close
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

حرية التعبير على الإنترنت معرضة للخطر بسبب قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

10/07/2025

مقدمة

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتعرض العديد من الصحفيين والمدونين ونشطاء الإنترنت للسجن أو النفي أو الإسكات بسبب ممارستهم لحقهم الأساسي في حرية التعبير. لقد أفاد مركز الخليج لحقوق الإنسان عن العديد من انتهاكات الحقوق الرقمية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك عدة حالات نموذجية توثق هذه الانتهاكات التي تتراوح بين سجن المدونين، ومراقبة الصحفيين الناقدين عبر تقنيات متطفلة، وصولاً إلى التجريم المنهجي للتعبير الرقمي باسم الأمن الوطني أو النظام العام.

بينما تُظهر اليمن وليبيا والكويت كلٌ بطريقتها آثار الأطر القانونية غير الكافية أو التي تم التحايل عليها على الفضاء الإلكتروني، تتميز دول أخرى في المنطقة مثل إيران وقطر والأردن والمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والعراق باعتماد تشريعات أكثر تفصيلاً بشأن الجرائم الإلكترونية، والتي، بدلاً من ضمان حرية التعبير، غالباً ما تُضفي طابعاً مؤسساتياً على قمعها من خلال أحكام قانونية غامضة، قابلة للتوسع وغير متوافقة مع المعايير الدولية.

الخلفية

بالنظر إلى سلسلة من القضايا بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يبرز نمط متكرر، يجري تحويل القوانين المتعلقة بالجرائم الإلكترونية ذات الصياغة الغامضة والقابلة للتأويل عن غرضها الأصلي المتمثل في الحماية إلى أدوات قمعية للغاية. لا تقتصر هذه الظاهرة على دولة بعينها، بل تعكس اتجاهاً هيكلياً سمحت به الفراغات القانونية الدولية. في الواقع، منذ اتفاقية بودابست (عام 2001) بشأن الجرائم الإلكترونية، ركز تنظيم الفضاء الإلكتروني بشكل رئيسي على الجوانب التقنية المتعلقة بالجرائم الرقمية (مثل الاحتيال، والدخول غير المشروع إلى أنظمة الحاسوب…)، دون وجود إطار واضح للضمانات اللازمة لحماية الحريات الأساسية. تترك هذه الفجوة المعيارية المجال مفتوحاً للتشريعات الوطنية الاستبدادية التي تحت ذريعة الأخلاق والأمن القومي أو الحفاظ على القيم الدينية، تجرّم التعبير الرقمي. في هذا السياق، يجد الصحفيون أنفسهم تحت رحمة أطر قانونية غامضة تبرر الملاحقات القضائية التعسفية، غالباً دون ضمانات قضائية فعالة.

إن الهدف من هذا التقرير الصادر عن مركز الخليج لحقوق الإنسان هو فهم كيفية توظيف قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا لخنق الأصوات الناقدة حالياً، مع اقتراح سبل للاستجابة القانونية الدولية المناسبة. يستند هذا التحليل إلى تقرير عام 2021 المعنون من سيبقى للدفاع عن حقوق الإنسان؟، الصادر عن مركز الخليج لحقوق الإنسان وعيادة القانون الدولي لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، والذي وثّق 225 حالة بين عامي 2018 و2020، حيث استخدمت الحكومات في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (بما في ذلك البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن وغيرها) قوانين الجرائم الإلكترونية وغيرها من القوانين ذات الصياغة الغامضة، والتي غالباً ما تُنفَّذ من قبل وحدات أمنية متخصصة، لإسكات التعبير عبر الإنترنت. سلّط التقرير الضوء على كيفية استغلال مثل هذه التشريعات بشكل منهجي لاحتجاز ومحاكمة وترهيب الصحفيين، والمدونين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، في انتهاكٍ للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

لا يزال إطار القانون الدولي المتعلق بالفضاء الإلكتروني غير كافٍ إلى حد كبير، ومجزأً وغير فعال في مواجهة التجاوزات الاستبدادية. لا توجد معاهدة عالمية تحكم الفضاء الإلكتروني على وجه التحديد، مما يفسح المجال أمام استخدام عدد كبير من القواعد المتفرقة من القانون الدولي العام (مثل ميثاق الأمم المتحدة) والقانون الدولي لحقوق الإنسان (لا سيما المادتان 17 و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية) التي تحمي الخصوصية وحرية التعبير. تنصّ هذه المادة الأخيرة على أن هذا الحق يشمل حرية التماس المعلومات وتلقيها ونقلها دون اعتبار للحدود.

في الممارسة العملية، غالباً ما يُلتفّ على هذا المبدأ من خلال القوانين الوطنية المتعلقة بالجرائم الإلكترونية التي تُصاغ بطريقة غامضة أو مفرطة، أو بسبب عدم تصديق دول الخليج وإيران واليمن على القانون الدولي الإنساني (في حالة النزاعات الإلكترونية) والاتفاقيات الإقليمية مثل اتفاقية بودابست بشأن الجرائم الإلكترونية (التي اعتُمِدت من قبل مجلس أوروبا). 

في ظل غياب قاعدة قانونية خاصة واضحة وملزمة، تظل كل دولة ذات سيادة في تنظيمها للفضاء الإلكتروني، مما يتيح فعلياً اعتماد قوانين غامضة وقمعية تستند إلى مفاهيم مبهمة مثل المساس بالأخلاق أو الدين أو الأمن القومي. مؤخراً، في شهر ديسمبر/كانون الأول 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، والتي ستكون مفتوحة للتوقيع في أكتوبر/تشرين الأول 2025. مع روسيا كحاملة لوائها، وبدعم ٍمن بعض دول الجنوب، فإن هذه الاتفاقية – بمجرد أن تصبح جزءاً من القانون الدولي – يمكن أن تعزز الاتجاه نحو قمع حرية التعبير من خلال إعطاء شكل من أشكال الشرعية للقوانين القمعية، تحت ستار الأمن الرقمي.

يفتح هذا الافتقار إلى إطار معياري المجال أمام ممارسات واسعة النطاق من المراقبة والقمع. يؤدي هذا التجزؤ إلى درجة عالية من عدم اليقين القانوني وتضارب القوانين، حيث يتجاوز المحتوى الرقمي الحدود التقليدية. لا توجد محكمة دولية مخصصة للتصدي بفعالية لانتهاكات الحقوق الرقمية، ولا تزال آليات الأمم المتحدة تعتمد على تصديق الدول وتعاونها. 

في القمة الثالثة للديمقراطية في مارس/آذار 2024، انضمت فنلندا وألمانيا وإيرلندا واليابان وبولندا وكوريا إلى بيان مشترك بقيادة الولايات المتحدة للعمل بشكل جماعي لمكافحة انتشار وإساءة استخدام برامج التجسس التجارية. حظرت الولايات المتحدة استخدام برامج التجسس التجارية من قبل الوكالات الفيدرالية. أُضيفت مجموعة “إن إس أو” و”كانديرو” الإسرائيليتان إلى قائمة الكيانات المحظورة في عام 2021، وشركة “ساندفين” الكندية في عام 2024. في أبريل/نيسان 2024، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن قيود على تأشيرات دخول 13 شخصاً متورطين في تطوير وبيع برامج التجسس الذين، “سهلوا أو استفادوا مالياً من إساءة استخدام هذه التكنولوجيا، التي استهدفت الصحفيين والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين وغيرهم من المنتقدين، وموظفي الحكومة الأمريكية.” في يناير/كانون الثاني 2025، اجتمع أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشكل غير رسمي لمناقشة التهديدات التي تشكلها برامج التجسس التجارية، بما في ذلك على الدبلوماسيين، وانضمت دول مختلفة إلى الولايات المتحدة وتعهدت باتخاذ إجراءات لصالح الضحايا. في عام 2023، تم تشكيل لجنة “بيغا” في برلمان الاتحاد الأوروبي للتحقيق في استخدام برامج التجسس.

لاتزال المبادرات الحالية، مثل مجموعة الخبراء التابعة للأمم المتحدة أو إعلان مستقبل الإنترنت، ذات طابع إعلاني فقط وغير ملزمة. نتيجة لذلك، أصبح الفضاء الإلكتروني أرضاً خصبة للمراقبة الجماعية، وتجريم المعارضة، والإفلات الرقمي من العقاب، مما يعزز الحاجة الملحة إلى إطار دولي منسق وملزم لحماية الحريات الأساسية على الإنترنت.

منذ جائحة كوفيد-19، زادت العديد من الحكومات قدراتها الرقابية من خلال تقنيات تتبع الصحة، التي أعيد توظيفها أحياناً لأغراضٍ سياسية، كما أفاد مركز الخليج لحقوق الإنسان في تقريرين نُشرا في أبريل/نيسان وديسمبر/كانون الأول 2021. على الرغم من أن العديد من دساتير الخليج تعترف بحماية البيانات الشخصية، إلا أن تطبيقها لا يزال غير متسق. بالتالي، يكشف السياق الحالي عن تشابك مقلق بين التعسف القانوني والغموض التكنولوجي والقمع السياسي. ُيشكل هذا الاتجاه جزأً من ظاهرة عالمية.

في إيران، تم مؤخراً توثيق استخدام برامج التجسس ضد المعارضين من قبل مشروع بيغاسوس، وهو مبادرة تحقيق دولية بقيادة منظمة “قصص محظورة” ومنظمة العفو الدولية. كشف هذا المشروع أن برنامج التجسس بيغاسوس، الذي طورته شركة مجموعة “إن إس أو” الإسرائيلية، استُخدم لاستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين في عدة بلدان، بما في ذلك إيران. كشف التحقيق عن قائمة تضم أكثر من 50,000 رقم هاتف تم اختيارها للمراقبة المحتملة، مما يسلط الضوء على النطاق الواسع لأنشطة التجسس الإلكتروني هذه.

لقد تم استخدام هذه التقنيات لمراقبة الصحفيين أو تتبع الأصوات الناقدة، كما حدث الحالة المأساوية لاغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي. في فبراير/شباط 2024، نشرت منظمتا أكسس ناو وسيتيزن لاب تقريراً استقصائياً عن الاستخدام الواسع النطاق لبرنامج التجسس بيغاسوس للتجسس على شرائح واسعة من الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني في الأردن.

استجابةً لذلك، يهدف هذا التقرير إلى توثيق الاستخدامات القمعية للتقنيات الرقمية والثغرات القانونية التي تسمح بها.

 من هذا السياق، يبرز سؤال محوري: كيف يتيح غياب إطار دولي معياري وملزم لتنظيم الفضاء الإلكتروني لدول هذه المنطقة استغلال قوانين الجرائم الإلكترونية لتقييد حرية التعبير تعسفاً، وانتهاك الحقوق الأساسية للصحفيين؟

لقراءة النسخة الكاملة من التقرير أضغط على “للتحميل”.