close

إجازات على أساس الطائفة: قرار حكومي يعيد إنتاج التمييز بين مسيحيي مصر

أثار قرار وزارة العمل المصرية بشأن الإجازات الدينية للمسيحيين جدلًا واسعًا بعدما قسّم الطوائف بين كاثوليك وأرثوذكس وإنجيليين، في خطوة وُصفت بأنها تعيد التمييز الطائفي وتتناقض مع مبدأ المواطنة المتساوية المنصوص عليه في الدستور.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

أثار القرار الوزاري الصادر عن وزارة العمل بشأن تحديد الإجازات الدينية للمسيحيين، انتقادات واسعة بسبب عدم تحقيقه للمساواة الكاملة بين جميع الطوائف في مصر، فيما وصف بأنه يفتقد للعدالة ويعكس تمييزًا طائفيًا ولا يتوافق مع مبدأ المواطنة المتساوية الذي يكفله الدستور المصري. 

وفي محاولة لاحتواء حالة الجدل، عقد محمد جبران، وزير العمل، الثلاثاء، اجتماعًا مع الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب وعضو المجلس الإنجيلي العام، وممثل الطائفة الإنجيلية ورئيسها الدكتور القس أندريه زكي، لبحث تنظيم إجازات الأعياد للمسيحيين. وخلال الاجتماع دعا البياضي إلى توحيد إجازات الأعياد لجميع المسيحيين، باعتبارها مناسبات مشتركة تعزز المواطنة والمساواة بين المصريين، بعيدًا عن أي تمييز. 

وكان جبران أصدر، في 30 ديسمبر الماضي قرارًا، بشأن تحديد الإجازات الدينية المستحقة للمسيحيين الخاضعين لأحكام قانون العمل. فيما أكدت الوزارة أن القرار جاء بعد الاطلاع على الدستور، وقانون العمل الجديد، وقرارات سابقة لمجلس الوزراء ووزارة العمل، ويهدف إلى ترسيخ مبادئ المواطنة والمساواة، مع مراعاة الخصوصية الدينية، وتحقيق الاستقرار داخل بيئة العمل.

ونص القرار الذي دخل حيز التنفيذ اعتبارًا من اليوم التالي لتاريخ نشره في الوقائع المصرية، على أن المسيحيين، بالإضافة إلى الإجازات المحددة في المادة الثالثة من قرار وزير العمل رقم (294) لسنة 2025، يستحقون إجازة في أعيادهم الدينية وفقًا لأحكام قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في هذا الشأن. 

ويرى الباحث إسحق إبراهيم، – مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية-، أن صياغة القرار جاءت غير موفقة، سواء لغويًا أو موضوعيًا، خاصة أنه جاء تنفيذًا لنص وارد في قانون العمل، يقضي بأن يصدر الوزير المختص قرارًا يحدد الإجازات الخاصة بغير المسلمين، إلا أن الصياغة والتطبيق كشفا خللًا واضحًا. 

ويوضح لـ”زاوية ثالثة”، أنه تم استهلال القرار باستخدام لغة غير مناسبة للمكاتبات الرسمية أو للنصوص التشريعية، وهذه الصياغة تعكس خطابًا صادرًا من موقع الأغلبية إلى موقع الأقلية، وهو ما يتعارض مع مفهوم المواطنة والمساواة الذي يفترض أن يحكم القرارات الإدارية والقانونية.

 الإشكال الثاني، والأكثر خطورة، بمضمون القرار، وفقًا لـ”إبراهيم” أنه جرى تقسيم الإجازات الدينية بالاستناد إلى نص منقول حرفيًا تقريبًا عن قرار سابق صادر عام 1953، دون مراعاة التغيرات الجوهرية التي طرأت على الدولة والمجتمع خلال أكثر من سبعين عامًا، سواء على مستوى الدساتير، أو طبيعة العلاقة بين المواطنين والدولة، أو تطور النظرة إلى المناسبات الدينية والاجتماعية.

ويشير إلى أن بعض المناسبات الواردة في القرار، مثل: رأس السنة، لا تعد مناسبة دينية خالصة، وإنما تمثل مناسبة ثقافية واجتماعية ذات طابع عالمي، بينما عيد الميلاد هو بالفعل إجازة رسمية صادرة بقرار جمهوري سابق، إلا أن القرار الجديد أفرز إشكالات إضافية تتعلق بكيفية تحديد الطائفة الدينية للعامل، متسائلًا عما إذا كان ذلك سيتم بناءً على تصريح العامل نفسه، أم من خلال مطالبته بإثباتات رسمية، مثل شهادات صادرة عن الطوائف الدينية، وهو ما يفتح الباب أمام تعقيدات تشريعية وإدارية جديدة.

ويضيف: ” هذه التعقيدات تفرغ القرار من مضمونه الأساسي، والمتمثل في تنظيم الإجازات الدينية ومنع النزاعات المحتملة بين العامل وصاحب العمل، والقرار، بصيغته الحالية، لا يحل المشكلة بقدر ما يخلق إرباكًا إضافيًا داخل بيئة العمل، كما ينطوي على تمييزًا واضحًا، ليس على أساس ديني فحسب، بل على أساس طائفي أيضًا”، مؤكدًا أن الدستور ومبادئ المواطنة لا يجيزان أي تمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الانتماء الديني أو الطائفي.

وردًا على القرار أصدرت الكنيسة الكاثوليكية بمصر، بيانًا رسميًا، أعربت فيه عن أسفها لعدم تحقيق المساواة الكاملة بين جميع الطوائف المسيحية، ولا سيما فيما يخص أعياد أبناء الكنيسة الكاثوليكية، معتبرة أن ذلك لا يتوافق مع مبدأ المواطنة المتساوية المكفول بالدستور.

وأكد البيان، الصادر عن الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، في 3 يناير الجاري، أن أبناء الكنيسة الكاثوليكية جزء أصيل من نسيج الوطن، وأن القرار الصادر لا ينسجم مع النهج الوطني للدولة المصرية القائم على العدالة واحترام التعدد.

وبالتزامن أرسلت الطائفة الإنجيلية بمصر خطابًا رسميًا إلى رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، بشأن القرار، وأوضح الخطاب، الذي وقعه الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية، ضرورة توحيد إجازات الأعياد لجميع المصريين المسيحيين، مشددًا على أن ذلك يعزز مبادئ المواطنة والمساواة، ويسهم في ترسيخ قيم الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب المصري.

بدوره يعتبر الأب رفيق جريش، – المتحدث الإعلامي باسم الكنيسة الكاثوليكية بمصر-، أن القرار الصادر عن وزارة العمل بشأن الإجازات الدينية يعكس خللًا فكريًا واضحًا، معتبرًا أن الاستناد إلى قرار قديم وإعادة تكييفه بهذه الطريقة أمرٌ مرفوض تمامًا ولا يعكس تطورات الدولة ولا مسارها الدستوري الحالي القائم على مبدأ المواطنة وعدم التمييز، مشددًا على أن هذا الأسلوب لا يليق بوزير، – في إشارة منه إلى غياب التقدير السياسي والدستوري -.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “من غير المقبول أن يصدر عن وزير في حكومة مصر قرار لا ينسجم مع المستوى الفكري لرئيس الجمهورية ولا مع طبيعة الدولة المصرية الحديثة وتوجهاتها القائمة على مبدأ المواطنة”.

وفي السياق ذاته، يؤكد شنودة الأمير، – الباحث في الشأن القبطي-، أن قرار وزير العمل يفتقد للعدالة والمساواة، ويعكس خللاً في التعامل مع المسيحيين كمواطنين متساوين، مشيرًا إلى أن القرار جاء بتقسيم الإجازات بين الطوائف المسيحية دون مراعاة الفروقات الديموغرافية أو العقائدية بينهم، وهو ما يخلق شعورًا بالتمييز والطائفية.

ويوضح أن الكاثوليك والبروتستانت حصلوا على أيام إجازة أقل مقارنة بالأرثوذكس، رغم أن بعض الطقوس مشتركة بين الطوائف، وهو ما يجعل التقسيم غير منطقي ويزيد من الإحباط بين الطوائف الأقل تمثيلًا. لافتًا إلى أن رأس السنة الميلادية على سبيل المثال ليست عيدًا دينيًا أصلاً، بل مناسبة ثقافية واجتماعية يحتفل بها الجميع، فلا يمكن أن تكون مخصصة لطائفة معينة فقط.

“هذه الإشكالية ليست حديثة، بل تعود إلى سنوات طويلة، حيث اعتاد المسيحيون على شعور بالتمييز في تحديد الأعياد والإجازات، خصوصًا في الأعياد الثابتة مثل عيد الميلاد وعيد القيامة وأسبوع الآلام، وقرار الحكومة تعامل مع المسيحيين كطوائف وليس كمجتمع واحد، وهو ما يخلق تفرقة غير مبررة”. يقول لـ”زاوية ثالثة”.

ويضيف: “القرار الأخير يعكس محاولة لمجاملة طائفة الأغلبية المسيحية، أي الأرثوذكس، على حساب بقية الطوائف، وهو ما يفتقد لأي مبرر عقائدي أو منطقي، والدولة كجهة رسمية يجب أن تتعامل مع جميع المسيحيين كمجتمع واحد في المسائل الاحتفالية والاجتماعية، كما تعامل المسلمين كجماعة واحدة، ويجب أن تكفل حرية الاحتفال بالأعياد لجميع المواطنين، بما فيهم الطوائف الأقلية والبهائيون”.

ويخلص الأمير إلى أن التقسيم الحالي للإجازات الطائفية يرسخ شعورًا بالتمييز ويضع ظلماً على مواطنين كثيرين، داعيًا إلى إعادة النظر في القرار وإعطاء جميع المصريين، مهما كانت طائفتهم، الحق في الحصول على الإجازات الدينية والاجتماعية دون تمييز.

 

 

نوصي للقراءة: شهادات ممنوعة: تمييز ضد المسيحيّين في المحاكم المصريّة


تجاهل التعدد الطائفي داخل المجتمع

قرار وزير العمل، وغيره من القرارات المشابهة، يرسخ للتمييز الديني والطائفي، ويتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن ترسيخ مفهوم دولة المواطنة، إذ أن جوهر المواطنة يقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون أي تمييز على أساس ديني، سواء بين أديان مختلفة أو داخل الدين الواحد على أساس طائفي، بحسب ما يؤكد  المحامي العمالي والحقوقي، هيثم محمدين.

ويرى محمدين أن المسيحيين المصريين، بمختلف طوائفهم من أرثوذكس وكاثوليك وإنجيليين، يجب أن يكونوا متساوين في الحقوق، مشيرًا إلى أن الدولة تتعامل في كثير من الأحيان مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية باعتبارها الممثل الوحيد أو الأكبر للمسيحيين في مصر، في حين أن الطوائف الأخرى لها ممثلوها ومؤسساتها الدينية، ولا يصح تجاهلها عند اتخاذ قرارات تمس حقوق أتباعها.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هذا النهج يظهر بوضوح في المناسبات الرسمية، حيث يتم تمثيل المسيحيين غالبًا عبر الكنيسة الأرثوذكسية فقط، إلى جانب ممثلي الأزهر أو الأوقاف، دون مراعاة التعدد الطائفي داخل المجتمع المسيحي، معتبرًا أن هذا التعامل غير دقيق ويؤسس خللًا في مفهوم التمثيل والمساواة”.

ويشدد المحامي الحقوقي على أن الأعياد الدينية، في الأصل، يجب أن تكون إجازات لجميع المصريين دون تفرقة، سواء كانت أعيادًا إسلامية أو مسيحية، موضحًا أن العيد، أيًا كان انتماؤه الديني، هو مناسبة اجتماعية عامة يحصل فيها المواطنون على عطلة، بما يعزز الشعور بالمشاركة والانتماء، بدلًا من تكريس الانقسام بين من يحتفل ومن يذهب إلى عمله وكأن الأمر لا يعنيه.

ويشير إلى أن قصر الإجازات على المنتمين إلى دين بعينه يرسخ لفكرة الانفصال المجتمعي، مؤكدًا أنه لا ينبغي توصيف الإجازات باعتبارها “إجازة للمسيحيين” أو “إجازة للمسلمين”، بل يجب أن تكون إجازة عامة للجميع، وهو ما يتطلب عملًا حقيقيًا وجادًا على ترسيخ مفهوم المواطنة في السياسات العامة، منتقدًا منطق أصحاب الأعمال وبعض الجهات الرسمية التي ترى أن الإجازات كثيرة وتؤدي إلى تعطيل العمل، ومؤكدًا أن الواقع يشير إلى أن عدد ساعات العمل في مصر مرتفع للغاية، وأحيانًا يتم بالمخالفة للقانون، وأن الإجازات والأعياد تمثل حقًا أصيلًا للعمال من أجل الراحة النفسية والبدنية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها منحة أو عبئًا.

ويضيف: “أن المسيحيين كانوا يحصلون على إجازات دينية، لكنها أقل عددًا مقارنة بالإجازات الدينية الإسلامية، بسبب كثرة المناسبات الدينية المعترف بها للمسلمين، والحل لا يكمن في التقسيم أو التمييز، بل في اعتبار كل مناسبة دينية إجازة عامة لكل المواطنين، باعتبار أن الدولة كيان محايد لا ينتمي لدين بعينه”.

ويوضح محمدين بأن قانون العمل ينص على أحقية العامل المسلم في الحصول على إجازة مدفوعة الأجر لمدة شهر، مرة واحدة طوال مدة خدمته، لأداء فريضة الحج، مشيرًا إلى أن النص نفسه يمنح الأقباط إجازة مماثلة لزيارة بيت المقدس، إلا أن هذه الإجازة معطلة عمليًا بسبب صدور قرار كنسي وطني بعدم الحج إلى القدس طالما بقيت تحت الاحتلال، الأمر الذي أدى إلى حرمان المسيحيين فعليًا من هذه الإجازة.

ويضيف: “العدالة والمواطنة الحقيقية تقتضيان المساواة الكاملة في الإجازات والحقوق، دون تمييز ديني أو طائفي، وأن أي سياسات أو قرارات تخالف هذا المبدأ تكرس للتمييز وتقوض أسس الدولة المدنية القائمة على المواطنة”.

 

نوصي للقراءة: بين الكنيسة والقانون.. مسيحيات لا يحق لهن الطلاق


تقسيم المواطنين

القرار الصادر عن وزير العمل، يعكس غيابًا عن الواقع وعن التاريخ، إذ استند إلى قرار وزاري يعود إلى عام 1953، أي مر عليه سبعون عامًا، في حين أن القوانين والدساتير والأوضاع الاجتماعية قد تغيرت، وأصبحت هناك أعياد معترفًا بها رسميًا، من بينها السابع من يناير كعيد رسمي وإجازة رسمية لجميع المصريين، بحسب ما يرى النائب البرلماني، فريدي البياضي.

ويوضح أن المبدأ الحاكم لمسألة الإجازات الدينية يجب أن يقوم على توحيد المناسبات والأعياد للمصريين كافة، لا تقسيمهم إلى طوائف، محذرًا من خطورة هذا المنهج، إذ يفتح الباب مستقبلًا لتقسيم المواطنين على أسس طائفية أخرى، كأن يتم منح إجازات للمسلمين السنة وحدهم أو الشيعة وحدهم، بدعوى اختلاف المناسبات الدينية، وهو أمر غير مقبول وغير مطلوب.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “القرار صدر دون استشارة أي من الطوائف التي أقر لها إجازاتها، والمبدأ في حد ذاته خاطئ، وكذلك منهجية التفكير في تنظيم الإجازات، كما استخدم نص القرار مصطلح “بروتستانت” للإشارة إلى الطائفة الإنجيلية”، مشددًا على أن القوانين والقرارات الرسمية، منذ أيام الفرمان الهمايوني، تتحدث عن “الطائفة الإنجيلية” ولا تستخدم هذا المصطلح إطلاقًا، وهو ما يدل على أن مستشاري الوزير لم يرجعوا إلى ممثلي المذاهب المعنية قبل اتخاذ القرار.

ويشير البياضي إلى أن استبعاد مناسبات مثل أحد السعف وخميس العهد من الإجازات الخاصة بالكاثوليك والإنجيليين يثير تساؤلات جوهرية، متسائلًا عن الأساس الذي بني عليه هذا الاستبعاد، ومن الجهة التي قررت أن هذه الطوائف لا تحتفل بهذه المناسبات، فضلًا عن الإشكال العملي المتعلق بكيفية تحديد انتماء المواطنين إلى طوائفهم، في ظل عدم وجود تصنيف رسمي للطائفة بجانب الديانة في الأوراق الرسمية، معتبرًا أن هذا المسار غير مقبول.

ويكشف النائب البرلماني أن وزير العمل طلب مقابلته لمناقشة القرار، مؤكدًا أنه سيبحث معه ضرورة إعادة النظر فيه، نظرًا لكونه مرفوضًا من حيث المبدأ ومن حيث التطبيق. وفيما يتعلق بالاستناد إلى قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، موضحًا أن القانون منح الوزير المختص حق تنظيم الإجازات، لكنه لم ينص على تقسيم المسيحيين إلى طوائف، مشددًا على أنه في حال الحديث عن إجازات للمسيحيين، فيجب أن تكون إجازات موحدة لجميع المسيحيين دون تمييز أو تفريق.

وتتفق معه النائبة البرلمانية إيفلين متى بشاي، في كون القرار غير مدروس، ويفتقد الفهم الصحيح لطبيعة الأعياد المسيحية التي جرى العمل بها في مصر منذ عقود طويلة دون إشكال، مؤكدة أن الدولة كانت تسير دائمًا وفق نسق واضح يحترم هذه المناسبات دون الحاجة إلى قرارات مبتدعة.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “تقسيم المسيحيين إلى طوائف في قرار إداري يطرح إشكالًا عمليًا وقانونيًا، في ظل عدم وجود أي تصنيف طائفي في الأوراق الرسمية أو بطاقات الهوية، ما يجعل القرار غير قابل للتطبيق من الأساس، ويكشف عن كونه قرارًا غير مدروس”.

وبشأن ما ورد في القرار بشأن بعض الأعياد الكبرى مثل خميس العهد وأحد السعف، ترى إيفيلين أن التعامل معها باعتبارها مناسبات جزئية أو مقيدة بساعات عمل أمرًا يثير السخرية، مؤكدة أن هذه الأعياد إجازات رسمية وسيادية منذ نشأة الكنيسة، وتحتفل بها الكنائس والدول، وتعطل فيها البنوك والمؤسسات الكبرى.

وتضيف أن الأعياد المسيحية مكفولة بحكم القانون، ويتقاضى العاملون رواتبهم خلالها دون خصم، محذرة من أن تطبيق القرار بصيغته الحالية قد يفتح الباب لتوقيع جزاءات على العاملين، أو إجبارهم على اعتبار الأعياد إجازات عارضة أو خصمها من رصيدهم، وهو ما لم يكن معمولًا به في السابق، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص.

وتُبين أن المسيحيين المصريين اعتادوا الاحتفال بأعيادهم وفق طوائفهم المختلفة دون أن يشكل ذلك أزمة في بيئة العمل، مشيرة إلى أن الموظفين كانوا يحصلون على إجازاتهم الدينية بشكل طبيعي قبل إقرار السابع من يناير إجازة رسمية لجميع المصريين بقرار من رئيس الجمهورية، وهو ما أنهى أي تباين أو لبس في هذا الشأن، مطالبة أي مسؤول بدراسة قراراته جيدًا قبل إصدارها، ومعتبرة أن مثل هذه القرارات تعكس غيابًا للتقدير لطبيعة المجتمع وتنوعه الديني.

وتشير النائبة إلى تجربتها الشخصية، موضحة أن العاملين المسيحيين في القطاع الخاص كانوا يحصلون على إجازاتهم الدينية مدفوعة الأجر بحكم العرف والاستقرار الإداري، خاصة في مواقع العمل البعيدة، حيث لا يكون من العملي أو المنطقي إرهاق العامل أو جهة العمل بسبب يوم واحد، معتبرة أن توقيت صدور القرار، قبيل الأعياد وبالتزامن مع بداية عام جديد، يطرح تساؤلات حول دوافعه، مؤكدة أنها لم تشهد طوال سنوات عملها البرلماني صدور قرارات مماثلة، لا سيما دون تشاور أو نقاش مجتمعي.

ولا تتذكر إيفيلين أن قانون العمل الجديد قد تطرق من قريب أو بعيد إلى تنظيم الإجازات الدينية للمسيحيين أو تقسيمهم طائفيًا، موضحة أن القرار يمكن مراجعته وتعديله أو إلغاؤه بقرار لاحق، غير أن الوضع البرلماني الحالي يحد من إمكانية التقدم بأسئلة أو طلبات إحاطة فورية، في ظل انتظار تشكيل المجلس الجديد، مرجحة أن يشهد البرلمان تحركات قوية فور استكمال إجراءاته الدستورية.

ختامًا يبقى قرار وزارة العمل رقم (346) لسنة 2025 بشأن الإجازات الدينية للمسيحيين موضع جدل واسع بين الجهات الرسمية والطوائف الدينية والخبراء القانونيين والحقوقيين، حيث يثير التساؤلات حول المساواة والعدالة وحق المواطن في ممارسة شعائره الدينية دون تمييز. 

وتشير ردود الفعل المختلفة إلى أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مراجعة دقيقة للقرار بما يحقق العدالة بين جميع الطوائف المسيحية، ويضمن احترام مبادئ المواطنة المتساوية التي يكفلها الدستور، ويحول دون أي شعور بالتمييز أو الطائفية في بيئة العمل. 

وفي الوقت نفسه، يظل الحوار مع الجهات الدينية والمجتمع المدني ضروريًا لضمان توافق السياسات الرسمية مع التنوع الديني والاجتماعي في مصر، وتعزيز قيم الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

 

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search