close

أرقام البطالة في مصر تنخفض.. لكن الفقر يرتفع: من يصدق من؟

رغم إعلان الحكومة المصرية انخفاض البطالة إلى 6.2٪، تكشف بيانات وتحقيقات «زاوية ثالثة» أن أكثر من 65٪ من المشتغلين يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، وأن 83٪ من العاطلين من حملة المؤهلات العليا، مع بطالة نسائية تتجاوز 37٪.
Picture of رشا عمار

رشا عمار

خلال الأشهر الأخيرة، كرر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أكثر من مناسبة رسمية، سواء خلال اجتماعات مجلس الوزراء أو المؤتمرات الصحفية الأسبوعية، أن معدل البطالة في مصر يواصل الانخفاض، معتبرًا أن ما تحقق هو “أحد أهم مؤشرات نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي”. وفي أحدث التصريحات قال مدبولي خلال اجتماع مع الملحقين العسكريين أن معدل البطالة انخفض إلى 6.2٪، مسجلًا رقمًا قياسيًا في تاريخ البلاد.

رئيس الوزراء أكد أن المعدلات الحالية تُعد الأدنى منذ عقود، مشيرًا إلى أن التوسع في المشروعات القومية، وبرامج التشغيل، والاستثمارات الحكومية والخاصة، أسهمت في استيعاب أعداد متزايدة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، رغم التحديات الإقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية، كذلك شدد على أن الدولة “لا تكتفي بخفض البطالة رقميًا”، بل تستهدف خلق فرص عمل “مستدامة” وتحسين كفاءة سوق العمل على المدى الطويل.

ويرى مراقبون وخبراء اقتصاديون تحدثوا إلى زاوية ثالثة أن تصريحات الحكومة، رغم استنادها إلى بيانات رسمية، لا تقدم صورة متكاملة عن واقع سوق العمل في مصر. موضحين أن الانخفاض في معدل البطالة لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع التشغيل، خاصة في ظل اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع معدلات العمل الهش، وتراجع جودة الوظائف المتاحة. مؤكدين أن جزءًا من تراجع البطالة يعود إلى خروج أعداد من المواطنين من قوة العمل أصلًا، سواء بسبب الإحباط من البحث عن وظيفة، أو الاتجاه إلى العمل غير الرسمي أو المؤقت، وهو ما لا يظهر في المؤشرات الرسمية. 

بالإضافة إلى ذلك يرى الخبراء أن قراءة أرقام البطالة بمعزل عن الأجور، والاستقرار الوظيفي، والحماية الاجتماعية، تُفرغ هذه الأرقام من مضمونها الاقتصادي والاجتماعي. كذلك يفرق خبراء سوق العمل بين معدل البطالة ومعدل التشغيل، وهما مؤشّران يُخلط بينهما كثيرًا في الخطاب الرسمي. فمعدل البطالة يقيس نسبة العاطلين الباحثين عن عمل داخل قوة العمل فقط، بينما يقيس معدل التشغيل نسبة من يعملون فعليًا من إجمالي السكان في سن العمل.

 

وبحسب هذا التعريف، يمكن لمعدل البطالة أن ينخفض حتى في حال تراجع فرص العمل، إذا خرج عدد كبير من الأفراد من قوة العمل أو اتجهوا إلى أنشطة غير رسمية. فيما يؤكد اقتصاديون أن التركيز على البطالة وحدها يُخفي واقعًا أكثر تعقيدًا يتمثل في ضعف معدلات التشغيل الحقيقي، وانخفاض مشاركة النساء والشباب في سوق العمل، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات الهيكلية للاقتصاد المصري.

تعقيبًا يقول وائل جمال، – مدير وحدة العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية-، إن أي تراجع في معدل البطالة يُفترض نظريًا أن يُعد مؤشرًا إيجابيًا، لكنه يشدد على أن قراءة هذا الرقم بمعزل عن طريقة احتسابه وسياقه الاقتصادي لا تعكس صورة كاملة لواقع سوق العمل ويوضح أن المشكلة الأساسية في مصر لا تتعلق فقط بنسبة البطالة المُعلنة، وإنما بانخفاض معدل التشغيل نفسه مقارنة بحجم قوة العمل.

ويشير جمال إلى أن معدل التشغيل في مصر يُعد من المعدلات المنخفضة جدًا، إذ لا تتجاوز نسبة المشتغلين من إجمالي القادرين والراغبين في العمل نحو 40% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو رقم يعكس خروج قطاع واسع من القادرين على العمل من سوق العمل بالكامل، وليس تحسنًا حقيقيًا في فرص التشغيل.

 

 مع ملاحظة أن إجمالي قوة العمل يمثل مجموع الأشخاص القادرين والراغبين في العمل وإجمالي المتعطلين هم الذين يبحثون عن عمل دون أن يجدوا وظيفة بينما إجمالي المشتغلين هو عدد من يعملون فعليًا

ويضيف أن انخفاض البطالة في بعض الفترات، خاصة في السنوات التي أعقبت جائحة كورونا، لم يكن نتيجة خلق وظائف جديدة، وإنما بسبب خروج أعداد كبيرة من الأفراد من قوة العمل نفسها، ويُقدَّر عددهم بنحو مليون ونصف شخص، معظمهم من النساء. وهو ما أدى إحصائيًا إلى تراجع معدل البطالة، رغم تدهور أوضاع التشغيل الفعلية.

ويلفت جمال إلى أن طريقة احتساب البطالة في مصر تعتمد على مسوح ميدانية تُجريها الجهات الرسمية، حيث يُعتبر الفرد “مشتغلًا” إذا مارس أي نشاط اقتصادي ولو لمدة ساعة واحدة خلال الأسبوع السابق على المسح، كما لا يُحتسب عاطلًا عن العمل إلا من يصرّح صراحة برغبته في العمل ويبحث عنه فعليًا. هذه المنهجية، بحسب جمال، تستبعد تلقائيًا ملايين القادرين على العمل ممن فقدوا الأمل أو توقفوا عن البحث، رغم امتلاكهم مؤهلات، بما في ذلك حملة الشهادات الجامعية.

ويؤكد الباحث الاقتصادي أن النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بخفض معدل البطالة، وإنما برفع معدل التشغيل الإجمالي من خلال خلق وظائف مستقرة ومنتجة، تستوعب الطاقة البشرية الكبيرة الموجودة في البلاد، لا سيما أن الغالبية من هذه الطاقة تنتمي إلى فئة الشباب في ذروة قدرتهم الإنتاجية.

ويؤكد جمال أن أرقام البطالة الرسمية تعكس جانبًا جزئيًا من الصورة، ولا تعبّر عن الواقع الكامل لسوق العمل، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها العاملون أنفسهم، مثل ضعف الأجور، وعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور، وغياب التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي ومعايير السلامة المهنية. وهي قضايا، بحسب تعبيره، لا تقل أهمية عن مسألة البطالة ذاتها عند تقييم أوضاع سوق العمل في مصر.

من جهته يرى الخبير الاقتصادي، زهدي الشامي،  أن مثل هذه التصريحات، لاتعكس بصورة دقيقة الحجم الحقيقي للبطالة ولا عمق أزمات سوق العمل المصري، التي باتت أكثر تعقيدًا واتساعًا. 

ويُرجع الشامي ما وصفه بـ”الانخفاض المصطنع” في معدلات البطالة المعلنة إلى آلية القياس المعتمدة رسميًا، والتي تستبعد أعدادًا كبيرة من العاطلين لأسباب غير منطقية، مثل اعتبار من عمل ساعة واحدة فقط خلال فترة القياس شخصًا مشتغلًا، أو إسقاط من كفّ عن البحث عن عمل من سجل العاطلين، رغم غياب فرص حقيقية أمامه. ويشير إلى أن هذه المنهجية تؤدي إلى تجميل الأرقام بدلًا من تشخيص المشكلة كما هي.

ويضيف في حديثه إلى زاوية ثالثة أن معدل البطالة الرسمي لا يسلط الضوء على هشاشة أوضاع سوق العمل، حيث تعمل النسبة الأكبر من المشتغلين في القطاع غير الرسمي، الذي تصل نسبته إلى نحو 65%، بما يحمله من غياب للأمان الوظيفي والتأمينات الاجتماعية. كما أن قطاعًا واسعًا من العاملين في القطاعات المنظمة يعمل بعقود مؤقتة ويتقاضى أجورًا تقل عن الحد الأدنى للأجور، ما يفرغ مفهوم التشغيل من مضمونه الاجتماعي والاقتصادي.

ويشدد الشامي على أن الرقم المنخفض الذي أعلنه رئيس الوزراء لا يمكنه إخفاء المؤشرات الخطيرة الكامنة في التفاصيل، وفي مقدمتها ارتفاع معدل البطالة في الحضر إلى 10.1%، وبلوغه 14.2% بين الشباب، فضلًا عن تزايد البطالة بين الحاصلين على مؤهلات متوسطة وعليا، وهي مؤشرات، بحسب وصفه، تعكس اختلالًا هيكليًا عميقًا في سوق العمل وتبعث على قلق حقيقي بشأن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي.

 

نوصي للقراءة: 2026: عام التعافي الاقتصادي المنتظر أم بداية أزمة ديون جديدة؟


ماذا تقول الأرقام الرسمية؟

تعكس بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 تراجعًا في معدل البطالة إلى 6.6%، بانخفاض 0.4 نقطة مئوية عن عام 2023، وهو انخفاض يبدو، في ظاهره، مؤشرًا إيجابيًا على تحسن أوضاع سوق العمل. غير أن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تكشف أن التراجع يظل محدودًا من حيث التأثير الهيكلي، خاصة إذا ما قورن بالزيادة المستمرة في حجم قوة العمل، التي ارتفعت بنحو 2.9% خلال عام واحد فقط.

 

وهنا تجدر الإشارة إلى أن خفض عدد المتعطلين بنحو 77 ألف فرد لا يعكس بالضرورة قدرة الاقتصاد على خلق وظائف مستقرة ومستدامة، بقدر ما قد يشير إلى امتصاص مؤقت لجزء من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، أو انتقال بعضهم إلى أنماط تشغيل غير رسمية.

وفي بيانات 2024 الرسمية، يشكل الشباب (15–29 سنة) من حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية نحو 18.7% من قوة العمل في هذه الفئة، لكنهم يمثلون الشريحة الأعلى في معدلات البطالة.

 

وتكشف البيانات أيضًا أن حملة الشهادات الجامعية يمثلون الشريحة الأكبر من العاطلين عن العمل في مصر، وهي مفارقة تعكس خللًا عميقًا في العلاقة بين التعليم وسوق العمل، فمصر تخرج سنويًا مئات الآلاف من الجامعيين، في وقت يعجز فيه الاقتصاد عن توفير وظائف مناسبة لمستوياتهم التعليمية، ويرى خبراء أن هذه الأزمة لا تتعلق بعدد الوظائف فقط، بل بنوعيتها، وهيكل الأجور، وضعف الاستثمار في القطاعات كثيفة العمالة ذات القيمة المضافة.

وفي نتائج الربع الثالث 2025، يشير الجهاز إلى أن 83.1% من إجمالي العاطلين هم من الحاصلين على مؤهلات متوسطة، فوق متوسطة، جامعية أو أعلى، ارتفاعًا من 78.2% في الربع السابق.

 

رغم أن خريجي الجامعات والمعاهد العليا يمثلون نسبة محدودة من إجمالي قوة العمل، فإنهم يشكلون ما يزيد على أربعة أخماس المتعطلين؛ إذ تشير بيانات الربع الثالث 2025 إلى أن نحو 83% من العاطلين يحملون مؤهلات متوسطة أو أعلى، مقارنة بـ78% في الربع السابق، بينما بلغ معدل البطالة بين الشباب حَمَلة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية 18.7% في 2024.

بالإضافة إلى ذلك، استمرار الفجوة الواضحة بين معدلات البطالة في الحضر (9.6%) والريف (4.2%) يعكس طبيعة مختلفة للتشغيل، حيث ينخفض معدل البطالة في الريف جزئيًا بفعل العمل الزراعي غير المنتظم، لا بسبب تحسن حقيقي في جودة وفرص العمل.

بالإضافة إلى ذلك تُبرز بيانات البطالة بين الشباب والنساء التحديات البنيوية الأعمق في سوق العمل المصري. فعلى الرغم من تراجع معدل البطالة بين الشباب (15–29 عامًا) إلى 14.9%، فإن الفجوة الجندرية تظل صارخة؛ إذ تبلغ البطالة بين إناث هذه الفئة العمرية 37.1% مقابل 9.8% بين الذكور، ما يعكس ضعف قدرة الاقتصاد على دمج النساء في سوق العمل الرسمي.

 

وفي الوقت نفسه، يكشف ارتفاع نسبة من سبق لهم العمل بين المتعطلين (42.3%) أن جزءًا معتبرًا من البطالة ليس ناتجًا عن عدم دخول سوق العمل، بل عن فقدان وظائف سابقة، ما يطرح تساؤلات حول استقرار الوظائف المتاحة وقدرتها على الصمود في ظل التقلبات الاقتصادية. وبذلك، فإن انخفاض البطالة رقميًا لا يخفي حقيقة أن سوق العمل لا يزال يعاني اختلالات هيكلية، تتعلق بجودة التشغيل، واستبعاد النساء، وهشاشة فرص العمل المتاحة للشباب المتعلم.

وعمومًا تشير البيانات الربع سنوية المتاحة خلال عام 2025 إلى استمرار استقرار معدل البطالة في نطاق يتراوح بين 6% و6.5%، وهو ما تعتمده الحكومة باعتباره دليلًا على ترسخ اتجاه الانخفاض الذي بدأ خلال الأعوام السابقة. غير أن هذا الاستقرار الرقمي لا يمكن قراءته بوصفه تحولًا نوعيًا في سوق العمل، بقدر ما يعكس قدرة محدودة على استيعاب الزيادة المستمرة في قوة العمل، التي تواصل النمو بفعل الزيادة السكانية ودخول أفواج جديدة من الشباب سنويًا.

وفي السياق ذاته يكشف غياب بيانات سنوية شاملة حتى الآن، والاعتماد على مؤشرات ربع سنوية متذبذبة، أن سوق العمل لم يصل بعد إلى حالة توازن، بل يتحرك في هامش ضيق بين خلق وظائف جديدة وخروج أعداد أخرى من قوة العمل أو انتقالها إلى أنماط تشغيل غير رسمية، وفقًا لمراقبين.

مؤشر آخر تشير إليه البيانات الرسمية يعكس أن انخفاض البطالة لا يعني بالضرورة تحسن مؤشرات التشغيل الفعلي أو جودة الوظائف. فاستمرار انخفاض المعدل عند مستويات قريبة من 6% يتزامن مع مؤشرات أخرى أقل إيجابية، أبرزها ضعف معدل المشاركة الاقتصادية مقارنة بحجم السكان في سن العمل، واستمرار الفجوة الكبيرة بين الذكور والإناث، خاصة في الحضر.

والأهم من ذلك أن جزءًا معتبرًا من فرص العمل الجديدة يتركز في قطاعات تقليدية منخفضة الإنتاجية، مثل التجارة والخدمات والزراعة، وهي قطاعات غالبًا ما ترتبط بالعمل غير المنتظم أو منخفض الأجر. وبذلك، تعكس بيانات 2025 نموذجًا لسوق عمل قادر على خفض البطالة حسابيًا، لكنه لا يزال عاجزًا عن توفير تشغيل مستقر، أو استيعاب حقيقي للشباب المتعلم، أو تحسين ملموس في مستويات الدخل والحماية الاجتماعية.

نسب الفقر في ارتفاع

رغم الحديث انخفاض معدل البطالة رسميًا، فإن نسب الفقر في مصر لا تزال مرتفعة مقارنة بهذا الانخفاض. وتشير بيانات رسمية ودراسات مستقلة إلى أن ما يقرب من ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر أو قريبين منه، بينما تضررت شرائح أوسع من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة.

 ويؤكد اقتصاديون أن انخفاض البطالة لا ينعكس بالضرورة على تراجع الفقر، خاصة عندما تكون غالبية الوظائف المتاحة منخفضة الأجر أو غير مستقرة. وبذلك، يصبح الفقر مؤشرًا أكثر تعبيرًا عن أوضاع سوق العمل الحقيقية من معدل البطالة المجرد.

 تُظهر تقديرات البنك الدولي لمعدل الفقر عند خط الفقر الوطني في مصر خلال السنوات الأخيرة أن النسبة ظلت تدور حول مستوى يقارب ثلث السكان، مع تذبذبات محدودة مرتبطة بتغيّر الأوضاع الاقتصادية. تشير البيانات المتاحة إلى أن الفقر انخفض إلى 29.7% في 2019/2020، لكنه عاد للارتفاع لاحقًا ليصل إلى نحو 32.5% في 2022، في ظل موجات التضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر. ورغم غياب نشر منتظم لمؤشرات الفقر عن كل سنة على حدة، فإن الاتجاه العام يعكس استمرار الضغوط المعيشية على شرائح واسعة من المصريين، بينما تُظهر تقديرات أخرى باستخدام خطوط الفقر الدولية الأعلى أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر قد تكون أكبر بكثير من الأرقام الوطنية الرسمية. 

 

       

مشاكل العمال: أجور منخفضة وغياب الحماية

يواجه قطاع واسع من العمال في مصر تحديات متراكمة، أبرزها انخفاض الأجور الحقيقية مقارنة بمعدلات التضخم، وغياب التأمينات الاجتماعية والصحية، خاصة في القطاع غير الرسمي. ورغم إقرار زيادات متتالية في الحد الأدنى للأجور، فإن هذه الزيادات لا تشمل جميع العاملين، ولا تُطبق بصرامة في القطاع الخاص. كذلك يعمل ملايين المصريين دون عقود عمل، أو في وظائف مؤقتة، ما يحرمهم من أي مظلة حماية اجتماعية.

وبحسب أحدث إصدار من النشرة الربع سنوية لبحث القوى العاملة صادر في فبراير 2025، تراجعت مستويات المشتركين في التأمينات الاجتماعية، والتأمين الصحي، والعاملين بعقد قانوني، وفي عمل دائم، الذي يقيس عليهم “الإحصاء” مستويات جودة العمل، مقارنةً بعام 2014. بلغ إجمالي المشتركون في التأمينات الاجتماعية 39.5% من إجمالي المشتغلين في ديسمبر 2024، فيما كانوا 59.2%، في عام 2014، وانخفضت نسبة المشتركون في التأمينات الصحية من 50.5% في 2014، إلى 35.6%.  وانخفضت نسبة العاملون بعقد دائم من 68.3% في 2014 إلى 66.9% في ديسمبر 2024، والعاملون بعقد قانوني من 57.4%، إلى 37.1%.  

من جهته، يؤكد شعبان خليفة، – رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص-، أن الواقع على الأرض يختلف تمامًا عن التصريحات بشأن نسب البطالة، موضحًا إن أصحاب الأعمال في القطاع الخاص يملكون السلطة العليا داخل منشآتهم، مما يجعل العمال يعانون يوميًا من تدني الأجور، وعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور، وساعات العمل الطويلة، بالإضافة إلى المعاملة السيئة والفصل التعسفي. ويضيف أن هذه التصريحات غالبًا ما تكون موجهة للمجتمع الدولي أو للاستهلاك الداخلي، ولا تعكس الواقع الفعلي الذي يعيشه العاملون.

وعن معدل البطالة، يشير خليفة في حديثه إلى زاوية ثالثة إلى وجود فجوة بين الأرقام الرسمية وما يواجهه العمال بالفعل. موضحًا أن المعدل الرسمي الذي تصدره الجهات الحكومية يقتصر على الأشخاص الذين يبحثون عن عمل بانتظام خلال الفترة الأخيرة، بينما الواقع يشمل فئات واسعة من العاطلين، مثل من توقفوا عن البحث عن عمل لفقدان الأمل، أو العاملين بدوام جزئي، أو في وظائف لا تناسب مؤهلاتهم، أو في أعمال مؤقتة بأجور زهيدة. ويؤكد أن معدل البطالة الحقيقي أعلى من الرقم الرسمي، ويعكس بدقة أكبر حالة سوق العمل.

ويؤكد خليفة أن مؤشرات التشغيل الحالية لا تعكس جودة فرص العمل بشكل كامل، مشيرًا إلى أن الاستقرار الوظيفي يشمل تأمينات اجتماعية ورعاية صحية جيدة، وأجورًا عادلة وساعات عمل قانونية، وهو ما لا يتوافر في معظم منشآت القطاع الخاص بسبب ضعف تطبيق القوانين العمالية وتشريعات تصب لصالح أصحاب الأعمال. ويضيف أن الانخفاض الظاهري في معدل البطالة غالبًا ما يكون مرتبطًا بوظائف موسمية أو مؤقتة، مثل الأمن والمطاعم والزراعة والمقاولات، بالإضافة إلى استثمارات مؤقتة تعتمد على الربح السريع ثم الانسحاب، مما يقلل من استقرار سوق العمل.

ويستعرض خليفة أبرز التحديات التي تواجه عمال القطاع الخاص حاليًا، وهي عدم قدرة الحكومة على تطبيق القوانين على أصحاب الأعمال، وعدم إلزامهم بالحد الأدنى للأجور، وغياب تطبيق معايير العمل الدولية، وضعف فرض هيبة الدولة في تأمين الاستقرار الوظيفي والرعاية الاجتماعية والصحية، إلى جانب صعوبة ضبط الأسواق وأسعار السلع الأساسية التي يحتاجها العمال وأسرهم.

وبالنسبة للإجراءات المطلوبة لتحسين أوضاع العمال، يوضح خليفة أن الحكومة يجب أن تعمل على تحسين الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتثبيت العمالة المؤقتة، وتوفير بيئة عمل آمنة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ودعم برامج التدريب والتأهيل، وربط الأجر بالإنتاج، ودعم الصناعة المحلية، وتحرير التنظيم النقابي، وحماية العمال محدودي الدخل من زيادة الأسعار، وتعزيز الحوار الاجتماعي، وإعادة النظر في التشريعات العمالية، وتشجيع الشباب على إقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة.

وعن دور القطاع الخاص في استيعاب العمالة الجديدة، يشير خليفة إلى أنه أصبح الملاذ الأخير بعد ضعف القطاع العام وتصفية شركات الدولة، لكنه يؤكد أن السياسات الحالية لا تشجع على التوسع أو توفير وظائف لائقة، خصوصًا مع قانون العمل الجديد الذي انتقص حقوق العمال وشرّع العقود المؤقتة. ويضيف أن المطلوب تشريعيًا هو إعادة النظر في القانون لضمان علاقة عمل حقيقية بين العمال وأصحاب الأعمال، وتوفير حيادية الحكومة، والمساواة والعدالة في الأجور وساعات العمل والإجازات، وضمان الاستقرار الوظيفي والرعاية الاجتماعية والصحية، وشمول العمالة غير المنتظمة والعمالة المنزلية وعمال المقاولات والزراعة ضمن نطاق القانون لحماية حقوقهم.

 

نوصي للقراءة: بيع أصول الدولة.. الصكوك السيادية المصرية بين خفض الدين ورهن المستقبل

ماذا تقول التقارير الدولية؟

تشير تقارير المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، إلى أن مصر حققت تقدمًا نسبيًا في خفض معدل البطالة، لكنها لا تزال تواجه تحديات هيكلية عميقة في سوق العمل. وتؤكد هذه التقارير أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في عدد الوظائف فقط، بل في جودتها، واستدامتها، وقدرتها على توفير دخل كافٍ للعيش الكريم. كما تحذر من استمرار هيمنة القطاع غير الرسمي، وضعف مشاركة النساء والشباب، وتباطؤ خلق فرص العمل في القطاعات الإنتاجية.

وبحسب هذه التقارير، فإن أي تحسن مستدام في مؤشرات التشغيل يتطلب إصلاحات أعمق في التعليم، والاستثمار، والسياسات الاجتماعية، وليس الاكتفاء بتحسن رقمي في معدل البطالة.

فضلًا عن ذلك، تواجه القاهرة في السنوات الخمس المقبلة أعباءً ثقيلة لسداد الديون المترتبة عليها لصندوق النقد الدولي، حيث تشير الجداول إلى أن العامين 2026 و2027 يمثلان ذروة هذه الاستحقاقات. ففي عام 2026، تصل مستحقات السداد إلى ما يزيد عن 2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (SDR)، وهو ما يعادل تقريباً 2.6 مليار دولار بأسعار السوق الحالية. ويمثل هذا التحدي المالي ذروة في جدول السداد الذي يتراجع تدريجياً في السنوات اللاحقة حتى عام 2029.

و سجلت السنوات العشر الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في حجم الدين، حيث سجل في يونيو 2015 نحو 48 مليار دولار فقط، ليرتفع في نهاية 2016 إلى حوالي 55.8 مليار دولار، ومع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي في 2016 وما تبعه من تحرير سعر الصرف، قفز الدين إلى 82.8 مليار دولار في 2017. واستمر التصاعد خلال السنوات التالية، فوصل إلى 96.6 مليار دولار في 2018، ثم 106.2 مليار دولار في 2019، ليتجاوز حاجز 123.5 مليار دولار في 2020.

وفي ظل تداعيات جائحة كورونا، ارتفع الدين الخارجي إلى 137.8 مليار دولار بنهاية 2021، ثم إلى 162.9 مليار دولار في نهاية 2022. وفي عام 2023 بلغ الدين حوالي 168 مليار دولار، قبل أن يتراجع قليلًا إلى 155 مليار دولار في يناير 2025 وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري.

في الوقت الذي يروّج فيه الخطاب الرسمي لانخفاض تاريخي في معدل البطالة العام، تشير بيانات الجهاز المركزي إلى أن البطالة تظل أعلى بكثير بين النساء، وأن غالبية العاطلين هم من حَمَلة المؤهلات المتوسطة والجامعية، لا من الشرائح الأقل تعليماً، بما يطرح سؤالاً حول نوعية فرص العمل المتاحة وجودتها.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search