خلال خمس سنوات، نزعت الدولة ملكية نحو 88 ألفًا و769 فدانًا في 525 مشروعًا، تضرر منها أكثر من 136 ألفًا و519 أسرة، بما يقارب 546 ألف مواطن، بقرارٍ إداري يصدر باسم «المنفعة العامة» ولا يُتاح الطعن عليه قبل تنفيذه. وحدها قيمة التعويض هي ما يجوز للمواطن الاعتراض عليه، بعد أن تكون الأرض قد نُزعت والمشروع قد اكتمل في كثير من الأحيان.
عند هذا الحد يقف أهالي أبو النمرس والبدرشين في الجيزة اليوم؛ إذ تنتهي بحلول 13 أغسطس المقبل مهلتهم للاعتراض على قيمة التعويضات المخصصة لهم مقابل نزع ملكيتهم لصالح مشروع محور المريوطية، الممتد من تقاطعه مع الطريق الدائري عند المريوطية حتى تقاطعه مع الطريق الدائري الأوسطي في نطاق محافظة الجيزة، وهو المشروع الذي أُضفيت عليه صفة النفع العام بقرار من رئيس مجلس الوزراء لصالح وزارة النقل. وحق المعارضة المكفول لهم يقتصر على الاعتراض على قيمة التعويضات المقدَّرة لممتلكاتهم، أو على عدم إدراج أسمائهم بين المستحقين في كشوف الهيئة العامة للمساحة.
فإذا انقضت المهلة دون اعتراض، أو رُفض الاعتراض، لم يبقَ أمام المالك سوى طريق التقاضي الطويل، الذي قد يمتد سنوات تُنزع خلالها الأرض ويُنفَّذ المشروع قبل صدور الحكم.
ويرجع قرار الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي اللازمة للمشروع إلى عام 2023، محددًا قيمة التعويض المبدئي للأراضي والمباني المتعارضة مع المشروع بنحو 950 مليون جنيه. وتنص المادة السادسة من القانون رقم 10 لسنة 1990 المنظِّم لنزع ملكية العقارات للمنفعة العامة على تقدير التعويض طبقًا للأسعار السائدة وقت صدور قرار نزع الملكية.
ولأن الإجراءات، من صدور قرار نزع الملكية وحتى تسليم التعويضات، تستغرق وقتًا طويلًا؛ ففي حالة أبو النمرس مضت ثلاث سنوات دون أن يحصل الأهالي على تعويضاتهم بعد؛ أقرت المادة الأولى من القانون رقم 187 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون، بإضافة 20% من قيمة التقدير إلى الأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة.
ويقول المحامي بالنقض إبراهيم ناير لـ«زاوية ثالثة» إن المعتاد من الأهالي الواقعين تحت طائلة قانون نزع الملكية هو الشكوى من عدم عدالة التعويضات، سواء لتقدير اللجنة المختصة قيمة التعويض بأقل من السعر التجاري، أو لفارق التضخم وانخفاض القوة الشرائية للعملة مع طول الإجراءات.
وتبدو الـ20% أقلّ من أن تجاري هذا الفارق؛ فقد كان الدولار في سبتمبر 2023، وقت صدور قرار نزع الملكية، يساوي 30.95 جنيه، وبات اليوم يساوي 50.67 جنيه، بزيادة نسبتها 63.7% عن سعر صرفه عام 2023؛ وهو فارق في سعر العملة يفوق كثيرًا نسبة الزيادة التي أقرها قانون 187 لسنة 2020، وإن كان مؤشر سعر الصرف لا يعكس وحده تضخم أسعار العقار محليًا.
وتشير ورقة سياسات صادرة عن مرصد العمران حول مقترحات إصلاح قانون المنفعة العامة إلى أن تحديد ما يُعرف بـ«القيمة السوقية» واتخاذها أساسًا للتعويض مثّل إشكالية على مستويات عدة؛ فوفقًا للائحة التنفيذية للقانون، تتولى لجنة بالإدارة المحلية تحديد القيمة السوقية للعقار المراد نزع ملكيته، ومع ذلك رصدت وثيقة سياسة إعادة التوطين الخاصة بأحد المشروعات تقديرات أقل بكثير من سعر السوق في قرارات النزع، ما يسلّط الضوء على نقص خبرة التقييم لدى الهيئة العامة للمساحة وغياب البيانات حول أسعار السوق، كما تبيّن أن لجان التقييم لا تضم مثمّنين مستقلين محترفين، ولا يمكن للملاك الاستعانة بخبراء مستقلين من اختيارهم.
وأشارت الورقة إلى أن التعويض يقتصر على العقار نفسه دون احتساب الخسائر والمشقة المرتبطة بالانتقال وإعادة التسكين، والفقدان المحتمل للدخل، والرسوم القانونية، وتكاليف الانتقال، ما يجعله من حيث المبدأ غير كافٍ حتى بعد إضافة نسبة الـ20%. وأكدت أن آثار نزع الملكية لا تقتصر على الإخلاء وإعادة التسكين، بل قد تؤدي في أحيان كثيرة إلى تراجع المستوى الاجتماعي والاقتصادي، إذا تلقى الأفراد والأسر تعويضات أقل من الحد الذي يضمن إعادة تسكينهم في وحدة من المستوى ذاته الذي كانوا يسكنونه.
ويوضّح ناير أن إجراءات التقاضي لرفض قيمة التعويض تستغرق وقتًا طويلًا يعمّق الفارق بين قيمة التعويض والسعر العادل؛ فإذا تقدّم مالك بدعوى أمام المحكمة الابتدائية للحصول على تعويض عادل عن ممتلكاته المنزوعة، قد يستغرق الأمر عامين إضافيين حتى تندب المحكمة خبيرًا لتحديد التعويض ثم يعود إليها، فإذا لم تحكم بتعويض مُرضٍ انتقل إلى محكمة الاستئناف، فإذا لم تحكم أيضًا ذهب إلى محكمة النقض؛ وهو مشوار قد يمتد من 5 إلى 8 سنوات تتّسع خلالها الفجوة السعرية.

حكمان «تاريخيان» لم يأتيا إلا بعد عقدين
ولمواجهة هذه الإشكالية، أصدرت محكمة النقض حكمًا وُصف بالتاريخي في يوليو 2024، أكد أن تقدير التعويض ومقابل الحرمان يكون وفق الأسعار السائدة وقت الحكم أو وقت إيداع تقرير الخبراء، لا وقت الاستيلاء الأصلي على الملكية المنزوعة، مراعاةً لتغيّر قيمة النقد وتفاقم الضرر، وجبرًا لما لحق المالك من خسارة وما فاته من كسب، وعلى القاضي أن يراعي التراخي أو الاستيلاء على الأملاك بخسًا عند تقدير التعويض المستحق. لكن المنازعة التي صدر فيها هذا الحكم بدأت عام 2009، ولم يُحسم إلا في 2024؛ خمسة عشر عامًا حتى وصل المبدأ.
وفي حكم آخر، صدر في 15 يونيو الماضي، حسمت محكمة النقض مسألة سقوط دعاوى نزع الملكية بالتقادم، مؤكدة أن استيلاء الجهة الإدارية على العقار دون اتباع الإجراءات القانونية يُعد غصبًا لا ينقل الملكية إلى الدولة، وأن حق الملكية دائم لا يسقط بالتقادم أو بعدم الاستعمال. أما قرار نزع الملكية الذي نظرته المحكمة في هذا الحكم فيعود إلى عام 2004؛ اثنان وعشرون عامًا بين القرار والفصل فيه.
ويقول المحامي بالنقض إن أحكام محكمة النقض ليست ملزِمة تشريعيًا، لكنها واجبة النفاذ على أطراف القضية نفسها، وأنها حين ترسي مبدأً قضائيًا يمكن الاستعانة به لاحقًا في نقض وإلغاء أحكام أول درجة أو الاستئناف إذا وصل الطعن إليها؛ غير أن طول فترة التقاضي يظل عائقًا كبيرًا، حتى إن الورثة يستكملون الدعاوى في كثير من الأحيان، وأحيانًا تكتمل إجراءات التقاضي رفضًا للنزع بعد أن تكون الملكية قد نُزعت بالفعل واكتمل المشروع منذ سنوات.

أقل من 5% مسجَّلون.. والباقون «أصحاب حقوق»
ووفقًا لورقة مرصد العمران، يقصر قانون نزع الملكية المستفيدين من التعويضات على الملاك الرسميين، معترفًا بالعقود المسجّلة بالشهر العقاري أو العقود الابتدائية ذات تسلسل الملكية الواضح؛ إلا أن هذا التعريف الضيق يتجاهل واقع الملكية المعقّد في مصر، حيث يقرّ مسؤولون، بحسب الورقة، بأن أقل من 5% من العقارات مسجّلة رسميًا، بينما تشير الإحصاءات إلى أن نحو 75% من المساكن حديثة البناء تُصنَّف عقارات مخالفة وغير رسمية؛ ما يعني أن غالبية الملاك لا يستحقون سوى تعويض تقديري، للجهة طالبة النزع أن تسدده أو لا تسدده، أطلقت عليه الحكومة اسم «التعويض الاجتماعي»، وقدّرته بنحو 40 ألف جنيه لكل غرفة، أو وحدة سكنية بديلة من المساكن الحكومية.
ويقول إبراهيم ناير إنه في حالة العقار غير المرخَّص أو المسجَّل، يُدرَج أصحابه تحت مسمى «أصحاب الحقوق» لا الملاك، فيحصلون على تعويض أقل، ويواجهون أزمة في إثبات ملكيتهم للعقار المنزوع، ما يستغرق وقتًا أطول.
قرار نزع ملكية بعض أهالي أبو النمرس والبدرشين ليس سوى مشروع واحد بين 525 مشروعًا نزعت ملكية نحو 88 ألفًا و769 فدانًا بين عامي 2021 و2025، وفق دراسة أجراها ديوان العمران ونشرها في يونيو الماضي. وبناءً عليها تقدّم النائب حسام الخشت بطلب إحاطة موجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء النقل، والتخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والموارد المائية والري، بشأن كفاءة منظومة تعويضات نزع الملكية للمنفعة العامة، وما تشهده من تحديات تؤثر على حصول المواطنين على حقوقهم بصورة عادلة وفي توقيت مناسب.
ووفقًا للمادة 35 من الدستور، فالملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبيَّنة في القانون وبحكم قضائي، ولا تُنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا وفقًا للقانون.
ويقول إبراهيم عز الدين، مدير السياسات بديوان العمران، إنه بالانتقال من الإطار الدستوري لمبدأ نزع الملكية إلى قانون رقم 10 لسنة 1990، يتبيّن أن القانون لم يضع تعريفًا دقيقًا لمفهوم المنفعة العامة، واكتفى بذكر أمثلة للمشروعات ذات المنفعة العامة، مثل مشروعات المياه والصرف الصحي والري والطاقة والكباري والطرق والمواصلات، مع منح مجلس الوزراء سلطة إضافة مشروعات أخرى؛ ما يعني أن تقدير المنفعة العامة يظل في جانب كبير منه بيد السلطة التنفيذية، بلا دور للقضاء في الرقابة على مشروعية القرار لأنه غير قابل للطعن، فالطعن لاحق فقط على تقدير قيمة التعويض.
وبحسب ورقة سياسات مرصد العمران، فإن القانون رقم 10 لسنة 1990 في صيغته الأصلية أورد في مادته الثانية سبعة أنشطة تستوفي شروط المنفعة العامة، ومع إتاحة المادة نفسها إدراج أي أعمال منفعة عامة تنص عليها قوانين أخرى، رُصدت تسع فئات إضافية أُلحقت بنطاق أعمال المنفعة العامة، كما منحت المادة الثانية السلطة التنفيذية صلاحية إضافة فئات جديدة تتجاوز النص الأصلي، استُخدمت 11 مرة بموجب قرارات من رئيس مجلس الوزراء خلال الأعوام الـ36 الماضية منذ صدور القانون؛ فارتفع إجمالي الأنشطة التي يُضفى عليها صفة النفع العام وتتيح النزع إلى 27 نشاطًا ضمن سبع مجموعات رئيسية تشمل النقل والمرافق والخدمات العامة والتطوير العمراني والأنشطة الاقتصادية وحماية الآثار والأمن القومي.
ويوضّح عز الدين لـ«زاوية ثالثة» أن الإشكالية ليست في وجود مبدأ المنفعة العامة نفسه، بل في اتساع مفهومه وغياب معايير موضوعية تقيس مدى ضرورته وتناسبه مع حجم الأثر الواقع على المواطنين، وتركّز حق تقرير المنفعة العامة في يد الحكومة وحدها.
واعتمدت دراسة ديوان العمران على نموذج تحليلي مركَّب باسم «مؤشر ديوان العمران لشدة نزع الملكية» (DAESI)، لقياس الأثر الهيكلي والاجتماعي لسياسات النزع بما يتجاوز عدد المشروعات أو حجم المساحات المنزوعة، ويقوم على دمج أربعة أبعاد رئيسية: عدد المتضررين، والأصول العقارية المتأثرة، والمساحات الجغرافية المنزوعة، ومستوى التعويضات مقارنةً بحجم الضرر؛ بما يقيس شدة النزع لا امتداده المكاني فحسب.
‹‹[إنفوجراف: مؤشر شدة نزع الملكية (DAESI) 2021–2025 — أعداد المشروعات وقيم المؤشر سنويًا، والتوزيع الجغرافي للمساحات والمتضررين]››
وبحسب الدراسة، مثّل عام 2022 ذروة النشاط التنفيذي للنزع بـ171 مشروعًا، مسجلًا أعلى مستوى على المؤشر بـ1,767.58 نقطة، قبل أن تتراجع الأعداد والشدة تدريجيًا حتى عام 2025 بـ59 مشروعًا ومستوى شدة بلغ 622.18 نقطة. وأرجعت الدراسة هذا التراجع إلى انتقال عدد من المشروعات الكبرى إلى مراحل التنفيذ الفعلي، وإلى الضغوط الاقتصادية وتباطؤ وتيرة التوسع الاستثماري الحكومي في السنوات اللاحقة.
وفي التوزيع الجغرافي، جاءت محافظة مطروح أولًا من حيث المساحة المنزوعة بنحو 49 ألفًا و939 فدانًا لخدمة مشروعات ساحلية واستثمارية مثل «رأس الحكمة»، لكنها لم تكن الأولى في شدة التأثير على المواطنين لقلة الكثافة السكانية بها. أما محافظتا القاهرة والجيزة، اللتان جاءتا ثانيةً ورابعةً في المساحة المنزوعة، فكانتا الأكثر تضررًا بشريًا على المؤشر؛ إذ سجلت القاهرة 1,086.16 نقطة بـ201 ألف و639 متضررًا، وسجلت الجيزة 784.72 نقطة بـ157 ألفًا و476 متضررًا، نتيجة استهداف النزع الكتلَ المبنية والمناطق السكنية المرتفعة الكثافة، خاصة في القاهرة الكبرى ومحاور الربط الإقليمي. كما سجلت محافظتا المنوفية والغربية شدة مرتفعة رغم صغر المساحات، لتركّز النزع داخل كتل حضرية مكتظة.
وبلغت قيمة التعويضات خلال فترة الدراسة 55.2 مليار جنيه، منها 20.07 مليار للمشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات؛ لكن المؤشر لم يَقِس القيمة المطلقة للتعويضات بقدر ما قاس مدى تناسبها مع حجم الضرر، ما يعني أن ارتفاع قيمة التعويض لا يعني بالضرورة انخفاض شدة النزع، خاصة حين ترتبط المشروعات بإزالة كثافات سكانية وعقارية كبيرة داخل مناطق حضرية مكتظة. فرغم استحواذ القاهرة والجيزة على نسبة كبيرة من إجمالي التعويضات، ظلّت قيم المؤشر مرتفعة للغاية، نتيجة ضخامة أعداد المتضررين واتساع الآثار العمرانية والاجتماعية لمشروعات المحاور وإعادة التخطيط الحضري.
ويشير إبراهيم عز الدين إلى أن الدراسة لم تُعنَ بالحكم على القيمة السوقية للتعويضات، بل بتوثيقها وتحليلها في سياق قرارات النزع الصادرة بين 2021 و2025؛ فالعدالة في التعويض لا تُقاس بحجم المبلغ وحده، بل بتوقيت صرفه، ومدى توافقه مع القيمة الحقيقية للعقار وقت النزع، وقدرته على تمكين الأسر من تأمين سكن أو مصدر رزق بديل دون تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. ويلفت إلى أن التعويض المالي لا يعوّض في أحيان كثيرة الخسائر غير المادية، مثل فقدان شبكات العلاقات الاجتماعية، أو الارتباط بالمكان، أو مصادر الدخل التي تكوّنت على مدى سنوات.
ويضيف أن استخدام مؤشر DAESI لقياس شدة الأثر الاجتماعي سمح بالنظر إلى التعويض باعتباره جزءًا من منظومة حماية الحقوق، لا مجرد التزام مالي تؤديه الدولة.
وخلصت الدراسة إلى انتقال الدولة خلال الفترة من 2021 إلى 2025 إلى مستوى أكثر كثافة في استخدام النزع أداةً لتسريع تنفيذ المشروعات القومية والتوسعات العمرانية، ليتحول مفهوم «نزع الملكية» من إجراء إداري إلى آلية رئيسية لإعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية والعمرانية وتوزيع السكان. كما كشفت استمرار تركّز المشروعات القومية والاستثمارات في القاهرة الكبرى والدلتا والممرات الساحلية على حساب المحافظات الحدودية، وأوصت بتطوير أدوات قياس وتحليل مركّبة لفهم التأثيرات الحقيقية للمشروعات العامة بدقة أكبر، بما يتيح تقييمًا أعمق للتكلفة الاجتماعية والعمرانية المصاحبة لسياسات التوسع العمراني في المدن المصرية.
ويرى عز الدين أن أهم ما تنطوي عليه الدراسة أن طلب الإحاطة الذي تقدّم به النائب حسام الخشت استنادًا إليها حوّل بياناتها الموثّقة إلى أداة للمساءلة العامة، فانتقلت من عمل بحثي إلى وثيقة استندت إليها السلطة التشريعية في رقابتها على السلطة التنفيذية. ويلفت إلى أن تحوّل نتائج دراسة مستقلة إلى أساس لنقاش برلماني رسمي حول حقوق المواطنين يعكس أهمية وجود قواعد بيانات موثّقة ومستقلة تعين متخذي القرار على تقييم السياسات، وتضمن أن تكون قضايا النزع والتعويضات جزءًا من نقاش عام مبني على الأدلة، لا على الحالات الفردية والانطباعات وحدها.

هل تتغلب المنفعة العامة على حق المواطن في الملكية؟
يقول إبراهيم عز الدين إنه من الناحية النظرية لا يجوز أن تتغلب المنفعة العامة على حق المواطن في الملكية، لأن الدستور اعتبر الملكية الخاصة حقًا أصيلًا لا يُمس إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا؛ لكن المنظومة الحالية، في الواقع، تجعل هذا الحق الدستوري عرضة للاعتداء، لأن تقرير المنفعة العامة يصدر من السلطة التنفيذية نفسها، وهي المستفيد الأول من النزع، دون جهة مستقلة تراجع التقرير أو تتيح الطعن على مضمونه قبل التنفيذ. كما أن المنازعات القضائية تتركّز على قيمة التعويضات، لا على إعادة فحص ما إذا كان المشروع يحقق منفعة عامة تستدعي النزع.
وتتفق ورقة مرصد العمران مع عز الدين، إذ تلفت إلى أن تطبيق القانون ترك مساحة واسعة لتوسيع نطاق المشروعات التي تُضفى عليها صفة «النفع العام»، دون اشتراط التحقق من جدواها ونفعها العام في كل حالة على حدة.
ويضيف عز الدين أنه حين تكون الحكومة هي من يقرر وجود المنفعة العامة، وهي من ينفّذ القرار، وهي المستفيد من المشروع، دون رقابة مستقلة، يصبح حق المواطن في الملكية عمليًا أضعف من سلطة الدولة، وتتحول المنفعة العامة من استثناء دستوري لحماية المصلحة العامة إلى أداة قد تُستخدم للتوسع في النزع، وهو اعتداء على حق الملكية الخاصة حتى إن استوفى القرار شكله القانوني؛ فالضمانة الحقيقية ليست في وجود نص دستوري، بل في وجود آلية مستقلة تمنع إساءة استخدامه.
ويلفت إلى أن أرقام دراسة ديوان العمران، من تنفيذ 525 مشروعًا ترتّب عليها نزع نحو 88 ألفًا و769 فدانًا وتضرر أكثر من 136 ألفًا و519 أسرة بما يقارب 546 ألف مواطن، تؤكد أن القضية لم تعد فردية، بل منظومة كاملة تحتاج إعادة نظر يصبح فيها حق الملكية هو الأصل، ويبقى النزع استثناءً حقيقيًا يخضع لرقابة مستقلة، لا مجرد قرار إداري يصدر باسم المنفعة العامة.

مقترحات لإصلاح قانون المنفعة العامة
وتلفت ورقة مرصد العمران إلى أن حق الحكومات في نزع الملكية لا يقتصر على مصر، فالقانون الدولي يقرّ بالحق السيادي للدول في نزع ملكية العقارات لأغراض اقتصادية أو اجتماعية، شريطة الالتزام بقيود صارمة، منها أن يخدم الإجراء غرضًا عامًا حقيقيًا، وألا ينطوي على تمييز، وأن يتم وفق الإجراءات القانونية السليمة ويقترن بتعويض؛ ومع ذلك اتجهت دول عديدة، ومعها مؤسسات مالية دولية، إلى إصلاح آليات النزع تدريجيًا نتيجة اعتراضات شعبية.
وفي مصر، وبحسب الورقة، رصد الدعم الفني الذي قدّمه البنك الدولي للحكومة لإصلاح قانون نزع الملكية إشكاليات عدة؛ فالقانون لا يعرّف المقصود بالمصلحة العامة ولا يضع معايير لتطبيقها، ما يمنح الجهات الإدارية سلطة تقديرية واسعة، إضافة إلى غياب أجهزة برلمانية أو قضائية أو حكومية تراقب جدوى المشروعات وتقيّم ضرورتها وإمكانية تقليل المساحات المنزوعة أو تحسب أعباءها المالية، وقد رُفض مقترح برلماني سابق بإنشاء لجنة فنية تابعة لمجلس الوزراء لهذا الغرض. وأدت هذه الإشكاليات إلى فراغ تشريعي ورقابي حوّل «إعلان المنفعة العامة» من قرار يخضع لرقابة ومعايير صارمة إلى إجراء إداري روتيني بلا تداول أو مساءلة.
وقدّمت الورقة مقترحات ترتكز على ثلاثة محاور لحماية حقوق الملكية والسكان وتحقيق العدالة العمرانية. يقوم الأول على تعزيز إجراءات تحديد المنفعة العامة، بتعميم دراسات ضرورة قائمة على الأدلة لتقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وإتاحتها للجمهور، وإثبات التفوق الاقتصادي للمشروع وعدم وجود بدائل أقل ضررًا قبل التنفيذ، وإنشاء لجنة برلمانية دائمة تستعين بالخبراء والمجالس المحلية لفحص طلبات النزع وموازنة المنافع والأضرار، وتعديل القانون لإتاحة الطعن القضائي على قرار النزع مع وقف الإخلاء حتى الفصل النهائي.
ويقوم المحور الثاني على الاعتراف بالملكية غير الرسمية وتأمين السكن، عبر تجميد النزع والتعجيل بالبت في طلبات تسجيل العقارات وتقنين وضع اليد والتصالح القائم بالفعل، وتعويض المنتفعين والمستأجرين بعقود طويلة الأمد عن القيمة المتبقية للعقد وتكاليف الانتقال، والانتقال من التعويض النقدي المحض إلى توفير مسكن بديل ملائم يحافظ على جودة الحياة وسبل العيش.
أما المحور الثالث فيقوم على إعادة هيكلة منظومة التعويضات، بالاستعانة بخبراء تثمين مستقلين، وتوسيع نطاق التعويض ليشمل جبر الضرر من تكاليف النقل وفقدان الدخل التجاري وتعويض المحاصيل، وحظر الإخلاء إلا بعد السداد الكامل للتعويض، ووقفه في حال الطعن حتى صدور حكم نهائي، مع تحديد 12 شهرًا حدًا أقصى لبت المحاكم المستعجلة في القضايا.
ويعقّب يحيى شوكت، مدير مرصد العمران، بأن أهم ما يعزّز إجراءات تحديد المنفعة العامة هو إثبات عدم وجود بدائل أخرى قابلة للتنفيذ وأقل ضررًا بالملكيات، بما يفتح المجال للسكان للطعن على القرار ومناقشته، ويحوّله من خطوة روتينية إلى آلية محكمة؛ وفي الوقت الذي سمحت فيه الحكومة بتقنين وضع اليد والتصالح على المباني غير الرسمية، يجب مزامنة هذه الحقوق مع سلطة الدولة في النزع.
ويضيف شوكت لـ«زاوية ثالثة» أن الدستور المصري ينص على التعويض العادل، وأن القانون المدني يقرّ الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة؛ وهو ما يراه مدخلًا لتحسين أوضاع السكان، عبر ضبط الإيجارات أو بناء الإسكان الاجتماعي، مشيرًا إلى أن تطبيق القانون يفتقر إلى آليات تضمن العدالة في التنفيذ، وأن مقترحات الورقة قد تسدّ بعض هذا النقص.
لكن المقترحات تظل مقترحات، والمبادئ التي أرستها محكمة النقض لا تُلزم سوى أطراف قضاياها؛ بينما تنقضي، بحلول 13 أغسطس، مهلة أهالي أبو النمرس والبدرشين للاعتراض على تعويضات يرونها دون قيمة أرضهم، وأمامهم بعدها طريق تقاضٍ قد يمتد من خمس إلى ثماني سنوات، تكون الأرض في نهايته قد نُزعت والمحور قد اكتمل.