وجّه وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، في 20 أغسطس الماضي، دعوةً إلى الصحفيين والإعلاميين المصريين لتوسيع مساحات النقاش داخل وسائل الإعلام، وإتاحة المجال أمام الرأي والرأي الآخر، وتعزيز حضور صوت المواطن، وتوفير المعلومات والحقائق، في طرح وصفه بأنه «فضفضة ضرورية» من «زميل قديم ومستمر» في المهنة بشأن أوضاع الصحافة والإعلام في مصر.
وأعلن رشوان أن وزارة الدولة للإعلام تُعدّ لعقد اجتماع سنوي، مبدئيًّا في الثالث من ديسمبر المقبل، تحت رعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لمراجعة أوضاع الإعلام، ومناقشة التحديات والفرص، والخروج بتوصيات لتطويره.
وتأتي دعوة وزير الدولة للإعلام، التي قدّمها تحت عنوان «فضفضة»، تنفيذًا لتوجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بفتح المجال أمام ما وصفه بـ«حوار إعلامي موضوعي» يشمل الرأي والرأي الآخر، وذلك في إطار ما قال إنه استعداد لتنشيط الحياة الحزبية وإجراء انتخابات المحليات.
وتمثل هذه الدعوة حلقةً جديدةً في سلسلة من الدعوات والمبادرات والتوجيهات الرسمية والمهنية التي تكررت خلال آخر ثلاث سنوات، حاملة عناوين متقاربة ووعودًا بإصلاح المشهد الإعلامي، من دون أن يلمس كثير من العاملين في المهنة، وفق ما يقولون، تحولًا أو خطوات توازي حجم ما أُعلن، وهو ما يفسر حالة الجدل التي أثارتها دعوة رشوان وتفاعل معها عدد من الصحفيين والإعلاميين.
وعلى اختلاف مسميات الدعوات والمبادرات والجهات القائمة عليها، دارت هذه المسارات حول مطالب تكاد تكون موحدة. وقد رصد موقع «زاوية ثالثة» جانبًا من تكرار هذه المطالب في تقريره الذي نشر في يوليو الماضي، بعنوان: «بين دعوتين رئاسيتين لتطوير الإعلام: 21 صحفيًّا محبوسًا وقانون معطل»، وكذلك تقرير «تطوير الإعلام في مصر: فرصة لإصلاح حقيقي أم تكرار لسيناريو الحوار الوطني؟» اللذين تضمنا المطالب المتكررة وهي: إصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وسن قانون يحظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وتعديل التشريعات المنظمة للعمل الصحفي والإعلامي، وتحسين أجور الصحفيين وأوضاعهم المهنية، والإفراج عن الصحفيين المحبوسين، وتوسيع نطاق حرية الرأي والتعبير.
ومع ذلك، تعود المطالب نفسها إلى صدارة كل نقاش جديد، وتتكرر الدعوات الرسمية إلى التطوير، وهو ما يطرح تساؤلًا يردّده صحفيون: هل حسمت الدولة بعدُ صورة الإعلام الذي تريده؟

محطات في مسار تطوير المهنة… وإصلاح لم يحضر بعد
منذ العام 2023، شهد ملف تطوير الصحافة والإعلام ست محطات رئيسية على الأقل، كانت أولاها جلسة «دعم وتشجيع حرية الرأي والتعبير»، التي عُقدت في 3 سبتمبر، ضمن جلسات «الحوار الوطني»، وشهدت حالةً من الشد والجذب بين الحاضرين؛ إذ انتقد المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، محمد عبد السلام، ما وصفه بـ«الممارسات الاحتكارية لشركة المتحدة في ظل صمت المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، مطالبًا بمراجعة قوانين حرية الرأي والتعبير، ووقف الحبس الاحتياطي، ورفع الحجب عن المواقع الصحفية.
في المقابل، رفض النائب أحمد مقلد، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، ما وصفه بـ«الاتهامات المرسلة»، مطالبًا المنسق العام للحوار الوطني آنذاك، ضياء رشوان، حذف ما ذكره عبد السلام بشأن المتحدة من مضبطة الجلسة. كما شهدت المناقشات مشادةً أخرى عقب تأكيد عضو مجلس الشيوخ عن التنسيقية، محمود القط، أن «مصر ليس فيها سجناء سياسيون، بل مواطنون خالفوا القانون»، وهو ما أثار اعتراض عدد من الحاضرين، ولا سيما بعض المحبوسين السابقين في قضايا رأي.
كما شهدت الجلسة مطالبات ومداخلات أخرى، من بينها رفع الحجب عن المواقع الصحفية، وإصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، ومراجعة أوضاع الصحفيين المحبوسين احتياطيًّا والإفراج عنهم.
وجاءت المحطة الثانية بانعقاد المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية، الذي نظمته نقابة الصحفيين خلال الفترة من 14 إلى 16 ديسمبر 2024، وانتهى إلى مجموعة واسعة من التوصيات، بعضها عاجل وبعضها الآخر مقسّم إلى خطوات ومراحل تنفيذية. وتوزعت التوصيات على ثلاثة محاور رئيسية، شملت الحريات والتشريعات، واقتصاديات الصحافة وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للصحفيين، ومستقبل المهنة وسبل تطويرها.
وبدورها، خاطبت النقابة الجهات المختصة بهذه التوصيات، ومن بينها مجلس الوزراء ومجلس النواب، قبل أن يرسل نقيب الصحفيين، خالد البلشي، مخرجات المؤتمر، في أكتوبر 2025، إلى رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ورئيس اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام، خالد عبد العزيز، بهدف إدراج توصيات المؤتمر ضمن أعمال اللجنة والاستفادة منها في إعداد رؤيتها لتطوير الإعلام.
وكانت المحطة الثالثة توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 10 أغسطس 2025، بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام، والاستعانة بالخبرات والكفاءات المتخصصة، إلى جانب إتاحة البيانات والمعلومات لوسائل الإعلام، ولا سيما خلال الأزمات والقضايا التي تحظى باهتمام الرأي العام.
وتمثلت المحطة الرابعة في تشكيل اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري بقرار من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في 5 أكتوبر 2025، قبل أن تبدأ جلساتها في 14 أكتوبر من العام نفسه، بهدف إعداد تقرير يتضمن نتائج أعمالها وتوصياتها وآليات تنفيذها.
وأنهت اللجنة أعمالها بعد أكثر من 175 ساعةً من الاجتماعات والنقاشات، بمشاركة 66 صحفيًّا وإعلاميًّا وأكاديميًّا وخبيرًا، موزعين على ثماني لجان فرعية. وفي 5 فبراير 2026، سلّم رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خالد عبد العزيز، التقرير النهائي وتوصيات اللجنة إلى رئيس مجلس الوزراء، تمهيدًا لعرضها على رئيس الجمهورية، معلنًا بذلك استيفاء اللجنة مهمتها.
لكن بعد نحو خمسة أشهر من تسليم التقرير، عاد ملف تطوير الإعلام إلى واجهة الاهتمام الرسمي للمرة الثانية في أقل من عام؛ إذ جاءت المحطة الخامسة حين وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة «الأوكتاجون» في العاصمة الإدارية الجديدة، في 4 يوليو 2026، بتطوير المنظومة الإعلامية، وفتح المجال أمام «الحوار الإعلامي الموضوعي» الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، إلى جانب عقد اجتماع سنوي لمراجعة الأداء الإعلامي ومناقشة التحديات ووضع حلول عملية تعزز دور الإعلام.
وتصل هذه المحطات الخمس إلى محطتها السادسة، المتمثلة في التحضير لعقد المؤتمر السنوي الأول للإعلام المصري، والمقرر مبدئيًّا في ديسمبر 2026، بالتوازي مع دعوة رشوان الأخيرة.
في هذا السياق، يرى الكاتب الصحفي يحيى قلاش نقيب الصحفيين الأسبق، أن أزمة الصحافة والإعلام في مصر لم تعد بحاجة إلى مزيد من التشخيص أو المؤتمرات، في ظل تعدد المسارات التي ناقشت أوضاع المهنة وانتهت إلى توصيات ومقترحات محددة، من دون أن ينعكس ذلك على الواقع.
ويقول قلاش، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، إنه لا يستطيع فهم الهدف الواضح من المؤتمر السنوي المزمع عقده في ديسمبر المقبل، متسائلًا عما إذا كان سيتحول إلى مناسبة سنوية، على غرار اليوم العالمي لحرية الصحافة، يجتمع خلالها المشاركون يومين للحديث عن أزمات الصحافة والإعلام، من دون أن يتضح ما الذي سيقدمه على نحو مختلف عن الفعاليات السابقة.
ويضيف: «وضع الصحافة والإعلام معلوم ومُشخَّص، والنتائج نعيشها جميعًا بشكل أو بآخر. الصحافة والإعلام في غرفة الإنعاش، وهما ليسا جزيرةً معزولةً عن المشهد العام، ولذلك فإن الأزمة ليست بحاجة إلى تشخيص جديد».
ويستعرض قلاش المسارات التي سبقت الدعوة إلى المؤتمر، بدايةً من طرح ملف الإعلام داخل الحوار الوطني، وإن كان بصورة وصفها بأنها «خجولة»، مرورًا بالورقة التي قدمها نقيب الصحفيين، ثم المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية، الذي ناقش أزمات المهنة وخرج بتوصيات ودراسة واستبيان وصفه بالكاشفة للأوضاع، وصولًا إلى اللقاء الرئاسي الذي أعاد ملف تطوير الإعلام إلى الواجهة، وما أعقبه من تشكيل لجنة تطوير الإعلام.
وضمت اللجنة 66 صحفيًّا وإعلاميًّا وأكاديميًّا وخبيرًا، وعملت على مدار أشهر قبل أن تنتهي إلى تقرير يتضمن توصيات ومقترحات، سلّمه رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خالد عبد العزيز، إلى رئيس الوزراء، ثم رُفع إلى رئيس الجمهورية.
وبحسب قلاش، فإن تعدد هذه المسارات يعني أن الدولة تمتلك بالفعل أكثر من تصور لتشخيص الأزمة ومعالجتها، ما يجعل السؤال الأساسي متعلقًا بما يمكن أن يضيفه المؤتمر الجديد. ويقول: «ماذا سيفعل المؤتمر مما لم تفعله كل هذه الفعاليات؟ وما المأمول من يومين جديدين بعد الحوار الوطني، ولقاء الرئيس، ولجنة تطوير الإعلام، والمؤتمر العام السادس للصحافة؟ لا أملك إجابةً عن ذلك، لكنني أتمنى أن تتوفر إرادة حقيقية لتغيير هذا الحال».
ويرفض قلاش تفسير تأخر الإصلاح بعدم التوافق على شكله، معتبرًا أن وجود إرادة حقيقية كان كفيلًا بمنع استمرار النقاش سنوات من دون نتائج ملموسة. ويشبّه تكرار المبادرات بالسير في «طريق دائري»، يبدأ من نقطة وينتهي إليها مجددًا، من دون مغادرة الأزمة أو الاقتراب من حلها.
ويضيف: «لا أتصور أن تتوفر الإرادة ثم ننتظر كل هذه السنوات. إذا كنا متفقين على وجود أزمة، وعلى ضرورة أن يستعيد الإعلام دوره، فلا يمكن أن يكون ذلك موضع خلاف. لكن المشكلة أن الرؤية التي تعتبر الصحافة والإعلام جزءًا من الأزمة، وليسا جزءًا من الحل، لا تزال حاضرةً لدى من يملك القرار».
ويرى قلاش أن هذه الرؤية كانت وراء القيود التي أوصلت الإعلام إلى ما يشبه «السكتة الدماغية»، وحولت القوة الناعمة للدولة إلى قوة معطلة. ويوضح: «الإعلام جيش يفترض أن يكون قادرًا على خوض معارك حقيقية، لكنه الآن مكبل وجنوده مقيدون، في وقت تحيط فيه دوائر النيران بالبلاد من مختلف حدودها، ويحتاج الداخل إلى إعلام يؤدي دوره في الحفاظ على تماسك المجتمع خلال لحظة فارقة».
ولا يعتقد قلاش أن تكرار الدعوات من دون تنفيذ يمكن أن يؤدي إلى امتصاص غضب الصحفيين أو الرأي العام، موضحًا أن هذا الاحتمال قد يكون قائمًا إذا حدث الأمر مرةً أو مرتين، لكن تكراره يؤدي إلى نتيجة عكسية.
ويقول: «عندما تكون لديَّ أزمة، ثم أشعر بأن هناك أملًا ولا أجد له مردودًا، ويتكرر المشهد مرةً ثانيةً وثالثةً، فسأصل إلى قناعة بأن الأمر غير جاد. النتيجة لن تكون امتصاص الغضب، وإنما اليأس واللامبالاة والانصراف عن التعامل مع أي دعوة جديدة بجدية».
ويخلص قلاش إلى أن القضية لا تتعلق بنقص المقترحات أو غياب التشخيص، وإنما بإعادة النظر في المنطلق الذي تعامل مع الإعلام والصحافة باعتبارهما مشكلةً ينبغي تقييدها، مؤكدًا أن استعادة المهنة عافيتها تحتاج إلى إرادة تنفيذية تحول التوصيات المتراكمة إلى إجراءات، بدلًا من إضافة مؤتمر جديد إلى سلسلة ممتدة من الحوارات واللجان.
نوصي للقراءة: عشر سنوات مع صندوق النقد رفعت دين مصر من 46 إلى 164 مليار دولار

مهندس الحوارات يدعو إلى الفضفضة… فماذا عن التواصل مع الصحفيين؟
رغم دعوة وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، الصحفيين والإعلاميين إلى «الفضفضة الضرورية»، استعدادًا للمؤتمر السنوي للإعلام المقرر عقده في ديسمبر المقبل، فإن هذه الدعوة لم يصاحبها أو يسبقها، حتى الآن، تواصل مباشر مع عدد من القائمين على المواقع الصحفية المستقلة، للاستماع إلى الأزمات التي تواجههم، سواء ما يتعلق بتعطل التراخيص، أو حجب المواقع، أو احتكار سوق الإعلانات، أو القيود المفروضة على العمل الصحفي.
وتواصلت «زاوية ثالثة» مع أربعة من رؤساء تحرير مواقع صحفية مستقلة، للسؤال عما إذا كانوا قد تلقوا دعوات أو اتصالات من وزارة الدولة للإعلام، لمناقشة مقترحات تطوير الإعلام أو المشاركة في الإعداد لمؤتمر ديسمبر. ونفى الأربعة تلقي أي تواصل من هذا النوع، مؤكدين أنهم يتابعون أخبار مبادرات التطوير وما يجري بشأنها مثل بقية الرأي العام، من دون إشراكهم في مناقشاتها أو الاستماع إلى المشكلات التي تواجه مؤسساتهم.
ويثير غياب التواصل تساؤلات إضافية بشأن دور رشوان، الذي عُرف خلال السنوات الماضية بقدرته على إدارة الحوارات، ولا سيما منذ اختياره منسقًا عامًّا للحوار الوطني. فبينما يدعو الصحفيين علنًا إلى الحديث عن أزماتهم، يقول أحد رؤساء التحرير، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إن قنوات التواصل التي كانت مفتوحة معه قبل توليه الوزارة لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها.
ويضيف رئيس التحرير ذاته، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، إن رشوان توقف، منذ توليه الوزارة، عن الرد على رسائله المتعلقة بالعمل الصحفي، رغم وجود تواصل دائم بينهما في السابق. ويقول، في روايةٍ يتعذّر التحقق منها على نحو مستقل: «كنت من أشد مؤيديه وقت ترشحه لمنصب نقيب الصحفيين، لكن تفسيري الآن أنه اختار طريق الدولة، لا طريق حرية الصحافة التي كان يؤمن بها أو يقول إنه يدافع عنها».
وتساءل رئيس التحرير: «الدولة هي التي تحجب المواقع وتمنعنا من ممارسة عملنا الصحفي؛ فعلى أي أساس يوجه الدعوة إلينا، وكأننا أصحاب القرار؟ الدعوة يجب أن يوجهها إلى الدولة، وأن يطالبها بضمان حرية الصحافة والإعلام من دون استثناء».
في المقابل، قدّم رئيس تحرير آخر تفسيرًا لغياب التواصل المؤسسي؛ إذ أكد أنه لم يتلق هو الآخر أي دعوة لمناقشة مقترحات تطوير الإعلام السابقة أو المشاركة في التحضير لمؤتمر ديسمبر، لكنه أشار إلى استمرار تواصله الهاتفي مع رشوان بعد توليه الوزارة.
ويقول: «رأيي الشخصي أنه متحمس لنقل المهنة خطوةً إلى الأمام، لكن هناك صعوبات عملية، أهمها أن الوزارة لا تمتلك صلاحيات محددة، خصوصًا مع وجود الهيئات الإعلامية الثلاث. كما أن هناك، في تقديري، جهات داخل الدولة تشعر بالقلق من فتح أي مساحة جديدة للإعلام، وتنظر إلى الحريات باعتبارها غير مفيدة للسلطة في الوقت الحالي».
ودعا رئيس التحرير إلى اختبار تصريحات رشوان عمليًّا، من خلال محاولة توسيع مساحات الرأي الآخر، ونقل هموم الشارع، والمساهمة في فتح المجال العام، معتبرًا أن هذا الاختبار سيكشف مدى جدية القائمين على ملف الصحافة والإعلام، مشيرًا إلى أن دور الوزارة، حتى الآن، لا يزال أقرب إلى طرح الأفكار وإدارة حوار مجتمعي بشأن الإعلام، من دون الانتقال إلى خطوات تنفيذية واضحة.
ورغم اختلاف تفسيرات رؤساء التحرير الذين تحدثنا معهم لدوافع رشوان وحدود قدرته على التحرك، فإن شهاداتهم تلتقي عند نقطة واحدة: لم يحدث حتى الآن تواصل مؤسسي منظم معهم للاستماع إلى أزمات المواقع المستقلة وإشراكها في صياغة مقترحات التطوير. وهو ما يضع «الفضفضة» أمام اختبارها الأول: هل تتحول من رسالة علنية عامة إلى حوار مباشر مع أصحاب الأزمات، أم ستظل دعوةً يتابع الصحفيون أخبارها من الخارج؟
[يحتاج تأكيدًا قبل النشر؛ حق ردّ: يُثبت هنا فقط إن تمّت المحاولة فعلًا] وجّهت «زاوية ثالثة» أسئلةً إلى وزارة الدولة للإعلام وإلى الوزير ضياء رشوان بشأن غياب التواصل مع المواقع المستقلة وما ورد على لسان المصادر، [دون ردٍّ حتى لحظة النشر].
في هذا السياق، يقول الكاتب الصحفي والقيادي النقابي هشام فؤاد، إنه لم يتلقَّ دعوةً للمشاركة في أي لقاءات تتعلق بـ«فضفضة» وزير الدولة للإعلام أو المؤتمر السنوي المقترح أو حتى في المبادرات أو الدعوات التي أطلقت سابقًا، فيما عدا المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، الذي كان لكل الصحفيين، كما لم يسمع، بحسب قوله، عن توجيه دعوات مماثلة إلى صحفيين آخرين.
ويضيف، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»: «لم تتم دعوتي من قبل، ولم أسمع أن أحدًا دُعي. وإذا وُجهت إليَّ دعوة فلن أذهب؛ لأنني أراها مضيعةً للوقت، ومحاولةً لتجميل صورة السلطة السياسية الحاكمة، رغم ما تنتهجه من ممارسات سلطوية».
ويرى فؤاد أن الحديث عن «الفضفضة» والمؤتمر المقترح يعبر عن رغبة السلطة في فرض مزيد من الضبط على وسائل الإعلام، وليس توسيع مساحات الحرية أو الاستماع إلى أزمات الصحفيين وأصحاب المؤسسات الصحفية. ويقول: «السلطة السياسية إعلام الصوت الواحد، الذي يقف وقفة رجل واحد خلف الرئاسة، لكن مع تزايد الأزمات تتصاعد الانتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفضائيات المعارضة في الخارج، فيعود الحديث مجددًا عن أهمية تطوير الإعلام، ولكن في الاتجاه المطلوب سلطويًّا».
ويتوقع فؤاد أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من التضييق على الرأي، رابطًا ذلك بسببين؛ أولهما ما يتوقعه من اتخاذ قرارات اقتصادية جديدة تزيد الأعباء الواقعة على المواطنين، بما يدفع السلطة، وفق تقديره، إلى محاولة وأد أي بادرة احتجاج، ووقف النقاشات والمبادرات والحملات الإلكترونية الساخرة، ومنها حملة «قاع الهامور». أما السبب الثاني، فيربطه فؤاد بما يراه استعدادًا لإطلاق حملة لتعديل الدستور ومد فترة الرئاسة، انطلاقًا مما وصفه بـ«مؤتمر الإنجازات» الذي طلب الرئيس إعداده. ويقول إن السلطة تتعامل مع الأزمة باعتبارها ناتجةً عن عدم إدراك المواطنين حجم ما تحقق من إنجازات، لا عن السياسات نفسها.
ويعتقد فؤاد كذلك أن ضياء رشوان يطرح نفسه، من خلال «الفضفضة»، مرشحًا محتملًا لمنصب نقيب الصحفيين، معتبرًا أن ذلك ينسجم مع ما وصفه برغبة السلطة في تشديد قبضتها على النقابات المهنية والعمالية، ودفعها إلى الوقوف في صف حملات التأييد.
ويضيف أن التدهور الكبير في أوضاع الصحفيين، الناتج، وفق رؤيته، عن غياب الحريات والتعددية، قد يُستخدم لتقديم «النقيب الوزير» بوصفه «مرشح الضرورة» القادر على توفير دعم أو امتيازات مالية للصحفيين ومؤسساتهم. ويحذر من أن يؤدي ذلك إلى «إعادة تكفين النقابة»، بعد أربع سنوات يرى أنها عادت خلالها، جزئيًّا على الأقل، إلى حضن المجتمع، وأن تتحول مجددًا إلى جهة إدارية تابعة للدولة في مقابل منح أعضائها ومؤسساتهم امتيازات مالية بصور متعددة.
ومع ذلك، يستبعد فؤاد أن تمنح الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين أصواتها لمن وصفه بـ«ممثل السلطة التي قضت على مهنة الصحافة، وتحبس الصحفيين وتجوعهم»، داعيًا تيار الاستقلال النقابي إلى الاستعداد بجدية لخوض هذه المعركة إذا طُرحت.

ملف يحتاج الإرادة لا ندوات ولا خطط
أعادت الدعوة الرئاسية إلى وضع خارطة طريق لتطوير الإعلام المصري، في أغسطس 2025، الملف إلى واجهة الاهتمام الرسمي، بعد سنوات من تراجع الحريات وتفاقم الأزمات المهنية والاقتصادية داخل المؤسسات الصحفية والإعلامية. وبينما رحّبت المصادر التي تحدثت إلى «زاوية ثالثة» في تقريرها «تطوير الإعلام في مصر: فرصة لإصلاح حقيقي أم تكرار لسيناريو الحوار الوطني؟» بأي تحرك يعيد للصحافة دورها، حذرت من أن تتحول المبادرة إلى جولة جديدة من الاجتماعات والحوارات التي تنتهي إلى توصيات غير ملزمة، على غرار مخرجات الحوار الوطني. وأكدت أن أزمات المهنة شُخّصت بالفعل خلال الحوار الوطني والمؤتمر العام السادس للصحافة المصرية، وأن المطلوب ليس إعادة مناقشة المشكلات نفسها، بل إعلان إرادة سياسية وخطة تنفيذية بجدول زمني ومسؤوليات واضحة.
وتضمنت مقترحات المصادر الإفراج عن الصحفيين المحبوسين في قضايا الرأي والنشر، ورفع الحجب عن المواقع الصحفية، وإصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وتعديل قانون تنظيم الصحافة والإعلام والتشريعات المقيدة للعمل الصحفي.
كما شملت المقترحات تطبيق حد أدنى عادل للأجور، وزيادة بدل التكنولوجيا، وتعيين الصحفيين المؤقتين في المؤسسات القومية، وتسوية أوضاع المتعطلين تأمينيًّا، ودعم المؤسسات المتعثرة وإعفائها من بعض أعباء الطباعة والمديونيات. ودعت المصادر كذلك إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والإعلام، وإشراك نقابة الصحفيين والشباب في وضع خطة التطوير، وفصل العمل التحريري عن الإدارات التجارية، وتدريب صناع المحتوى، وتطوير الصحافة الرقمية والمتخصصة، وإنشاء مظلة تفاوضية مع شركات التكنولوجيا لضمان حصول المؤسسات الصحفية على مقابل عادل نظير استخدام محتواها.
وتركزت مخاوف المصادر الذين تحدثوا إلى التقرير في أن تستمر القيود السياسية والتشريعية بينما تنشغل الجهات المعنية بإنتاج توصيات جديدة، فتلقى المبادرة مصير مخرجات الحوار الوطني التي لم يتحول كثير منها إلى إجراءات ملموسة.
من جهتها، تقول الكاتبة الصحفية والقيادية النقابية فيولا فهمي، إنها لا تملك معلومات عن الأسماء التي ستُدعى إلى المؤتمر السنوي للإعلام، أو المعايير التي ستحدد المشاركين والمستبعدين، مشيرةً إلى أنها لم تتلقَّ حتى الآن أي دعوة، وإن كانت ترى أن الوقت لا يزال مبكرًا، في ظل تبقّي نحو ثلاثة أو أربعة أشهر على انعقاده.
وتضيف الكاتبة الصحفية، في حديثها لـ«زاوية ثالثة»، أنها تتلقى دعوات من جهات مختلفة للمشاركة في لقاءات تناقش حرية الصحافة، وتطوير المهنة، والأزمات التي يواجهها الصحفيون، لكنها لم تتلقَّ دعوةً من وزارة الدولة للإعلام منذ أن تولى ضياء رشوان رئاستها. كما لم تُدعَ إلى جلسات الاستماع أو المناقشات التي عقدتها اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام خلال الأشهر الماضية.
ومع ذلك، لا ترى فيولا فهمي أن الأزمة تكمن في استبعاد أو عدم دعوة البعض، وإنما في تكرار المؤتمرات واللقاءات التي تناقش مشكلات جرى تشخيصها مرارًا، ووضعت لها حلول ومقترحات واضحة، من دون انتقالها إلى حيز التنفيذ. وتقول: «لسنا بحاجة إلى مزيد من المؤتمرات أو اللقاءات أو الجلسات. نحن أمام محاولة إلهاء مستمرة منذ سنوات. ناقشنا قانون حرية تداول المعلومات في ثلاث أو أربع جلسات ضمن الحوار الوطني، وتحدثتُ في إحداها وقدمت ورقةً وصفها منسقو المحور بأنها قوية، ومع ذلك لم يحدث شيء».
وتشير الكاتبة الصحفية إلى أن المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية كان التجربة الأكثر وضوحًا في تشخيص أزمات المهنة؛ إذ ناقش المشاركون مختلف مشكلاتها، ووضعوا حلولًا ومقترحات وتوصيات أُعلنت في الجلسة الختامية، ثم أُرسلت إلى الجهات المعنية، ومن بينها مجلس الوزراء، فيما تعتقد أنها وصلت كذلك إلى رئاسة الجمهورية، من دون أن تتحرك الملفات الأساسية.
وتضيف: «لماذا نعيد اختراع العجلة، ونجلس مجددًا لمناقشة المشكلات نفسها، ونطرح الحلول ذاتها، ونكتب التوصيات نفسها، ثم نقدمها إلى الجهات المعنية، قبل أن ننتظر عامين أو ثلاثة ونبدأ الدائرة من جديد؟ الملفات والحلول والاقتراحات كلها موجودة، ولا ينقصها إلا إرادة التنفيذ».
وتصف فهمي هذا المسار بأنه «مشهد عبثي» و«دائرة مفرغة»، رغم احترامها الخطابات المعلنة وثقتها في صدق نيات بعض المشاركين في مبادرات التطوير. وترى أن استمرار الدوران داخل هذه الدائرة، من دون نتائج ملموسة، أفقد المؤتمرات الجديدة قدرتها على بث الأمل أو إحداث تغيير.
وتستشهد فيولا بأزمة نحو 400 صحفي مؤقت في المؤسسات الصحفية القومية، معتبرةً أنها من أبسط الملفات التي كان يمكن حسمها. وتقول إن هؤلاء الصحفيين خضعوا لاختبارات ومقابلات داخل الهيئة الوطنية للصحافة، لكن الملف عاد في النهاية إلى نقطة الصفر، متسائلةً: «إذا كنا عاجزين عن حل أزمة تعيين هؤلاء الزملاء، فكيف سنتحدث عن تطوير شامل للصحافة والإعلام؟»، مؤكدةً أنها من أنصار أي خطوة إيجابية يمكنها تحريك المياه الراكدة، لكنها ترى أن تكرار المؤتمرات تجاوز حدوده، وأن الأولوية لم تعد عقد لقاءات جديدة، بل توفير إرادة حقيقية لتوسيع هامش الحرية.
وتضيف: «هذه المهنة تقتات بالحرية؛ فإذا لم توجد حرية، فلن توجد مهنة اسمها الصحافة. المطلوب أن يناقش الصحفيون القضايا بجدية وموضوعية، وأن تتراجع الخطوط الحمراء إلى أدنى حد، وألّا يُسجن شخص بسبب منشور، أو يُمنع مقال من النشر».
وعن أسباب التناقض بين الدعوات الرسمية إلى تطوير الإعلام واستمرار تعطّل التوصيات، ترى الكاتبة الصحفية فيولا فهمي أن الدولة تشهد «تضاربًا في الإرادات». وتوضح أن هناك إرادةً على أعلى مستوى، ممثلة في تصريحات رئيس الجمهورية المتكررة بشأن إتاحة الرأي والرأي الآخر، ومنح الأجيال الجديدة فرصة، وإنصاف مهنة الصحافة، لكن هذه الإرادة تصطدم، بحسب تقديرها، بإرادات أخرى داخل مؤسسات الدولة تعارض توسيع المجال الإعلامي، وتعمل على تعطيل الملفات أو تجميدها.
وتضيف أن ملف الصحفيين المحبوسين يمثل أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا التعطيل، متسائلةً عما إذا كان قد حان الوقت لإخلاء السجون من الصحفيين وكتّاب الرأي وكل من سُجن بسبب التعبير عن رأيه.
وترجع فيولا مقاومة توسيع هامش الحرية إلى اعتقاد جهات داخل الدولة بأن فتح المجال العام قد يهدد الأمن السياسي، ولا سيما في ظل الأزمات والحروب الإقليمية المحيطة بمصر. كما ترى أن أحداث ثورة يناير لا تزال تُستخدم «فزاعة» للتحذير من نتائج منح المواطنين مساحة أوسع للتعبير.
وتخلص فهمي إلى أن المشكلة ليست غياب التصورات أو نقص المقترحات، وإنما تضارب الإرادات وغياب قرار واضح بالتنفيذ، مؤكدةً أن أي مؤتمر جديد لن يحقق فارقًا ما لم يبدأ بتحريك الملفات القائمة، وتوسيع هامش حرية الصحافة، وتحويل التوصيات المتراكمة إلى إجراءات قابلة للقياس.
في النهاية، وبعد خمس محطات من الحوارات والمؤتمرات واللجان، ومع الاستعداد للمحطة السادسة، يرى صحفيون وقياديون نقابيون أن أزمة الإعلام المصري لم تعد تتمثل في نقص التشخيص أو غياب الحلول، وإنما في غياب الإرادة القادرة على نقل المقترحات من الأوراق إلى الواقع؛ وإلا تحولت «الفضفضة» إلى محطة جديدة في الطريق الدائري نفسه، وانتهى مؤتمر ديسمبر إلى المصير الذي سبقته إليه توصيات الحوار الوطني.