“أبحث فقط عن ملابس أستطيع بها كسوة أطفالي، والمشكلة أنني اضطررت قبل مجيئي إلى هنا إلى بيع مدفأة وقطعتين من الملابس الشتوية الخاصة بالعام الماضي عبر إحدى مجموعات البيع على فيسبوك، حتى أوفر المبلغ الذي أشتري به هذه الملابس”.
هكذا تبدأ “أم حسام” وهي ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أمام إحدى الطاولات الخشبية المكدسة بالملابس المستعملة، لتقلب بين القطع بعناية وتتفحص خامتها.
تلخص كلمات السيدة واقعًا اقتصاديًا جديدًا، تقوم فيه بعض الأسر ببيع ملابسها القديمة للحصول على سيولة تمكنها من شراء ملابس مستعملة أخرى، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من احتياجاتها.
لم تعد معدلات التضخم أرقامًا ترد في بيانات رسمية فحسب، بل أصبحت واقعًا ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية في ظل توقعات وصول معدل التضخم في يوليو إلى 15.6% على أساس سنوي بعدما كان 14.3%.
وهكذا تحول شراء ملابس جديدة إلى عبء يستهلك جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والكهرباء والسكن والمواصلات، ولذلك أصبحت الملابس من أول البنود التي تخضع للتقليص أو البحث عن بدائل أقل تكلفة.
كما تراجع الإنفاق المرتبط بالرغبة في مواكبة الموضة أو الشراء بدافع التغيير، ليحل محله ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد استرداد القيمة”، إذ أصبح الاحتفاظ بقيمة الملابس وإعادة بيعها جزءًا من إدارة الإنفاق لدى الأسر محدودة الدخل.
يتغير السلوك الاستهلاكي للمصريين تحت تأثير التضخم، إذ تشير دراسة إلى أن الارتفاعات المتتالية في الأسعار دفعت المواطنين إلى تقليل مشترياتهم والبحث عن بدائل أقل تكلفة، مع تراجع القوة الشرائية نتيجة انخفاض قيمة الجنيه. والطبقة المتوسطة هي الأكثر تأثرًا بموجات التضخم، وهو ما دفعها إلى تغيير أنماط الإنفاق والاتجاه نحو السلع الأقل سعرًا للحفاظ على ميزانية الأسرة.
تقول أستاذة علم الاجتماع بجامعة المنصورة الدكتورة مروة الشرقاوي إن موجات التضخم الأخيرة لم تقتصر آثارها على تراجع القوة الشرائية، وإنما أعادت تشكيل السلوك الاستهلاكي للأسر المصرية، خاصة الطبقة المتوسطة، التي أصبحت تبحث عن بدائل أقل تكلفة بعد أن تآكلت دخولها الحقيقية.
وتضيف أن ما يحدث اليوم يعكس تحولًا في طبيعة الاستهلاك، حيث انتقلت الأسر من الاستهلاك القائم على الاختيار إلى ما يمكن وصفه بـ”الاستهلاك التحايلي”، إذ تلجأ إلى تأجيل شراء الملابس الجديدة أو إصلاح الملابس القديمة أو الاتجاه إلى أسواق الملابس المستعملة باعتبارها بديلًا يحقق الاحتياجات الأساسية بأقل تكلفة.
وتشير إلى أن هذا السلوك يمكن تفسيره في ضوء نظرية “مجتمع المخاطر” لعالم الاجتماع الألماني أولريش بيك، والتي تفترض أن المجتمعات في أوقات الأزمات الممتدة تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط الخوف من المستقبل وعدم اليقين، لتصبح المحافظة على الاحتياجات الأساسية هي الهدف الأول، حتى لو تطلب الأمر التخلي عن أنماط استهلاك كانت تمثل في السابق جزءًا من المكانة الاجتماعية.
وتذكر أن استمرار الضغوط الاقتصادية أدى أيضًا إلى تراجع الحرج الاجتماعي المرتبط بشراء الملابس المستعملة، بعدما أصبحت الأزمة تطال قطاعًا واسعًا من المجتمع، فلم يعد الإقبال على “البالة” أو إعادة بيع الملابس يُنظر إليه بوصفه دليلًا على انخفاض المستوى الاجتماعي، بل باعتباره استراتيجية للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
وبرهانًا على فقدان شريحة كبيرة من الشعب القدرة الشرائية، أصدر مركز حلول للسياسات البديلة “مؤشر الدجاج” لقياس القدرة الشرائية لعموم المصريين استنادًا على أسعار الدجاج باعتبارها من الأقل سعرًا بين أنواع البروتين، لا سيما بعدما أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه.
وجاءت نتائج القوة الشرائية، حسب المؤشر، أن العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور أصبح قادرًا على شراء نحو 84.8 كيلو جرامًا من الدجاج في 2026، كما أنه يحتاج أكثر من ساعتين عمل لشراء كيلو دجاج واحد بسعر التجزئة، وهي مدة أطول مقارنة بالعديد من الدول. ووفق المؤشر، لو ارتفعت القوة الشرائية بنفس معدل نمو الحد الأدنى للأجور، لكان الحد الأدنى للأجور قد بلغ نحو 19000 جنيه.
بين هالة نمو الاقتصاد واتساع الأعمال الهشّة.. هل يحصل المصريون على وظائف كريمة؟

وكالة البلح… زبائن جدد وسوق مختلفة
على “فرشة” أحد بائعي الملابس المستعملة في وكالة البلح، يقول صاحب الفرشة “جودة”: “طبيعة الزبائن تغيرت كثيرًا. في الماضي كان يقصدنا أصحاب الدخول المحدودة، أما اليوم فنرى موظفين في جهات حكومية ومعلمين وأسرًا تبدو أوضاعها المادية جيدة”.
بينما يضيف لـ”زاوية ثالثة” أن الإقبال أصبح أكبر من الأعوام الماضية، لكن حركة البيع أصبحت أبطأ، لأن أسعار الملابس المستعملة نفسها ارتفعت”.
“جودة” لا يتحدث عن أسعار الملابس المستعملة المستوردة “البالة”، ولكنه يشير إلى الملابس التي يشتريها هو من مصريين ويبيعها لمصريين أيضًا.
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي الدكتور حازم حسانين يقول لـ”زاوية ثالثة” إن الشارع المصري يشهد تغيرًا واضحًا في الخريطة الاجتماعية لسوق الملابس المستعملة، إذ لم يعد الإقبال عليها يثير الحرج لدى الطبقة المتوسطة، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره وسيلة رشيدة لإدارة الإنفاق في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
ويضيف أن توجه كثير من الأسر الجزء الأكبر من ميزانيتها المتبقية إلى شراء ملابس الأطفال إنما يرجع لسرعة نموهم وحاجتهم المستمرة إلى تغيير المقاسات، بينما يؤجل الآباء والأمهات شراء احتياجاتهم الشخصية.
ورغم زيادة معدل الإنفاق الاستهلاكي بمصر، إلا أن الواقع يشهد بانقسام المجتمع إلى فئات عليا لديها ما يمكنها من الإنفاق في مواجهة شريحة واسعة من الطبقات الأدنى لا تجد ما يسد رمقها.
وقد أظهرت بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية تراجع الإنفاق الاستهلاكي في مصر خلال الربع الأول من 2026، ليبلغ 1.99 تريليون جنيه، مقابل 2.12 تريليون جنيه في الربع الأخير من 2025، بانخفاض نحو 131.1 مليار جنيه، بما يعادل 6.2% على أساس ربعي.
أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة السويس الدكتور جبر الله سلمان يقول إن موجات التضخم المتلاحقة لم ترفع الأسعار فحسب، بل أحدثت تحولًا عميقًا في الثقافة الاستهلاكية للمصريين، بعدما دفعت الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ليصبح البعد الوظيفي للسلعة أكثر أهمية من العلامة التجارية أو قيمتها الرمزية.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الدراسة التي أجراها تكشف أن اللجوء إلى أسواق الملابس المستعملة أصبح إحدى إستراتيجيات التكيف مع تآكل القوة الشرائية، إذ سجل مؤشر التوجه إلى سوق المستعمل لشراء الملابس أكثر من 49% بين أفراد عينة الدراسة من شرائح اجتماعية مختلفة وليس فقط الفئات الأقل دخلًا.
ويضيف أن الطبقة المتوسطة أصبحت تبحث عن أفضل معادلة بين الجودة والسعر، فاتجه كثيرون إلى شراء الملابس المستعملة من الماركات العالمية أو ما يعرف بـ”الاستوكات”، للحصول على مظهر مناسب بتكلفة أقل، كما تراجعت ميزانيات ملابس الأطفال، إذ اكتفت بعض الأسر بشراء طقم واحد لكل طفل خلال الموسم، بعد أن كانت تشتري عدة أطقم، بينما أصبحت الملابس الجديدة تقتصر على المناسبات والأعياد.

من الأسواق الشعبية إلى المنصات الرقمية
لم تعد ظاهرة شراء الملابس المستعملة مقتصرة على الأسواق التقليدية، بل تمتد إلى التطبيقات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي المتخصصة في بيع الملابس المستعملة.
مهندسة الديكور “سارة عبد الله” تقول لـ”زاوية ثالثة”: “لم أعد أبيع ملابسي القديمة كما كنت أفعل في السابق، وإنما أوفر من حصيلة البيع جزءًا من قيمة أحد الأقساط أو أستخدمها لشراء ملابس الموسم الجديد. التطبيقات أصبحت لكثير من الطبقة المتوسطة سوقًا صغيرة تساعدهم على تدبير السيولة ومواجهة ارتفاع الأسعار”.
“حازم حسانين” يقول إن هذا السلوك يكشف عن تحول في وظيفة إعادة بيع الملابس، إذ لم تعد وسيلة للتخلص من القطع غير المستخدمة، بل أصبحت أداة لإدارة السيولة داخل الأسرة، وتخفيف أثر تراجع القوة الشرائية.
تشير دراسة إلى أن موجات التضخم المرتفعة التي أعقبت “الإصلاح الاقتصادي” في 2016 حوّل استهلاك الأسرة، إذ أصبحت الملابس والأحذية ضمن السلع التي يسهل للأسر تأجيل شرائها أو خفض الإنفاق عليها عند تراجع الدخل الحقيقي، وهو ما انعكس في انخفاض الإنفاق على الملابس بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة وحتى مرتفعة الدخل، مع توجيه جانب أكبر من الميزانية إلى الغذاء والاحتياجات الأساسية.
أستاذة علم الاجتماع بجامعة دمياط الدكتورة ريمان خالد تقول إن الطبقة المتوسطة كانت الأكثر تأثرًا بتحولات التضخم، إذ فرضت الضغوط الاقتصادية عليها تبني أنماط استهلاك جديدة تساعدها على التوفيق بين محدودية الدخل والرغبة في الحفاظ على مظهر اجتماعي لائق، كما أن الأسر التي تتحمل مسئولية إعالة الأطفال أصبحت الأكثر بحثًا عن هذه البدائل في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتضيف لـ”زاوية ثالثة” أن بعض الفئات الأعلى دخلًا لجأت هي الأخرى إلى إعادة ترتيب مواردها، مستفيدة من تطبيقات ومنصات بيع الملابس المستعملة لتوفير سيولة نقدية أو تمويل مشتريات جديدة، بما يعكس تغيرًا في أساليب إدارة الإنفاق وليس مجرد تغير في تفضيلات الشراء.
وتستند في تفسير هذه التحولات إلى عدد من النظريات الاجتماعية، موضحة أن نظرية “العرض الذاتي” لعالم الاجتماع إرفنج جوفمان تفسر سعي الأفراد للحفاظ على صورة اجتماعية مقبولة رغم الضغوط الاقتصادية.
وتذكر أن الأزمة الاقتصادية غيّرت فلسفة الاستهلاك داخل المجتمع، فلم يعد شراء الملابس المستعملة يُنظر إليه باعتباره سلوكًا مرتبطًا بالفقر، بل أصبح إستراتيجية عقلانية تتبناها قطاعات واسعة من الطبقة المتوسطة للحفاظ على قدرتها الشرائية في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية.
من ناحيته، يشير “جبر الله سلمان” أن الأزمة الاقتصادية أسهمت في “كسر الحرج الاجتماعي” المرتبط بشراء الملابس المستعملة، إذ أصبح البحث عن الأرخص يُنظر إليه باعتباره سلوكًا عقلانيًا في إدارة الموارد، وليس دلالة على الفقر، مشيرًا إلى بروز ما يصفها بـ”ثقافة الإخفاء”.
ويشير “سلمان” إلى أن الاستهلاك في مصر لم يعد قائمًا على حرية الاختيار، بل أصبح تحكمه الضرورة الاقتصادية، إذ تحول السعر إلى العامل الأكثر تأثيرًا في القرار الشرائية، ذاكرًا أن الاتجاه نحو شراء الملابس المستعملة لا علاقة له بالمستويات التعليمية المختلفة، إذ إن الظاهرة أصبحت أكثر عمومية داخل المجتمع.
ويوضح أن الفئات الأعلى دخلًا لا تزال تسعى للحفاظ على مظهرها الاجتماعي، لكنها باتت تعتمد على إستراتيجيات أكثر مرونة، مثل إعادة استخدام الملابس أو إصلاحها أو بيع بعضها لتوفير سيولة، بما يساعدها على الحفاظ على نمطها المعيشي دون إنفاق مفرط.
في النهاية، وراء كل قطعة مستعملة قصة أسرة تحاول التكيف مع واقع اقتصادي أكثر صعوبة، لتوفير سيولة أو تخفيف عبء المعيشة، حيث أعاد الغلاء تشكيل أولويات المصريين، وكيف تحولت الملابس من سلعة استهلاكية إلى أداة لإدارة ميزانية الأسرة والحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
تغادر “أم حسام” وكالة البلح بينما تحمل كيسًا بلاستيكيًا يحتوي على طقمين من الملابس لأطفالها، بعدما نجحت في تخفيض السعر بضعة جنيهات. تبتسم ابتسامة يغلب عليها الإرهاق، وتحمد الله قائلة: “الملابس التي لا تناسب حسام سيستفيد منها شقيقه الأصغر، والأهم أننا سنتجاوز الصيف بأقل تكلفة”.