close

يحيى فكري لـ”زاوية ثالثة”:دار المرايا تُقصى من معرض الكتاب للعام الثاني دون تفسير رسمي

للعام الثاني على التوالي، تُمنع دار “المرايا” للنشر من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، دون إخطار رسمي أو تفسير واضح
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

للعام الثاني على التوالي، تجد دار “المرايا” للنشر نفسها خارج أسوار معرض القاهرة الدولي للكتاب، دون إخطار رسمي، أو قرار مكتوب، أو حتى تفسير واضح يبرر هذا الإقصاء. حساب مغلق على موقع هيئة الكتاب، طلبات لا يُرد عليها، وغياب تام لأي قنوات تواصل فعالة، في مشهد يعكس نمطًا متكررًا من المنع غير المعلن، الذي يطارد دور النشر المستقلة في مصر.

في هذا الحوار، يفتح المهندس يحيى فكري، المدير التنفيذي للدار ملف المنع المتكرر من المعرض، مستعرضًا تفاصيل ما جرى هذا العام والعام الماضي، ومحاولات الوساطة التي قوبلت بالصمت، والأسئلة المفتوحة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الإقصاء. بالإضافة إلى ذلك، يتطرق الحوار إلى التداعيات الاقتصادية والثقافية للمنع، واستراتيجيات الدار للبقاء والاستمرار، في ظل أزمة خانقة تعصف بصناعة النشر المستقلة، وتضييق متزايد على المجال الثقافي، يضع مستقبل دور نشر كاملة على المحك.

 

 ما تفاصيل منع دار المرايا من المشاركة في معرض الكتاب هذا العام؟

 

التفاصيل هي نفسها التي أعلناها في البيان الصادر عن الدار. هناك موقع إلكتروني تابع لهيئة الكتاب، ولكل دار نشر حساب خاص به، عند فتح باب الاشتراك في المعرض، تُسجل المشاركات إلكترونيًا دون أي تدخل مباشر.

ما حدث هذا العام، عندما فُتح باب الاشتراك، دخلنا على حساب دار المرايا، فوجدناه مغلقًا، ولم نتمكن من التسجيل. لم يكن هناك أي وسيلة للتسجيل سوى التسجيل الإلكتروني، ولا توجد طريقة بديلة. ومع اقتراب نهاية فترة التسجيل، اتفق اتحاد الناشرين مع هيئة الكتاب على مد فترة التسجيل أسبوعًا أو عشرة أيام. في هذه الحالة فقط، اشترطت الهيئة أن يتم التقديم عبر طلبات مكتوبة، وليس من خلال التسجيل الإلكتروني.

في أثناء ذلك، قدمنا طلب مكتوب بالفعل، وسلمناه إلى إدارة المعرض، وانتظرنا الرد. لكن لم يصلنا أي رد رسمي، لا بالموافقة ولا بالرفض. بعد ذلك، تم تحديد موعد القرعة، لأن هناك قرعة تُجرى بين دور النشر لتحديد أماكن العرض داخل قاعات المعرض، وهذه القرعة تُعقد داخل اتحاد الناشرين. وتم الإعلان عن موعد القرعة، ولم نُدعَ إليها. في هذه اللحظة فهمنا أنه لا توجد أي إمكانية لمشاركتنا في المعرض، وأن المنع كان قائمًا من الأساس، بدءًا من غلق حسابنا على موقع الاشتراك ومنعنا من التسجيل من الأصل.

 

منع ومصادرة وقضايا ضريبية.. كيف تستهدف السلطات المصرية دار نشر المرايا؟

هل طالبتم بتوضيح الأسباب بشكل رسمي؟
تواصلنا مع اتحاد الناشرين ليتوسط بيننا وبين هيئة الكتاب، في محاولة لمعرفة الأسباب. لم يخبرنا أحد بأي أسباب، ولم يقدم لنا أي تفسير. وكأننا نتعامل مع جدار مُصمت تمامًا. اتحاد الناشرين، مشكورًا، تواصل مع الهيئة مرة واثنتين، وأبلغنا أنه في انتظار رد منها، وحتى وقت صدور البيان لم يصل أي رد، وهذه هي كل المعلومات والتفاصيل المتاحة لدينا عن الواقعة.

 

هل منع المرايا العام الماضي كانت بنفس الطريقة؟
لا، السنة الماضية كان الوضع مشابهًا، لكن بتفاصيل مختلفة. في العام الماضي كان حسابنا على موقع هيئة الكتاب مفتوحًا، وقدمنا طلب الاشتراك بالفعل. وبعد انتهاء فترة التقديم، من المفترض أن تصدر أذون سداد لدور النشر لسداد رسوم الاشتراك، لكن لم يصدر لنا إذن السداد. وقد  بدأنا في التحرك والتواصل لمعرفة السبب، لكن لم يصلنا أي رد من أي جهة، لا تفسير ولا توضيح ولا رد رسمي من أي نوع.

خلال تلك الفترة، تواصلنا مع أطراف عديدة، من بينها اتحاد الناشرين وأصدقاء كُثُر لدار المرايا، في محاولة للتوسط مع الهيئة، فقط لنفهم ما المشكلة. كنا نطلب منهم أن يخبرونا إن كنا ارتكبنا أخطاء أو مخالفات، وما هي هذه المخالفات، حتى نتمكن من تصحيحها. قلنا بوضوح:” أخبرونا بالمشكلة وسنقوم بحلها”.

لكن للأسف. كل من تواصلنا معهم في العام الماضي حاولوا، مشكورين، التواصل مع الهيئة والبحث عن ردود، لكن لم يصل أي رد حتى انتهى المعرض، ووجدنا أنفسنا غير مشاركين فيه، دون أي تفسير رسمي.

 نفس السيناريو تقريبًا تكرر في المرتين، مع تعديل طفيف، وهو أن باب الاشتراك هذا العام كان مغلقًا من الأصل. لم نكن قادرين على الاشتراك نهائيًا. وأنا هذا العام قررت ألا نتواصل إلا مع اتحاد الناشرين فقط، لأن الموضوع لم يعد بحاجة إلى وسطاء آخرين. هناك جهة رسمية تمثلنا، وهي اتحاد الناشرين، باعتباره نقابة الناشرين والمسؤول عن هذه الترتيبات مع هيئة الكتاب. قلنا لهم ببساطة: “أخبرونا ما المشكلة، لكن دون رد حتى الآن”.

 

وكيف تفسرون ما يحدث؟ بما أن الأسباب غير معلنة وغير واضحة؟ 

في الحقيقة لا أملك أي تفسير، ولا حتى القدرة على التخمين بشأن أسباب هذا المنع أو دوافعه. هم لا يتركون لنا أي مساحة لفهم لماذا يحدث هذا. نحن طلبنا منهم بشكل ودي جدًا، وأبدينا استعدادنا الكامل لفهم أي مشكلة وحلها. قلنا بوضوح إننا مستعدون لحل أي مشكلة سيخبروننا بها، لكن لم يرسل لنا أحد أي رد من أي نوع. وبالتالي نحن ممنوعون، دون أن نفهم لماذا مُنعنا.

 

هل يمكن الربط بين المنع وطبيعة توجه الدار أو إصداراتها؟


ليس لدي أي تفسير، خصوصًا أن هناك دور نشر أخرى شبيهة بنا، ولها توجهات قريبة أو مشابهة لتوجهات دار المرايا، وهي موجودة وتشارك في المعرض بشكل طبيعي. فإذا قيل إن المشكلة في توجهات المرايا، فهناك دور أخرى لها توجهات قريبة ولم يحدث لها شيء. وإذا قيل إن المشكلة في نوعية الكتب التي نصدرها، فهناك كتب مشابهة تصدر وتباع ولم تواجه أي إجراءات. فلماذا نحن تحديدًا؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ لا أملك أي تفسير.

 

إغلاق 120 مكتبة وبيت ثقافة في مصر.. سياسة الانكماش الثقافي تكتسب طابعًا رسميًا

 


تردد حديث عن أن السبب هو طباعة ديوان كيرلي للناشط السياسي أحمد دومة، وخصوصًا أنه أعقب مداهمة لمقر دار النشر قبل المنع في المرة الأولى، ما تعليقك؟

 نحن لم نطبع ديوان “كيرلي” العام الماضي، هذا الديوان طُبع في عام 2021، خلال وجود دومة في السجن  تواصل معنا شقيقه، وطلب نشر الديوان لدينا. وحين اطلعت عليه وجدته ديوانًا عاطفيًا، يضم أشعار غزل وأفكارًا وجدانية، ولا يحتوي على أي مضمون يمكن أن يثير الجدل أو الإشكال.

وبطبيعة الحال، نحن كدار نشر، قبل طباعة أي ديوان أو كتاب، نلتزم بالإجراءات القانونية كاملة، حيث نتوجه إلى دار الكتب والمطبوعات المصرية للحصول على رقم الإيداع. ويشمل الطلب غلاف الكتاب، وفهرسه، وملخصًا لمحتواه، وبطاقة وبيانات الكاتب، وتفاصيل أخرى عديدة. هذه الطلبات لا تمر على موظف واحد فقط، بل تُراجع من جهات متعددة، بينها جهات إدارية وأخرى أمنية، تقوم بفحص المحتوى قبل منح رقم الإيداع.

هذا أمر معلوم ومعلن، وغالبًا ما يُبلغنا موظفو الهيئة بأن الطلب ما زال قيد المراجعة لدى جهة معينة. في حالتنا، قدمنا الطلب، وحصلنا بالفعل على رقم الإيداع، أي الموافقة الرسمية على إصدار الكتاب، وعلى هذا الأساس قمنا بطباعته.

وكان ذلك تزامنًا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب 2021. شاركنا في المعرض، ثم طُلب منا من أطراف داخل الهيئة والمعرض عدم عرض الديوان. استجبنا فورًا لهذا الطلب، وقمنا بسحب الديوان من العرض تمامًا. واحتفظنا بالنسخ داخل مقر الدار، ولم نقم بتوزيعه على أي مكتبات. كان البيع مقتصرًا فقط على حالات فردية، مثل أصدقاء الشاعر أو معارفه الذين يأتون مباشرة إلى مقر الدار، كما سلمنا عددًا من النسخ لشقيقه.

 

وماذا عن حفل التوقيع الذي أُثيرت حوله أزمة لاحقًا؟
في العام الماضي، وبعد خروج الشاعر أحمد دومة من السجن، رغب في إقامة حفل توقيع للديوان. وهذا حقه الطبيعي، ولم أرَ في الأمر أي إشكال. هو في الأساس لم يطلب إقامة الحفل في مقر دار المرايا، بل اتفق مع مكان آخر، ودعا شعراء كبارًا للحضور، ثم أبلغني بموعد الحفل. أخبرته حينها أنني مسافر في هذا التوقيت، لكنه أمر لا يمثل أي مشكلة بالنسبة لي.

لم يكن لدي أي تصور أن هذا الأمر سيثير كل هذا القلق. أثناء سفري، فوجئت بوجود حالة قلق شديدة، واتهامات، وبلاغ مقدم إلى النائب العام يتهم الديوان بازدراء الأديان. تواصلت معه فورًا وطلبت إلغاء حفل التوقيع، وبالفعل تم إلغاؤه. كما طلبت من الزملاء في مقر الدار التوقف تمامًا عن بيع الديوان لأي شخص يأتي لشرائه، وهو ما تم تنفيذه.

بعد عودتي من السفر، وقعت المداهمة التي أشرتي إليها. تم خلالها التحفظ على جميع نسخ الديوان الموجودة لدينا بنسبة 100%، بالإضافة إلى مقتنيات أخرى، وفقًا لما ورد في البيان الذي أصدرناه آنذاك. ومنذ ذلك الحين انتهى الأمر تمامًا.

أؤكد هنا أن الديوان طُبع في عام 2021 بعد الحصول على رقم إيداع رسمي من دار الكتب والمطبوعات المصرية، وبعد موافقة جميع الجهات المعنية التي تراجع هذه الطلبات. وعندما طُلب منا سحب الديوان، استجبنا. وعندما أُثير قلق بشأن حفل التوقيع، قمنا بإلغائه. واليوم لا توجد لدينا أي نسخة من الديوان.

لذلك، لا أرى منطقيًا أن يكون هذا الديوان هو سبب منع دار المرايا من المشاركة في معرض القاهرة للكتاب، إذ لا يعقل أن تُمنع دار نشر بسبب كتاب غير موجود لديها، وقد التزمت بكافة التعليمات والطلبات المتعلقة به.

 

ما الآثار التي تترتب على منع المرايا من المشاركة في المعرض؟

منع دار المرايا، أو أي دار نشر، من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب له تأثيرات سلبية جسيمة. هذا المعرض هو أهم سوق للكتاب في العالم العربي، ويشارك فيه ملايين الزوار، ويوفر جمهورًا واسعًا وفرص بيع حقيقية.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، أصبح الكتاب من أقل السلع التي يُقبل المواطنون على شرائها، لأن هناك أولويات معيشية أكثر إلحاحًا. كما أن سوق التوزيع التقليدي عبر المكتبات محدود جدًا، ولا يغطي تكاليف الإنتاج. وبالنسبة لنا، ولعدد كبير من دور النشر، يُعد معرض القاهرة للكتاب المنفذ الرئيسي الذي يتيح تغطية تكاليف الطباعة والإنتاج والاستمرار في العمل.

دار “المرايا” تأسست في عام 2016، وشاركت بانتظام في معرض القاهرة للكتاب منذ عام 2017 وحتى عام 2024. وخلال هذه السنوات، كانت مبيعات الكتب في معظمها لا تغطي تكاليف الإنتاج، وهو أمر طبيعي في التراكم التدريجي لأي دار نشر. لكن في عام 2024، وللمرة الأولى، نجحت مبيعات الكتب في تغطية تكاليف الإنتاج، وهو تطور طبيعي بعد سنوات من العمل والتراكم. وقد جاءت نحو 60% أو أكثر من هذه المبيعات من خلال المشاركة في معرض القاهرة للكتاب.

في عام 2025، وبسبب عدم مشاركتنا في المعرض، شهدت مبيعاتنا انخفاضًا حادًا، وهو ما انعكس بشكل مباشر وملموس على قدراتنا المالية. لم يكن هذا التأثير عارضًا أو يمكن استيعابه بسهولة، بل كان تأثيرًا حقيقيًا على استقرار الدار. وبالتالي، فإن الغياب عن معرض القاهرة للكتاب يُعد مؤثرًا بدرجة كبيرة، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة دار النشر على تغطية تكاليف إنتاج الكتب، وعلى الاستمرار للمواسم المقبلة.

 

ما هي خططكم البديلة بعد المنع من المشاركة في معرض الكتاب؟

لم يصبح أمامنا سوى بديل واحد تعاملنا من خلاله مع هذا الوضع، وهو ما قمنا به العام الماضي وسنكرره هذا العام؛ إذ قررنا تنظيم معرض للكتاب داخل مقر دار المرايا، يكون مفتوحًا طوال أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب، وبنفس ساعات العمل الرسمية للمعرض.

خلال هذه الفترة، نفتح مقر الدار أمام الجمهور، ونطلق حملة دعائية واسعة لدعوة القرّاء للاطلاع على إصداراتنا الجديدة وشرائها. وبالتوازي مع المعرض، ننظم بشكل منتظم فعاليات ثقافية داخل مقر “المرايا”، تشمل ندوات، وحفلات توقيع، وأمسيات فنية، وهو نشاط مستمر نقوم به طوال العام.

لكن في العام الماضي، وفي سياق المعرض الموازي، كثّفنا هذه الفعاليات بشكل ملحوظ، حيث نظمنا عددًا كبيرًا من الندوات وحفلات التوقيع والأمسيات الفنية المصاحبة للمعرض، وكان الهدف الأساسي منها جذب الجمهور وتشجيعه على زيارة الدار، والاطلاع على الإصدارات المعروضة وشرائها.

وسنكرر التجربة نفسها هذا العام، سنقيم معرضًا للكتاب خلال نفس أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب وبنفس ساعات العمل، مع إطلاق حملة دعائية كبيرة لدعوة جمهورنا وأصدقائنا وقرّائنا لزيارة الدار، والتعرف على الإصدارات الجديدة وشرائها.  وإلى جانب عرض الكتب، سننظم فعاليات متنوعة تشمل ندوات ثقافية، وأمسيات فنية، وحفلات توقيع لإصدارات الدار.

هذه التجربة، بصراحة، كانت ناجحة بشكل ملموس في العام الماضي، وحققت للمرايا مكاسب أدبية ومعنوية واضحة، تمثلت في التفاف قطاع واسع من المثقفين المصريين حول الدار، كما ساعدت في تعويض جزء من الخسائر المالية، وإن لم تعوضها بالكامل.

فمعرض القاهرة الدولي للكتاب له طبيعة مختلفة؛ إذ يستقطب جمهورًا واسعًا لا يعرف دور النشر بالضرورة، ويكتشفها بالصدفة. فقد يأتي طالب ماجستير في الاقتصاد بجامعة عين شمس، على سبيل المثال، فيصادف كتبًا في الاقتصاد ضمن إصداراتنا، فيبدأ بشرائها، ثم يوصي بها أصدقاءه، ويتكوّن بذلك جمهور جديد. وينطبق الأمر نفسه على كتب التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والعلوم الإنسانية، والأدب، وغيرها.

هذا النوع من الجمهور، القادم من محافظات مختلفة ومن خلفيات متنوعة، لا يمكن الوصول إليه بالقدر نفسه من خلال المعرض الموازي، إذ إن جمهور المعرض الموازي في الغالب يكون من الأصدقاء والقراء والمثقفين والمتضامنين، أي من الجمهور الأصلي القريب من الدار. وهو جمهور مهم بلا شك، ويساهم في تعويض جزء من الخسائر، لكنه لا يعوضها بالكامل.

 

أحمد دومة عن ديوانه “كيرلي”.. كتبته في السجن فرارًا من الهزيمة أو الانفجار

 

بشكل عام ما هي الصعوبات والتحديات التي تواجهها دور النشر المستقلة في مصر؟

بالنسبة للصعوبات والمعوقات التي تواجه دور النشر في مصر، فمن الصعب حصرها بشكل عام، لكن يمكنني الحديث عن تجربة “دار المرايا” تحديدًا.  أولى هذه الصعوبات هي الإجراءات الإدارية المتعنتة، وعلى رأسها المنع من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، فضلًا عن المداهمات التي تتعرض لها الدار من قبل مباحث المصنفات الفنية، في وقائع نراها غير مبررة، وتتسبب في إرباك العمل وتعطيله.

كذلك، نواجه تضييقًا مستمرًا بأشكال مختلفة، من بينها رفض إصدار بعض الكتب، أو إيقاف مشروعات نشر، مثل توقف إصدار “كتاب المرايا غير الدوري”، وهي كلها إجراءات تضييقية متكررة.

وهناك أيضًا صعوبات تتعلق بالمبيعات ومنافذ التوزيع. خلال العام الماضي، ودون ذكر أسماء، رفضت بعض المكتبات الكبرى أو المؤثرة توزيع كتبنا بعد منعنا من المشاركة في المعرض، بدافع الخوف أو تجنب المشكلات.  صحيح أن هذا لم يكن موقفًا عامًا من كل المكتبات، فنحن ما زلنا نوزع في عدد كبير منها، لكن امتناع بعض المنافذ عن التعامل معنا شكّل عائقًا إضافيًا أمام وصول كتبنا إلى القرّاء.

وعمومًا، فإن مبيعات الكتب بشكل عام أصبحت محدودة للغاية، وهو ما يمثل صعوبة مشتركة تواجه معظم دور النشر، إذ لم تعد هذه المبيعات توازي تكاليف الإنتاج.  إلى جانب ذلك، هناك أزمة من نوع آخر، تتمثل في الارتفاع الهائل لتكاليف الإنتاج نتيجة زيادة أسعار الورق والطباعة. فأسعار الورق، على سبيل المثال، تضاعفت أكثر من عشر مرات خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما يحمّل دور النشر أعباء مالية ضخمة.

هذا الوضع يفرض علينا، كدور نشر، رفع أسعار الكتب بشكل اضطراري، لا رغبةً منا، لكن في المقابل تتراجع القدرة الشرائية للجمهور، ما يؤدي إلى انخفاض المبيعات. وهنا ندخل في حلقة مفرغة: تكلفة إنتاج مرتفعة، وأسعار كتب أعلى، وجمهور أقل قدرة على الشراء، ومبيعات تتراجع باستمرار. وهي معادلة شديدة القسوة على صناعة النشر. وبالتالي، نحن أمام مجموعة متداخلة من الصعوبات: صعوبات إدارية، وصعوبات تسويقية، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، وكلها أزمات متراكبة في السياق نفسه.

بالطبع، هناك حلول ممكنة، لكنها تتطلب توجهات سياسية واضحة؛ من بينها دعم صناعة الورق محليًا، بما يسمح بتقليل تكلفة الإنتاج، وبالتالي إتاحة كتب بأسعار أقل. كذلك، تخفيف الإجراءات الإدارية والتعقيدات البيروقراطية التي تعرقل عمل دور النشر دون مبرر حقيقي.

أما عن مستقبل دور النشر في ظل هذه المعوقات، فهو سؤال يصعب الإجابة عنه؛ لأن هناك عوامل عديدة تتحكم فيه، ومعظمها خارج إرادتنا. لا يمكنني الحديث بشكل عام، لكن يمكنني التحدث عن وضع “دار المرايا” تحديدًا، لأنني ملم بتفاصيله.

في عام 2025، تسبب منعنا من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في خسائر مالية كبيرة، واضطررنا إلى السحب من رأس المال الأساسي للدار حتى نتمكن من الاستمرار في دفع الرواتب، ومواصلة إنتاج كتب جديدة، حتى لا نتوقف عن العمل. لكن هذا الوضع لا يمكن الاستمرار فيه طويلًا؛ فإمكاناتنا المالية محدودة، ولا يمكننا تحمّل هذه الخسائر لسنوات قادمة.

إذا استمرت هذه المعوقات، فإن مستقبل “دار المرايا” قد يكون مهددًا بعدم الاستمرار. نحن نأمل ألا نصل إلى هذا السيناريو، ونبذل أقصى جهدنا لتجنبه، لكنه يظل احتمالًا قائمًا في ظل الضغوط المالية المتزايدة.

وإلى جانب ذلك، هناك ضغوط مستمرة من الجهات الإدارية، ومن مصلحة الضرائب على سبيل المثال. فعلى الرغم من أن بيع الكتب معفى قانونًا من ضريبة القيمة المضافة، لكننا نُطالَب في نفس الوقت بدفع ضرائب قيمة إضافية تقدر في بعض الأحيان إلى ملايين الجنيهات، وهو ما يفترض—لو كان صحيحًا—أننا نحقق مبيعات بعشرات الملايين، وهو أمر غير واقعي بالمرة.

هذه الضغوط المستمرة تضعنا أمام التزامات مالية تفوق قدرتنا الفعلية، في ظل تراجع المبيعات وارتفاع التكاليف. وبالتالي يظل السؤال مطروحًا: إلى متى يمكننا الاستمرار؟ لا أملك إجابة قاطعة، لكن المؤكد أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فلن تكون «المرايا» قادرة على مواصلة العمل.

أما باقي دور النشر، فلا أستطيع التنبؤ بمصيرها، لكن من الواضح أن الأزمة الاقتصادية في مصر تُعوق جميع الأنشطة الخاصة والمستقلة، وهو أمر بات جليًا للجميع.

 

يُعلن رسميًا أن الدولة تواجه التطرف والإرهاب، وفي الوقت نفسه تُمارس ضغوط متزايدة على كتاب ودور نشر ومؤسسات ثقافية تقدمية وديمقراطية، هل تراه تناقضًا؟

نعم، هذا التناقض واضح، لكنه في تقديري لا يمكن فهمه إلا في سياق أوسع يتعلق بالسياسات العامة للدولة وتوجهاتها، وهو سياق يتجاوز نطاق هذا الحوار في هذه اللحظة.

المؤكد أن السياسات الثقافية في مصر باتت تمارس تضييقات واضحة وممنهجة على إنتاج الثقافة، في مختلف مجالاتها ومظاهرها. فإنتاج الأفلام أو المسلسلات أو الكتب، أو حتى المحتوى الرقمي على الإنترنت، جميعه يواجه قيودًا متكررة ومتراكمة، تصل في بعض الأحيان إلى المصادرة، أو الحبس، أو الإحالة إلى المحاكم بسبب محتوى مكتوب أو مسموع أو مرئي.

هذه القيود والتضييقات تتناقض بطبيعتها مع أي سياسة تُعلن تبنّيها لقيم التحرر الفكري والإبداع، أو لمواجهة التشدد والتطرف. فمن غير المنطقي محاربة التطرف من جهة، وفي الوقت نفسه تقييد مساحات التعبير الحر والإنتاج الثقافي المستقل. غير أن هذا التناقض لا يمكن فصله عن منظومة أوسع، تتجاوز حدود السياسات الثقافية وحدها، وتمتد إلى الإطار العام لإدارة المجال العام في البلاد.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search