close

التضخم يأكل الدعم «عيني عينك»

وسط جدل حول توجه الحكومة المصرية للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي خلال العام المالي 2026-2027 مع استبعاد نحو 12 مليون شخص تدعي الحكومة أنهم من غير المستحقين، بينما يبقى التضخم المرتفع وتراجع القوة الشرائية هاجس يهدد تآكل قيمة الدعم وزيادة الأعباء على الفئات الأكثر احتياجًا
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

في 24 من يونيو الماضي، صرّح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بأن تطبيق “الدعم النقدي” سيتم تطبيقه خلال العام المالي 2026-2027 وليس في مطلع شهر يوليو 2026، بعد تنقية البطاقات التموينية كيلا يحصل أصحاب الدخل المرتفع على دعم من الدولة، حسب وصفه، بينما يُتوقع أن يُسفر تنقية البطاقات التموينية عن خروج نحو 12 مليون مواطن من منظومة الدعم، ليصل عدد المستفيدين من برنامج الدعم النقدي لنحو 58 مليون مواطن.

وكان مدبولي قد صرح في 5 يونيو الماضي بأن منظومة الدعم النقدي ستطبق بداية من العام المالي 2026-2027، عبر تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفق مستوى احتياجهم الاقتصادي والاجتماعي، لمعالجة قصور منظومة الدعم الحالية بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، والاستفادة من الموارد المخصصة للدعم، حسب وصفه.

وفي ظل استعداد الحكومة لتلك الخطوة، تقدم بعض أعضاء مجلس النواب بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء التموين والتضامن الاجتماعي والمالية بشأن إعلان التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي اعتبارًا من العام المالي المقبل، في ظل غياب وزراء الحكومة عن الحضور أمام مجلس النواب لمناقشة الطلب.

ما يثير القلق، هو معدلات التضخم المرتفعة التي قد تؤدي إلى تآكل القيمة الفعلية للدعم المقدّم المتوقع أن يكون 325 جنيهًا (نحو 6.5 دولار)، ومن ثم، فقدان تأثيره في حماية الفئات الأكثر احتياجًا.

وفي ظل سعي الحكومة لتقليص الدعم، أجرت “زاوية ثالثة” قراءة لميزانية العام المالي 2026-2027، وأظهرت أن 7 بنود من مصروفات الموازنة سجّلت اعتمادات مالية بقيمة “صفر جنيه”، مقارنة بمخصصات متفاوتة في الأعوام المالية السابقة، وهي: إعانة غلاء المعيشة، ومعاش الطفل، ونفقات محو الأمية، والاستثمار في الثروة الحيوانية والمائية، وتعويضات فروق الأسعار للمقاولين، ودعم شركات قطاع الأعمال العام، وإقراض شركات القطاع العام.

وحسب ذلك، لم تحصل بنود (دعم إعانة غلاء المعيشة، دعم نفقات محو الأمية، دعم الاستثمار في الثروة الحيوانية والمائية، دعم شركات قطاع الأعمال العام) إلا على “صفر جنيه” في موازنة 2026-2027، فيما تمّ إدراج معاش الطفل ضمن مزايا الدعم النقدي المشروط “تكافل” بعدما كان بندًا قائمًا بذاته ذا مخصصات مالية في موازنات الأعوام المالية السابقة. 

أما دعم إعانة غلاء المعيشة فقد ظهر في موازنة 2025-2026 باعتمادات بلغت 200 ألف جنيه، بينما بلغ دعم نفقات محو الأمية في موازنة 2025-2026 بنحو 100 ألف جنيه، قبل أن تعود مخصصاتهما إلى “صفر جنيه” في الموازنة الجديدة 2026-2027. 

وإعانة غلاء المعيشة هي منحة استثنائية تقرّها الدولة ضمن حزم الحماية الاجتماعية لدعم موظفي الجهاز الإداري وأصحاب المعاشات لمواجهة التضخم والظروف الاقتصادية. ويكمن الفرق بين “علاوة غلاء المعيشة” و”إعانة غلاء المعيشة” في أن “العلاوة” زيادة مالية تُضاف إلى الأجر الأساسي أو الوظيفي، بينما “الإعانة” تُصرف كدعم اجتماعي نقدي. وكان وزير المالية قد صرّح في 26 فبراير من العام الماضي بزيادة علاوة غلاء المعيشة الاستثنائية لترتفع من 600 جنيهًا لـ1000 جنيه لجميع العاملين بالدولة.

ويأتي إلغاء مخصصات دعم محو الأمية في موازنة السنة المالية الحالية 2026-2027 في ظل تجاوز معدلات الأمية نسبة 16.6٪ من المصريين بالداخل وفق إحصاء 2024، بينما لا تزال معدلات الإناث الأميات تتجاوز 21.4٪ مقابل 12٪ للذكور، ما يعني أن عدد الأميين ذكورًا وإناثًا يبلغ نحو 17.8 مليون شخص، وفق تحليل “زاوية ثالثة” لأعداد السكان الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

 

دولارك وصل بالسلامة.. أما أنت فانتظر

هل الدعم النقدي بوابة إلغاء الدعم؟

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد خزيم، إن الدعم العيني يختلف جذريًا عن الدعم النقدي، موضحًا أن الأخير يفقد قيمته سريعًا مع أي تحرك في سعر صرف الدولار، مصرّحًا: “أي ارتفاع في الدولار يلتهم قيمة الدعم النقدي، لأن تحريك جنيه واحد فقط في سعر الدولار ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار”.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن الدعم العيني، في مختلف الظروف، يمثل أحد أدوات الحفاظ على ما تبقى من مظلة الرعاية الاجتماعية للطبقة الوسطى، معتبرًا أن النقاش الدائر داخل الحكومة بشأن التحول من الدعم العيني إلى النقدي يتجاهل حقائق اقتصادية أكثر تأثيرًا.

يتابع الخبير الاقتصادي أن زيادة سعر الفائدة بنسبة 1٪ على الدين الداخلي تكلف الدولة أعباء ضخمة، ذاكرًا أن تكلفة فوائد أي قرض خارجي تتجاوز كثيرًا الوفر الذي قد تحققه الحكومة من تقليص الدعم العيني أو رفع سعر رغيف الخبز، واصفًا ذلك بأنه “تصرف أرعن يضع اليد في جيب المواطنين ويزيد من الأعباء المعيشية عليهم”.

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور بلال شعيب إن التحول من الدعم العيني إلى النقدي يعد الأنسب حتى في ظل اقتصاد يشهد معدلات تضخم مرتفعة، مشيرًا إلى أن منظومة الدعم العيني تعانى تسرب جزء كبير من مخصصات الدعم العيني، مشيرًا إلى أن ما لا يقل عن 30٪ منه لا يصل إلى الفئات المستحقة، في تدليل على أن التحول إلى الدعم النقدي أكثر كفاءة في توجيه الموارد، لافتًا إلى أن الدولة تمتلك تجربة ناجحة في المجال ببرنامج “تكافل وكرامة”، الذي أثبت، حسب وصفه، قدرة الدعم النقدي على الوصول إلى المستفيدين مباشرة.

ولم تعلن جهة رسمية عن أن الفئات غير المستحقة للدعم تمثل 30٪ من الحاصلين عليه، إلا أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أعلن أن الحكومة تراجع قواعد بيانات المستفيدين من الدعم في ظل إشارته إلى حالات لأسر تحصل على الدعم بينما تتمتع بمستويات معيشية مرتفعة وتقيم في كمبوندات فارهة وتلحق أبناءها بمدارس وجامعات دولية وتمتلك سيارات فارهة، حسب تصريحاته.

ويضيف شعيب لـ”زاوية ثالثة” أن تطبيق الدعم النقدي سيمنح الدولة، حسب رؤيته، قدرة أكبر على إحكام الرقابة والحوكمة وتخفيض تكلفة متابعة منظومة الدعم، بما يسمح للأجهزة الحكومية بالتركيز على التخطيط والإدارة بدل متابعة تسرب الدعم أو إساءة استخدامه عبر الاستفادة من البنية الرقمية التي وصفها بـ”الجيدة”. 

وعن ربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم، يقول شعيب إن هذا المبدأ مطبق بالفعل بصورة وصفها بـ”غير مباشرة” في منظومة الدعم الحالية، فحسب رؤيته، ارتفعت مخصصات الدعم من نحو 160 مليار جنيه إلى نحو 178 مليار جنيه مع زيادة الأسعار، ما يعكس، من وجهة نظره، استجابة الموازنة العامة لمتغيرات التضخم، ويرى أن التحول إلى الدعم النقدي لن يختلف في جوهره عن “العيني” من حيث زيادة المخصصات عند الحاجة.

وحسب البيان التحليلي لميزانية 2026-2027، فإن مخصصات الدعم التمويني فقط بلغت 178.3 مليار جنيه، بينما كانت 160 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2025-2026.

 

ومن ناحيته، يصف الباحث الاقتصادي المطّلع على ملف الدعم برئاسة مجلس الوزراء، التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي حاليًا بـ”الباب الخلفي لإلغاء الدعم”، معتبرًا أن الظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر لا تسمح بتطبيق هذا التحول مطلقًا في ظل ارتفاع معدلات الفقر والتضخم وعدم استقرار قيمة العملة، مشيرًا إلى أن نسبة الفقر، وفق آخر إحصاءات رسمية، تتجاوز 30٪ من السكان، وهو ما يشير إلى أن التحول إلى الدعم النقدي يحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية.

منذ 2020، لم يصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بحث الدخل والإنفاق، والذي حدد في آخر إصدار له أن معدل الفقر بين المصريين يبلغ نحو 29.7٪، فيما تشير تقديرات إلى أن نسبة الفقر ارتفعت بنهاية 2022 إلى 33٪ من السكان، بينما يرى اقتصاديون أن معدل الفقر في مصر يناهز 40٪ من السكان.

ويضيف الباحث الذي رفض ذكر اسمه لاعتبارات السلامة المهنية لـ”زاوية ثالثة” أن قيمة المبالغ النقدية المقدمة في الدعم النقدي تتآكل مع مرور الوقت بفعل التضخم وتراجع القوة الشرائية، بينما تظل السلع المدعومة أكثر قدرته على توفير الاحتياجات الأساسية للأسر.

ويفصّل أن منح المواطن دعمًا بنحو 100 جنيه مثلًا قد يكفي لشراء كمية من الأرز حاليًا، بينما لن يكفي ذلك الرقم إلا لشراء نصف الكمية بعد سنة من الآن، فيما لن يكفي إلا لشراء ربع الكمية بعد سنتين، وهكذا.

ويتابع أن منح المواطن مبلغًا نقديًا ثابتًا قد يبدو كأنه استمرار للدعم “على الورق”، حسب وصفه، لكنه في الواقع إلغاء تدريجي للدعم بطريقة غير مباشرة، مشيرًا إلى أن الدعم النقدي في ظل الظروف الحالية سيزيد الأعباء المعيشية على الأسر وسيرفع معدلات الفقر، حتى إذا لم تنعكس هذه الزيادة في الإحصاءات الرسمية، مشيرًا إلى أن البيانات الرسمية المنشورة لا تعكس دائمًا الصورة الكاملة للأوضاع الاجتماعية.

ويشير إلى أن الأولوية حاليًا يجب أن تكون لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتعزيز الدعم للفئات الفقيرة، على أن يُعاد النظر في تقليص الدعم أو التحول الكامل إلى الدعم النقدي عندما تنخفض معدلات الفقر إلى مستويات تتراوح بين 15٪ و20٪ من السكان وتصبح الأوضاع الاقتصادية أكثر استقرارًا.

المواطن الذي لا يطمئن على رزقه

يوضح الدكتور أحمد خزيم أن الحكومة لم تتمكن من السيطرة على معدلات التضخم، مشيرًا إلى أنه حتى في حال اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، فإن الحكومة نفسها تظل أكبر مدين للبنوك سواء من خلال الدين المحلي بالجنيه المصري أو الدين الخارجي.

وينتقد ما وصفه بـ”فِكر حكومة الجباية”، معتبرًا أن الزيادات المتتالية لأسعار الكهرباء والوقود وغيرها من الخدمات، دون أن يقابلها نمو في الدخول أو توفير فرص عمل للشباب، تؤدي إلى إضعاف الطبقة المتوسطة بصورة متواصلة.

ويضيف أن “برنامج الإصلاح الاقتصادي” الذي بدأ في 3 نوفمبر 2016 شهد، حسب قوله، ارتفاعًا في معدلات الفقر من نحو 25٪ إلى ما يجاوز 60٪ وفق البنك الدولي، وهو ما يعني، حسب تعبيره، اتساع دائرة الفقر مقابل انكماش الطبقة المتوسطة.

وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وصلت معدلات الفقر إلى 27.8٪ من السكان فى 2015، حينما كان يصل دخل الفرد فى هذه الشريحة إلى أقل من 482 جنيهًا شهريًا، بينما قال البنك الدولي في 2025 أن نحو 66.2٪ من سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر العالمي البالغ 6.8 دولار يوميًا بحساب 2019، وهو ما يعادل 10 آلاف جنيه شهريًا.

ومن ناحيتها، تقول أستاذة الاجتماع السياسي الدكتورة هدى زكريا إن أي سياسة للدعم إنما تنطلق من ضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطن، إذ يجب، حسب وصفها، أن يطمئن المواطن الساعي لكسب رزقه يوميًا إلى أن الدولة توفر له احتياجاته الأساسية ليتمكّن من الاستمرار في حياة مستقرة.

وتضيف لـ”زاوية ثالثة” أن مجلس النواب كممثل للمواطنين من واجبه أن ينقل مخاوف المواطن للحكومة، مشيرة إلى أن طلبات الإحاطة والاستجوابات المقدمة للحكومة تعكس همومًا اجتماعية حقيقية تتعلق بقدرة المواطنين على مواجهة أعباء المعيشة، لا سيما في ظل حصول المواطن على مبلغ نقدي يفقد قيمته سريعًا بارتفاع الأسعار، وهو ما يخل بالتوازن بين الدخل والإنفاق ويجعل الدعم غير قادر على تحقيق الهدف منه.

تتابع أستاذة الاجتماع السياسي أن نجاح منظومة الدعم النقدي يجب أن يقاس بقدرتها على توفير الشعور بالأمان الاقتصادي للمواطن، مشيرة إلى أن قيمة الدعم النقدي المتراوحة بين 300 و350 جنيهًا للمستحق ليست ذات فاعلية اقتصادية في ظل استمرار معدلات التضخم في الارتفاع، مبينة أن قيمة الدعم تتعلق بقدرة المبلغ الشرائية ومدى تلبيته للاحتياجات الأساسية للمواطن.

وتذكر أن طمأنة المواطن اقتصاديًا تنعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والرضا العام، محذرة من أن اتساع الضغوط الاقتصادية قد يدفع بعض الأفراد إلى سلوكيات سلبية أو إجرامية، حسب وصفها، لشعورهم بالعجز عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، وهو ما يجعل توفير الحد الأدنى من الأمان المعيشي قضية مجتمعية تتجاوز بعدها الاقتصادي.

وترفض أستاذة الاجتماع السياسي اختزال النقاش حول الدعم في اتهامات الاقتصاد بالانحياز للنموذج الاشتراكي، مشيرة إلى أن ذلك يضر بالسلم الاجتماعي ويصرف النقاش عن القضية الأساسية المتمثلة في توفير حياة كريمة وآمنة للمواطن.

 

عصير القصب: أكادُ من فرط الغلاء أذوب

التضخم يأكل الدعم “عيني عينك”

 

يحذر الدكتور أحمد خزيم من استمرار الضغوط التضخمية، لافتًا إلى أن خروج الأموال الساخنة، التي تدور حول 45 مليار دولار، سيؤدي إلى ضغوط كبيرة على سعر الصرف، موضحًا أن خروج كل مليار دولار من هذه التدفقات قد يرفع سعر الدولار أمام الجنيه بنحو جنيه واحد، الأمر الذي سينعكس مباشرة على الأسعار ويؤدي إلى موجة جديدة من التضخم، وهو أمر لا تملك الحكومة السيطرة عليه.

وخلال شهر يناير الماضي، سجلت استثمارات غير المقيمين في أدوات الدين الحكومية بالعملة المحلية 38.1 مليار دولار،  بينما وصل حجم الاستثمارات إلى نحو 1.969 تريليون جنيه (39.5 مليار جنيه) بنهاية مارس الماضي.

يعتبر “خزيم” تعامل الحكومة مع الملف الاقتصادي من منظور ضيق، قائلاً إنها تفتقر إلى البعد الاجتماعي وتلجأ إلى إجراءات تستهدف زيادة الإيرادات دون التفات للمواطن، مثل ترشيد استهلاك الكهرباء وتركيب العدادات الكودية وغيرها من الإجراءات الهادفة إلى تعويض خسائر أو تحصيل موارد إضافية، وآخر دليل على فشلها، حسب الخبير الاقتصادي، قرار محاسبة الكافيهات والمطاعم العاملة بعد المواعيد المحددة بزيادة أسعار الكهرباء، مشيرًا إلى أن الحكومة تركز على فرض أعباء جديدة فقط.

وفي الأول من يوليو 2026، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي زيادة نسبة 20٪ على استهلاك الكهرباء على المطاعم والكافيهات المستمرة في العمل بعد مواعيد الإغلاق الرسمية.

ويفصّل الخبير الاقتصادي أن الحكومة لا يتم مساءلتها عن تعظيم الإيرادات من القطاعات الاقتصادية الكبرى التي تمتلكها مصر والقادرة على تحقيق إيرادات كبيرة، تشمل الاقتصاد الزراعي والاقتصاد الصناعي بما يضمه من ثروات تعدينية ومحجرية واستخراجية والاقتصاد البحري والاقتصاد السياحي، إلى جانب الاقتصاد الخدمي المرتبط بـ54 دولة.

ويضيف أن أحدًا لا يسائل الحكومة عن ضعف الإيرادات، في الوقت الذي تعتمد فيه أساسًا على دخل قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة، بينما لا تحسن إلا الاقتراض، حسب وصفه، مشيرًا إلى أن المواطنين هم من يتحملون في النهاية تكلفة سداد تلك القروض.

يرى “خزيم” أن الأزمة لا تتعلق بالدعم العيني في حد ذاته، وإنما بطريقة اتخاذ القرار، واصفًا التحول إلى الدعم النقدي بأنه “تبسيط مخلّ”، لأن أي مبالغ نقدية يحصل عليها المواطن ستتآكل سريعًا مع أي موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، لتصبح قيمتها الفعلية “كأن لم تكن”، وفق تصريحه.

على إثره، يرفض الدكتور بلال شعيب الادعاء بأن الدعم النقدي قد يغذي التضخم، مشيرًا إلى أن الدولة ستوفر مبالغ كبيرة نتيجة القضاء على تسرب الدعم ووصوله إلى غير المستحقين، وهو ما يتيح إعادة توجيه هذه الموارد إلى أوجه إنفاق أكثر كفاءة، من وجهة نظره، بينما لا يرى شعيب أن المخاوف المثارة حول تلك النقطة تستند إلى مبررات قوية.

ويرى أن قيمة الدعم المقترحة حول 300 و350 جنيهًا للفرد المستحق، تعد مناسبة في ظل الأوضاع الحالية، مع إمكانية زيادته مستقبلًا إذا استدعت الظروف الاقتصادية، إذا طالب مجلس النواب بزيادة الدعم حال ارتفاع معدلات التضخم بصورة كبيرة، إلا أن تعديل المخصصات، حسب الخبير الاقتصادي، يرتبط بالمراجعات السنوية للموازنة والسياسات المالية للدولة.

ويتوقع أن تقييم تجربة التحول إلى الدعم النقدي تحتاج فترة لا تقل عن عام كامل، موضحًا أن نجاح التجربة يتوقف على إعلان معايير واضحة لتحديد المستحقين واستبعاد غير المستحقين لا سيما أن منظومة الدعم الحالية تضم بعض الفئات التي لا تنطبق عليها شروط الاستحقاق، بوضع معايير دقيقة تحدد مستحقي الدعم لضمان وصول الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجًا وتعظيم كفاءة الإنفاق العام، حسب وصفه.

الإبقاء على الدعم العيني “على عيبه”

يقول الباحث الاقتصادي بمجلس الوزراء إن الأدبيات الاقتصادية تعتبر الدعم أحد التشوهات التي يُفضل الحد منها بسبب تسرب جزء منه إلى غير المستحقين، إلا أنه يرى أن الحالة المصرية تمثّل استثناءً، إذ إن الإبقاء على الدعم العيني رغم ما يشوبه من قصور، حسب وصفه، يظل أفضل من التحول إلى الدعم النقدي في ظل الارتفاع المستمر للأسعار، ذاكرًا أن قيمة الدعم الحالية تمثّل نسبة محدودة من الموازنة العامة ولا تستدعي التخلي عنها في هذا التوقيت.

ويضيف أن المواطن محدود الدخل يتحمّل أعباء متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الكهرباء والمياه والخدمات والنقل وغيرها، مشيرًا إلى أن الاحتفاظ بالدعم العيني يوفر له حدًا أدنى من الاحتياجات الأساسية حتى مع وجود بعض أوجه القصور في المنظومة.

 

ويرى الباحث الاقتصادي أن أي حديث عن إلغاء الدعم أو حتى التحول إلى الدعم النقدي يجب أن يسبقه تحسن ملموس في مستويات الدخول واستقرار الأوضاع الاقتصادية لفترة مناسبة لا تقل عن 5 سنوات، حتى تستعيد الأسر قدرتها على مواجهة أعباء المعيشة، محذرًا من تطبيق الدعم النقدي في الظروف الراهنة، إذ قد يزيد الضغوط التضخمية، بينما المواطنون يعانون ارتفاع تكاليف الحياة.

ويوضح أن الاقتصاد الحر، من حيث المبدأ، لا يفضل الدعم، لكنه أشار إلى أن حتى الاقتصادات الرأسمالية الصرفة تطبق صورًا من الحماية الاجتماعية، مستشهدًا ببرامج قسائم الغذاء المقدمة للفئات محدودة الدخل في الولايات المتحدة، معتبرًا أن الدول التي ترتفع فيها معدلات الفقر والبطال أكثر احتياجًا إلى استمرار سياسات الدعم.

ويضيف أن تقييم الدعم يجب أن يكون وفق ما يوفره للمواطن من سلع وخدمات وقدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية وليس وفق القيمة النقدية، إذ العبرة بالقوة الشرائية وليس بعدد الجنيهات الداخلة جيب المواطن، موضحًا أن ربط الحد الأدنى للأجور بمعدلات التضخم سيحافظ على قيمة الدعم النقدي الحقيقية بمرور الوقت.

كما وصف قيمة الدعم النقدي بين 300 و350 جنيهًا للمستحق بـ”غير عادلة إذا لم تُربط بالتضخم”، مسببًا ذلك بأن قدرتها الشرائية ستتراجع تدريجيًا مع ارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى حجة مشكلة عدم وصول الدعم إلى مستحقيه تستدعي فقط تفعيل قاعدة بيانات دقيقة تستبعد غير المستحقين وتضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا بدل استبدال المنظومة كاملة.

لا يتعلق التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي بكفاءة الإنفاق العام وإنما بقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر احتياجًا في مواجهة موجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل نية تبدو بيّنة تكاد تنطق بأن هذا التحول سيفتح بابًا جديدًا لتآكل الحماية الاجتماعية.

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search