للمرة الأولى في تاريخها، أرسلت الحكومة المصرية، مطلع أبريل الجاري، 3 موازنات استرشادية جديدة للبرلمان تشمل الأعوام المالية من (2027-2023)، في توجه تقول إنه يسعى لإقرار إطار موازني متوسط الأجل ويتضمن مستهدفات مالية استرشادية قابلة للتحديث وفق المتغيرات الاقتصادية ما يعزز الاستدامة والاستقرار خلال السنوات المقبلة.
وبينما يعكف البرلمان على مناقشة الموازنات، تتصدر موازنة العام المالي المقبل الذي يبدأ في يوليو، حالة الجدل داخل المجلس، وفي الشارع أيضًا، فبينما تؤكد الحكومة على توسيع مخصصات الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، فضلًا عن تقليص حجم الديون وخفض مستهدف للعجز الكلي إلى 4.9% مقارنة 6.1% خلال العام الجاري، يخشى مراقبون من استمرار الضغوط الاجتماعية وعدم وفاء الإيرادات بالالتزامات الحكومي خاصة في ضوء التوترات الإقليمية الراهنة.
من جانبه، قدم وزير المالية أحمد كوجك، موازنة العام المقبل بوصفها “إعادة توزيع للموارد لصالح قطاعات خدمية لطالما وُصفت بأنها تعاني نقصًا مزمنًا، وعلى رأسها الصحة والتعليم، معلنًا زيادة مخصصات الصحة بنحو 30% والتعليم 20%، لافتًا إلى أن “الأولوية لتحسين جودة الخدمات الأساسية”.
كذلك أشار “كوجك” إلى تخصيص نحو 832 مليار جنيه للحماية الاجتماعية، وزيادة مخصصات الدعم وبرامج الفئات الأكثر احتياجًا، فضلًا عن زيادة الأجور نحو ٢١٪، مشيرًا إلى صرف زيادة استثنائية لحوالي مليون معلم في التعليم الأساسي والأزهر، بحوالي 1000 جنيه، بالإضافة لـ750 جنيهًا زيادة استثنائية لـ650 ألف مستفيد في القطاع الطبي.
وأوضح وزير المالية أن إجمالي المصروفات في الموازنة الجديدة ينمو بنحو 13.5%، في إطار ما وصفه بـ”التوازن بين الانضباط المالي والاستجابة للاحتياجات الاجتماعية”، ويعني ذلك وفقًا لمراقبين أنّ الحكومة تحاول الجمع بين هدفين متعارضين: تقليص العجز من جهة، وزيادة الإنفاق الاجتماعي من جهة أخرى، وهي معادلة غالبًا ما تنتهي بترجيح كفة الانضباط على حساب التوسع الاجتماعي.
الوزير أوضح أن الموازنة تستهدف تحقيق فائض أولي مرتفع، بما يساعد على خفض الدين العام، في الوقت ذاته يظل جزءًا معتبرًا من موارد الدولة موجهًا لخدمة الدين، لا لتحسين الخدمات، ما يحدّ من قدرة أي زيادات إنفاقيه على إحداث تغيير ملموس.
الكيماويات والمعادن في المقدمة: مصر تُسرّع بيع 60 شركة حكومية

موازنة اجتماعية أم إنفاق مقيد؟
بنهاية مارس الماضي، أقر مجلس الوزراء المصري مشروع موازنة العام المالي الجديد الذي يبدأ في يوليو المقبل وينتهي في يونيو 2027، وتمثل أكبر موازنة في تاريخ البلاد بحجم مصروفات يصل إلى 5.1 تريليون جنيه مقابل إيرادات مستهدفة 4 تريليونات جنيه، مع عجز كلي يقدر بنحو 1.28 تريليون جنيه، فيما تسعى الحكومة إلى خفض العجز إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي وخفض نسبة الدين إلى 78% بحلول يونيو 2027.
تسجل الموازنة الجديدة زيادة في الإيرادات العامة بنسبة 27.6% لتصل إلى 4 تريليونات جنيه، بينما ترتفع المصروفات بنسبة 13.2% إلى 5.1 تريليون جنيه مقارنة بموازنة (2025-2026) التي بلغت مصروفاتها 4.6 تريليون جنيه وإيراداتها أقل من 3.5 تريليون. ويأتي هذا التوسع مدعومًا بفائض أولي قوي يبلغ 1.2 تريليون جنيه ( ما يعادل نحو 5% من الناتج المحلي).
وتتصدر برامج الحماية الاجتماعية قائمة أولويات الموازنة بمخصصات تصل إلى 832.3 مليار جنيه، بنمو سنوي 12% مقارنة بـ742.6 مليار جنيه في العام السابق، لتشمل دعم السلع التموينية والطاقة والمعاشات والإسكان، كذلك خُصص 90 مليار جنيه لمساندة النشاط الاقتصادي وتحفيز التصدير، مع ربط الحوافز بنتائج ملموسة.
رغم التوسع في الإنفاق، تُظهر الموازنة التزامًا بخفض العجز الكلي بنحو 1.2 نقطة مئوية، مع تركيز على تقليل الدين الخارجي بـ2 مليار دولار سنويًا. ومع ذلك، يظل الضغط على خدمة الدين والفوائد تحديًا كبيرًا، كما حدث في العام السابق إذ شكلت الفوائد 50.2% من المصروفات، مما يثير الإشكالية ذاتها حول استدامة التوازن بين الإنفاق الاجتماعي والالتزامات المالية.
في هذا الصدد، يقول أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور كريم العمدة، إن الموازنة العامة للدولة تُعد الوثيقة المالية الأهم التي تصدرها الحكومة سنويًا، باعتبارها المرآة الحقيقية لتوجهات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، إذ تكشف بوضوح أولويات الإنفاق العام وما إذا كانت السياسات تميل إلى دعم الفئات محدودة الدخل، أو مساندة مجتمع الأعمال، أو تحقيق توازن بين الجانبين.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الموازنة تمثل كذلك الأداة الرئيسية لتنفيذ الالتزامات الدستورية المرتبطة بالإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي، وهي القطاعات التي ألزم الدستور الدولة بتخصيص نسب محددة من الناتج القومي لها، بما يضمن تحسين جودة الخدمات الأساسية وتعزيز الاستثمار في رأس المال البشري.
ويشير “العمدة” إلى أن باب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية يظل من أبرز أبواب الموازنة، إذ بلغ نحو 830 مليار جنيه، متسائلًا بشأن إدراج ما يقرب من 104 مليارات جنيه لدعم الكهرباء، رغم الزيادات المتتالية في أسعارها خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن هذا الأمر يستوجب توضيحًا رسميًا بشأن هيكل تكلفة إنتاج الطاقة وآليات تسعيرها.
ويوضح كذلك أن ملف دعم الطاقة بصورة عامة يحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية، خاصة في ظل اعتماد مصر على مزيج من الإنتاج المحلي والاستيراد في البترول والغاز، بما يفرض ضرورة توضيح أسس احتساب التكلفة، وما إذا كانت الموارد المنتجة محليًا تُسعر وفق الأسعار العالمية أم وفق تكلفتها الفعلية.
وفيما يتعلق ببنود الحماية الاجتماعية، يلفت أستاذ الاقتصاد إلى تخصيص نحو 13 مليار جنيه للإسكان الاجتماعي، معربًا عن تطلعه إلى زيادة هذا المبلغ، إلى جانب 55 مليار جنيه لبرنامج “تكافل وكرامة”، بما يعزز قدرة الدولة على دعم الأسر الأولى بالرعاية وتخفيف الضغوط المعيشية عنها.
ويصف كذلك ملف السلع التموينية بأنه أحد الملفات الحيوية داخل الموازنة، في ظل استفادة نحو 60 مليون مواطن منه، مشيرًا إلى أن اتساع قاعدة المستفيدين بهذا الشكل يعكس استمرار الضغوط الاقتصادية، بينما يُفترض أن يؤدي تحسن مستويات الدخل مستقبلًا إلى تراجع أعداد المحتاجين للدعم تدريجيًا.
وفيما يخص الاستثمارات الحكومية، يوضح أنها بلغت نحو 550 مليار جنيه، بزيادة تقارب 35% مقارنة بالعام المالي السابق، مؤكدًا أن معيار النجاح لا يرتبط فقط بحجم الإنفاق الاستثماري، وإنما بكفاءة توجيهه، وما إذا كان يذهب إلى مشروعات ذات عائد اقتصادي سريع، تدعم الإنتاج والصادرات وتوفر فرص العمل، أم إلى مشروعات يتأخر مردودها الاقتصادي لسنوات.

ماذا تغير؟
يرى الخبير الاقتصادي رئيس منتدى تطوير الفكر العربي للأبحاث، أبو بكر الديب، أن مشروع الموازنة الجديدة يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع في مرحلة شديدة الحساسية، تتشابك فيها الضغوط الداخلية مع التقلبات الإقليمية والدولية.
ويوضح “الديب” لـ”زاوية ثالثة” أن الموازنة الجديدة تتحرك داخل هامش مالي محدود، لكنها تحاول استثماره بأعلى قدر ممكن من الكفاءة، فلا تقدم وعودًا بالتوسع غير المحسوب، ولا تنزلق في المقابل إلى سياسات انكماشية قاسية، بل تنتهج مسارًا وسطًا يقوم على الانضباط المالي مع الحفاظ على مستويات معقولة من الحماية الاجتماعية، معتبرًا أن هذا التوازن يعكس إدراكًا أكثر نضجًا لتعقيدات المرحلة الراهنة.
ويشير إلى أن الدولة باتت تنظر إلى الموازنة باعتبارها أداة لإدارة الاقتصاد وتوجيه أولوياته، وليس مجرد وثيقة محاسبية، لافتًا إلى وجود تحول تدريجي في فلسفة الاستثمار العام، من خلال ترشيد نمو الاستثمارات الحكومية وإعادة توجيهها، بما يتيح مساحة أكبر للقطاع الخاص لقيادة النشاط الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
ويضيف أن هذا التوجه يعكس فهمًا متزايدًا بأن رفع كفاءة الاقتصاد لا يتحقق فقط عبر زيادة الإنفاق، وإنما من خلال إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والسوق بصورة أكثر توازنًا، إلى جانب منح أولوية للقطاعات الإنتاجية والصناعة والتصدير، باعتبارها المسار الأكثر استدامة لمعالجة أزمة النقد الأجنبي وتقليص الفجوة التمويلية.
ويرى “الديب” أن الموازنة تُظهر أيضًا اهتمامًا واضحًا بالاستثمار في العنصر البشري، عبر زيادة مخصصات الصحة والتعليم، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، ورفع الأجور والمعاشات، مؤكدًا أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن يقتصر على المؤشرات المالية وحدها، بل يجب أن يتضمن بعدًا اجتماعيًا يخفف أعباء التحول الاقتصادي ويحافظ على التماسك المجتمعي.
وفيما يتعلق بقدرة الحكومة على الجمع بين زيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية وخفض الدين العام، يؤكد الخبير الاقتصادي أن هذه المعادلة قابلة للتحقق، لكنها مشروطة بتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر دمج الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب إدارة أكثر فاعلية للدين العام من خلال إعادة هيكلته وخفض كلفته تدريجيًا.
ويشير إلى أن المواطن لن يقيم نجاح الموازنة من خلال أرقام العجز أو الفائض الأولي، بل من خلال انعكاسها المباشر على حياته اليومية، عبر استقرار الأسعار، وتحسن القدرة الشرائية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص عمل مستقرة للشباب.
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي، زهدي الشامي إن مشروع الموازنة العامة الجديد لا يعدو كونه “تنويعات على لحن قديم”، إذ تتكرر معه، عامًا بعد آخر، الحجج ذاتها والتبريرات نفسها التي تطرحها الحكومة منذ سنوات لتمرير سياسات ألحقت أضرارًا واسعة بالاقتصاد والمجتمع، بينما ينتهي الأمر دائمًا إلى وعود مؤجلة بالإصلاح لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ويوضح “الشامي” لـ”زاوية ثالثة” أن العيوب الهيكلية للموازنة المصرية ما زالت قائمة، ولم تنجح السياسات الحكومية أو الاتفاقات المتكررة مع صندوق النقد الدولي في معالجتها، مشيرًا إلى أنها لا تحقق مبدأ الشمول، إذ لا يشمل بصورة كاملة أوضاع وأنشطة عدد من الجهات والأجهزة التي تعمل خارج الإطار التقليدي للموازنة رغم اتساع دورها الاقتصادي.
ويضيف أن الاختلالات المزمنة ما زالت تُعاد إنتاجها، وفي مقدمتها العجز الكلي الكبير، الذي يصل في المشروع الجديد إلى نحو 1.28 تريليون جنيه، معتبرًا أن التركيز الرسمي على تحقيق فائض أولي لا يعكس الصورة الحقيقية للأوضاع المالية، لأنه يستبعد فوائد الدين، رغم أنها تستهلك النسبة الأكبر من موارد الدولة.
ويشير إلى أن القراءة الأولية للموازنة تكشف ارتفاع الإيرادات الضريبية بنحو 27%، مقابل زيادة مخصصات الحماية الاجتماعية بنسبة 12% فقط، بما يعكس، بحسب قوله، تحميل المواطنين أعباء إضافية دون توسع موازٍ في شبكات الحماية والدعم. كما اعتبر أن بعض البنود المعلنة تثير تساؤلات، مثل ما يوصف بدعم المعاشات أو دعم الوقود، مؤكدًا ضرورة توضيح طبيعة هذه المخصصات وآليات احتسابها.
وفي ما يتعلق بالأجور والمعاشات، يقول الشامي إن الزيادات المعلنة لا تبدو كافية في مواجهة الضغوط المعيشية، لافتًا إلى استمرار شكاوى تتعلق بعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور في قطاعات واسعة، إلى جانب تدني مستويات المعاشات مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.
ويؤكد أن المشهد يزداد تعقيدًا مع عودة معدلات التضخم إلى الارتفاع خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع زيادة الدين الخارجي مجددًا، ما يفرض تحديات إضافية أمام أي موازنة تستهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
نوصي للقراءة: هل تخدعنا مؤشرات التعافي؟ ما تكشفه أرقام التعداد الاقتصادي السادس عن هشاشة النمو في مصر

ماذا ينتظر المواطن؟
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني الدكتور محمد فؤاد أن أبرز الملاحظات على مشروع الموازنة الجديدة تتمثل في تحقق قدر من التفاؤل بالنظر إلى تقديرات الإيرادات العامة، لكن في الوقت ذاته يقابلها ضغوط واضحة على جانب الإنفاق، وهو ما قد يخلق فجوة بين المستهدفات المعلنة والقدرة الفعلية على التنفيذ خلال العام المالي.
ويوضح “فؤاد” لـ”زاوية ثالثة” أن الجمع بين عدة أهداف في وقت واحد، مثل زيادة مخصصات الصحة والتعليم، ورفع بند الأجور، وفي الوقت ذاته خفض مستويات الدين، يُعد توجهًا مهمًا من حيث المبدأ، لكنه يتطلب معدلات نمو اقتصادي أقوى، إلى جانب تنفيذ إصلاحات هيكلية أعمق وأكثر اتساعًا من المطروح حاليًا، حتى يصبح قابلاً للتحقق على أرض الواقع.
ويضيف أن المواطن لا يتعامل مع الموازنة من زاوية الأرقام والمؤشرات الكلية بقدر ما ينتظر انعكاساتها المباشرة على حياته اليومية، سواء من خلال تراجع الأسعار، وتحسن جودة الخدمات العامة، أو زيادة الدخول والقدرة الشرائية.
ويشير أيضًا إلى أن استمرار مستويات العجز في الموازنة يفرض ضغوطًا على المالية العامة، ويقلص المساحة المتاحة أمام الحكومة للتحرك، كما يحد من قدرة الدولة على توسيع أثر الإنفاق الاجتماعي وتحقيق نتائج ملموسة للفئات الأكثر احتياجًا.
ويشدد “فؤاد” على أن الحكم على ما إذا كانت الموازنة “اجتماعية” أم لا، لا يرتبط فقط بحجم المخصصات المدرجة في بنودها، وإنما بمدى قدرتها على تحسين مستوى معيشة المواطنين، وانعكاسها الحقيقي والملموس على حياة الناس اليومية.
ويرى الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، الدكتور خالد الشافعي، أن مشروع الموازنة الجديد لا يختلف كثيرًا عن موازنات السنوات السابقة، إذ يحمل الطابع التقليدي ذاته، من حيث الشكل والمضمون، دون أن يتضمن تحولات جوهرية أو أدوات فعالة قادرة على إحداث نقلة اقتصادية حقيقية يشعر بها المواطن.
ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن الموازنة تتضمن زيادات معلنة في بعض البنود، مثل الصحة والتعليم والأجور، وهي أمور إيجابية من حيث المبدأ، لكنها لا ترقى إلى مستوى موازنة استثنائية يمكن اعتبارها نقطة تحول في الأداء الاقتصادي أو المالي للدولة، بل تظل في إطار الزيادات المعتادة التي تتكرر سنويًا.
ويوضح “الشافعي” أن الحديث عن التوسع في الإنفاق الاجتماعي، بالتوازي مع خفض الدين العام، يظل هدفًا صعب التحقيق في ظل الأوضاع الحالية، خاصة أن أعباء خدمة الدين ما زالت تستحوذ على نسبة كبيرة من الإيرادات العامة، بما يحد من قدرة الحكومة على توجيه موارد أكبر إلى القطاعات الخدمية والتنموية.
ويشير إلى أن أي موازنة فعالة يجب أن تكون قادرة على تحقيق نتائج ملموسة في مجالات التعليم والصحة والخدمات الأساسية، وأن تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، موضحًا أن المواطن لا ينتظر الأرقام أو المؤشرات الرسمية بقدر ما يترقب انخفاض الأسعار، وتوافر السلع، وتحسن الخدمات الحكومية، وزيادة القدرة الشرائية.
ويؤكد الشافعي أن الشارع المصري ينتظر موازنة تعبر بصورة صادقة عن احتياجاته، وتقدم حلولًا عملية لأزمات المعيشة، سواء فيما يتعلق بأسعار السلع الأساسية أو الخدمات اليومية، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة والتوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على الاقتصاد المحلي.
ويشدد على أن المطلوب ليس مجرد زيادات رقمية في بنود الموازنة، وإنما رؤية اقتصادية متكاملة تعالج الاختلالات الهيكلية، وفي مقدمتها أزمة الدين الخارجي والمحلي، وهيكل الإنفاق العام، وأولويات المشروعات، وقدرة الدولة على تنمية الإيرادات بصورة مستدامة، مشددًا على أن البلاد بحاجة إلى موازنة غير مسبوقة من حيث الكفاءة والفاعلية، قادرة على تحقيق مؤشرات إيجابية حقيقية، وإحداث تحسن ملموس في مستوى معيشة المواطنين، وهو ما ينتظره الشارع من أي سياسة مالية جديدة.
نوصي للقراءة: بيع أصول الدولة.. الصكوك السيادية المصرية بين خفض الدين ورهن المستقبل

هل تنجح محاولات احتواء الديون؟
بالرغم من تصاعد الحديث الرسمي عن أولوية خفض الدين العام، لا تزال الحكومة متأخرة في الإعلان عن استراتيجية متكاملة لإدارة المديونية، وسط تضارب في التصريحات وتعدد في المبادرات المتداولة دون مرجعية مؤسسية واضحة. فحتى الآن، لم تُنشر وثيقة رسمية تحدد مسار خفض الدين وأدواته وجدوله الزمني. فيما تتراوح التصريحات بين التأكيد على عدم بيع الأصول، والترويج المتزامن للتخارج من الشركات العامة، والحديث عن مبادلات الدين، دون توضيح الفروق الجوهرية بين هذه المسارات أو حدود كل منها.
وتتبنّى وزارة المالية مسارًا نزوليًا لمديونية أجهزة الموازنة العامة، تستهدف بموجبه خفضها من 84% من الناتج المحلي الإجمالي في (2024/2025) إلى 80% في (2025/2026)، ثم إلى 76% في (2026/2027) و72% في (2027/2028)، وصولًا إلى 70% في (2028/2029)، قبل أن تتراجع إلى 68% بحلول (2029/2030). ويُعزى تحقيق هذه المستهدفات، وفقًا للخطة، إلى الحفاظ على فائض أولي مرتفع، إلى جانب تحقيق معدلات نمو حقيقي قوية، وهي افتراضات تراهن على استدامة بيئة اقتصادية مواتية، رغم ما يحيط بها من تقلبات محلية ودولية.
وعلى صعيد الدين الخارجي، تعلن الحكومة استهداف خفض رصيد ديون أجهزة الموازنة بنحو 1–2 مليار دولار سنويًا، مع وضع سقف للإصدارات الدولية الجديدة بحيث لا تتجاوز قيمة الاستحقاقات السنوية، بما يعني، نظريًا، الحد من صافي الاقتراض الجديد. غير أن هذه المقاربة، كما يلاحظ مراقبون، تركز على إدارة الدين أكثر من تقليصه فعليًا، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على أسواق الدين الدولية لسد الفجوات التمويلية.
وفي هذا السياق، عادت مصر خلال (2024- 2025) إلى سوق الإصدارات الدولية لأول مرة منذ ثلاث سنوات، عبر طرح سندات يورو بوند وصكوك، وسط ما وصفته الحكومة بإقبال قوي من المستثمرين، وتراجع تكلفة التمويل مقارنة بمتوسطات الأسواق الناشئة. وتستشهد الحكومة بانخفاض مؤشر مخاطر الاستثمار في الأوراق المالية المصرية إلى 271 نقطة بعد أن بلغ 1858 نقطة في ديسمبر 2024، إلى جانب تراجع منحنى عائد السندات الدولية بنحو 278 نقطة أساس، معتبرة ذلك دليلًا على تحسن نظرة الأسواق، رغم استمرار هشاشة المؤشرات الاجتماعية والضغوط التضخمية داخليًا.
وتسعى وزارة المالية، بحسب الخطة، إلى رفع نسبة التمويل الخارجي الميسر من مصادر جديدة إلى 60% من إجمالي التمويل السنوي، بالتوازي مع تقليل الاعتماد على التمويل التجاري مرتفع التكلفة. فضلًا عن ذلك، تعتزم توجيه ما لا يقل عن 50% من حصيلة التخارج من الأصول الحكومية وأي عوائد استثنائية أخرى إلى خفض الدين، في رهان متكرر على بيع الأصول كأداة لتخفيف الضغوط، لا كحل هيكلي لأزمة المديونية.
وفي الداخل، تستهدف الاستراتيجية إطالة متوسط عمر الدين المحلي من 3.5 سنوات في (2024/2025) إلى ما بين 4.5 و5 سنوات على المدى المتوسط، عبر التوسع في أدوات تمويل جديدة مثل الصكوك المحلية وسندات التجزئة والسندات ذات العائد المتغير، إلى جانب عمليات إعادة الشراء والمبادلة. وتروج الحكومة لهذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لخفض مخاطر إعادة التمويل، رغم استمرار تركّز الدين المحلي في القطاع المصرفي.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بنحو 12% خلال العامين الماضيين، وما تبعه من رفع التصنيف الائتماني من مؤسسة “ستاندرد آند بورز” في أكتوبر الماضي، لأول مرة منذ سبع سنوات، يظل عبء خدمة الدين التحدي الأكثر حدة. إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن خدمة الدين تستحوذ على نحو 50% من إجمالي المصروفات العامة، وحوالي 72% من إجمالي الإيرادات في 2024/2025، وهي من أعلى النسب بين الدول النظيرة.
وختامًا، تبدو موازنة مصر للعام المالي (2026/2027) محاولة للموازنة بين متطلبات الانضباط المالي وضغوط العدالة الاجتماعية، إذ تجمع بين وعود بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم، وتعهدات بخفض العجز وكبح الدين العام، غير أن نجاح هذه المعادلة لن يُقاس بحجم الأرقام المعلنة أو المؤشرات الرسمية، بل بقدرة الحكومة على التنفيذ الفعلي وتحسين كفاءة الإنفاق وتوجيه الموارد إلى أولويات إنتاجية وخدمية واضحة، تنعكس نتائجها مباشرة على حياة المواطنين عبر استقرار الأسعار، وتحسن الخدمات، وارتفاع الدخول الحقيقية، فيما يبقى التحدي الأهم هو تضييق الفجوة بين طموحات السياسات الاقتصادية وأعباء الواقع المعيشي.