، 54، 57، 59، 62، 92، 94، 96، 97، 99). وطالبت الدعوى بالحكم بعدم الدستورية، وما يترتب عليه من آثار، مع إلزام المدعى عليهم بالمصروفات.

نوصي للقراءة: جامعة حلوان: مصير معلّق وعلاج ممنوع للعمال المؤقتين

تعدٍّ على الدستور؟
حصلت “زاوية ثالثة” على مستندات القضية رقم استئناف 4161 لسنة 80 ق إسكندرية، التي تقدم من خلالها أحد العاملين بطعن على قرار إنهاء خدمته استنادًا إلى القانون رقم 73 لسنة 2021، بشأن تعاطي المخدرات. وتضمنت دفوع المستأنف بطلان القرار لعدم التزام جهة العمل بإخطاره بالنتيجة النهائية خلال عشرة أيام كما ينص القانون، إلى جانب الدفع بعدم دستورية المواد (2، 3، 4، 5) من القانون واللائحة التنفيذية له، لمخالفتها للدستور والشريعة الإسلامية وحرمة الحياة الخاصة، ولغياب مبدأ التدرج في العقوبة. كما قدم العامل مستندات تؤكد سلبية تحليل لاحق أجراه في مركز السموم، ما يثير الشك في صحة العينة الأولى.
صدر الحكم الابتدائي بعدم قبول الدعوى ضد وزير البترول لرفعها على غير ذي صفة، ورفضها ضد باقي المطعون ضدهم، مع تأكيد صحة قرار الفصل استنادًا إلى إيجابية التحليل التأكيدي للحشيش، وعدم لجوء العامل للطب الشرعي خلال المهلة القانونية. إلا أن المحكمة في الاستئناف رأت جدية الدفع بعدم الدستورية، وأحالت القضية إلى جلسة 17 نوفمبر 2025 للمرافعة، مع التصريح للمستأنف باتخاذ إجراءات الطعن أمام المحكمة الدستورية العليا، وإرجاء الفصل في المصاريف لحين صدور حكم نهائي.
في تعليقه على القانون، يقول المحامي الحقوقي مالك عدلي، رئيس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن القانون رقم 73 لسنة 2021 يمثّل “خرقًا دستوريًا صارخًا” وانتهاكًا لحرمة الجسد والحياة الخاصة، مشيرًا إلى أنه تسبب في كوارث إنسانية شملت سيدات ومسنين ومرضى نفسيين أو مزمنين.
ويؤكد عدلي أن القانون لا يقتصر على متعاطي المخدرات، بل يطول أيضًا من يتناولون أدوية تحتوي على مواد فعّالة مشابهة، مثل مسكنات السرطان والروماتيزم، وأدوية الاكتئاب والمهدئات، ما أدى إلى فصل موظفين أبرياء وتشويه سمعتهم. ويضيف أن القانون يهدر مبدأ التفرقة بين من يضبط في حالة سُكر أثناء العمل، وبين من يؤدي وظيفته بكفاءة ويُفصل فقط لظهور أثر دواء في دمه.
ويرى أن تطبيق مثل هذا القانون قد يكون مبررًا في وظائف حساسة تمس أرواح الناس كقيادة القطارات أو العمل بالأسلحة، لكنه غير منطقي حين يُعمم على الإداريين والمعلمين وأساتذة الجامعات. وينتقد عدلي غياب أي ضمانات للموظف المفصول، الذي يُلقى به إلى الشارع بلا مستحقات ولا معاش، مؤكدًا أن “المدمن مريض يحتاج إلى علاج لا عقاب”.
ويشير إلى أن القانون لا يتوافق مع التزامات مصر الدستورية والدولية، موضحًا أن أحد الطعون عليه رُفض من مجلس الدولة، لكن الأمل لا يزال قائمًا في إعادة نظره أمام دائرة قضائية أخرى لإصدار حكم يعيد الاعتبار للضحايا.
من جهته، يقول الدكتور عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، إن القانون صدر كرد فعل على غضب شعبي عقب حوادث قطارات ثبت تعاطي بعض سائقيها للمخدرات، لكنه جاء “معيبًا دستوريًا”، لعدم منحه الموظف المتهم بتعاطي المخدرات أي فرصة للدفاع أو التظلم.
ويضيف أن “الاعتماد المطلق على نتيجة التحليل دون أي مراحل استئناف أو لجان مراجعة يمثل خرقًا واضحًا لمبادئ العدالة”، خاصة أن هذه التحاليل قد يشوبها الخطأ أو الالتباس. ويُذكّر بأن قوانين العمل والخدمة المدنية قبل صدور هذا القانون، كانت تتيح إجراءات تقاضي واضحة، منها إحالة الموظف إلى النيابة الإدارية أو المحكمة التأديبية، أو رفع النزاع إلى المحكمة العمالية.
ويعتبر أن القانون 73، باعتباره تشريعًا خاصًا، قد قيّد هذه المسارات القانونية، وأدخل مفهوم التحليل الإجباري كشرط للبقاء في الوظيفة العامة، وهو ما يعد في رأيه إجراءً مخالفًا لروح الدستور. وعن الأثر الاجتماعي، يشير الدكتور عامر إلى صدور نحو 7 آلاف قرار فصل استنادًا إلى القانون، واصفًا ما يحدث بأنه “حكم بالإعدام” لا يُنفذ ضد الفرد وحده بل ضد أسرته بأكملها.
أما المادة الثانية من القانون، فتنص على أن أحكامه تسري على جميع العاملين بالجهاز الإداري للدولة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة، وشركات القطاع العام والأعمال العام، والشركات القائمة على إدارة المرافق العامة، ودور الرعاية والحضانات والمدارس والمستشفيات، وغيرها من الجهات التي تساهم فيها الدولة.
وتنص المادة الثالثة على اشتراط ثبوت عدم تعاطي المخدرات لشغل الوظيفة أو الاستمرار فيها، من خلال تحليل فُجائي تُجريه جهات العمل بالتنسيق مع الجهات المختصة.
في المقابل، أفادت النائبة البرلمانية سناء السعيد، في تصريح لـ”زاوية ثالثة”، بأن القانون أُقر لحماية بيئة العمل وسلامة المواطنين، مستشهدة بحوادث قطارات نُسبت إلى تأثير المخدرات على العاملين. وأضافت أن وزارة التضامن الاجتماعي سبقت تطبيق القانون بحملات توعية وفرص للعلاج المجاني والطوعي، بهدف تجنيب الموظفين خطر الفصل.
وترى السعيد أن القانون يميّز بين الحالات المرضية والمخالفة؛ إذ يُسمح بتقديم ما يثبت وصف الطبيب للعقاقير، ويُمنح الموظف آلية تظلم من ثلاث مراحل، تبدأ بإعادة التحليل لدى الجهة التي أجرت الفحص الأول، وتؤكد أن الفصل لا يتم مباشرة بعد أول تحليل إيجابي، بل بعد استنفاد جميع درجات التظلم.
وعن طلبات الإحاطة النيابية، أشارت السعيد إلى أنها لم تُناقش مقترحات مباشرة لتعديل القانون داخل البرلمان، موضحة أن النقاشات التي جرت في مارس 2025 كانت تخص مشروع قانون العمل الجديد، لا القانون رقم 73 لسنة 2021.
وكان عدد من النواب، من بينهم عاطف المغاوري (التجمع)، وإحسان شوقي (القوى العاملة)، وإيهاب منصور (الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي)، قد تقدموا بطلبات إحاطة لتعديل القانون، مطالبين بمنح الموظف فرصة للعلاج، والكشف عن أعداد المفصولين، وإيجاد حلول تراعي الجانب الإنساني، بدلًا من الفصل النهائي كعقوبة أولى.
وفي بيان رسمي صدر في أبريل الماضي، أوضح صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي أن القانون يطبَّق منذ يناير 2022، ويلزم العاملين بإجراء تحاليل مفاجئة داخل مقار العمل. وأكد الصندوق أن التحاليل تتم بدقة، وتفرّق بنسبة 100% بين تعاطي المخدرات وتناول الأدوية المحتوية على مواد مدرجة، لضمان عدالة النتائج.
وأشار البيان إلى أن القانون يتيح للموظف التظلم عبر إعادة فحص العينة أو التقييم الإكلينيكي بواسطة الطب الشرعي، مؤكدًا أن الموظفين الذين يطلبون العلاج طواعية يُعتبرون مرضى، ولا تُتخذ ضدهم أي إجراءات قانونية. أما من يُضبط متعاطيًا أثناء العمل، فيُفصل وفقًا لنص القانون بعد ثبوت النتيجة التوكيدية.
ويُبقي الجدل حول القانون رقم 73 لسنة 2021 قائمًا، بين من يراه أداة لحماية المرافق العامة، ومن يراه تشريعًا عقابيًا قاسيًا يحتاج إلى مراجعة عاجلة.

يؤكد المحامي الحقوقي مالك عدلي، رئيس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حول القانون رقم 73 لسنة 2021، أن القانون رقم 73 لسنة 2021، المتعلق بفصل الموظفين من عملهم حال ثبوت تعاطيهم المخدرات عبر التحاليل، يمثل خرقًا دستوريًا صارخًا وانتهاكًا لحرمة الجسد والحياة الخاصة، مشيرًا إلى أنه تسبب في كوارث إنسانية شملت سيدات ومسنين ومرضى يعانون أمراضًا مزمنة ونفسية.
وأوضح عدلي أن القانون لا يقتصر في تطبيقه على متعاطي المواد المخدرة، بل يطال أيضًا من يتناولون أدوية تحتوي على مواد فعّالة مشابهة، مثل المسكنات القوية لمرضى السرطان والروماتيزم، أو أدوية الاكتئاب والمنومات والمهدئات، ما أدى إلى فصل موظفين أبرياء وتشويه سمعتهم، بل وفضحهم أمام مجتمعاتهم المحلية.
وأضاف أن التشريع يهدر مبدأ التفرقة بين من يضبط في حالة سُكر بيّن أثناء العمل، وهي حالة نصت القوانين سابقًا على أنها تستوجب الفصل، وبين من يؤدي عمله بكفاءة ويُفصل فقط لوجود آثار دواء أو مادة في دمه. وأشار إلى أن تطبيق مثل هذا القانون قد يكون مبررًا في الوظائف ذات الطبيعة الحساسة المرتبطة بأرواح الناس، كقيادة الطائرات والقطارات والحافلات أو العمل بالسلاح والمواد الخطرة، لكنه غير منطقي عند تعميمه على الإداريين والموظفين وأساتذة الجامعات والمعلمين.
وانتقد عدلي غياب أي ضمانات للموظفين المفصولين، إذ يُلقى بهم إلى الشارع دون معاش أو مستحقات مالية، رغم أن المدمن في الأساس مريض يحتاج إلى العلاج والتأهيل لا العقاب والتشهير. واعتبر أن القانون لا يتوافق مع التزامات مصر الدولية ولا مع أبسط الحقوق الدستورية، لافتًا إلى أن الطعن المقدم ضده رُفض أمام مجلس الدولة، إلا أن الأمل قائم في نظره مجددًا أمام دائرة أخرى وإصدار حكم منصف يعيد الاعتبار للضحايا.
الدكتور عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، يوضح أن القانون رقم 73 لسنة 2021 صدر في أجواء غضب شعبي واسع، عقب وقوع حوادث قطارات ثبت من التحقيقات أن بعض سائقيها يتعاطون المخدرات، إلا أن هذا التشريع جاء معيبًا دستوريًا لعدم منحه الموظف المتهم بتعاطي المخدرات الحق في الدفاع عن نفسه أو التظلم أمام لجان مختصة أو جهات قضائية، حيث نص على الفصل الوجوبي فور ظهور نتيجة التحليل الطبي، بصرف النظر عن صحته أو دقته.
ويوضح أستاذ القانون أن الاعتماد المطلق على نتيجة التحليل الطبي دون وجود مراحل استئناف أو لجان تظلم عليا يمثل مخالفة صريحة لمبادئ العدالة، خصوصًا أن هذه التحاليل قد يشوبها الخطأ أو الالتباس، وهو ما دفع المحكمة إلى التصريح بقبول إجراءات الطعن على القانون أمام المحكمة الدستورية العليا، استنادًا إلى أنه لم يمنح الموظف ضمانة التظلم وحق الدفاع.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، قبل إقرار هذا التشريع، لم يتضمنا مثل هذه الأحكام الخاصة، بل كانا ينصان على إجراءات مختلفة للفصل من الخدمة؛ ففي حالة ضبط موظف في حالة سُكر بيّن، كان القانون يوجب عرض الأمر على المحكمة المختصة؛ وبالنسبة للعاملين الخاضعين لقانون العمل، كانت القضايا تُعرض على المحاكم العمالية، أما موظفو الجهاز الإداري فكانت النيابة الإدارية تتولى التحقيق وتحيل الملفات إلى المحكمة التأديبية صاحبة القرار النهائي”.
ويضيف أن القانون 73، بصفته نصًا خاصًا، قد قيد القواعد العامة المنصوص عليها في قوانين العمل والخدمة المدنية، وأدخل مفهوم التحليل الإلزامي للمخدرات كشرط للبقاء في الوظيفة العامة، وهو ما اعتبره إجراءً مخالفًا لروح الدستور ومبادئ العدالة.
وبشأن التداعيات الاجتماعية لتطبيق هذا القانون، يؤكد رئيس المركز المصريين للدراسات أنه تسبب في مآسٍ إنسانية واسعة، إذ صدرت على مستوى الجمهورية نحو 7 آلاف قرار بإنهاء الخدمة استنادًا إلى هذا التشريع، واصفًا القرار بأنه بمثابة “حكم بالإعدام” في قانون العقوبات، ليس على الموظف فحسب بل على أسرته كاملة، لأنه يحرمها من مصدر رزقها الوحيد ويهدد استقرارها المعيشي.
وتنص المادة الثانية من القانون رقم 73 لسنة 2021، في شأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، على أن تسري أحكام القانون علي العاملين بوحدات الجهاز الإداري للدولة من وزارات ومصالح وأجهزة حكومية ووحدات الإدارة المحلية ، والهيئات العامة ، والأجهزة التي لها موازنات خاصة ، وشركات القطاع العام ، وشركات قطاع الأعمال العام ، والشركات القائمة على إدارة المرافق العامة بالدولة ، وغيرها من الشركات التابعة للدولة أو التي تساهم فيها الدولة بأي وجه من الوجوه ، ودور الرعاية وأماكن الإيواء ، والملاجئ ودور الإيداع و التأهيل ، ودور الحضانة والمدارس والمستشفيات.
وطبقًا للمادة الثالثة يشترط لشغل الوظائف في الجهات المشار إليها في المادة الثانية من هذا القانون بالتعيين أو التعاقد أو الاستعانة أو الترقية أو الندب أو النقل أو الإعارة أو للاستمرار فيها بالإضافة إلى الشروط الأخرى التي تتضمنها القوانين و اللوائح، ثبوت عدم تعاطي المخدرات من خلال تحليل فُجائي تجريه جهات العمل بمعرفة الجهات المختصة.
نوصي للقراءة: الشابو في مصر: تهديد أمني واجتماعي يتفاقم وسط عجز حكومي

مطالبات برلمانية بتعديل القانون
في 2021 كان البرلمان المصري قد أقر القانون 73، المعروف بقانون فصل الموظفين متعاطين المخدرات، والذي اشترط لشغل الوظائف في الحكومة بالتعيين أو التعاقد أو الاستعانة أو الترقية أو الندب أو النقل أو الإعارة، أو للاستمرار فيها، ثبوت عدم تعاطي المخدرات، من خلال تحليل فجائي استدلالي تجريه جهات العمل بمعرفة أي من الجهات التابعة لوزارة الصحة والسكان أو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
وعقب ذلك تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة لتعديل قانون فصل الموظفين متعاطين المخدرات، أبرزهم: رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع بمجلس النواب، عاطف المغاوري، الذي دعا لتعديل القانون بهدف منح فرصة ثانية للعاملين لمن يثبت تعاطيه المخدرات، وإخضاعه لبرنامج علاج إذا كان مدمنًا، وأيضًا البرلمانية إحسان شوقي، عضو لجنة القوى العاملة، التي طالبت بالكشف عن عدد الموظفين المفصولين بسبب تعاطي المخدرات، وضرورة إعطاء فرصة لهم لعدم وقف مصدر دخل الأسر، وكذلك رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ووكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إيهاب منصور، الذي تقدم بطلب إحاطة لرئيس الوزراء، للمطالبة بالكشف عن أعداد الموظفين المفصولين بسبب تعاطي المخدرات.
وفي تعليقها على القانون أفادت النائبة البرلمانية سناء السعيد لـ”زاوية ثالثة” أن القانون رقم 73 لسنة 2021 أُقر في بداية دورة انعقاد البرلمان عام 2021، ونصّ على خضوع الموظفين لتحاليل مفاجئة داخل أماكن العمل، مع فصل من يثبت تعاطيه للمخدرات، مؤكدة أن الهدف من القانون هو حماية بيئة العمل وضمان سلامة المواطنين، مستشهدة بحوادث القطارات والحافلات التي أُثير أن بعض مرتكبيها كانوا تحت تأثير المخدرات.
وترى السعيد أن القانون لا يتعارض مع الدستور، إذ إن التعاطي في حد ذاته جريمة يُعاقب عليها القانون، بينما جاءت نصوص هذا التشريع لحماية أرواح العاملين والمترددين على أماكن العمل. وأضافت أن الدولة سبقت تطبيق القانون بمناشدة واضحة عبر وزارة التضامن الاجتماعي، لإتاحة الفرصة للمتعاطين الذين يرغبون في العلاج من خلال المراكز المتخصصة، تجنبًا للفصل.
وفيما يتعلق بالموظفين المرضى الذين يتناولون أدوية قد تُظهر نتائج مشابهة لتعاطي المخدرات، شددت النائبة على أن القانون ميّز هذه الحالات بشكل صريح، إذ يتيح للمريض تقديم ما يثبت طبيعة حالته الصحية والأدوية الموصوفة له، وبالتالي لا يتعرض لأي جزاء وظيفي، مشيرة إلى أن القانون يتضمن آلية للتظلم عبر ثلاث درجات، تبدأ بإعادة التحليل من قبل الجهة التابعة لوزارة الصحة التي أجرت الفحص الأول، لضمان الحياد والدقة، مؤكدة أن الموظف لا يُفصل من الخدمة مباشرة بعد أول تحليل إيجابي، وإنما بعد استنفاد إجراءات التظلم وإثبات ثبوت التعاطي بشكل قاطع.
وحول طلبات الإحاطة التي تقدم بها بعض النواب لتعديل القانون بزعم أنه أدى إلى فصل آلاف الموظفين، أوضحت السعيد أنها تنتمي إلى الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، لكنها لا تتذكر مناقشة أي مقترحات لتعديل هذا التشريع داخل البرلمان، مبينة أن المناقشات التي أُجريت في مارس 2025 كانت تخص قانون العمل الجديد، الذي يتناول حالات الفصل التعسفي ومن بينها التعاطي، بينما لم تُطرح طلبات إحاطة مباشرة بشأن قانون 2021.
وكان صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، قد أوضح، في بيان له صدر في إبريل الماضي، أن القانون رقم 73 لسنة 2021، المطبق منذ يناير 2022، يلزم العاملين بالجهاز الإداري للدولة والعاملين بالمؤسسات الخاصة ذات النفع العام بإجراء تحاليل مفاجئة للكشف عن المخدرات داخل مقار العمل. وتتم هذه التحاليل عبر لجان تضم ممثلين من الصندوق والأمانة العامة للصحة النفسية ومصلحة الطب الشرعي، حيث تُسحب عينة استدلالية، وفي حال إيجابيتها تُحال إلى المعامل المركزية للتحليل التوكيدي، مؤكدًا أن التحاليل دقيقة وتفرق بنسبة 100% بين تعاطي المواد المخدرة (مثل الحشيش والهيروين) وتعاطي الأدوية المدرجة بجداول المخدرات، ما يضمن عدالة النتائج. كما تشمل الحملات أيضًا سائقي الحافلات المدرسية والسائقين على الطرق السريعة بالتعاون مع الجهات المعنية.
وبيّن الصندوق أن القانون يمنح الموظف حق التظلم أمام ممثل الطب الشرعي، حيث يُعاد فحص العينة أو يُجرى كشف إكلينيكي للتأكد النهائي من التعاطي. كما يشترط القانون ثبوت عدم التعاطي عند التعيين أو التعاقد أو الترقية أو النقل أو الندب، وفي حال ثبوت إيجابية العينة استدلاليًا يُوقف الموظف مؤقتًا حتى صدور نتيجة التحليل التوكيدي، التي يترتب عليها إما عودته للعمل أو فصله بقوة القانون، مشيرًا إلى أن الموظفين الذين يتقدمون طوعًا للعلاج قبل حملات الكشف يُعتبرون مرضى، ويتلقون العلاج مجانًا وفي سرية تامة دون مساءلة قانونية. أما من يُضبط متعاطيًا أثناء العمل فيُطبق عليه القانون.