close

من مشروع قومي لإسكان الشباب إلى مدينة أشباح: الكيلو 26 بالإسكندرية

بعد افتتاح محور أبو ذكري عام 2022 صدر قرار حصر وحدات إسكان الشباب بالكيلو 26 غرب الإسكندرية تمهيدًا لنقل 500 مالك، وفور انتهاء الحصر أُنهيت الحراسة فاندلعت سرقات طالت المحول والكابلات والمواسير وانقطعت الكهرباء والمياه، فيما فُرض حظر غير رسمي على التصرف في الوحدات دون قرار رسمي
Picture of آية ياسر

آية ياسر

خلال عام 2010، أقدم محمد رفعت على شراء شقة تابعة لإسكان الشباب في الكيلو 26 غرب الإسكندرية، المعروف بمساكن البنك الأهلي، ليعيش فيها بأمان مع زوجته ويرزقا بأطفالهما؛ لكن ما لم يكن في حسبان الأسرة أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب لتعيش في تهديد وقلق دائم، بعد أشهر من افتتاح محور المشير فؤاد أبو ذكري بالإسكندرية في 5 ديسمبر 2022 بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وفي أبريل 2023، تفاجأ محمد كغيره من السكان بصدور قرار محافظ الإسكندرية رقم (146) لسنة 2023 بشأن التعامل مع أوضاع شاغلي مساكن الكيلو 26، المستند إلى كتاب صادر عن رئاسة الجمهورية في 27 نوفمبر 2022 تضمّن دراسة لإخلاء نحو خمسة آلاف وحدة سكنية بمنطقة الزراع البحري، مع إعادة تسكين قاطنيها في مشروعات «بشاير الخير» و«مشارف العامرية»، وإلى قرارات اجتماعات عقدها مجلس الوزراء في ديسمبر 2022 ويناير 2023 لمتابعة مشروعات التخطيط العمراني في غرب المحافظة، تضمّنت حصر مساكن الكيلو 26 وتحديد طبيعتها القانونية.

إثر ذلك، قصدت لجنة رسمية مشاريع إسكان الشباب المدعمة الواقعة في بداية الساحل الشمالي بنطاق حي العجمي (الكيلو 26 على طريق إسكندرية – مطروح)، وأجرت حصرًا ومسحًا ميدانيًا للوحدات السكنية المدعمة؛ وعندما استفسر محمد وعدد من جيرانه عن مصيرهم، أبلغهم موظفون بحي العجمي بأن المساكن ستتعرض للإزالة وسيُنقل السكان إلى مشروعَي «بشاير الخير» و«مشارف العامرية».

وبعد أيام قليلة من الحصر، تفاجأ السكان بقدوم سيارات وعمال تابعين لحي العجمي، في حملة وثّقتها مقاطع فيديو حصلت عليها «زاوية ثالثة»، فكّوا خلالها الأبواب الخشبية والنوافذ والأحواض والمراحيض بالوحدات السكنية التي لم تُبَع بعد؛ إذ سبق أن طرحت محافظة الإسكندرية في يوليو 2018، 399 وحدة سكنية قالت إنها إجمالي الوحدات المدعمة للشباب المتبقية بالكيلو 26، لكنها لم تتمكن من بيعها بالكامل.

وفي تلك الأثناء، ألغت المحافظة منظومة التأمين والحراسة من المشروع، وسرعان ما وقعت سلسلة من حوادث السلب والنهب والتخريب الجماعي للوحدات السكنية المباعة التي لم يكن مُلّاكها يقطنون بها وقتئذٍ، إذ نزع السارقون أبوابها وشبابيكها ونهبوا ما بها من أثاث، وسط غياب أمني تام. ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، بل أقدم الجناة على سرقة محول كهربائي وكابلات الضغط العالي ومواسير المياه ومواتير ضخها المملوكة للسكان المقيمين بشققهم، من إجمالي نحو 500 وحدة مباعة كان المقيمون فعليًا فيها قلة، وعندما حاول بعضهم التصدي للسارقين تعرضوا للتهديد بالأسلحة البيضاء، ولم يتلقَّ السكان أي استجابة أمنية إزاء بلاغاتهم لخط النجدة، بحسب شهاداتهم لـ«زاوية ثالثة».

وفي ظل ذلك، انقطع التيار الكهربائي وضخّ مياه الشرب عن عمارات سكنية بالكامل ولم تعد صالحة للمعيشة، فاضطر مُلّاكها إلى هجرها واستئجار شقق بديلة متحمّلين أعباءً مادية كبيرة، بينما تحولت الوحدات المهجورة إلى بؤر إجرامية للتعدي على السكان المتبقّين، الذين حاولوا مخاطبة المسؤولين في حي العجمي ومحافظة الإسكندرية وأعضاء مجلس النواب عن دائرتهم دون التوصل إلى حلول عملية، وفق ما يرويه محمد لـ«زاوية ثالثة».

صورة تظهر جانبًا من التخريب الذي لحق بإحدى شقق إسكان الشباب بالكيلو 26 إثر سرقة أبوابها ونوافذها، وأخرى  تظهر جانب من تعرض مواسير المياه والصرف الصحي للسرقة
صورة تظهر جانبًا من التخريب الذي لحق بإحدى شقق إسكان الشباب بالكيلو 26 إثر سرقة أبوابها ونوافذها، وأخرى  تظهر جانب من تعرض مواسير المياه والصرف الصحي للسرقة

واستمرت الأوضاع على حالها نحو ثلاث سنوات وسط حالة من الغموض، في ظل تأكيدات من موظفين بالحي بأن خطط نقل السكان إلى مشروع «بشاير الخير» أُلغيت في الوقت الحالي، مع احتمال إزالة المساكن مستقبلًا بغرض التطوير، دون صدور أي إعلان رسمي يوضح مصير السكان أو آليات التعويض أو إعادة التسكين، ما ألحق أضرارًا اجتماعية واقتصادية بالأسر، وفق ما يؤكده محمد.

يقول لـ«زاوية ثالثة»: «منذ عام 2023 تفاجأنا بتوجيهات تفيد بوقف التصرفات العقارية دون صدور قرار رسمي معلن، الأمر الذي حال دون تركيب عدادات الكهرباء في الوحدات المباعة أو التقديم على خط هاتف أرضي وإنترنت منزلي، ورُفض تركيب الغاز الطبيعي للمساكن، كما لم يعد بإمكاننا تحرير عقود بيع رسمية للوحدات وتوثيقها بالشهر العقاري، وسط تراجع كبير في القيمة السوقية للوحدات». ويوضّح أن المنطقة تعاني تدهورًا كبيرًا في الخدمات الأساسية، إذ تنقطع مياه الشرب يوميًا لأكثر من 20 ساعة خلال فصل الصيف، إلى جانب غياب الخدمات العامة والأسواق والمرافق ووسائل النقل المنتظمة، بينما تعيش الأسر المتبقية في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

ويوضّح محمود أحمد، أحد ملاك الوحدات بإسكان الشباب بالكيلو 26، أن المساكن أُنشئت عام 2010 ضمن مشروع إسكان الشباب في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وهو برنامج قومي أُطلق لتوفير وحدات سكنية مدعومة للشباب، وأن المشروع يضم 29 عمارة بإجمالي 1160 وحدة، بواقع نحو 40 وحدة لكل عمارة موزعة على مدخلين، واستمرت عمليات التخصيص عبر قرعات علنية حتى عام 2018، لكنها أسفرت عن بيع نحو 500 وحدة فقط، بينما ظلت بقية الوحدات خالية.

ويتذكر أن المشروع عانى منذ سنواته الأولى غياب الخدمات الأساسية، إذ لم تُستكمل شبكات الغاز أو الاتصالات وظلت المواصلات محدودة، ما أدى إلى عزوف المواطنين عن التقدم للوحدات المتبقية، لتبقى الكثافة السكانية منخفضة مع عدد محدود من الأسر في كل عمارة، بينما تولّت شركة حراسة، بتكليف من المحافظة، تأمين الوحدات غير المأهولة. لكن الأوضاع تغيرت في أواخر 2022 مع ما تردد عن خطة إخلاء المساكن ونقل قاطنيها إلى مشروع «بشاير الخير»، ثم صدور قرار المحافظ رقم 146 لسنة 2023 وبدء عمليات الحصر الميداني، فإنهاء حي العجمي التعاقد مع شركة الحراسة ونقل أبواب ونوافذ ومحتويات الوحدات غير المخصصة إلى مخازن الحي، وهو ما اعتبره السكان مؤشرًا على قرب الإخلاء.

يقول لـ«زاوية ثالثة»: «إنهاء الحراسة أدى إلى موجة واسعة من السرقات والتخريب شملت محول الكهرباء الرئيسي وكابلات الكهرباء ومواسير المياه والصرف الصحي، إضافةً إلى اقتحام بعض الوحدات المملوكة للمواطنين وسرقة محتوياتها، ما جعل المباني بيئة غير آمنة، فاضطر السكان إلى إغلاق الممرات بأسوار من الطوب الأبيض وتنظيم نوبات حراسة ليلية لحماية أنفسهم وممتلكاتهم». ويحكي كيف اضطر إلى مغادرة المشروع منذ نحو ثلاث سنوات واستئجار شقة بقيمة إيجارية تبلغ 3500 جنيه، لا سيما أن البقاء يتطلب تكاليف مرتفعة لإعادة توصيل المرافق وإصلاح التلفيات تفوق إمكانات غالبية السكان، مشيرًا إلى اصطدام الملاك بوقف التصرفات على وحداتهم، ما حال دون استخراج عدادات الكهرباء والمياه أو استكمال بعض الإجراءات الإدارية، في وقت توقفت فيه أعمال تطوير المشروع.

ورغم الشكاوى المتكررة التي تقدّم بها الأهالي إلى المحافظة ورئاسة مجلس الوزراء ومسؤولين محليين وأحد أعضاء مجلس النواب لعرض الأزمة، فإنهم لم يتلقوا، بحسب قوله، ردًا حاسمًا يوضح مستقبل المشروع من حيث التطوير أو الإزالة أو إعادة التسكين. ويؤكد محمود أن مطالب السكان تتمثل في حسم مصير المشروع بعد سنوات من الغموض، وإعادة تأهيل المرافق وتأمين المنطقة إذا كانت الدولة تعتزم الإبقاء عليه، أو إعلان خطة واضحة بشأن مستقبله بما يحفظ حقوق الملاك ويضع حدًا لمعاناتهم.

صورة تظهر حالة الدمار والإهمال التي تعاني منها مساكن البنك بالكيلو 26 التابعة لمشروع إسكان الشباب.
صورة تظهر حالة الدمار والإهمال التي تعاني منها مساكن البنك بالكيلو 26 التابعة لمشروع إسكان الشباب.

وكان قرار محافظ الإسكندرية رقم (146) لسنة 2023 قد شكّل لجنة برئاسة مدير مديرية الإسكان والمرافق، وعضوية ممثلين عن جهات حكومية وعسكرية وأكاديمية وفنية، من بينها المنطقة الشمالية العسكرية ومديرية التضامن الاجتماعي والشهر العقاري ومديرية المساحة والضرائب العقارية، إضافةً إلى خبراء في التقييم العقاري وأعضاء من الإدارات القانونية والهندسية والإسكان بالمحافظة. وكلّف القرار اللجنة بوضع الآلية القانونية للتعامل مع شاغلي مساكن الكيلو 26، بما يشمل تحديد الحالات التي يجري نقلها إلى مشروع «مشارف العامرية»، أو صرف تعويض اجتماعي أو إعانة وفق شرائح ترتبط بالطبيعة القانونية لشغل الوحدات، تمهيدًا لإخلاء المساكن، استنادًا إلى نتائج الحصر الذي أعدته اللجنة المشكَّلة بالقرار رقم (68) لسنة 2023.

كما كلّف القرار اللجنة بتحديد السعر النهائي للعقارات بمنطقة إسكان الكيلو 26 وفقًا للقيمة السوقية، مع إحالة بيانات الحصر إلى اللجنة المختصة بمراجعة عقود ملكية المواطنين في مناطق التطوير الحضري «بشاير الخير» لاستكمال الإجراءات المتعلقة بملكية الوحدات. ونص القرار على أن تبدأ اللجنة أعمالها اعتبارًا من 27 أبريل 2023، وأن ترفع تقريرًا بنتائجها وتوصياتها إلى المحافظ في موعد أقصاه 11 مايو 2023، مع سريان القرار من تاريخ صدوره في 18 أبريل 2023.

 

نوصي للقراءة: نزع الملكية بـ«التحايل»… هل خدعت الحكومة سكان القاهرة التاريخية؟

خروج اضطراري من الشقق

على مدار 14 عامًا، أقامت ربة المنزل يمنى أنس (اسم مستعار) مع أسرتها في شقة الزوجية ضمن مشروع إسكان الشباب بالكيلو 26، التي تسلّمتها عام 2010؛ لكن مع تصاعد أعمال السرقة والبلطجة خلال 2023 غادر السكان العقار الذي تقطنه، حتى صارت هي وطفلاها الوحيدين المقيمين في العمارة، وظلت متمسكة بالبقاء عامين حتى انقطعت عنها الكهرباء ومياه الشرب إثر سرقة المواسير ومحول الكهرباء.

ولم تقتصر عمليات السطو على الوحدات الخالية، بل امتدت إلى الشقق المأهولة؛ إذ تحكي أن مجهولين اقتحموا منزلها الذي كانت تقيم فيه مع طفليها وهدّدوها بسلاح أبيض في ظل غياب الأمن، ما دفعها إلى تحرير محاضر رسمية تقول إنها لم تُسفر عن نتائج ملموسة، قبل أن تضطر إلى مغادرة العقار حفاظًا على سلامتها وسلامة طفليها، واستئجار شقة أخرى في عقار مأهول داخل المساكن أقام سكانه حوله سورًا حجريًا وبوابة حديدية توفر قدرًا من الحماية، بحسب ما تحكيه لـ«زاوية ثالثة».

تقول: «رغم عدم تلقّينا إخطارًا رسميًا بشأن إزالة المساكن، فقدت غالبية العمارات، ومن بينها العقار الذي كنت أقطنه، مقومات الحياة بعدما تعرضت مرافقها للتخريب والسرقة وانقطعت عنها المياه والكهرباء، لتصبح مجرد مبانٍ خالية». وتتذكر كيف كان الوضع مختلفًا عند تسلّمها الشقة، إذ كانت المنطقة تخضع لتأمين شركة حراسة وفّر قدرًا من الاستقرار، حتى أجرى الحي قبل نحو ثلاث سنوات حصرًا للوحدات وسجّل بيانات السكان، إلا أن ذلك، بحسب روايتها، تزامن مع إزالة منظومة الأمن وموجة واسعة من السرقات طالت الشقق وألحقت أضرارًا كبيرة بالمباني. وتؤكد أن السكان لا يطالبون سوى بتوفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات، أو إعلان موقف واضح من مستقبل المنطقة، بدلًا من تركهم في حالة من الغموض والتهديد المستمر.

صورة تظهر كيف تحولت مساكن البنك بالكيلو 26 التابعة لمشروع إسكان الشباب إلى «مدينة أشباح».
صورة تظهر كيف تحولت مساكن البنك بالكيلو 26 التابعة لمشروع إسكان الشباب إلى «مدينة أشباح».

وقبل أكثر من عشر سنوات، اشترى بسام محمد وحدة سكنية ضمن مشروع إسكان الشباب بالكيلو 26، أملًا في أن يستقر فيها مع أسرته المكونة من زوجته وأربعة أبناء، لكنه اضطر إلى تركها عام 2013 واستئجار مسكن آخر بنظام الإيجار الجديد بسبب تدهور الأوضاع الأمنية داخل المشروع. ويحكي أن الوحدات صارت عرضة لعمليات سرقة متكررة، إذ لا يكتفي اللصوص بالأبواب والشبابيك بل يستولون على الأجهزة المنزلية ومواسير الصرف والمواسير الحديدية، مؤكدًا أن شقته تعرضت لسرقة أربعة أبواب خشبية وعدد من محتوياتها، ولم يجد استجابة فعالة بعد تحرير محضر بالواقعة في قسم الشرطة.

ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «الخوف على أبنائي كان السبب الرئيسي في مغادرتنا المساكن، لم أكن مستعدًا للمخاطرة بسلامة أسرتي، لذلك اضطررت إلى تحمّل أعباء الإيجار رغم ما يمثله من ضغوط مالية كبيرة». ويرى أن استمرار السرقات بهذا الشكل يثير تساؤلات حول كيفية دخول الجناة وخروجهم دون رادع، معربًا عن اعتقاده بوجود تقصير أو تواطؤ سمح باستمرار هذه الوقائع، دون أن يوجه اتهامًا مباشرًا إلى جهة بعينها. ورغم ذلك، لا يزال بسام يتمنى العودة إلى شقته التي اختارها مسكنًا لأسرته، ويأمل أن تعمل المحافظة والسلطات الأمنية على حل مشكلات المنطقة وتهيئة الظروف لعودة الملاك إلى وحداتهم، لا سيما أن دفع الإيجار إلى جانب أعباء المعيشة يشكل عبئًا ثقيلًا على الأسر محدودة الدخل.

صورة تظهر جانبًا من تخريب وسرقة كابلات الكهرباء بمساكن البنك بالكيلو 26 التابعة لمشروع إسكان الشباب.
صورة تظهر جانبًا من تخريب وسرقة كابلات الكهرباء بمساكن البنك بالكيلو 26 التابعة لمشروع إسكان الشباب.

وحصلت «زاوية ثالثة» على صورة من شكوى جماعية قدّمها عدد من ملاك الوحدات بمشروع إسكان الشباب (مساكن البنك) بالكيلو 26 على طريق الإسكندرية – مطروح إلى محافظ الإسكندرية، أكدوا فيها أنهم اشتروا وحداتهم منذ عام 2010، إلا أن المشروع لم يكتمل ببيع جميع الوحدات أو توفير الخدمات الأساسية لسكانه. وأوضح الملاك أن حي العجمي أنهى في مارس 2023 التعاقد مع شركة الحراسة المكلفة بتأمين المشروع، وأعقب ذلك إزالة أبواب ونوافذ الوحدات غير المخصصة وتفريغ محتوياتها، وهو ما اعتبروه سببًا في تعرض المشروع للتخريب وإهدار المال العام. ووفقًا للشكوى، يضم المشروع 29 عمارة بإجمالي 1160 وحدة، بينما لا تتجاوز الوحدات المأهولة في كل مدخل ما بين وحدتين وأربع وحدات من أصل نحو 20 وحدة، مشيرين إلى أن بقاء غالبية الوحدات مفتوحة وخالية حوّلها إلى مأوى للحيوانات الضالة وبعض الخارجين عن القانون، ما أثّر على الأوضاع الأمنية والمعيشية للسكان المقيمين.

كما ذكر الشاكون أن موظفين بحي العجمي تداولوا معلومات عن نقل سكان المشروع إلى مناطق «بشاير الخير» بالتزامن مع تفريغ الوحدات وإجراء أكثر من حصر لأسماء الملاك، استنادًا إلى قرار المحافظ رقم 146 لسنة 2023 وقرار صادر عن مجلس الوزراء، وهو ما تزامن، بحسبهم، مع تعرض المشروع لسرقات طالت شبكات المياه والصرف والكهرباء وباقي المرافق، الأمر الذي جعل الإقامة فيه تفتقر إلى المقومات الأساسية للحياة. وطالب الملاك المحافظ بالتدخل لإيجاد حل لأوضاعهم، مشيرين إلى أن عددًا منهم اضطر إلى استئجار مساكن بديلة، ومؤكدين أن الأوضاع كانت مستقرة قبل هذه التطورات، وأنهم أرفقوا بالشكوى صورًا قالوا إنها توثق أعمال تفريغ الوحدات والحالة الراهنة للمباني، إلى جانب شكاوى سابقة بشأن الأزمة.

 

نوصي للقراءة: فوضى السوق العقاري في مصر: شركات تبيع وحدات على أراضٍ غير مسجلة باسمها

حظر تصرف غير قانوني

في السياق ذاته، يؤكد المحامي الحقوقي محمد رمضان أبو بيبرس أن مساكن إسكان الشباب بالكيلو 26 غرب الإسكندرية تُعد أحد مشروعات الإسكان الاقتصادي التي أُنشئت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وأن المشروع يضم 29 عمارة بإجمالي 1160 وحدة، وُزّع نحو 500 منها منذ عام 2010 بينما لا تزال البقية شاغرة. ويوضّح أن الوحدات المشغولة مملوكة لأصحابها بعقود تمليك نهائية، وأن انخفاض أسعارها عند طرحها كان يرجع إلى وقوعها في منطقة نائية آنذاك، لكنها اكتسبت قيمة استثمارية كبيرة بعد إنشاء محور أبو ذكري وما صاحبه من مشروعات، بينها فندق وكمبوند «أليكس ويست» والمستشفى السعودي، ما جعل السكان يعتقدون أن المنطقة أصبحت مستهدفة للإخلاء، في ظل ما وصفه بـ«سياسة تضييق» بدأت باختفاء شركة الأمن المكلفة بحراسة المشروع، وما أعقبه من غياب أمني.

ويكشف لـ«زاوية ثالثة» أن التضييق شمل أيضًا فرض قيود على التصرف في الوحدات، عبر وقف إجراءات البيع والشراء وإصدار تعليمات إلى مكاتب الشهر العقاري بعدم تحرير توكيلات خاصة بها، إلى جانب امتناع بعض شركات المرافق عن التعامل مع الملاك، تزامنًا مع تشكيل لجان لحصر العقارات، وهو ما اعتبره قاطنوها تمهيدًا لاستصدار قرار بنزع الملكية. ويعتبر أن أعمال الحصر، مقرونةً بالحديث عن تعويضات ونقل السكان، تمثل مؤشرًا واضحًا على وجود نية للإزالة أو الإخلاء، لكنها لا تغني عن صدور قرار إداري معلن يمكن الاستناد إليه قانونيًا.

يقول: «الإطار القانوني الحاكم لمثل هذه الحالات هو قانون نزع الملكية للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 المعدَّل بالقانون رقم 187 لسنة 2020، الذي حدد على سبيل الحصر المشروعات التي يجوز للدولة نزع الملكية من أجلها، مثل إنشاء الطرق ومشروعات المياه والصرف والطاقة والكباري والنقل والتخطيط العمراني، إضافةً إلى ما قد يعتبره أي قانون آخر من أعمال المنفعة العامة». ويضيف أن الدولة كانت تلجأ سابقًا إلى قرارات الإزالة والإخلاء الإداري في حالات محدودة، بينما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في استخدام قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة، معتبرًا أن بعض هذه القرارات تُبرَّر بمشروعات معلنة بينما يكون الهدف الفعلي، بحسب رأيه، تنفيذ مشروعات استثمارية، وهو ما يجعل الطعن عليها أكثر تعقيدًا قانونيًا.

لكن أبو بيبرس يرى أن وضع تلك المساكن لا يزال غير محسوم قانونيًا، إذ لم يصدر قرار رسمي بنزع الملكية للمنفعة العامة، وإنما توجد قرارات وإجراءات تشير إلى إخلاء السكان وحصر الوحدات دون اتضاح السند القانوني النهائي الذي ستستند إليه الجهة الإدارية. ويشدد على أن فرض حظر على التصرفات العقارية في الوحدات، إذا ثبت حدوثه، يُعد إجراءً غير قانوني، خاصة أن غالبية السكان يملكون عقود تمليك نهائية تمنحهم حقوق ملكية كاملة ولا تتضمن نصوصًا تجيز منعهم من التصرف في وحداتهم، واصفًا أي قرار من هذا النوع بأنه «قرار جائر» يهدف، من وجهة نظره، إلى التضييق على الأهالي ودفعهم إلى مغادرة المنطقة.

وحصلت «زاوية ثالثة» على نسخة من أحد عقود تمليك الوحدات بالمشروع القومي لإسكان الشباب بمنطقة الكيلو 26 بحي العجمي، المبرَم في 30 ديسمبر 2010 بين محافظة الإسكندرية بصفتها البائع وأحد المستفيدين بصفته المشتري. ويُظهر العقد أن الوحدة بيعت بنظام التمليك الكامل للمباني، بينما ظلت الأرض المقام عليها المشروع مملوكة للدولة باعتبارها من أملاكها الخاصة المخصصة لإقامة وحدات المشروع القومي لإسكان الشباب. وبحسب العقد، تبلغ مساحة الوحدة 63 مترًا مربعًا، وتتكون من غرفتين وصالة ومطبخ وحمام، وتقع بالدور الأرضي في العمارة رقم 7، المدخل رقم 2، بمنطقة الكيلو 26 بالعجمي. ونصّ العقد على أن إجمالي قيمة الوحدة بلغ 64 ألفًا و469 جنيهًا، منها دعم حكومي بقيمة 25 ألف جنيه، ودعم من محافظة الإسكندرية بقيمة 4463 جنيهًا، بينما سدد المشتري 35 ألف جنيه نقدًا لتصبح الوحدة مسددة بالكامل.

صورة من عقد تمليك وحدة سكنية بالمشروع القومي لإسكان الشباب في الكيلو 26 بحي العجمي.
صورة من عقد تمليك وحدة سكنية بالمشروع القومي لإسكان الشباب في الكيلو 26 بحي العجمي.

وتضمّن العقد إقرار المحافظة بملكيتها للوحدة وخلوها من أي حقوق عينية للغير أو رهون أو مخالفات، وأن المباني أُنشئت وفق التراخيص الرسمية والقواعد الفنية المعتمدة. وألزم العقد المالك باستخدام الوحدة للغرض السكني والإقامة بها خلال ثلاثة أشهر من الاستلام، مع حظر التصرف فيها بالبيع أو التأجير أو الرهن أو ترتيب أي حق عيني عليها لمدة خمس سنوات من تاريخ الاستلام، وإلا عُدّ العقد مفسوخًا من تلقاء نفسه. وفي المقابل، نص البند الثاني عشر على أحقية المالك، بعد انقضاء خمس سنوات، في التصرف في الوحدة بالبيع أو الهبة أو غير ذلك، أو ترتيب أي حق عيني عليها، وكذلك تأجيرها أو تمكين الغير من شغلها، شريطة سداد قيمة الدعم الحكومي مضافًا إليها الفوائد القانونية والحصول على موافقة الجهة البائعة. كما حمّل العقد المشتري مسؤولية سداد رسوم الشهر العقاري والضرائب والرسوم المقررة على الوحدة، وألزمه بالانضمام إلى اتحاد الشاغلين والمساهمة في صيانة الأجزاء المشتركة، مع اختصاص المحكمة الواقع في دائرتها العقار بنظر أي نزاع بشأن تنفيذ بنوده.

وفي إطار حق الردّ ورغبةً في توضيح الموقف القانوني لإسكان الشباب بالكيلو 26، حاولت «زاوية ثالثة» التواصل مع محافظ الإسكندرية أيمن محمد عطية إبراهيم، وسكرتير عام المحافظة محمد صلاح، كما تواصلت مع المتحدث الإعلامي باسم المحافظة محمد فؤاد الذي وعد بالتواصل مجددًا وتقديم رد، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

غير أن مصدرًا برلمانيًا، رفض ذكر اسمه، أكد لـ«زاوية ثالثة» أن جميع عمارات إسكان الشباب بالكيلو 26 غرب الإسكندرية، المعروفة بمساكن البنك الأهلي، في طريقها إلى الإزالة، وأنه لا توجد خطط حالية للإبقاء عليها وتطويرها، مشيرًا إلى وجود مباحثات ومفاوضات مع المسؤولين بغرض توفير مساكن بديلة لملاك الشقق.

وبين شهادات السكان والوثائق الرسمية وعقود الملكية، يظل مصير إسكان الشباب بالكيلو 26 معلقًا بين واقع يزداد تدهورًا ومستقبل لم تُحسم ملامحه، وبعد سنوات من الحصر والحديث عن الإخلاء والتطوير، لا يزال نحو 500 مالك ينتظرون إعلانًا رسميًا يحدد مصير مساكنهم وحقوقهم. وحتى لحظة نشر هذا التقرير، لم تتلقَّ «زاوية ثالثة» ردًا من محافظة الإسكندرية على ما ورد فيه، لتبقى أسئلة السكان بشأن قانونية الإجراءات وتأمين المنطقة ومستقبل المشروع بلا إجابات معلنة.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search