close

فاتورة أعلى وخدمة متعثرة: ما الذي يجنيه المصريون من زيادات أسعار الإنترنت؟

زيادة بين 9% و15% على باقات الإنترنت والاتصالات في مصر، في حين قفزت أرباح الشركة المصرية للاتصالات 282% إلى 5.6 مليار جنيه في ربع واحد، وسط 139 ألف شكوى في 6 أشهر من ضعف الخدمة وانقطاعات متكررة، وبرلمانيون يرفضون الزيادات دون تحسن ملموس يشعر به 82 مليون مستخدم.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

 في السادس من مايو الجاري أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر، تحريك أسعار بعض خدمات الاتصالات وباقات الإنترنت ، المحمول والثابت، بنسبة زيادة تتراوح بين 9% و15%، مبررًا ذلك بارتفاع سعر الصرف، فضلًا عن ارتفاع أسعار الكهرباء والسولار المستخدم في تشغيل محطات المحمول، وزيادة تكاليف التشغيل والعمالة وتوسعات الشبكات وتحديثها، نتيجة زيادة تكاليف الشحن الدولي، وتأثر سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار الرقائق الإلكترونية المستخدمة في أجهزة ومعدات الاتصالات، تأثرًا بالحرب الإقليمية.

وشهدت أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت في مصر، على مدار السنوات الماضية، موجات متتالية من إعادة تسعير الخدمات المرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع قيمة الجنيه وزيادة الطلب على خدمات البيانات، بدأت في 2017، عقب تعويم الجنيه، حين أقر الجهاز زيادة على كروت الشحن بنسبة تصل إلى 35-36%، ومع تصاعد الضغوط التضخمية منذ 2022، بدأت شركات الاتصالات تحريك أسعار الباقات تدريجيًا، إذ سجلت بعض الباقات زيادات تراوحت بين 10 و17% خلال 2023.

وبنهاية 2024، سمحت الحكومة لشركات الاتصالات الأربع العاملة في السوق، وهي “فودافون مصر” التابعة لمجموعة “فوداكوم” الجنوب أفريقية، و”أورنج مصر” التابعة لمجموعة “أورنج” الفرنسية، و”إي آند مصر” التابعة لمجموعة “&e” الإماراتية، إلى جانب الشركة المصرية للاتصالات “we”، برفع أسعار باقاتها وفواتير الاتصالات والإنترنت الشهرية، بنسبة تراوحت بين 17% و30%، مبررة ذلك بزيادة التكاليف الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وتحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار.

 

وفي مايو 2026 ارتفعت أسعار بعض باقات الإنترنت الأرضي، مثل: باقة 140 جيجابايت، إلى 287.28 جنيه، بدلًا من 239.4 جنيه، وباقة 200 جيجابايت إلى 396.72 جنيه بدلًا من 330.6 جنيه، باقة 250 جيجابايت  إلى 492.48 جنيه، بدلًا من 410.4 جنيه، وباقة 400 جيجابايت إلى 779.76 جنيه، بدلًا من 649.8، وباقة 600 جيجابايت إلى 1020 جنيه، بدلًا من 850، فيما طرحت بعض الشركات باقات مخفضة الأسعار مثل باقة إنترنت أرضي بسعر 150 جنيه، باقة محمول تبدأ من 5 جنيهات.

أما أسعار كروت الشحن “الفكة”، فارتفعت بعد الزيادة الجديدة على النحو التالي: من 13 إلى 15 جنيهًا، ومن 16.5 إلى 19 جنيهًا، ومن 19.5 إلى 22.5 جنيهًا، ومن 26 إلى 30 جنيهًا، ومن 100 إلى 115 جنيهًا، ومن 200 إلى 230 جنيهًا، ومن 300 إلى 345 جنيهًا.

وأثارت موجة الزيادات الأخيرة حالة واسعة من الاستياء بين المستخدمين، الذين رأوا أن ارتفاع الأسعار لا يقابله تحسن ملموس في جودة الخدمات المقدمة، متهمين شركات الاتصالات بالسعي إلى تعظيم أرباحها على حساب المستهلكين.كذلك أطلق عدد من المستخدمين دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمقاطعة شركات الاتصالات لمدة شهر، احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمة.

وخلال النصف الثاني من عام 2025 وحده، تلقى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات 139 ألفًا و405 شكاوى من مستخدمي خدمات الهاتف الثابت والمحمول والإنترنت، ويأتي ذلك رغم ضخ الدولة أكثر من 6 مليارات دولار في تطوير البنية التحتية للقطاع، وحصول شركات المحمول على تراخيص لتشغيل خدمات الجيل الخامس مقابل 670 مليون دولار لكل شركة.

خدمات سيئة

وتحكي ندى علي، المقيمة في محافظة الإسكندرية، أنها تواجه مشكلات متكررة مع خدمات الإنترنت الأرضي التابعة لإحدى الشركات رغم سدادها للرسوم بانتظام، موضحة لـ”زاوية ثالثة” أن الخدمة تتعرض لانقطاعات مستمرة تمتد لأيام دون التوصل إلى حل فعلي.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “تواصلت، خلال فترات الانقطاع، عدة مرات مع خدمة العملاء، وكنت أتلقى في كل مرة وعودًا بحل المشكلة، إلا أن الأعطال استمرت دون تحسن ملموس لمدة 10 أيام متواصلة، رغم ذلك فاجأتنا شركات الاتصالات بزيادات الأسعار، دون تعويضنا عن فترات انقطاع التي أثرت بشكل مباشر على عملي وقدرة أبنائي على مواصلة الدروس والمحتوى التعليمي الخاص بهم، طوال هذه الأيام.

 

وفي ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للأجور، باتت زيادات أسعار خدمات الإنترنت والاتصالات تمثل عبئًا إضافيًا على ملايين المصريين، خاصة الطلاب والموظفين والعاملين بنظام العمل عن بُعد.

وتتفاقم الأزمة مع شكاوى متكررة من ضعف جودة الشبكات، وبطء الإنترنت، والانقطاعات المتكررة، رغم الأرباح الضخمة التي تحققها شركات الاتصالات سنويًا، وبينما ترتفع تكلفة الباقات بصورة دورية، لا تشهد مستويات الدخول والرواتب زيادات موازية، ما يدفع قطاعات واسعة من الأسر إلى تقليص استهلاكها الرقمي أو تحميل بنود المعيشة الأساسية مزيدًا من الضغوط.

هذا ما يعيشه محمد محمود، المقيم في محافظة أسيوط، الذي تقدّم بشكوى إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عبر الخط الساخن “155”، بعد نفاد باقة الإنترنت الأرضي الـ 140 جيجابايت، التي كان سعرها يبلغ وقتئذٍ 287.28 جنيه خلال 11 يومًا فقط، رغم وصفه لاستهلاكه بأنه “معتدل”، ويضيف أنه تلقى لاحقًا ردًا من الجهاز يفيد بأن شركة الاتصالات أكدت صحة معدلات الاستهلاك وعدم وجود أي خلل فني، مشيرًا في الوقت نفسه إلى تكرار أعطال الإنترنت المنزلي وضعف جودة الخدمة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “تواصلت مع خدمة العملاء أكثر من 18 مرة خلال أقل من شهر بسبب مشكلات متكررة في الإنترنت، دون تفسير واضح أو حل نهائي، ورغم الأعطال الفنية المتكررة وبطء سرعة الإنترنت وضعف الشبكات بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، نضطر للاشتراك في الخدمات بسبب اعتمادنا الكامل على الإنترنت وعدم وجود بدائل في السوق”.

ويطالب “محمود” بإعادة النظر في نظام تسعير خدمات الإنترنت المنزلي، مقترحًا توفير باقات منزلية غير محدودة بأسعار مناسبة وسرعات مستقرة تكفي الاستخدامات اليومية للأسر، مع الفصل بينها وبين باقات الاستخدام التجاري الخاصة بالشركات والمقاهي وصناع المحتوى والأعمال التي تحتاج إلى سرعات رفع أعلى وخدمات أكثر كثافة.

 أما إيمان خالد، المقيمة في القاهرة، التي  اشتركت في خدمة الإنترنت الأرضي وخط الهاتف المنزلي، وسددت رسوم التعاقد، قبل ثلاثة أشهر، فتؤكد تركيب خط “الفايبر” داخل المنزل، إلا أن الخدمة لم تُفعّل بسبب عدم تسليمها جهاز الراوتر الخاص بالشبكة الجديدة.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “تواصلت مرارًا مع خدمة العملاء، لكني تلقيت وعودًا لم تنفذ بحل المشكلة، أرى أن المستخدم يجد نفسه عاجزًا عن استرداد حقه أو أمواله في ظل احتكار عدد محدود من الشركات للسوق، مما ينعكس على مستوى الخدمة والتعامل مع العملاء”.

كذلك تشير إلى مخاوف متزايدة لدى بعض المستخدمين تتعلق بحماية البيانات الشخصية، في ظل تكرار وقائع النصب الهاتفي والرسائل الاحتيالية، متسائلة عن مدى وجود رقابة فعالة على الشركات وآليات حماية بيانات العملاء.

 

 

بينما واجه طارق ممدوح، المقيم في حي فيصل بمحافظة الجيزة، انقطاع خدمات الإنترنت الأرضي لأكثر من 15 يومًا عقب بدء إجراءات تحويل الخط الأرضي من الكابلات النحاسية إلى شبكة “الفايبر”، موضحًا أن الشركة أنهت خطوات التحويل وفصلت الخط النحاسي بالفعل، لكنها أبلغته لاحقًا بعدم وجود سعة متاحة داخل “بوكس الفايبر”، ما أدى إلى توقف الخدمة بالكامل دون توفير بديل مؤقت،  بحد قوله.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “انقطاع الإنترنت أثر بصورة مباشرة على حياتي اليومية وعملي كمصمم جرافيك الذي يعتمد بالكامل على الإنترنت، إلى جانب دراستي للماجستير واعتمادي على مراجع أكاديمية إلكترونية”.

 ويضيف أن ضعف تغطية شبكة الهاتف المحمول في منطقته السكنية فاقم المشكلة، لدرجة اضطراره إلى وضع الهاتف في مكان محدد داخل المنزل للحصول على إشارة ضعيفة تسمح باستخدام الإنترنت عبر الهاتف.

ويبلغ عدد مستخدمي الإنترنت 82.1 مليونًا، من بينهم 45.4 يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، بمتوسط سنوي 2.4 مليون، وفقًا لمؤسسة كراود أنالايزر، فيما وصل عدد مشتركي الإنترنت عن طريق الهاتف المحمول إلى 90.64 مليون مشترك، فيما وصل عدد مشتركي إنترنت النطاق العريض الثابت إلى 12.18 مليون مشترك في يوليو 2025، بحسب الهيئة العامة للاستعلامات، وتحسنت نقاط مصر في مؤشر الأمم المتحدة الخاص بـ”عدد السكان مستخدمي الإنترنت” بإجمالي 40 نقطة خلال 10 سنوات، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على جودة الخدمات المقدمة للعديد من المستخدمين، الذين يشكون من ضعف تغطية الشبكات وبطء سرعة الانترنت والأعطال الفنية.

وبحسب الحكومة، تضاعف متوسط سرعة الإنترنت في مصر، نحو 19 ضعفًا منذ عام 2019، ليصل إلى 90 ميجابايت/ثانية، بفضل استثمارات بلغت قيمتها 3.5 مليارات دولار في البنية التحتية الرقمية للإنترنت الثابت.

 

نوصي للقراءة: “نقطة الفشل الواحدة”: كيف يعيق احتكار “المصرية للاتصالات” التحول الرقمي في مصر؟

رفض برلماني

قرارات زيادات أسعار الاتصالات والإنترنت الأخيرة، جاءت رغم رفض برلماني واسع؛ إذ تقدم النائب أشرف أمين عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في 5 مايو، بشأن دراسة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لطلبات شركات المحمول برفع أسعار كروت الشحن وباقات الإنترنت، في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من تراجع واضح في جودة خدمات الاتصالات والإنترنت.

وبالتزامن تقدمت النائبة البرلمانية مي رشدي، بطلب إحاطة بشأن شكاوى المواطنين من سرعة انتهاء باقات الإنترنت الأرضي، وإنترنت الهاتف، والإنترنت الهوائي قبل موعدها المحدد، في الوقت الذي تقوم شركات الاتصالات العاملة في مصر بزيادة أسعار الباقات بشكل يفوق قدرات المواطنين في ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة.

كذلك تقدم الدكتور ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بسؤال موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بشأن السياسات المتناقضة للحكومة بين التوسع في التحول الرقمي والشمول المالي ورفع تكلفة خدمات الاتصالات.

وبحسب تصريحات إعلامية للنائبة عبير نصار، عضو لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، فإن شركات الاتصالات والحكومة لم تقدما للجنة أي طلبات أو مقترحات لزيادة الأسعار، منذ بداية الفصل التشريعي الحالي.

وفي السياق ذاته تشرح النائبة البرلمانية مها عبد الناصر، وكيلة لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن الشركات تبرر الزيادات الأخيرة في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت بارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج ورواتب العاملين، وهو أمرٌ يمكن تفهمه اعتبارها كيانات استثمارية تسعى لتحقيق أرباح، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن هذه الزيادات تمثل عبئًا غير عادل على المواطنين، يستوجب أن تتدخل الدولة كطرف وسيط لتحقيق التوازن بين مصالح الشركات وحقوق المستخدمين.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الإنترنت لم يعد خدمة ترفيهية، بل أصبح أداة أساسية للتعليم والعمل عن بُعد والتحول الرقمي والشمول المالي، لهذا طالبت بإتاحة المنصات الحكومية والتعليمية مجانًا حتى بعد نفاد باقات الإنترنت، وهو ما استجابت له الحكومة جزئيًا، لكنها خطوة غير كافية، لأن كثيرًا من الخدمات التعليمية والعملية الأخرى، بما فيها بعض المنصات التعليمية الخاصة، ما تزال تُستهلك من الباقات، واستثنائها من الاستهلاك سيخفف العبء عن المستخدمين ويجعل الباقات تُستخدم بدرجة أكبر في الترفيه والألعاب”.

بحسب وزارة الاتصالات فإن مصر أضافت نحو 60 ألف متخصص جديد لسوق العمل الرقمي بنهاية 2024، يوجد أكثر من 270 مركزًا للخدمات الرقمية في مصر، وبلغ عدد العاملين في تصدير الخدمات الرقمية والتعهيد وصل إلى نحو 215 ألف متخصص في 2023، مع استهداف 400 ألف متخصص بحلول 2025 و550 ألفًا بنهاية 2026.

ولا توجد احصائية رسمية دقيقة تُحدد عدد الطلاب الذين يعتمدون على الإنترنت يوميًا في مصر تحديدًا، لكن مع وجود نحو 25 مليون طالب في التعليم قبل الجامعي والجامعي في مصر، فإن التقديرات تشير إلى أن الغالبية العظمى من الطلاب، خاصة في المرحلة الثانوية والجامعية، يعتمدون على الإنترنت بصورة يومية في الدراسة والتواصل واستخدام المنصات التعليمية.

وتشير مها إلى أن الشركات والحكومة تبرران زيادة الأسعار بالحاجة إلى تمويل استثمارات جديدة لتحسين الخدمة وبناء أبراج وتقوية البنية التحتية، لكنها اعتبرت أن تحميل المواطن هذه الأعباء دون تحسين ملموس في جودة الخدمة يثير علامات استفهام كبيرة.

وتنتقد وكيلة لجنة الاتصالات تصريحات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بشأن محدودية شكاوى المستخدمين، مؤكدة أن المواطنين يشتكون بشكل متكرر من الأعطال وضعف الخدمة في مناطق عديدة، وأن أزمة الإنترنت الأرضي لا تزال قائمة في المناطق التي لم تصلها شبكات الألياف الضوئية، بينما تعاني بعض المناطق أيضًا من ضعف تغطية شبكات المحمول. 

وتؤكد أن المستخدم لا يحصل على تعويضات مناسبة عند انقطاع المكالمات أو تعطل الإنترنت، معتبرة أن حقوق المواطنين ما تزال غائبة في إدارة ملف الاتصالات، كما تلفت إلى غياب العدالة في جودة الخدمة بين المناطق المختلفة، موضحة أن المناطق التي وصلت إليها شبكات “الفايبر” ضمن مشروعات “حياة كريمة” تتمتع بسرعات جيدة، بينما ما تزال المناطق التي تعتمد على البنية النحاسية تعاني من بطء وضعف الخدمة رغم دفع المواطنين المقابل نفسه تقريبًا.

وفيما يتعلق بالحملات الالكترونية المطالبة بتطبيق الإنترنت غير المحدود، توضح النائبة أن الحكومة والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والشركات يرون أن تطبيقه الكامل سيتطلب أسعارًا مرتفعة للغاية، ما يجعله غير قابل للتنفيذ حاليًا وفق تقديراتهم، مشيرة إلى أن الملف يحتاج إلى مزيد من الدراسة، خاصة في ظل تنامي الاعتماد على الإنترنت في التعليم والعمل والخدمات اليومية.

وتكشفت أنها لم تتلق حتى الآن ردودًا رسمية على المطالب التي تقدمت بها للحكومة بشأن أزمة الأسعار، مؤكدة أن معالجة الملف لا تقع على عاتق وزارة الاتصالات وحدها، بل تحتاج إلى تدخل حكومي شامل، وموضحة أنها طالبت بإلغاء ضريبة القيمة المضافة على خدمات الإنترنت، باعتبارها خدمة أساسية لا تقل أهمية عن الكهرباء والمياه.

 

 

ويعد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر القطاع الأسرع نموًا، حيث حقق معدل نمو 14.4% في العام المالي 2023/2024، مع مساهمة تبلغ 5.8% في الناتج المحلي الإجمالي، ومن المستهدف وصولها إلى 8% بحلول 2030.

فيما قفز صافي ربح الشركة المصرية للاتصالات بنسبة 282% في الربع الرابع من 2025 إلى 5.6 مليار جنيه، مدعومًا بزيادة إيرادات التجزئة ونمو عائد الاستثمار في فودافون مصر، والتي تمتلك 45% من أسهمها، كما ارتفع الربح السنوي 123% إلى 22.6 مليار جنيه والإيرادات 31% إلى 106.6 مليار جنيه.

وكانت المصرية للاتصالات (WE) قد حققت في عام 2024، صافي أرباح بلغ 14.3 مليار جنيه مصري، بنمو 22% مقارنة بعام 2023. مدعومة بزيادة إيرادات خدمات البيانات بنسبة 48% وارتفاع إجمالي الإيرادات إلى 82 مليار جنيه.

وحققت Vodafone Egypt،  في  العام المالي المنتهي في مارس 2025، إيرادات إجمالية بلغت نحو 82.8–82.9 مليار جنيه، مع أرباح تشغيل وصلت إلى 27.6 مليار جنيه، بزيادة تقارب 97% مقارنة بالعام السابق، وتجاوز عدد عملائها 51 مليون مشترك.

وتمتلك المصرية للاتصالات حصة 45% في فودافون مصر، وبلغت أرباحها منها 14.7 مليار جنيه خلال 2025، مقابل 8.6 مليار في 2024.

أما e& Egypt (اتصالات سابقًا)، فأعلنت تحقيق أرباح بنحو 15.24 مليار جنيه خلال أول 9 أشهر من 2025، مع إيرادات بلغت 43.7 مليار جنيه، وزيادة قاعدة العملاء إلى أكثر من 41 مليون مشترك.

فيما حققت شركة أورنج مصر  إيرادات في عام 2024، بنحو 733 مليون يورو (تعادل قرابة 36 مليار جنيه مصري وفقًا لأسعار الصرف وقتئذٍ)، بزيادة 39% عن العام السابق 2023، بلغ عدد مشتركيها 31.58 مليون بنهاية عام 2024.

 

نوصي للقراءة: ضحايا التحول الرقمي: كيف تهدد ثغرات النظام المالي أموال المصريين؟

الاحتكار وغياب الشفافية

من جهته يعتبر الدكتور وائل بدوي، عضو مجلس بحوث الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بأكاديمية البحث العلمي، أن الزيادات الأخيرة في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت يمكن فهمها جزئيًا في ضوء ارتفاع تكاليف التشغيل عالميًا، خاصة مع زيادة أسعار الدولار والطاقة ومعدات الشبكات، لكنه يشدد على أن تقييم عدالة الأسعار يجب أن يرتبط بمستوى الخدمة ومتوسط دخل المواطنين، لافتًا إلى أن هناك دولًا تقدم سرعات أعلى وخدمات إنترنت غير محدودة بتكلفة أقل نسبيًا مقارنة بالدخل، ما يدفع كثيرًا من المستخدمين في مصر إلى اعتبار الأسعار الحالية مرتفعة قياسًا بجودة الخدمة المقدمة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “شركات الاتصالات تواجه بالفعل أعباء تشغيلية متزايدة، تشمل استيراد المعدات، وارتفاع تكاليف الكهرباء والطاقة، إلى جانب الإنفاق على توسعات البنية التحتية وشبكات الجيل الخامس والألياف الضوئية، لكن المستخدمين يتوقعون في المقابل تحسنًا ملموسًا في السرعة والاستقرار وجودة الخدمة، ويعتبرون أن أي زيادات سعرية يجب أن تنعكس بشكل مباشر على مستوى الأداء”.

ويؤكد أن شكاوى بطء الإنترنت وضعف شبكات الاتصالات أصبحت متكررة وتعكس أزمة حقيقية يشعر بها المستخدم يوميًا، سواء في تراجع السرعات أو ضعف التغطية أو سرعة نفاد الباقات، لافتًا إلى أن المواطنين باتوا يطالبون بخدمة أكثر استقرارًا وكفاءة قبل فرض أي زيادات جديدة، لأن جودة الخدمة تمثل أساس ثقة المستخدم في قطاع الاتصالات. مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع أسعار خدمات الإنترنت قد يتعارض جزئيًا مع أهداف التحول الرقمي والشمول المالي، باعتبار أن هذه السياسات تعتمد على توفير إنترنت مستقر وسهل الوصول وبتكلفة مناسبة لمختلف الفئات.

ويضيف: “الزيادات المتتالية قد تشكل عبئًا على الطلاب والأسر ومتوسطي الدخل، بما قد يؤثر على انتشار الخدمات الرقمية والدفع الإلكتروني”، موضحًا أن الحكومة أعلنت إتاحة الوصول إلى المنصات الحكومية مجانًا بعد انتهاء الباقات، بينما لا تزال آليات تطبيق ذلك على بعض الخدمات الأخرى، ومنها الخدمات البنكية، غير واضحة بشكل كامل.

ويرى عضو مجلس بحوث الاتصالات أن الحملات الرقمية المطالبة بتوفير إنترنت غير محدود في مصر تعكس تغير طبيعة استخدام الإنترنت، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في التعليم والعمل والترفيه والخدمات الحكومية. 

ويوضح أن كثيرًا من المستخدمين يعتبرون نظام الباقات المحدودة غير ملائم للاحتياجات الحالية، في حين ترى شركات الاتصالات أن توفير الإنترنت غير المحدود يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مرجحًا أن يكون الحل في تقديم خيارات أكثر مرونة تجمع بين الإنترنت غير المحدود وسياسات الاستخدام العادل، بالتوازي مع تحسين جودة الخدمة.

ويرى الخبير الاقتصادي، الدكتور خالد الشافعي، إن الحكم على الزيادات الأخيرة في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت يرتبط بمدى انعكاسها على جودة الخدمة المقدمة للمواطنين، موضحًا أن وزارة الاتصالات، أعلنت أن رفع الرسوم سيقابله تقديم خدمات ومزايا أفضل للمستخدمين، وهو ما يستدعي ـ بحسب تعبيره ـ أن “يجد المواطن بالفعل الخدمة التي يحتاجها وأن تكون الوعود المعلنة متاحة وملموسة على أرض الواقع”، معتبرًا أن تحقق هذه الوعود سيمنح المواطنين خدمات رقمية أكثر كفاءة تساعدهم في حياتهم اليومية وتعزز قدرتهم على العمل والتفاعل بصورة أكثر احترافية، أما إذا لم يتحقق ذلك فإن الشركات تكون قد عظمت أرباحها على حساب المواطن.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “التحول الرقمي والشمول المالي يتطلبان رؤية حكومية متكاملة لتطوير الخدمات الرقمية، ومن الضروري أن تمتلك الدولة بنية قادرة على تقديم التعليم عن بُعد والخدمات الصحية الإلكترونية والخدمات الحكومية المختلفة عبر الإنترنت بصورة فعالة”، مشيرًا إلى أن وجود قاعدة بيانات متكاملة ومنظومة رقمية شاملة سيسهم في تقليل التكاليف والوقت وتحسين كفاءة الخدمات العامة، فضلًا عن دعم القطاعات الاقتصادية والخدمية والإعلامية والإعلانية.

ويضيف: “الإنترنت أصبح عنصرًا أساسيًا في التعليم والعمل والتعاملات الحكومية، وهو ما يفرض ضرورة تحسين كفاءة الشبكات وسرعات الاتصال حتى يتمكن المواطن من الاستفادة الفعلية من خطط التحول الرقمي”، مشيرًا إلى أن نجاح خطط الدولة الرقمية يتوقف على توفير بنية تحتية قوية للإنترنت في مختلف المحافظات والقرى والنجوع، بما يضمن وصول الخدمات الرقمية بصورة عادلة لجميع المواطنين. 

وفي تعليقه على حملات المقاطعة التي أطلقتها مجموعات من المستخدمين احتجاجًا على زيادة الأسعار، يقول الخبير الاقتصادي إنها تمثل “رأيًا يجب احترامه”، إذ أن بعض المواطنين يرون أن الأسعار أصبحت مبالغًا فيها، بينما يضطر آخرون إلى الاستمرار في الاشتراك بسبب طبيعة أعمالهم واعتمادهم الكامل على الإنترنت، وفي المقابل يتوجب على شركات الاتصالات مراعاة البعد الاجتماعي عند تسعير خدماتها، وإعادة تقييم ما إذا كانت الزيادات الحالية عادلة ومنطقية وقادرة على تحقيق التوازن بين الربحية ورضا المشتركين.

ويشدد الخبير الاقتصادي على أهمية الشفافية في إعلان أسباب رفع الأسعار، مشيرًا إلى أن وجود أربع شركات تهيمن على سوق الاتصالات في مصر، يطرح تساؤلات حول مستوى التنافسية في السوق، كما أن الحملات الإعلانية الضخمة التي تنفق عليها الشركات تثير تساؤلات لدى المستخدمين حول أولويات الإنفاق، وما إذا كان من الأفضل توجيه جزء أكبر من هذه الموارد لتحسين جودة الخدمة والبنية التحتية، داعيًا إلى تعزيز المنافسة والإفصاح عن نتائج الأعمال وآليات التسعير وتحسين مستوى الخدمات.

 

 

من ناحيته يؤكد محمد هداية الحداد، رئيس شعبة المحمول بغرفة الجيزة وعضو مجلس إدارة الغرفة التجارية، أن زيادة أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت كان ينبغي أن تسبقها خطوات واضحة لتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، معتبرًا أن شركات الاتصالات رفعت الأسعار للمرة الثانية قبل معالجة مشكلات بطء سرعة الإنترنت وضعف الشبكات والانقطاعات المتكررة للخدمة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “توقيت الزيادة غير مناسب، حتى مع وجود مبررات تتعلق بارتفاع التكاليف، كان يمكن أن تؤجل الشركات القرار في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية على المواطنين”، معتبرًا أن النقاش لا يجب أن يتركز فقط حول حجم أرباح الشركات أو خسائرها، بل حول العلاقة بين الخدمة والسعر، وما يحصل عليه المواطن فعليًا مقابل ما يدفعه. 

ويضيف أن “خدمات الاتصالات والإنترنت لم تعد خدمات ترفيهية، بل أصبحت سلعة استراتيجية يعتمد عليها المواطنون في العمل والتعليم والتواصل اليومي”، مشيرًا إلى أن توجه الدولة نحو التحول الرقمي والعمل عن بُعد والشمول المالي يجعل الإنترنت ضرورة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وقطاعات واسعة من المواطنين، باتت تعتمد بشكل كبير على الإنترنت في الدراسة والخدمات المختلفة، ما يجعل أي زيادة في الأسعار أكثر حساسية بالنسبة للمستخدمين.

وينتقد “الحداد” الحملات الإعلانية المكثفة لشركات الاتصالات، معتبرًا أن هذه الشركات لم تعد بحاجة إلى هذا الحجم من الدعاية في ظل سيطرتها على السوق، والأولوية بالنسبة للمواطنين يجب أن تكون لتحسين جودة الخدمة وليس زيادة الإنفاق الإعلاني، مطالبًا بتحسين شبكات الاتصالات وجودة الخدمات.

في المقابل يُبرر المهندس إيهاب سعيد، رئيس شعبة الاتصالات والمدفوعات الإلكترونية وعضو مجلس إدارة غرفة القاهرة التجارية، الزيادات الأخيرة في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت بالمتغيرات الاقتصادية التي شهدتها السوق خلال الفترة الماضية، وعلى رأسها ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه وزيادة تكاليف التشغيل والطاقة والمعدات والأجهزة التكنولوجية المستوردة، ما جعل الشركات الأربع العاملة في السوق تطالب منذ فترة بتحريك الأسعار لمواجهة ارتفاع التكاليف، التي ازدادت بعد تداعيات الحرب العالمية الأخيرة والتغيرات الاقتصادية المصاحبة لها.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “شركات الاتصالات تتنافس فيما بينها، تسعى كل شركة إلى الحفاظ على عملائها وتحسين جودة خدماتها، الزيادات السعرية جاءت بالتوافق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بهدف تمكين الشركات من الاستمرار في تطوير الشبكات وتحسين الخدمة”، معتبرًا أن أسعار خدمات الاتصالات في مصر لا تزال جيدة مقارنة ببعض الأسعار العالمية.

ويؤكد أن الحفاظ على جودة الخدمة يتطلب بصورة دورية ضخ استثمارات جديدة تتأثر بشكل مباشر بتقلبات سعر الصرف وتكاليف التشغيل، معتبرًا أن الأعطال الفنية أمر وارد في أي منظومة اتصالات، لكنها تحدث في مناطق محددة وفي أوقات معينة، بسبب مشكلات فنية مرتبطة بالكهرباء أو البطاريات أو أعمال التجديد والتطوير التي تتم في بعض المناطق، وتختلف مدة إصلاحها بحسب طبيعة المشكلة الفنية، سواء كانت بسيطة أو معقدة أو مرتبطة بعوامل خارجية.

ويوضح رئيس الشعبة أن الجهات الفنية داخل شركات الاتصالات هي الأقدر على تحديد الجداول الزمنية المرتبطة بتوسيع شبكات الألياف الضوئية “الفايبر”، بينما تطبيق الإنترنت غير المحدود في مصر، قد يكون ممكنًا مستقبلًا، لكنه لا يبدو مطروحًا بصورة فورية في الوقت الحالي، بحكم طبيعة السوق والبنية التحتية.

وفي محاولة منه لطمأنة المستهلكين أعلن القومي لتنظيم الاتصالات، إتاحة باقة إنترنت أرضي جديدة بسعر 150 جنيه بدلًا من أقل باقة حالية والتي تقدر بسعر 210 جنيه، وباقة محمول جديدة بسعر 5 جنيه بدلًا من أقل باقة حالية والتي تقدر بنحو 13 جنيه، بهدف مراعاة الشمول الرقمي، مؤكدًا إتاحة كافة المواقع الحكومية والتعليمية بشكل مجاني على شبكات الإنترنت الأرضي وشبكات التليفون المحمول حتى بعد نفاذ الباقة.

وتوقع الجهاز أن تسهم تعديلات الأسعار في دعم خطط الشركات لزيادة استثماراتها الموجهة لتحسين جودة الخدمات، ورفع كفاءة الشبكات، متعهدًا بمتابعة التزام الشركات بمستويات الجودة المقررة، واتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة لضمان حماية حقوق المستخدمين، وتحقيق التوازن بين جودة الخدمة وتكلفتها، بما يعزز من كفاءة قطاع الاتصالات وقدرته على دعم خطط التنمية والتحول الرقمي في مصر.

وفي ظل توجهات الدولة للتحول المتسارع نحو الرقمنة واعتماد ملايين المصريين على شبكة الإنترنت في التعليم والعمل والخدمات اليومية، تلقي تداعيات رفع أسعار الاتصالات بظلالها على المستهلكين، بالتزامن مع شكاوى واسعة النطاق بشأن ضعف الشبكات وسوء جودة الخدمات مقارنة بأسعارها. 

وبينما تبرر الشركات والحكومة الزيادات بارتفاع تكاليف التشغيل والاستثمار في البنية التحتية، يطالب المستخدمين بخدمات أكثر استقرارًا وعدالة وشفافية، ويربطون أي أعباء جديدة بتحسن ملموس في جودة الاتصال وسرعات الإنترنت، وبين ضغوط السوق وحقوق المستهلك، يبقى التحدي الأبرز أمام الدولة هو تحقيق توازن فعلي بين دعم خطط التحول الرقمي، وضمان إتاحة خدمة اتصالات موثوقة ومناسبة التكلفة لمختلف الفئات الاجتماعية.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search