لم تكن زهرة ياسين، السيدة الدمياطية، تتخيل أن تفاصيل حياتها الخاصة التي أودعتها في “بيت الزوجية”، ستتحول يومًا ما إلى ساحة حرب إلكترونية، وأن شريك الحياة سيُشهر ذكرياتهما الحميمية كسلاحٍ في وجهها. حكاية زهرة ليست مجرد قصة طلاق عابر، بل هي نموذج حي لكيفية تحويل الأزواج للهواتف الذكية والصور الخاصة إلى أدوات للضغط والابتزاز، لإجبار زوجاتهم على التنازل عن حقوقهن، أو حتى لمجرد الانتقام. تبدأ القصة من دمياط وتنتهي في أروقة المحاكم والرسائل المجهولة، حيث وجدت زهرة نفسها تحارب على جبهتين: خيانة الزوج، وتهديده بفضح سترها بصورٍ كانت يومًا ما تعبيرًا عن الثقة.”
بدأت مأساة زهرة بعد زواجها بعامين فقط؛ فبينما كانت تتنقل بين دمياط والقاهرة حيث يعمل زوجها، كان هو ينسج خيوط حياة أخرى. اكتشفت زهرة أنه تزوج من زميلته في العمل، وحين قررت المواجهة والمطالبة بالطلاق، لم يقابل الزوج طلبها بالمعروف، بل قايض حريتها بسمعتها.
تروي زهرة لـ “زاوية ثالثة” كيف انقلبت الآية؛ فبدلًا من أن يُلام الزوج على ارتباطه بأخرى، هدد والدها برفع دعوى “زنا” ضد ابنته، مستغلًا صورًا خاصة لها بملابس المنزل كانت محفوظة على هاتفه. تحت وطأة التهديد بالفضيحة ونشر الصور، اضطرت زهرة عام 2008 للتنازل عن كافة حقوقها المادية والشرعية مقابل ورقة الطلاق، لتخرج من التجربة “بلا حقوق” ظنًا منها أن كابوس الابتزاز قد انتهى.
لكن الأرشيف الرقمي لا ينسى، والجلادون لا يكتفون. فبعد مرور عشر سنوات، وتحديدًا في 2018، عاد الابتزاز ليطل برأسه من جديد، ولكن هذه المرة من طرفٍ غير متوقع. فوجئت زهرة برسائل تهديد من “زوجة طليقها” تطالبها بالابتعاد عن رجلٍ لم تره زهرة منذ سنوات.
تطور الأمر في عام 2019 إلى حملة ممنهجة من الرسائل التي تصفها زهرة بـ”البذيئة” من حسابات مجهولة، لتكتشف لاحقًا أن زوجة طليقها تستخدم نفس “الصور الخاصة” القديمة التي كانت بحوزة الزوج، مهددة بنشرها على مواقع إباحية لفضحها في محيطها الاجتماعي. وعبر حسابات وهمية، وأحيانًا عبر هاتف الزوج السابق نفسه، استمرت الملاحقة، ليتحول الهاتف الذكي إلى سوط يجلد الضحية مرتين؛ مرة بيد الزوج الخائن، ومرة بيد شريكته.
تلخص زهرة مأساتها، التي تعد نموذجًا فجًا لظاهرة الابتزاز الزوجي، قائلة: “بعض الأزواج يدخلون العلاقة بلا التزام، يريدون مصلحة مؤقتة، وحين تنتهي، يخرجون منها بلا خسائر مادية، مستخدمين كل الوسائل لضمان ذلك”.
تعاني مئات النساء المصريات، جراء تنامي ظاهرة الابتزاز الإلكتروني من جانب أزواجهن، باستغلال بعض الصور ومقاطع الفيديو التي تم التقاطها أو تبادلها أثناء فترة الزواج، ثم يتم استغلالها إلى وسيلة انتقام وتشهير بعد الانفصال، مستفيدين من ضعفِ الحماية القانونية والرقمية ومن وصمة المجتمع التي تجعلُ الضحية تخشى اللجوء إلى القانون أكثر من الجاني نفسه.
في ظلّ غياب تشريعات واضحة تُجرّم الابتزاز داخل المؤسسة الزوجية، تتزايد الروايات التي تكشف حجم الألم الصامت الذي تعيشه نساء كثيرات؛ ضرر نفسي متراكم، وتشويه للسمعة، وخسارة للعمل، وانهيار للأسرة قد ينتهي في بعض الحالات إلى محاولات انتحار. وتتحرك هذه القصص جميعها في فراغ قانوني لا يزال عاجزًا عن التعامل مع هذا النمط من الانتهاك حين يحدث داخل إطار الزواج.
فعلى الرغم من أن قانون العقوبات المصري يتضمن نصوصًا لمعاقبة الابتزاز الجنسي، مثل (المادة 306 مكرر)، فإن نطاق تطبيق هذه النصوص يرتبط غالبًا بعلاقات خارج الزواج أو بوقائع عامة، ولا يمتد بوضوح إلى ما يجري بين الزوجين. فالقانون لا يجرّم أصل امتلاك الزوج للصور أو الحصول عليها بحكم العلاقة الزوجية، لكنه يعاقب فقط على التهديد أو الابتزاز متى استطاعت الزوجة إثبات وقوعه. وحتى هذا المسار القانوني يبقى هشًّا، إذ لا يُعترف عادة بتهديد الزوج لزوجته كجريمة مستقلة ما لم يتجاوز الفعل “الإطار الزوجي” بطريقة تُعدّ مخالفة للآداب العامة، أو في حال إقدامه على نشر الصور فعليًا.
ورغم أن قوانين الأحوال الشخصية تنص على حماية الأسرة، فإن تركيزها ينحصر في تنظيم مسائل الطلاق والنفقة والحضانة، دون أي مواد تمنع أو تجرّم أشكال الابتزاز العاطفي أو الجنسي التي قد يمارسها الزوج ضد زوجته. ونتيجة لذلك، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات للصمت أو التنازل، خشية تفكك الأسرة أو تحت وطأة الضغوط الاجتماعية، وهو ما يعمّق الحاجة إلى تعديل تشريعي يقرّ صراحة بكون “الابتزاز الزوجي” جريمة تستحق حماية قانونية خاصة.
نوصي للقراءة: “تضاعف جرائم قتلهن”.. النساء يسددن فاتورة الفقر مرتين

الابتزاز الإلكتروني… موجة تتوحّش
يقول محمد اليماني، – رئيس مؤسسة قاوم المعنية بدعم ضحايا الابتزاز الجنسي في مصر-، لـ”زاوية ثالثة” إن المؤسسة تتلقى يوميًا مئات الرسائل، يشكّل العنف الرقمي بمختلف صوره نحو 85% منها؛ من ابتزاز وتهديد وصولًا إلى نشر صور ومقاطع إباحية بغرض التشهير، غالبًا ما يتم تداولها عبر مواقع إباحية. موضحًا أن فريق المؤسسة يعمل على ملاحقة الروابط وحذفها قدر الإمكان، إلى جانب تقديم الدعم للضحايا وإرشادهن إلى طرق الإبلاغ القانونية، مع تفضيل الحلول الودية في الحالات التي تسمح بذلك، وبشرط أساسي هو رغبة الضحية وعدم ثبوت أن الجاني يرتكب جريمة ممنهجة.
ويشير اليماني إلى أن “قاوم” بدأت منذ عام 2023 اتباع نهج أكثر صرامة عبر تحريك دعاوى قضائية والحصول على أحكام رادعة، مضيفًا أن فترات الذروة في البلاغات تمتد من شهر رمضان وحتى ما بعد العيد، على عكس الاعتقاد الشائع. ويكشف عن بلاغ تلقته المؤسسة مؤخرًا يتعلق بقيام رجل بعرض فيديوهات لابتزاز أطفال على آخر، في واقعة وصفها بأنها “شديدة الخطورة”.
وبحسب اليماني، أدى الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع معدلات الجرائم الرقمية وتطور أساليبها، ومع زيادة وعي المواطنين ارتفعت كذلك معدلات الإبلاغ. ومنذ مطلع 2025، برز نمط جديد من العنف الرقمي هو “ابتزاز الأزواج”، الذي تصاعد خلال عامي 2024 و2025 بصورة لافتة. ويقول اليماني إن هذا النوع تحديدًا يتطلب حساسية في التعامل: “نمنح الزوجة مساحة للتحرك، وغالبًا ما تأتينا بعد بدء الإجراءات القانونية، لأن تدخلنا المباشر مع الزوج قد يُسهم في تعقيد الوضع أو إساءة فهمه، لذا نكتفي بالإرشاد والدعم القانوني”.
ويضيف أن جرائم ابتزاز الأزواج اتخذت طابعًا أكثر فجاجة خلال العامين الأخيرين، إذ يلجأ بعض الأزواج إلى استخدام الصور ومقاطع الفيديو للتهرب من التزاماتهم الأسرية مثل النفقة أو التمكين بعد الانفصال، عبر إنشاء حسابات مزيفة ونشر المواد الخاصة. ويقول اليماني إن المؤسسة تتعامل مع هذه الحالات عبر مسارين متوازيين: حذف الروابط أولًا، ثم دعم الإجراءات القانونية. ويشير إلى تلقيهم واقعة مؤخرًا تخص ابتزاز زوجة لزوجها العرفي، في قصة وصفها بأنها “تشبه مسلسلات الدراما”.
ويؤكد اليماني أن نحو 95% من ضحايا ابتزاز الأزواج نساء، تبدأ الفئة العمرية الأكثر استهدافًا من سن 25 عامًا. وخلال العام الجاري حصلت المؤسسة على أربعة أحكام قضائية بحق مبتزين، من بينها حكم ضد شاب ابتز فتاة على مدار عامين ونصف، وآخر في قضية تخص سيدة عربية. ويضيف أن “قاوم” توسّعت خلال السنوات الثلاث الماضية في جهودها بين الدعم النفسي والقانوني وحذف البيانات، وأن البلاغات لم تعد مقتصرة على مصر، إذ تلقت المؤسسة استغاثة من فتاة تتعرض لابتزاز جنسي من خالها المقيم في فلسطين.
ويشدد اليماني على أن دوافع ابتزاز المراهقين تتراوح بين الحصول على المال والاستغلال الجنسي، بينما يستهدف المبتزون كبار السن غالبًا بدافع مادي، مستشهدًا بحالة سيدة عربية تبلغ 65 عامًا وتعاني من الزهايمر، تبيّن لاحقًا أن مبتزها يقيم في دولة أخرى، وكان يستخدم صورًا مزيفة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإجبارها على التواصل معه. ويكشف أيضًا أن تطبيقات المواعدة تأتي في صدارة منصات الابتزاز، يليها “سناب شات” بالنسبة للقاصرات بين 13 و15 عامًا، بينما تتعرض الفتيات من 15 إلى 20 عامًا للابتزاز عبر “واتساب” و”إنستغرام”، أما الفئات الأكبر سنًا فيستهدفها المبتزون عبر “واتساب” و”فيسبوك”.
ويشير اليماني إلى أن نحو 70% من المبتزين في عام 2025 كانوا معروفين للضحايا، و30% فقط عبر علاقات افتراضية أو تواصل دون معرفة سابقة، بعدما كانت النسبة في 2023 تصل إلى 90% من المبتزين المعروفين، وكان الزوج يتصدر هؤلاء، يليه الخطيب.
وتتقدم محافظتا القاهرة والجيزة قائمة البلاغات الواردة إلى “قاوم”، تليهما البحيرة والشرقية والإسكندرية ثم محافظات الصعيد. ويلاحظ اليماني أن النسبة الأكبر من الحالات تأتي من المناطق الشعبية في القاهرة والجيزة، ثم من القرى والنجوع، مشيرًا إلى أن الاعتقاد السائد لدى العديد من الأسر بأن “العزل” الاجتماعي يحمي أبناءهم، يتحول في الواقع إلى ضغط يولّد طاقات سلبية قد تُستغل في ارتكاب الجرائم الرقمية المشار إليها.
من جانبها، أصدرت مبادرة “اتكلمي”، وهي مبادرة داعمة لضحايا العنف والابتزاز، دراسة في مارس 2024 تحت عنوان: “واقع التنمّر والابتزاز الإلكتروني في مصر” التي شملت 3176 شخصًا تعرّضوا للابتزاز أو لمضايقات رقمية، وكانت 90% من الضحايا من الإناث. وأفاد 47% من المشاركين بأنّ المبتزين طلبوا منهم “خدمات جنسية” أو ما يُعرف بـ”المقايضة الجنسية”، في حين بلغت نسبة من تعرّضوا لمطالبات مالية نحو 19%. أمّا الحالات التي قامت بتقديم بلاغ رسمي إلى جهات قانونية فقد بلغت 10% فقط. ومن بين البلاغات المقدمة، لم تُسفر سوى 11% من القضايا عن اعتقال المبتز، بينما 41% من البلاغات “لم تُتخذ فيها أي إجراءات” (تم حفظها أو لم تُتابع).
في السياق ذاته، كشف تقرير الإنتربول لعام 2025 حول التهديدات السيبرانية في أفريقيا عن الارتفاع الحاد في الجرائم الإلكترونية، خاصة الابتزاز الجنسي الرقمي الذي أصبح من أكثر الجرائم المبلَّغ عنها في عدة دول، بينها مصر. ووفقًا للتقرير، تلقّت منصة دعم رقمية مصرية أكثر من 250 ألف طلب مساعدة مرتبط بالابتزاز الجنسي الرقمي خلال عام 2024، ما يعكس حجم انتشار هذه الجريمة. كما أظهرت بيانات شركة Trend Micro ارتفاعًا كبيرًا في معدلات رصد برمجيات الفدية في مصر، التي سجّلت 12,281 عملية كشف خلال العام نفسه، لتصبح من بين الدول الأفريقية الأكثر تأثرًا بهذه الهجمات. ويؤكد الإنتربول أن المبتزين باتوا يستخدمون صورًا جنسية—سواء كانت حقيقية أو مُولّدة بالذكاء الاصطناعي—لاستدراج الضحايا وابتزازهم، في سياق إقليمي تشهد فيه نحو 60% من دول أفريقيا زيادة في هذه القضايا.
نوصي للقراءة: بعد الحمل أو الولادة… صحفيات يُضطّهدهن بيدِ نساء

ثغرات قانونية وجرائم بلا رادع
توضح هبة عادل، – رئيسة مؤسسة محاميات مصريات لحقوق المرأة، لـ”زاوية ثالثة” أنه “لا يوجد قانون يجرّم انتهاك الخصوصية بشكل خاص في حدود العلاقات الشخصية، حيث تخضع تلك الجرائم لقانون العقوبات ومكافحة الجرائم التقنية، إلا أن الإشكالية تتمثل في تتناول عذر الإباحة، فإذا ارتكب فاعلُها الجرمَ بنيةٍ سليمةٍ أو بمقتضى شرعيٍّ يُعفى من العقاب. موضحة أن الأعراف المجتمعية والضغط العائلي قد يدفعان أحد الأطراف داخل مؤسسة الأسرة للتنازل عن دعواه، مشيرة إلى أن هناك نصوصٌ تتيح التنازل بين الأصول والفروع داخل الأسرة الواحدة، كالزوج وزوجته، أو الأب وابنته، والأم وابنها، والأب وابنه وهكذا، وقد يتم التنازل في أي مرحلةٍ من مراحل التقاضي للحفاظ على الحياة الأسرية، مما يجعل بعض النصوص تتعارض مع فكرة العقاب الرادع، فيسقط العقاب باسم الحفاظ على الحياة الأسرية”.
وبالرغم من تعديل قانون العقوبات في مصر مؤخرًا (2024–2025) لتشديد العقوبة على “الابتزاز الإلكتروني” ضمن تعديلات على قانون التحرش والعنف الجنسي، ترى هبه أن :الابتزاز قد يتم عبر الملاحقات الإلكترونية، سابقًا كان من السهل تعقّب المبتز من خلال حسابه، لكن الجريمة تطورت سريعًا باستخدام أدوات جديدة كالذكاء الاصطناعي، إذ قد يُوظَّف حساب للابتزاز وجمع الأموال، أو يكون المبتز قريبًا أو جارًا يستغل معلومات شخصية ويوظفها بذكاء”.
وتؤكد أنه “لا يوجد تشديد قانوني كافٍ، فحتى إن كانت للجاني ولاية على المجني عليه، أو كان بمقدوره التحصّل على وسائل الابتزاز بطريقة أيسر، لا تُضاعف العقوبة كما ينبغي”، مطالبة بتنوّع العقوبات وجعلها جديدة تتناسب مع الجرم المرتكب، خاصة أن العقوبات التقليدية لم تعد كافية ورادعة، ولن تُحدث الأثر المطلوب، لذا لا بد من البحث عن عقوبات أخرى تتناسب مع طبيعة الجرائم المرتكبة وميسَّرة للتطبيق، بهدف إحداث تغيير سلوكي ينعكس على سلوك المجتمع.

مها… شرف مُستباح وعدالة غائبة
تمثل قصة مها محمود (اسم مستعار)، 50 عامًا من الجيزة، نموذجًا صارخًا لكيفية استغلال بعض الأزواج الثغرات القانونية للابتزاز داخل المؤسسة الزوجية. بدأت مخاوفها حين اكتشفت أن زوجها السابق حاول تسجيل علاقتهما الحميمة باستخدام كاميرا مخفية داخل قلم، بعدما علمت سابقًا أنه صوّر مديره في العمل سرًا لابتزازه. تقول مها إنها أخفت القلم قبل أن يتمكّن من استخدامها بالطريقة ذاتها، خاصة بعد أن رفعت دعوى نفقة المتعة.
لكن محاولات الابتزاز لم تتوقف عند ذلك الحد. ففي عام 2019، فوجئت مها بمحامية طليقها أثناء نظر استئناف دعوى زيادة النفقة تتهمها بأنها سبب الطلاق، وتدّعي امتلاك “فيديوهات ومحادثات جنسية منشورة على مواقع إباحية”، بل وصلت الاتهامات إلى “إدارة شبكة دعارة”. ورغم طلب المحكمة تقديم الأدلة، لم يُقدَّم شيء، وتغيّب المدّعون عن الجلسات. تقول مها: “بعد ذلك، تعرّضت للتهديد بالضرب أثناء تسلُّم عفشي، ثم طُرِدت من المنزل، بعد محاولة تصوير علاقتنا الحميمية خلسة”.
تكشف مها في حديثها معنا أن طليقها ومحاميته لجآ بعد ذلك إلى حملة تشهير واسعة في المنطقة، وصلت إلى تداول تعليقات مهينة عن جسدها ومقارنات بينها وبين زوجته الحالية. وحين لجأت إلى محامية لرفع دعوى ردّ شرف، فوجئت بأن المحامية سلّمت تفاصيل قضيتها لخصومها. وعلى الرغم من أنّ مسلسل التهديدات والابتزاز يمتدّ منذ عام 2016 وحتى اليوم، فإن أسرتها، خوفًا على سُمعتها وسُمعة أبنائها، نصحتها بعدم اتخاذ أي خطوة قانونية جديدة.
من جهتها، توضح هبة أن مؤسسة محاميات مصريات لحقوق المرأة استقبلت نحو 800 شكوى خلال عام 2023، خلاف الاستشارات والاستعلامات الهاتفية والبلاغات عبر الصفحة، ومن المحتمل زيادتها عام 2025 عن الـ800 بلاغ، حيث زادت بلاغات الابتزاز عقب جائحة كورونا، خاصة بين الفتيات الصغيرات، إذ كانت تتراوح من 500 إلى 600 بلاغ سنويًا، ويتخذ من يقومون بالإجراءات القانونية منهم ما بين 20 إلى 50 بلاغًا، لكن بعد عام 2022 زادت نسبة الإبلاغ الشرطي لتتراوح من 25 إلى 30% نظرًا لارتفاع نسبة الإجرام، بينما لا تتخطى نسبة البلاغات المتعلقة بابتزاز الزوجات من أزواجهن 10 إلى 15% فقط.
تتراوح البلاغات، وفقًا للمحامية المصرية، بين ابتزازٍ وتهديدٍ بنشر الصور الخاصة، ولا يقتصر الابتزاز على الرجل طرف العلاقة، فقد وصل الأمر إلى قيام جيرانٍ بابتزازٍ وتشهيرٍ بجيرانهم حال عرف أحدهم معلومات تخص أحد جيرانه، حيث تورّط أحد الأشخاص في إحدى المحافظات وامتهن ابتزاز بنات منطقته، وأنشأ صفحةً وهميةً قام من خلالها بنشر صورٍ لهن وركّبها على “قصص فيسبوك وانستجرام”، وألصق على الصور فيديوهات لأغانٍ تتضمن سبابًا قبيحًا، وقام بتسعير المقطع بـ4 ألاف جنيهًا جنيه ثم رفعه إلى 7 ألاف مقابل الحذف.
بدأت هذه الجرائم تستهدف أعمارًا صغيرة للفتيات من سن الإعدادية والثانوية، حيث يتم استغلال عدم وجود خبرة أو علاقات سابقة للفتيات، فضلًا عن خوف بعضهن من أسرهن، ما يجعلهن يستجبن للمساومات.
قصة زهرة ومها ليست استثناءً، بل وجوه مختلفة لظاهرة تتسع بصمت في مجتمعٍ يحمّل النساء وزر الفضيحة أكثر مما يدين المعتدين. ومع غياب تشريعات تحمي الخصوصية داخل العلاقات الزوجية، يبقى استغلال الصور والفيديوهات الخاصة أحد أكثر أشكال العنف الرقمي خطورةً وتعقيدًا، إذ يتسلل من داخل البيوت ويستند إلى الثقة التي تُبنى بين الزوجين ثم تُستباح قبل أو بعد الانفصال.
لتتحول التكنولوجيا من وسيلة تواصل إلى أداة للسيطرة والانتقام، بينما تتراجع النساء عن الإبلاغ بين الخوف من الفضيحة والعجز القانوني. أما الجناة، يستفيدون من صمت الضحايا وثغرات القانون، ورغم مرور السنوات، ما زالت النساء الثلاث زهرة وزينة ومها يحملن آثار ما حدث.