close

قانون اللجوء المصري يدخل التنفيذ: مخاوف من تهميش الحماية لصالح الأمن

أصدرت مصر اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء في سرية وبعد تأخر عام، لتبدأ نقل إدارة ملف يطال أكثر من مليون لاجئ من الأمم المتحدة إلى وزارة الداخلية، وسط تحذيرات من فراغ مؤسسي وانتهاكات محتملة.
Picture of رشا عمار

رشا عمار

وسط انتقادات حقوقية، أصدرت الحكومة المصرية، أمس الاثنين، اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء، الذي أُقر في ديسمبر 2024، وذلك بعد أكثر من عام على المدة التي حددها القانون، الذي يثير حالة من الجدل والانتقادات الحقوقية أيضًا. 

وألزم  القانون، الذي أُقر في ديسمبر 2024، باعتباره أول إطار تشريعي مصري ينظم إجراءات اللجوء، الحكومة بإصدار لائحته التنفيذية خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به، إلا أن اللائحة تأخرت نحو عام ونشرت في الجريدة الرسمية في أواخر مايو الماضي. 

تستضيف مصر أكثر من 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بينما يتصاعد الجدل، بشأن القانون الذي ينقل إدارة ملف اللجوء تدريجيًا من المفوضية إلى لجنة حكومية دائمة، كذلك المخاوف الحقوقية المتعلقة بغياب التشاور المجتمعي حول التشريع وتأخر الكشف عن تفاصيل آليات تطبيقه خلال المرحلة الانتقالية.

 

وتنص اللائحة الجديدة على أن وزارة الداخلية هي الجهة المختصة بتطبيق أحكام القانون من خلال اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، فيما وضعت تعريفات للاجئ وطالب اللجوء، وحددت الفئات الأولى بالرعاية، وتشمل الأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين والنساء الحوامل والأطفال غير المصحوبين بذويهم، إضافة إلى ضحايا الاتجار بالبشر والتعذيب والعنف الجنسي.

وأفردت اللائحة أحكامًا خاصة للأطفال غير المصحوبين، الذين عرّفتهم بأنهم الأجانب الذين لم يبلغوا 18 عامًا والمنفصلون عن والديهم أو أقاربهم ولا يتولى رعايتهم شخص بالغ مسؤول قانونًا عنهم، وألزمت الجهات المختصة بمراعاة المصلحة الفضلى للطفل وعدم تعريضه لأي ضرر، مع تعيين ممثل قانوني له إذا لم يكن لديه ممثل، والعمل على تتبع أسرته ولمّ شملها كلما أمكن ذلك، أو توفير ترتيبات طويلة الأجل للرعاية البديلة بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي.

وحددت اللائحة آليات فحص طلبات اللجوء، إذ تُمنح اللجنة المختصة مهلة ستة أشهر للفصل في الطلبات المقدمة من أشخاص دخلوا البلاد بصورة مشروعة، بينما تمتد المدة إلى عام بالنسبة لمن دخلوا بطرق غير مشروعة، فيما حصرت أسباب رفض الطلبات في عدد من الحالات، منها تكرار تقديم الطلب دون أدلة جديدة، أو تمتع مقدم الطلب بحماية دولة أخرى، أو عدم توافر مبررات جدية للخوف من الاضطهاد، أو تقديم مستندات مزورة، أو زوال الظروف التي استند إليها طلب اللجوء.

ومنحت اللائحة طالبي اللجوء حق التظلم من القرارات الصادرة بحقهم خلال 15 يومًا من إخطارهم بها، على أن يُفصل في التظلم خلال 30 يومًا، مع إتاحة الطعن أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة. كما كفلت للاجئين عددًا من الحقوق الأساسية، من بينها الحصول على الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية الأساسية وفق القواعد المطبقة على المواطنين المصريين، وتيسير التحاق الأطفال بمراحل التعليم الأساسي، فضلًا عن منح الفئات الأولى بالرعاية أولوية في دراسة وفحص الطلبات وتوفير المساعدة القانونية عند الاقتضاء.

وفي حال قبول الطلب، تصدر اللجنة المختصة قرارًا مسببًا بمنح صفة اللاجئ، ويُخطر صاحب الطلب بذلك وتُصدر له وثيقة لاجئ. وفي المقابل، أجازت اللائحة إنهاء إجراءات فحص الطلب إذا سحبه مقدمه صراحة أو اعتُبر مسحوبًا ضمنًا نتيجة عدم متابعة الإجراءات، بما في ذلك عدم تقديم المستندات المطلوبة أو التغيب عن المقابلات دون عذر مقبول أو عدم الاستجابة لمراسلات اللجنة لمدة تتجاوز ستة أشهر.

كذلك ألزمت اللائحة طالبي اللجوء بعدد من الواجبات طوال فترة دراسة طلباتهم، من بينها الحضور في المواعيد التي تحددها اللجنة، وإخطارها قبل مغادرة البلاد وعند العودة إليها، والإبلاغ عن أي تغييرات تطرأ على أوضاعهم الشخصية أو القانونية أو المهنية أو الصحية، وكذلك إخطارها بأي تغيير في الجنسية أو الحصول على حماية دولية من دولة أخرى، فضلًا عن إبلاغها بأي إجراءات جنائية تُتخذ ضدهم داخل مصر.

 مخاوف من صلاحيات الأمن

من جانبه، يقول نور خليل، مدير منصة اللاجئين في مصر، إن اللائحة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن القانون نفسه، الذي وصفه بأنه “معيب تشريعيًا” ومخالف للدستور المصري وللالتزامات والمعايير الدولية ذات الصلة بحماية اللاجئين وطالبي اللجوء. 

ويضيف في حديث لـ”زاوية ثالثة” أن خبراء الأمم المتحدة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سبق أن أبدوا تحفظات وتحذيرات بشأن القانون، إلا أنه جرى تمريره رغم الانتقادات المتعلقة بتجريم المهاجرين، وغياب الضمانات الخاصة بالحقوق الأساسية لطالبي اللجوء، ومنح وزارة الداخلية صلاحيات واسعة دون قيود كافية، معتبرًا أن القانون انطلق من فلسفة أمنية أكثر من كونه إطارًا حمائيًا كما تقضي المعايير الدولية.

وتواصلت “زاوية ثالثة” مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للاستفسار عن تقييمها للائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب، إلا أن المفوضية اكتفت بالقول إنها تُجري حاليًا مراجعة لأحكام اللائحة، وستقدم ملاحظاتها وتعليقاتها في مرحلة لاحقة عقب استكمال عملية المراجعة، دون أن تفصح عن أي تقييم أولي لمضمونها أو انعكاساتها على نظام اللجوء القائم.

من جانبه يوضح “خليل” أن اللائحة التنفيذية تعمل ضمن إطار قانون يراه معيبًا في أساسه، ويؤدي  إلى الانتقاص من الالتزامات الدولية ومن مستويات الحماية التي كان يوفرها نظام اللجوء القائم حاليًا، مشيرًا إلى أن من أوجه القصور التي شابت القانون عملية إعداده وإقراره بصورة اتسمت بالسرية، إذ جرت المداولات والصياغات بعيدًا عن النقاش العام، قبل أن يُعرض القانون بشكل مفاجئ على مجلس النواب، معتبرًا أن المسار نفسه تكرر مع اللائحة التنفيذية.

ويلفت “خليل” إلى أن اللائحة صدرت متأخرة عن الموعد الذي حدده القانون، وهو ما كان يستدعي، مزيدًا من التروي وعدم الاستعجال، نظرًا لأن بناء نظام لجوء وطني متكامل عملية شديدة التعقيد تتطلب وقتًا لصياغة السياسات والتشريعات وآليات التنفيذ. 

كذلك يشير إلى أن اللائحة الحالية ليست سوى جزء من منظومة تشريعية وتنظيمية أوسع لا تزال لوائح أخرى مرتبطة بها قيد الانتظار، مشيرًا إلى أن بعض المدد الزمنية الواردة فيها تبدو غير واقعية ومثيرة للقلق.

ويؤكد مدير منصة اللاجئين، أن اللوائح التنفيذية، بحكم تدرج القواعد القانونية، لا تستطيع معالجة العيوب الجوهرية الواردة في القانون الأصلي، إذ إن قوتها التشريعية أدنى من قوة القانون نفسه، وبالتالي فإن النصوص التي يراها معيبة في التشريع الرئيسي لا يمكن إصلاحها من خلال اللائحة.

وينتقد آلية إعداد اللائحة وإصدارها، موضحًا أن الجهات المعنية وأصحاب المصلحة لم يطلعوا عليها إلا بعد صدورها، رغم أن تاريخ إصدارها الرسمي يعود إلى 21 مايو، موضحًا أن اللائحة كانت متداولة داخل الأجهزة الأمنية قبل نشرها، لكنها لم تُطرح للنقاش مع الجهات المتخصصة، بما في ذلك المختصون في وزارة الخارجية والوزارات المعنية الأخرى أو مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، معتبرًا أن عملية إعدادها جرت في إطار أمني مغلق يفتقر إلى المشاركة والتشاور.

ويرى “خليل” أن غياب المشاركة يمثل خللًا جوهريًا في تقييم أي تشريع، بما في ذلك التشريعات التنفيذية، إذ إن تقييمها لا يقتصر على مضمونها فحسب، وإنما يشمل أيضًا كيفية إعدادها والتنسيق بشأنها. وأضاف أن اللائحة لم تقدم إجابات واضحة بشأن العديد من تفاصيل نظام اللجوء المرتقب، كما أنها أحالت عددًا كبيرًا من المسائل إلى قرارات لاحقة، ولا سيما ما يتعلق بالأمانة الفنية المنوط بها إدارة الملف.

ويوضح إلى أن الأمانة الفنية تمثل، عمليًا، الجهاز التنفيذي الأساسي لنظام اللجوء الجديد، وأن التعجل في إنشائها وتشغيلها ينطوي على مخاطر كبيرة، نظرًا إلى الحاجة لتدريب العاملين بها ووضع نظم العمل والحماية والإجراءات المنظمة لعملها، وهي عملية قد تستغرق سنوات في تجارب أخرى. واعتبر أن هناك ضغوطًا سياسية وراء الإسراع بإخراج القانون واللائحة إلى حيز التنفيذ، في وقت تتوسع فيه الصلاحيات الممنوحة للجهات المختصة دون وضع ضمانات كافية أو مراعاة لشروط الحماية الدولية.

 

نوصي للقراءة:  قومية زائفة ووهم اقتصادي: مطالب ترحيل اللاجئين في مصر


تصاعد خطاب الكراهية ضد اللاجئين 

يلفت نور خليل إلى أن السياق الذي أُعدت فيه اللائحة يثير القلق، مشيرًا إلى أن المعلومات المتوافرة لديه تفيد بأن مسودة اللائحة اكتمل إعدادها في ديسمبر الماضي، وعُرضت على الأجهزة المختصة في يناير بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية ضد اللاجئين واتساع نطاق الحملات الأمنية بحقهم.

ويضيف كذلك أن هذا التزامن قد يعكس وجود خلافات بين بعض الأجهزة المعنية حول إدارة الملف وصياغة اللائحة النهائية، انتهت إلى فرض وزارة الداخلية رؤيتها على الأرض.

ويتابع أن هذا السياق يثير مخاوف من أن التشريع الجديد لا ينطلق من احتياجات اللاجئين أو متطلبات الحماية، بل من اعتبارات أخرى. كما أشار إلى أن القانون واللائحة تجاهلا وجود نظام لجوء قائم بالفعل تديره مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى الآن، موضحًا أن المفوضية ما زالت الجهة التي تتولى تسجيل اللاجئين وطالبي اللجوء، في ظل عدم اكتمال تشكيل اللجنة الوطنية المعنية باللجوء.

ويتوقف “خليل” عند مسألة نقل ملفات اللاجئين من المفوضية إلى النظام الجديد، مؤكدًا أن الحديث يدور عن أكثر من مليون ملف لا يمكن نقلها خلال الفترات الزمنية القصيرة الواردة في اللائحة. وأشار إلى أن تجارب دول أخرى مثل تركيا وجنوب أفريقيا وأوغندا أظهرت أن عمليات النقل السريعة وغير المتدرجة قد تؤدي إلى أزمات كبيرة.

ويوضح أن نقل الملفات يثير كذلك إشكاليات تتعلق بحماية البيانات والخصوصية، إذ تحتوي هذه الملفات على معلومات شخصية وحساسة أدلى بها اللاجئون خلال مقابلات تحديد صفة اللجوء. وأضاف أن بعض الحالات ترتبط بأسباب لجوء شديدة الحساسية، من بينها الهوية الجندرية أو مخاطر الاضطهاد الشخصي، ما يجعل مشاركة هذه البيانات مع جهات أخرى مسألة تستوجب موافقة أصحابها وضمانات واضحة لحمايتها.

ويشير إلى أن اللائحة لم تجب عن أسئلة جوهرية تتعلق بآلية التعامل مع الملفات المنقولة، وما إذا كانت ستتم إعادة دراستها، أو كيفية التعامل مع طالبي اللجوء الذين لم تُحسم طلباتهم بعد، أو الأشخاص الذين حصلوا على مواعيد لدى المفوضية ولم يخضعوا بعد لمقابلات تحديد الصفة.

وفيما يتعلق بدوافع التعجيل بتنفيذ النظام الجديد، يرى “خليل” أن الاتحاد الأوروبي يمثل أحد أبرز الأطراف الدافعة في هذا الاتجاه. وأوضح أن السياسات الأوروبية الجديدة المتعلقة بمفهوم “الدول الثالثة الآمنة” تدفع نحو وجود أنظمة لجوء وطنية في دول العبور والاستقبال، بما يسمح بإعادة بعض المهاجرين إليها حتى وإن لم يكونوا من مواطنيها.

ويضيف أن دولًا أوروبية مثل إيطاليا واليونان تدرس بالفعل إمكان إعادة مهاجرين غير مصريين مروا عبر مصر خلال رحلاتهم، مستفيدة من التعديلات القانونية الأوروبية الأخيرة، معتبرًا أن هذا التوجه يرتبط أيضًا بالمساعدات والتمويلات الأوروبية المقدمة للقاهرة.

وفي مارس الماضي،أعرب خبراء في الأمم المتحدة عن قلقهم العميق إزاء تصاعد عمليات الترحيل والاعتقالات التعسفية والانتهاكات المستمرة لحقوق اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر، خاصة النساء والأطفال.

وأكدوا في بيان لهم أن تطبيق قانون اللجوء الجديد رقم 164 لسنة 2024 منذ ديسمبر من عام 2024، أدى التوسع في عمليات الترحيل خلال 2025،  واستهداف أعداد كبيرة من المواطنين السودانيين والسوريين، بما في ذلك العائلات، دون إجراء تقييم فردي لمخاطر “الإعادة القسرية”.

 

نوصي للقراءة: إصلاحات في ملف اللجوء بمصر: خطوة إيجابية لكن التحديات باقية


كيف ستؤثر اللائحة الجديدة على أوضاع اللاجئين؟ 

ويحذر نور خليل من أن تنفيذ اللائحة بالصورة الحالية قد يؤدي إلى فراغ مؤسسي ومشكلات إدارية وقانونية واسعة النطاق، خصوصًا في ظل غياب الوضوح بشأن أوضاع اللاجئين المسجلين حاليًا لدى المفوضية أو أولئك الذين سيتقدمون بطلبات لجوء مستقبلًا.

ويوضح أن اللائحة لم تتناول بالتفصيل أوضاع الفئات المختلفة من اللاجئين، واكتفت بإشارات عامة تتعلق بإصدار البطاقات والإجراءات الإدارية، دون حسم مسائل جوهرية مثل سياسات الخصوصية، ونقل البيانات، وآليات إعادة دراسة الملفات، وأوضاع الأشخاص الذين دخلوا البلاد بطرق غير نظامية أو ما زالت طلباتهم قيد الدراسة.

ويضيف أن إنشاء نظام لجوء متكامل يشبه، من حيث التعقيد، إنشاء سجل مدني خاص باللاجئين، بما يتطلبه ذلك من قواعد وإجراءات وآثار قانونية تمتد إلى مجالات أخرى مثل الأحوال الشخصية والجنسية وغيرها من التشريعات ذات الصلة.

ويدعو مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى توضيح موقفها بصورة أكثر تفصيلًا، وإعلان خطتها بشأن انتقال المسؤوليات إلى النظام الجديد، كما طالب الاتحاد الأوروبي بتوضيح طبيعة الدور الذي اضطلعت به وكالة اللجوء الأوروبية والجهات الأوروبية المختلفة خلال مراحل إعداد اللائحة.

ويؤكد أن الانتقال إلى النظام الجديد يجب أن يتم بصورة تدريجية وعلى مدى زمني كافٍ يضمن استمرارية الخدمات وعدم الإضرار باللاجئين وطالبي اللجوء، مشددًا على ضرورة استمرار نظام التسجيل الحالي لفترة مناسبة تسمح بانتقال سلس للمسؤوليات.

ويشدد “خليل” على أن القانون، في رأيه، قابل للطعن بعدم الدستورية، كما أن اللائحة التنفيذية قد تكون عرضة للطعن أمام مجلس الدولة أثناء تطبيقها. وأضاف أن الدولة تعرض نفسها لمخاطر قانونية داخلية نتيجة هذا المسار، معتبرًا أن السرية التي أحاطت بإعداد اللائحة، والاستعجال في إصدارها، وغياب التفاصيل الجوهرية فيها، وبنائها على قانون يراه معيبًا، كلها عوامل قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة تطال اللاجئين وطالبي اللجوء، فضلًا عن نظام العدالة المصري نفسه.

ويوضح أن هذه الملاحظات تمثل قراءة أولية للائحة التنفيذية، موضحًا أن الجهات المعنية لم تُتح لها فرصة الاطلاع عليها أو مناقشتها قبل صدورها بشكل مفاجئ.

خريطة اللاجئين في مصر

تشير أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن مصر تستضيف أكثر من 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين لديها حتى ربيع عام 2026، ينتمون إلى أكثر من 60 جنسية مختلفة، في ظل استمرار تدفقات النزوح الإقليمي الناتجة عن الصراعات المسلحة والأزمات الإنسانية في عدد من دول الجوار.

ويشكل السودانيون النسبة الأكبر من اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر، بعدما أدت الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 إلى موجة نزوح واسعة نحو الأراضي المصرية، كما تضم قائمة الجنسيات الرئيسية المسجلة لدى المفوضية سوريين وجنوب سودانيين وإريتريين وإثيوبيين ويمنيين وصوماليين وعراقيين.

وتبرز فجوة واضحة بين الأرقام المعتمدة لدى المفوضية والأرقام الرسمية المصرية. ففي حين تحصر المفوضية عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها في نحو 1.1 مليون شخص، تؤكد الحكومة المصرية أنها تستضيف قرابة 10 ملايين أجنبي ومهاجر ولاجئ ونازح من جنسيات مختلفة. ويرجع هذا التفاوت إلى اختلاف المنهجية المستخدمة في الإحصاء، إذ يشمل الرقم الحكومي جميع المقيمين الأجانب والوافدين والنازحين على الأراضي المصرية، بينما يقتصر رقم المفوضية على الأشخاص المسجلين لديها بصفة لاجئين أو طالبي لجوء.

وتستند القاهرة إلى هذه الأرقام في التأكيد على الأعباء الاقتصادية والخدمية المترتبة على استضافة أعداد كبيرة من الوافدين، لا سيما في قطاعات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية، مطالبة المجتمع الدولي بزيادة الدعم المقدم للدول المستضيفة للاجئين، في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكبر موجات النزوح القسري على مستوى العالم.

تعرف منظمة الأمم المتحدة اللاجئ بأنه الشخص الذي اضطر إلى مغادرة بلده بسبب ظروف مثل الحرب أو العنف أو الاضطهاد، مع عدم قدرته على العودة أو خوفه من ذلك، وتحدد اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951 اللاجئ بأنه “شخص يقيم خارج بلده الأصلي أو مكان إقامته المعتادة نتيجة خوف مبرر من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر أو الدين أو القومية أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة أو آراء سياسية، ولا يستطيع أو لا يرغب في اللجوء إلى حماية ذلك البلد أو العودة إليه بسبب هذا الخوف”. 

وفي ديسمبر من 2024 أثار قانون اللجوء الذي أقرته الحكومة المصرية  جدلًا واسعًا على الصعيدين المحلي والدولي، بسبب تضمنه مواد تضمنها القانون فرضت قيودًا تعسفية على حق اللجوء. 

وشمل القانون (39) مادة تنظم أوضاع اللاجئين في البلاد؛ أبرزها إنشاء لجنة دائمة لشؤون اللاجئين تتبع مجلس الوزراء، تتولى جمع البيانات والإحصاءات المتعلقة بأعداد اللاجئين، وتختص بالفصل في طلبات اللجوء، فيما حدد مدة ستة أشهر للبت في طلب اللاجئين الذين دخلوا البلاد بطرق مشروعة، بينما ترتفع المهلة إلى عام بالنسبة لمن دخلوا بطرق غير قانونية، كما يمنح الأولوية في النظر والفصل للفئات الأكثر حاجة، مثل ذوي الإعاقة، والمسنين، والنساء الحوامل، والأطفال غير المصحوبين، وضحايا الاتجار بالبشر والعنف الجنسي.

ووضع القانون مجموعة من الحقوق للاجئين، منها حظر تسليم اللاجئ إلى الدولة التي يحمل جنسيتها، والحق في التقاضي مع إعفائه من الرسوم القضائية، كذلك يتيح له الحق في التعليم الأساسي، والرعاية الصحية المناسبة، والعمل سواء لحسابه الخاص أو من خلال تأسيس شركات أو الانضمام لشركات قائمة، دون فرض أي ضرائب أو أعباء مالية إضافية عليه، بالإضافة إلى ذلك، يمنح المشروع اللاجئ الحق في التقدم للحصول على الجنسية المصرية وفقًا للإجراءات المحددة. 

ويحظر القانون على اللاجئين القيام بأي أنشطة قد تمس الأمن القومي أو النظام العام، كما يمنعهم من ممارسة الأعمال السياسية أو الحزبية أو أي أنشطة داخل النقابات، لضمان التزام اللاجئين بالقوانين والأعراف المحلية، كما يمنح مشروع القانون اللجنة المختصة بشؤون اللاجئين صلاحية إعادة توطين اللاجئين في دول أخرى بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، كما يحدد ضوابط لإنهاء حالة اللجوء، مثل عودة اللاجئ طواعية إلى وطنه، أو حصوله على جنسية أخرى، أو مغادرته البلاد لمدة ستة أشهر متواصلة دون عذر تقبله اللجنة المختصة.

ويلزم القانون اللاجئين باحترام الدستور والقوانين والقيم المجتمعية المصرية، مع حظر أي أنشطة قد تمس الأمن القومي أو النظام العام، يُحظر كذلك القيام بأي أعمال تتعارض مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، أوجامعة الدول العربية، ويتيح القانون إسقاط صفة اللاجئ عن الشخص وإبعاده فورًا عن البلاد إذا تبين أنه اكتسبها بناءً على غش، احتيال، أو إغفال معلومات أساسية، فيما يُسقط هذا الوصف إذا ارتكب اللاجئ أي من الأفعال المحظورة المنصوص عليها في القانون.

ومع صدور اللائحة التنفيذية، تكون الحكومة قد بدأت فعليًا أولى خطوات نقل إدارة ملف اللجوء من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى مؤسسات الدولة المصرية، غير أن هذا الانتقال، الذي يطال أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء، لا يزال محاطًا بأسئلة تتعلق بآليات التنفيذ وضمانات الحماية ومصير الملفات القائمة.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search