بعد عشرة أعوام كاملة من التقاضي الشاق، وما يقرب من عام ونصف على صدور حكم قضائي بات ونهائي، أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في نهاية ديسمبر الماضي، تنفيذ حكم تعويض بقيمة مليون جنيه مصري لصالح المواطن هاني عبد الفتاح أبو عقيل ونجله، بسبب الأضرار الصحية والبيئية الناتجة عن انبعاثات مصنع أسمنت بورتلاند (تيتان) في منطقة وادي القمر غرب الإسكندرية.
الحكم الصادر في أبريل 2024 لم يُنفذ طوعًا، بل واجه مماطلة ممنهجة من الشركة، تمثلت في تقديم استشكالات قانونية وطعون متكررة، في محاولة لتعطيل التنفيذ وتأجيل السداد. غير أن الإصرار القانوني والمتابعة الحقوقية أجبرتا الشركة في النهاية على الامتثال، وسداد كامل مبلغ التعويض في 16 ديسمبر الماضي.
هذه القضية، التي وُصفت حقوقيًا بأنها من أندر الأحكام التي تُقرّ بمسؤولية شركة صناعية كبرى عن أضرار بيئية مباشرة على السكان، لا تمثل انتصارًا فرديًا بقدر ما تكشف عن نموذج أوسع لصراع بيئي ممتد في مصر، حيث يعيش ملايين المواطنين على تماس مباشر مع مصانع الأسمنت، وسط تداخل شديد بين مناطق الإنتاج الثقيلة والكتل السكنية، وغياب فعلي لمفهوم “المناطق العازلة” أو العدالة البيئية.
في وادي القمر، كما في حلوان وبني سويف وأجزاء من الدلتا، لم يعد التلوث قضية نظرية أو نقاشًا تقنيًا حول المعايير البيئية، بل واقعًا يوميًا يفرض نفسه على تفاصيل الحياة، سكان المنطقة وثّقوا، على مدار سنوات، تصاعدًا ملحوظًا في الغبار المتطاير، وانبعاثات كثيفة من الجسيمات الدقيقة، وتدهورًا مستمرًا في جودة الهواء، رافقته شكاوى متزايدة من أمراض الجهاز التنفسي، والربو، والحساسية الصدرية، وصولًا إلى أمراض مزمنة وسرطانية في بعض الحالات.
وتؤكد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الحكم الصادر في قضية وادي القمر استند إلى تقارير فنية وقياسات بيئية أظهرت تجاوزات جسيمة للحدود الآمنة للانبعاثات، بما يشكل انتهاكًا لحقوق السكان في الصحة والسلامة الجسدية، المنصوص عليها دستوريًا.
نوصي للقراءة: ثلاث جهات رقابية وصفر حماية: معادلة موت العمال في المصانع المصرية

حلوان… التلوث في قلب الكتلة السكنية
في حلوان، جنوب القاهرة، تتخذ الأزمة بعدًا أكثر تعقيدًا، حيث تنتشر مصانع الأسمنت داخل أو بمحاذاة مناطق سكنية مكتظة. عبير أبو حسان، التي تعيش منذ أكثر من عشرين عامًا بالقرب من أحد هذه المصانع، تصف حياتها اليومية باعتبارها “معركة مفتوحة مع الغبار”. تقول لـ”زاوية ثالثة”: “كل صباح، يغطي الغبار الأبيض السميك كل شيء: السيارات، النوافذ، الأسطح، وحتى الطعام إذا تُرك مكشوفًا دقائق. أطفالي يعانون سعالًا دائمًا، وصعوبة في التنفس، وأحدهم شُخّص بالربو قبل عامين”.
وتضيف أن الأطباء أبلغوها بأن الجسيمات الدقيقة المنبعثة من المصنع تُسبب التهابات رئوية مزمنة، مشيرة إلى سماعها عن حالات سرطان رئة بين الجيران، موضحة: “نغسل الملابس يوميًا، لكن الغبار يعود فورًا. الحكومة وعدت بتحسينات، لكن لا شيء تغيّر. المصانع تعمل 24 ساعة، ومع استخدام الفحم أصبح الوضع أسوأ”.
جارها، الحاج طارق عبد الحق، يربط التلوث بتدهور شامل في البيئة المحيطة: “التربة ملوثة إلى درجة أن النباتات لا تنمو كما يجب، والمياه أحيانًا تكون غائمة بسبب الترسيبات. أخي عمل سنوات في أحد المصانع، وهو الآن يعاني مشاكل تنفسية مزمنة، وخسر وظيفته بسبب المرض. نتقدم بشكاوى، لكن الرد دائمًا: سنحقق”.
في الإسكندرية، يعبّر محمد إسماعيل عن تفاؤل حذر بحكم التعويض الصادر في وادي القمر، لكنه يؤكد أن المعاناة اليومية لم تتوقف. يوضح: “ابني، وعمره ثماني سنوات، يعاني ربوًا شديدًا بسبب الغبار القادم من مصنع أسمنت بورتلاند (تيتان). كل صباح نجد طبقة بيضاء على الأرضيات والأثاث، والهواء مليء بالجسيمات المسببة للالتهابات”. يضيف أن أسرًا أخرى في المنطقة رفعت دعاوى لم يُفصل فيها بعد، معوّلًا على أن الحكم الأخير قد يفتح الباب أمام مساءلة أوسع.
من جانبها توضح رضوى عبد القوي، – المحامية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية-، أن الأحكام الصادرة في قضية وادي القمر لا تتعلق بحكم واحد أو بشخص واحد فقط من السكان، بل بسلسلة من القضايا المستقلة. وتشير إلى أن هناك أربع دعاوى تعويض صدر فيها حكم نهائي، بقيم مختلفة، شملت تعويضًا قدره مليون جنيه لأحد المواطنين، و750 ألف جنيه لمواطن آخر، إضافة إلى 200 ألف جنيه و120 ألف جنيه في قضيتين منفصلتين، وهو ما يعكس اعتراف القضاء بحجم الضرر الواقع على أكثر من متضرر.
وتعود ببداية هذه القضايا إلى أوائل عام 2015، مؤكدة أنها كانت تجربة جديدة وشاقة منذ يومها الأول، ليس فقط من الناحية القانونية، بل على المستوى المجتمعي أيضًا. “في البداية، لم يكن أحد يتخيل أن هذه القضايا يمكن أن تصل إلى أي نتيجة حقيقية”، مشيرة إلى أن الشك كان مسيطرًا حتى على المتضررين أنفسهم.
وتصف رضوى ما واجهته أثناء تقديم الشكاوى الرسمية لوزارة البيئة بأنه كان جزءًا من التحدي؛ إذ بدا واضحًا، بحسب روايتها، أن بعض الموظفين كانوا مندهشين من مجرد فكرة أن محامية تتقدم بشكاوى ضد مصنع كبير، أو تطالب بمعاينة ميدانية. وتضيف أن إقناع الجهات المختصة بفكرة الشكوى نفسها، وبأن هناك ضررًا بيئيًا يستدعي المعاينة والتحقيق، لم يكن أمرًا سهلًا، في ظل تصور سائد بأن “لا أحد يجرؤ على الشكوى من شركة”، أو الادعاء بتضرره من تلوث بيئي.
وتؤكد أن مسار القضايا امتد لما يقرب من 11 عامًا، تخللتها مخاوف حقيقية لدى السكان. لافتة إلى أن بعض الأهالي كانوا مترددين في البداية بسبب تجارب سابقة، حيث كانت الشركة قد اتهمت عددًا من السكان، قبل انخراطهم في هذه القضايا، في وقائع مثل التجمهر أو البلطجة، وهو ما خلق مناخًا من الخوف والقلق من أي تحرك قانوني.
وتشير المحامية الحقوقية إلى أن الأهالي حاولوا في مراحل سابقة اللجوء إلى نواب في مجلس الشعب، وإلى وسائل الإعلام، لكنهم شعروا لاحقًا ـ وفقًا لشهاداتهم ـ بأنهم لا يحصلون على دعم حقيقي، بل يتم استغلال قضيتهم سياسيًا أو إعلاميًا دون نتائج ملموسة. ومن هنا، ترى أن قرارهم بالبدء في التقاضي الجاد كان خطوة فارقة ومهمة في مسار القضية.
وتعتبر رضوى أن أول اختراق حقيقي تحقق كان على مستوى النيابة العامة، التي أبدت تعاطفًا واضحًا مع شكاوى الأهالي. وتروي أن أحد وكلاء النيابة كان من المؤمنين بدور النيابة في تقصي الحقائق، ولم يكتفِ بالأوراق، بل نزل إلى موقع الضرر بنفسه، وشاهد بأم عينه آثار التلوث، مثل السواد المتراكم على جدران البيوت، ونفوق الحيوانات، وغيرها من الشواهد المباشرة على حجم الانتهاك البيئي.
وتوضح أن الخطوات اللاحقة لم تكن أقل صعوبة، خاصة أن الحصول على حكم جنائي ضد المصنع كان سابقة نادرة، وربما الأولى من نوعها ضد مصنع من هذا النوع. وتصف هذه المرحلة بأنها “توفيق من الله”، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنها كانت ثمرة جهد طويل وشاق. وبعد صدور الحكم الجنائي، بدأت مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، تمثلت في رفع دعاوى التعويض، التي استغرقت سنوات أخرى من النزاع القانوني، لكنها انتهت بنتائج ترى أنها تستحق كل هذا العناء.
وفي حديثها عن الأثر الإنساني، تؤكد أن التلوث البيئي ليس مجرد مخالفة قانونية، بل “كارثة حقيقية”، لأنه يدمر حياة أناس كُثر ويحرمهم من أبسط حقوقهم، وهو التنفس في هواء نظيف غير ملوث. وتشير إلى أن جميع سكان وادي القمر يعانون من أمراض تنفسية، وأن بعضهم أصيب بأمراض خطيرة، من بينها السرطان، نتيجة التعرض المستمر للملوثات. مشددة على أن الضرر البيئي لا يمكن حصره في فئة بعينها، لأن البيئة بطبيعتها تشمل الجميع. “حتى من لا يتعرض مباشرة لاستنشاق العوادم، يتأثر بشكل أو بآخر”، تقول، معتبرة أن التلوث يمتد أثره إلى دوائر أوسع بكثير مما يُتصور، وهو ما يجعل هذه القضايا مسألة حق عام، لا مجرد نزاع فردي.

صناعة واسعة الانتشار… وانبعاثات كثيفة
بحسب بيانات حديثة، يبلغ عدد مصانع الأسمنت في مصر نحو 24 مصنعًا رئيسيًا، مع خطط لإضافة مصنعين جديدين بطاقة إنتاجية تتراوح بين 1.5 و2 مليون طن سنويًا لكل منهما. وتصل الطاقة الإنتاجية الإجمالية إلى نحو 87 مليون طن سنويًا، مع نمو متوقع بنسبة 8.1% ليصل حجم السوق إلى 3.92 مليار دولار. يرتكز التوزيع الجغرافي لهذه المصانع في محافظات الوادي والدلتا، بالقرب من التجمعات السكنية الكبرى، ما يضاعف من مخاطر التلوث.
وتُعد مصر من أكبر منتجي الأسمنت في الشرق الأوسط، وقد شهد القطاع توسعًا ملحوظًا منذ عام 2014، عندما سمحت الحكومة باستخدام الفحم والبتكوك كوقود بديل لمواجهة أزمة الطاقة، وهو قرار أدى إلى زيادة الانبعاثات بنحو 15% لكل طن أسمنت.
تشير تقارير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى أن صناعة الأسمنت تسهم عالميًا بنسبة تتراوح بين 8 و10% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وفي مصر، تتجاوز الانبعاثات المتوسط العالمي بسبب الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري، إذ تنتج الصناعة ما بين 750 و800 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون لكل طن أسمنت، مقارنة بنحو 620 كيلوجرامًا عالميًا.
وتقدّر الانبعاثات الكلية لصناعة الأسمنت في مصر بنحو 66–76 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، إلى جانب كميات ضخمة من الجسيمات الدقيقة PM10 وPM2.5، وأكاسيد النيتروجين والكبريت، والزئبق، والفاناديوم.
لا يقتصر التلوث الناتج عن مصانع الأسمنت على الهواء وحده. فدراسات بيئية أُجريت في جنوب القاهرة كشفت أن مصنعًا واحدًا يمكن أن يسبب تلوثًا واسع النطاق بالفاناديوم، وهو عنصر سام مرتبط بالوقود الأحفوري، في الهواء والمياه والتربة والنباتات، مع مستويات أعلى بكثير من تلك المسجلة في المناطق غير الملوثة.
وفي القاهرة، التي احتلت المرتبة 13 عالميًا في تلوث الهواء عام 2021، تسهم مصانع الأسمنت والطوب في نسبة كبيرة من الجسيمات الدقيقة، إذ تصل مستويات التلوث في بعض المناطق إلى ما بين 10 و100 ضعف المعايير العالمية.
من جهته، يقول – المحامي المختص بالقضايا البيئية-، أحمد الصعيدي إن المعركة القانونية التي خاضها المجتمع المدني نجحت، في مرحلة سابقة، في إخضاع استخدام الفحم داخل مصانع الأسمنت لاشتراطات ومعايير بيئية صارمة، قريبة من المعايير الأوروبية، سواء من حيث الفحص أو نسب الانبعاثات أو آليات الرقابة. موضحًا أن هذه الجهود أسفرت عن وضع إطار تنظيمي محترم لاستخدام الفحم كوقود بديل، وهو ما طمأن الناس في البداية، خاصة مع الحديث عن التزام الشركات بمعايير دولية.
لكن، بحسب الصعيدي، الواقع الحالي يعكس صورة مغايرة تمامًا؛ إذ “تضرب شركات الأسمنت بهذه الاشتراطات عرض الحائط، ولا تحترمها على الإطلاق”، وهو ما تؤكده ـ على حد قوله ـ نسب الانبعاثات المرتفعة، والمخالفات المتكررة المثبتة بحق عدد كبير من الشركات. ويضيف أن بعض المصانع التي لا تقع مباشرة بجوار مناطق سكنية تستغل هذا الوضع لزيادة انبعاثاتها بشكل أكبر، في ظل تجديد دوري لتصاريح استخدام الفحم دون أدنى اعتبار للسجل البيئي أو حجم المخالفات السابقة.
ويشير الصعيدي إلى أن من بين أهم الاشتراطات التي تم إقرارها سابقًا، النص صراحة على عدم جواز استخدام الفحم في صناعة الأسمنت بالقرب من المناطق السكنية. “لكن للأسف الشديد”، يقول، “جرى تعديل هذه الاشتراطات، بالتوازي مع تعديل قانون البيئة ولائحته التنفيذية، التي أُدرجت فيها هذه المعايير لأول مرة عام 2015”. ونتيجة لهذا التعديل، لم يعد هناك حظر واضح على إقامة مصانع الأسمنت أو استخدام الفحم بجوار الكتل السكنية، بل جرى الالتفاف على النصوص بما يسمح بذلك.
ويصف الصعيدي هذا التعديل بأنه “كارثة حقيقية”، متسائلًا: “لا أفهم كيف مرّ هذا التعديل، ولا كيف لم يُثر جدلًا مجتمعيًا واسعًا”. ويرى أن الإشكالية الجوهرية تكمن في تعريف “الحيز السكني” نفسه، إذ إن قانون البناء الجديد لا يعترف، من الأساس، بعدد كبير من المناطق العشوائية أو غير المخططة، مثل مناطق كـوادي القمر، التي لا تحظى باعتراف هيئة المجتمعات العمرانية أو الوحدات المحلية المختصة بإعداد المخططات.
وبحسب الصعيدي، فإن هذا التعريف القانوني الضيق للحيز السكني لم يكن هدفه حماية الناس أو صحتهم، بل “خدمة الشركات فقط لا غير”، وهو ما يتنافى بشكل صريح مع الحق الدستوري في بيئة صحية وسليمة، المنصوص عليه في المادة 46 من الدستور المصري. ومن هنا، يعتبر الصعيدي أن تعديل هذه المعايير، إلى جانب عدم التزام شركات الأسمنت بالاشتراطات البيئية، يمثل انتهاكًا واضحًا للقانون والدستور معًا، لا سيما فيما يتعلق باستخدام الفحم وما ينتج عنه من انبعاثات خطرة.
ويؤكد أن استخدام الفحم، بطبيعته، يؤدي إلى انبعاثات جسيمة وخطرة، وأن قبول المواطنين به كان مشروطًا بوجود معايير أوروبية صارمة تضمن تقليل هذه الانبعاثات. “لكن المشكلة أن هذه المعايير لا تُطبق فعليًا”، يقول الصعيدي، معتبرًا أن هذه النقطة بالغة الأهمية، خصوصًا في ضوء ما حصلت عليه مصر خلال السنوات الخمس الماضية من منح دولية ضخمة ـ قد تصل إلى مليارات ـ مخصصة لخفض الانبعاثات الضارة، خاصة في المناطق السكنية.
ويتساءل الصعيدي: “إذا كانت مصر قد حصلت على كل هذه المنح، سواء من الأمم المتحدة أو منظمات بيئية دولية، بهدف تقليل الانبعاثات الناتجة عن مصانع الأسمنت أو المصانع التي تستخدم الفحم كوقود، فهل التزمت الحكومة، في المقابل، بتنفيذ المتطلبات والمعايير المرتبطة بهذه المنح؟”. ومن وجهة نظره، فإن الإجابة الواضحة هي أن الالتزام لم يكن على المستوى المطلوب.
يُقدّر أن تلوث الهواء في مصر تسبب في نحو 90 ألف وفاة مبكرة عام 2019، مع اتجاه تصاعدي في السنوات اللاحقة. وفي عام 2017، بلغ عدد الوفيات المبكرة المرتبطة بتلوث الهواء 19,200 حالة، إضافة إلى أكثر من 3 مليارات مرضي سنويًا نتيجة أمراض الجهاز التنفسي والقلب.
في القاهرة وحدها، يُسبب تلوث الهواء نحو 18 ألف وفاة مبكرة سنويًا، أي ما يعادل 16% من إجمالي الوفيات، فضلًا عن آلاف الحالات المرضية الأخرى، ما يجعل التلوث أحد أكبر مسببات العبء الصحي في البلاد. واقتصاديًا، تُقدَّر كلفة التلوث الناتج عن صناعة الأسمنت بنحو 47 مليار جنيه سنويًا، أي ما يعادل 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويشير الصعيدي إلى أن الحكومة قامت، خلال السنوات الأخيرة، بخطوات لا يمكن إنكارها، من بينها إنشاء آليات للرصد البيئي، وربطها بأنظمة تكنولوجية حديثة تتيح المتابعة اللحظية للانبعاثات. لكنه يشدد على أن الواقع العملي، كما تكشفه الدعاوى القضائية التي رُفعت، يشير إلى زيادة المخالفات لا تراجعها. ويضيف أن الشركات المنتهكة غالبًا ما تكتفي بدفع الغرامات المنصوص عليها في القانون المصري، معتبرة إياها “تكلفة تشغيل”، في ظل طول أمد التقاضي، الذي قد يمتد لخمس أو عشر سنوات، بما يسمح لها بتحقيق أرباح ضخمة قبل صدور أي أحكام نهائية.
ويشير الصعيدي إلى أن بطء التقاضي في القضايا البيئية ليس مشكلة مصرية خالصة، بل هو أمر شائع حتى في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، نظرًا لتعقيد الجوانب الفنية لهذه القضايا. ومع ذلك، يصف القضية التي تم الفصل فيها مؤخرًا بأنها نموذجية، من حيث الجهد المبذول والتفاصيل القانونية والفنية، مشيدًا بدور الزملاء في المبادرة التي تبنتها، ومعتبرًا إياها مثالًا حيًا على أن تحرك الناس يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا.
ويرى المحامي البيئي أن مثل هذه الأحكام من شأنها تشجيع المواطنين على كسر حالة العزوف عن التقاضي البيئي، السائدة بسبب الخوف من طول الإجراءات وتكاليفها. ويؤكد أن الحكم الأخير يحمل رسالة مهمة مفادها أن المخالفات البيئية قد تؤول في النهاية إلى تعويضات ضخمة تُرهق الشركات وتُجبرها على احترام القوانين البيئية، خاصة إذا تزامن ذلك مع عمل جاد من الحكومة وجهاز شؤون البيئة.
وفي الوقت نفسه، ينتقد الصعيدي سياسة “توفيق الأوضاع” التي تُمنح للشركات المنتهكة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من هذه الشركات لا تلتزم حتى بخطط التوفيق ذاتها أو بالمدد الزمنية المقررة لها. ويقول إن جهاز شؤون البيئة يحاول القيام بدوره، لكن الشركات تستغل حصولها على مصادر طاقة مدعومة وخدمات مختلفة للاستمرار في تلويث الهواء، في تغليب واضح للمكاسب الاقتصادية الخاصة على المصلحة العامة.
ويؤكد المحامي البيئي أن صُنّاع القرار قد ينظرون إلى هذه الشركات باعتبارها مصدرًا لمكاسب اقتصادية، لكن “التكلفة الحقيقية التي يدفعها المجتمع ـ من علاج على نفقة الدولة، وخسائر في قطاع السياحة، وتأثيرات صحية جسيمة ـ تفوق بكثير هذه المكاسب الزائفة”. ويشدد على أن حماية البيئة ليست ترفًا، بل ضرورة اقتصادية وصحية، لا تقل أهمية عن أي اعتبارات استثمارية.
نوصي للقراءة: قانون العمل الجديد: 42 احتجاجًا في 100 يوم.. والحد الأدنى للأجور “حبر على ورق

تشريعات متقدمة… وتنفيذ متعثر
ينظم قانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994، وتعديلاته اللاحقة في 2009 و2015، حماية البيئة من التلوث الصناعي، ويفرض تقييمات للأثر البيئي وحدودًا للانبعاثات، ويلزم المنشآت بتركيب أجهزة رصد ومعالجة. كذلك شددت التعديلات الأخيرة واللائحة التنفيذية المعدلة في 2024 الرقابة على القياسات البيئية، وربطت الامتثال البيئي بالاعتماد على معامل معتمدة. لكن، ورغم هذا الإطار التشريعي المتقدم نسبيًا، تكشف شكاوى السكان والقضايا القضائية عن فجوة واضحة بين النصوص والتطبيق، لا سيما فيما يتعلق بمراقبة الانبعاثات الفعلية، وتوقيع العقوبات الرادعة.
تؤكد وفاء عشري، -منسقة برنامج المناخ بـ دار الخدمات النقابية والعمالية-، أن عمال مصانع الأسمنت يتعرضون بشكل مباشر ومستمر لغبار الأسمنت، وهو خليط دقيق من جسيمات تحتوي على السيليكا، وأكاسيد الكالسيوم، وأحيانًا معادن ثقيلة، تختلف باختلاف نوع الوقود المستخدم داخل المصانع. وتوضح أن هذا التعرض المزمن لا يمر دون ثمن صحي، إذ يؤدي إلى أمراض صدرية خطيرة، من بينها الالتهابات الشعبية المزمنة، والربو المهني، والتليف الرئوي، وفي كثير من الحالات يثار الاشتباه في زيادة مخاطر الإصابة بسرطان الرئة.
وتلفت وفاء إلى أن أخطر ما في هذا الضرر أنه ليس لحظيًا، بل تراكمي وصامت، إذ تتراكم آثاره على مدار سنوات العمل، ولا تظهر أعراضه الواضحة إلا بعد فترة طويلة، وغالبًا بعد أن يكون العامل قد فقد قدرته على إثبات العلاقة بين المرض وطبيعة عمله. وتشير إلى أن هناك دراسات صادرة عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية تصنف غبار الأسمنت باعتباره خطرًا مهنيًا واضحًا، يستلزم رقابة صارمة وإجراءات وقائية فعالة.
وعلى المستوى القانوني، توضح أن المنشآت الصناعية، على الورق، تلتزم بتوفير آليات الوقاية والسلامة المهنية، لكن الواقع يكشف عن التزام جزئي أو شكلي، وفي بعض المنشآت يكون هذا الالتزام منعدمًا تمامًا. وتضيف أن القانون المصري يُلزم أصحاب العمل بتوفير مهمات الوقاية الشخصية، ونظم التهوية، وإجراء الفحوص الطبية الدورية، وذلك بموجب قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، لا سيما المواد الخاصة بالسلامة والصحة المهنية. إلا أن ما يحدث فعليًا في أغلب مصانع الأسمنت هو أن أدوات الوقاية تكون غير كافية أو غير مطابقة للمواصفات، مع تحميل العامل وحده مسؤولية استخدامها، دون تدريب حقيقي أو توعية بمخاطر التعرض.
وتشير كذلك إلى أن الفحوص الطبية، في كثير من الأحيان، تكون روتينية وشكلية، ولا ترتبط بقياس الأثر التراكمي للتعرض لغبار الأسمنت. كما تلفت إلى ضعف أو غياب تفتيش السلامة المهنية، أو تحوله إلى مجرد إجراء إداري بلا أي أثر فعلي، مؤكدة أن هذا ليس استثناءً أو حالات فردية، بل نمط موثق في تقارير نقابية وحقوقية.
وتوضح القيادية العمالية أن العامل، من الناحية النظرية، يملك الحق في الاعتراف بإصابته كمرض مهني، والعلاج على نفقة جهة التأمين، والحصول على تعويض عن العجز الجزئي أو الكلي، وفي بعض الحالات يحق له النقل إلى وظيفة لا تعرضه لنفس الخطر. لكن عمليًا، تؤكد عشري أن هذا المسار “مليء بالعوائق”، أبرزها صعوبة إثبات العلاقة السببية بين المرض والعمل، فضلًا عن ضعف تسجيل الأمراض المهنية من الأساس.
وتضيف أن خوف العمال من الإبلاغ عن إصاباتهم، خشية فقدان مصدر رزقهم، يمثل عائقًا إضافيًا، إلى جانب ما تصفه أحيانًا بـ”التواطؤ الإداري” بين بعض المنشآت وجهات الفحص. ونتيجة لذلك، يتحول المرض المهني من مسؤولية مؤسسية إلى مأساة شخصية يتحمل العامل تبعاتها وحده.
وتنتقد وفاء غياب المعالجة الجادة لهذه الأزمة، مؤكدة أن السبب ليس تقنيًا بقدر ما هو سياسي–اقتصادي. فصناعة الأسمنت، بحسب وصفها، تُعد من الصناعات الثقيلة المرتبطة بالاستثمار والتصدير وتوفير العملة الصعبة، وأي تشديد رقابي حقيقي يعني بالضرورة رفع تكلفة الإنتاج، وإلزام الشركات باستخدام تكنولوجيا أنظف، وفتح ملفات التعويض والمسؤولية القانونية.
وترى عشري أنه في ميزان السياسات العامة، غالبًا ما توضع صحة العمال في كفة أخف من “استقرار الاستثمار”، خاصة أن العمال المتضررين ينتمون في الغالب إلى فئات ضعيفة التنظيم النقابي، وصوتهم محدود في المجال العام. كما أن غياب الشفافية، وضعف البيانات الرسمية حول الأمراض المهنية، والتعامل مع قضايا البيئة والصحة المهنية باعتبارها “ملفًا هامشيًا”، كلها عوامل تُبقي الأزمة قائمة، ومؤجلة، ومُرحّلة على أجساد العمال.
وتختتم عشري بالتأكيد على أن تلوث مصانع الأسمنت ليس حادثًا عرضيًا أو خللًا عابرًا، بل هو نتيجة نموذج إنتاج يتعامل مع العامل باعتباره قابلًا للاستهلاك، ومع الهواء كأنه تفصيلة ثانوية، ومع المرض كتكلفة جانبية لا تظهر في الميزانيات. وتشدد على أن الاعتراف بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لأي حل جاد وحقيقي.
في المناطق المجاورة لمصانع الأسمنت في مصر، يرتبط التعرض للجسيمات الدقيقة (PM10 وPM2.5) والأسبستوس بزيادة مخاطر الأمراض التنفسية والسرطان، مع دراسات تشير إلى وفيات سابقة للعمال السابقين بسبب سرطان الرئة والأسبستوز.
على سبيل المثال، في مصانع الأسمنت التي استخدمت الأسبستوس سابقًا، توفي 8 عمال على الأقل من سرطان الرئة، مع 46 آخرين يعانون من مخاطر صحية مشابهة، وفقًا لتقارير من 2005، لكن الآثار المستمرة تؤثر على السكان المجاورين.
دراسات حول التعرض البيئي للأسبستوس في مصر أظهرت زيادة خطر الإصابة بسرطان الغشاء الجنبي (أحد أخطر أنواع سرطانات الرئة) بنسب تصل إلى عدة أضعاف في المناطق القريبة، مع بيانات من الـ20 عامًا الماضية تشير إلى وفيات مرتبطة بالألياف الجوية السامة. بالإضافة إلى ذلك، يعاني عمال مصانع الأسمنت من أعراض تنفسية مزمنة بنسب عالية، مما يزيد من معدلات الوفيات المبكرة في هذه المناطق.
التلوث الناتج عن مصانع الأسمنت في مصر يرتبط أساسًا بانبعاث جسيمات غبارية كثيفة وغازات ملوِّثة (أكسيدات النيتروجين والكبريت وثاني أكسيد الكربون)، ويؤثر على جودة الهواء وصحة السكان في مناطق صناعية مثل الإسكندرية وبني سويف وحلوان وغيرها. في الوقت نفسه، تُظهر دراسات وتقارير أن المعايير البيئية المصرية تطورت شكلًا، لكن التطبيق على أرض الواقع يظل موضع نزاع مجتمعي وقضائي في عدد من المناطق السكنية المجاورة للمصانع.
في المقابل تعهدت مصر في مساهمتها الوطنية المحدثة (NDC) بخفض الانبعاثات بنسبة 37% في قطاع الكهرباء (80 مليون طن ثاني أكسيد الكربون مكافئ)، و65% في قطاع النفط والغاز (1.7 مليون طن)، مقارنة بسيناريو العمل كالمعتاد بحلول 2030. في التحديث الثاني للـNDC عام 2023، حددت مصر أهدافًا قطاعية تشمل خفض الانبعاثات بنسبة 40% تحت مستويات العمل كالمعتاد بحلول 2030، مع التركيز على التكيف والتخفيف.
أطلقت الحكومة استراتيجية التغير المناخي الوطنية 2050 في مايو 2022، والتي تشمل مشاريع أولوية لخفض الانبعاثات، مع التزام بزيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول 2030، أي أربعة أضعاف الحصة الحالية.
للتوافق مع اتفاقية باريس 1.5 درجة مئوية، يجب على مصر خفض الانبعاثات بنسبة 22% تحت مستويات 2015 بحلول 2030، مع تقديرات تشير إلى ارتفاع الانبعاثات إلى 440-467 مليون طن بحلول 2030 تحت السياسات الحالية.
حصلت مصر على منح دولية عديدة لدعم جهود تقليل التلوث، بما في ذلك منحة بقيمة 9.13 مليون دولار أمريكي من مرفق البيئة العالمي (GEF) في عام 2023 لإدارة النفايات الإلكترونية والطبية في القاهرة الكبرى، بهدف تحسين جودة الهواء.
كذلك وقعت اتفاقية مع بنك الاستثمار الأوروبي في 2025 لمنحة أوروبية بقيمة 21 مليون يورو لإزالة الكربون من الاقتصاد المصري. بين عامي 2015-2021، تلقت مصر 54% من إجمالي 403.6 مليون دولار مخصصة لجودة الهواء في أفريقيا من المانحين الدوليين.
في نوفمبر 2025، أطلقت برنامج الصناعات الخضراء المستدامة بتمويل أوروبي قدره 271 مليون يورو (14.8 مليار جنيه مصري) لتقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين الاستدامة. كما حصلت على منحة بقيمة 4 ملايين يورو من الاتحاد الأوروبي في 2022 لتعزيز الحماية البيئية قبل مؤتمر COP27، بالإضافة إلى برنامج EPAP III للإنتاج النظيف، ومنح تصل إلى 125,890 دولار أمريكي للمشاريع الخضراء عبر منصة HAFIZ.
تكشف أزمة مصانع الأسمنت في مصر عن خلل بنيوي في إدارة العلاقة بين التنمية الصناعية وحقوق السكان في الصحة والبيئة.
ففي ظل توسع الإنتاج، وتباطؤ التحول الأخضر، وغياب قواعد بيانات وطنية محدثة وشفافة، تبقى العدالة البيئية مؤجلة، ويظل الهواء الملوث شاهدًا يوميًا على كلفة تنموية لم تُحسب حساباتها الاجتماعية والصحية كاملة.