close

الأمن الغذائي في مصر.. 21% فقر و49% بلا غذاء كافٍ

49% من الأسر المصرية تعاني نقص الغذاء و40% من السكان يواجهون أمراض سوء التغذية
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

داخل شقة متواضعة في إحدى ضواحي القاهرة، تمضي حميدة السيد (اسم مستعار) أمسياتها وهي تعيد حساب ما تبقّى من دخلها الشهري المحدود، الذي لا يتجاوز أربعة آلاف جنيه، يذهب نحو ربعه لتسديد إيجار المسكن. وبين الأرقام القليلة المتبقية، تحاول تدبير احتياجات طفليها، اللذين لم يتجاوز أكبرهما السابعة من عمره. منذ طلاقها وامتناع الأب عن الإنفاق، وجدت نفسها في مواجهة يومية منفردة لتأمين أبسط مقومات الحياة: الغذاء، والدواء، والتعليم، وسقف يحمي أسرتها الصغيرة.

حميدة، التي لم تبلغ الثلاثين بعد، تقول في حديثها لـ”زاوية ثالثة” إن “آخر مرة وُضع فيها اللحم الأحمر على مائدتهم تعود إلى نحو شهرين. ومنذ ذلك الحين، باتت تعتمد على وجبات أقل كلفة، مثل البطاطس المقلية والمكرونة والفول. وحتى عندما تتيح ظروفها شراء مصدر للبروتين، فإن خيارها غالبًا ما ينحصر في الدواجن، باعتبارها الأقل تكلفة مقارنة باللحوم الحمراء.”

تجسّد حميدة واقع ملايين المصريين الذين يواجهون صعوبة متزايدة في تلبية احتياجاتهم الأساسية وسط التدهور الاقتصادي. إذ يعاني نحو 21 بالمئة من السكان البالغ عددهم 107.5 مليون نسمة من الفقر متعدّد الأبعاد، فيما تتصاعد تحديات الأمن الغذائي. ووفق مؤشر الجوع العالمي 2024 تحتل مصر المرتبة 63 من بين 127 دولة، فيما تعاني 49 بالمئة من الأسر من عدم كفاية الغذاء، بينما تبلغ معدلات التقزّم أو الهزال بين الأطفال دون الخامسة 6.5 بالمئة.

 

وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة  المصرية على لسان وزير المالية أحمد كجوك خلال لقاء قمة العشرين، التزامها بتحقيق الأمن الغذائي وتوفير الدعم لأكثر من 60 مليون مواطن، تكشف شهادات الأسر البسيطة عن فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش. وتتبع “زاوية ثالثة” عبر الأرقام والبيانات الرسمية المحلية والدولية، ما إذا كانت السياسات الحكومية نجحت بالفعل في ضمان الأمن الغذائي للمصريين، أم أن لغة الأرقام تخبرنا بحقيقة مغايرة.

 

نوصي للقراءة: هل تخدعنا مؤشرات التعافي؟ ما تكشفه أرقام التعداد الاقتصادي السادس عن هشاشة النمو في مصر


الواقع الغذائي للمصريين

رغم أن البدائل الغذائية التي تلجأ إليها حميدة تشبع جوعها، لكنها أثرت سلبًا على صحتها. فخلال الأشهر الأخيرة عانت من هبوط متكرر ودوار وإجهاد  أقعدها عن أبسط مهامها اليومية. وعندما قصدت مستشفى يقدم خدمات صحية بأسعار مخفضة، جاء التشخيص (أنيميا حادة ) فسره الطبيب بأنه ناتج عن سوء التغذية.

ويشمل سوء التغذية، بحسب منظمة الصحة العالمية، النقص أو الزيادة أو الاختلال في مدخول الفرد من الطاقة والمغذيات، ويضم ثلاث مجموعات رئيسية: نقص التغذية (الهزال، التقزم، نقص الوزن). كذلك تكشف البيانات الرسمية أن سوء التغذية يمثل تحديًا صحيًا كبيرًا في مصر، إذ يعاني نحو 40% من السكان من أمراض تتعلق بالتغذية غير السليمة، وفقًا لتصريحات الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، على هامش مؤتمر “الخطة العاجلة للسكان والتنمية” وإطلاق البرنامج القومي للوقاية من التقزم وسوء التغذية، كما أوضحت أن نسبة التقزم في مصر تبلغ 13%، كما يعاني 43% من فقر الدم، و11% من السمنة.

 

تكشف قصة حميدة  أن توافر الغذاء لا يعني بالضرورة قدرة الناس على الحصول عليه أو الاستفادة منه بشكل يضمن الاستقرار.  إذ أن مفهوم الأمن الغذائي، كما أقرّته قمة الغذاء العالمية عام 1996، يقوم على أربعة أبعاد مترابطة: التوافر من حيث الإنتاج والمخزون، وإمكانية الوصول اقتصاديًا واجتماعيًا، والاستفادة عبر تغذية وصحة متوازنة، والاستقرار في مواجهة التقلبات والأزمات.

ويُظهر استبيان أجرته زاوية ثالثة ضمن الإعداد لتقرير “عندما تصبح اللحوم ترفًا طبقيًا.. مصر تواجه تحدي الأمن الغذائي”، وشمل 100 مشارك من مختلف المحافظات، أن الأغلبية الساحقة تأثرت مباشرة بارتفاع أسعار اللحوم خلال العام الأخير. وأكد 89% من المشاركين في الفئة العمرية 25–40 عامًا تراجع قدرتهم الشرائية مقارنة بالعام الماضي، مرجعين ذلك أساسًا إلى الارتفاع الكبير في الأسعار، وهو ما أكّده 96% منهم.

فقد أدى ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والسلع الأساسية منذ 2016 بعد تعويم الجنيه إلى تناول 43% من المواطنين للحوم مرة واحدة شهريًا، وشراء 73% كميات أقل، بينما أشار 79% إلى أثر ذلك على شعورهم بالكرامة، واعتبر 52% الحكومة مسؤولة، مؤكّدين جميعًا ضرورة تدخل الدولة فورًا – بحسب نتائج الاستبيان.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت أسعار اللحوم الحمراء والسلع الأساسية في مصر زيادات متتالية منذ 2016 مع تراجع الجنيه المصري أمام الدولار، حيث ارتفع سعر اللحوم من 65 جنيهًا عام 2012 ليتخطى حاجز الـ 400 جنيه في 2025، وفق إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ما جعلها سلعة شبه رفاهية يصعب على غالبية الأسر الحصول عليها.

وعلى المنوال ذاته، بدأت أسعار دواجن المزارع (الدواجن البيضاء الأكثر شعبية) عند 18 جنيهًا للكيلو في ديسمبر 2012، ثم سجلت ارتفاعات تدريجية لتصل إلى 28.5 جنيه  في ديسمبر عام 2016، قبل أن تقفز بشكل كبير في السنوات الأخيرة، نتيجة لارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والإنتاج، قبل أن تتراجع بعض الجنيهات مع نهاية عام 2025، تزامنًا مع تراجع سعر الدولار قليلًا.

 

كذلك شهدت أسعار الألبان والبيض خلال الفترة نفسها زيادات حادة مشابهة للحوم، ما يوضح امتداد أزمة ارتفاع الأسعار لتشمل السلع الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المصريين يوميًا، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

 

وعلى نفس المنوال، شهدت أسعار البقوليات، بما فيها الأرز والعدس والفول، زيادات حادة خلال السنوات الأخيرة، لتشمل أهم مصادر البروتين النباتي التي تعتمد عليها الأسر محدودة الدخل. وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ارتفع سعر كيلو الأرز من مستويات منخفضة ومستقرة نسبيًا تضاعفت عدة مرات، وقفز سعر العدس بنوعيه الأصفر والأحمر، وتزايد سعر الفول بشكل كبير، ما حوّل هذه السلع الأساسية من بدائل ميسورة التكلفة إلى عبء إضافي يثقل كاهل ملايين المصريين.

 

 

 

تعليقًا على هذه الأرقام، يقول النائب فريدي البياضي، – عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي-، إن “الأمن الغذائي ليس مجرد أرقام أو تصريحات حكومية، بل هو مفهوم أشمل، كما أوضحت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)”.

يتابع في حديثه لـ “زاوية ثالثة”:” التعريف الحقيقي يقوم على أربعة أركان: توافر الغذاء، وسهولة الوصول إليه، وجودته وسلامته، ثم استدامته على المدى الطويل”. بالنظر إلى الواقع المصري، نجد أن الحكومة تقول إن هناك وفرة في بعض السلع الأساسية، لكن هذا لا يكفي لنعتبر أن لدينا أمنًا غذائيًا مستدامًا”.

ويرى البياضي أن أسعار السلع ترتفع بشكل متكرر، وهناك فئات واسعة من المواطنين لم تعد قادرة على الحصول على غذاء كافٍ ومتوازن، وهذا يعني أن عنصر “إمكانية الوصول” غير متحقق بالشكل الكافي. لذلك يجب أن تواجه الحكومة، حقيقة أن مصر معتمدة بشكل كبير على الاستيراد في القمح والزيوت والأعلاف، وبالتالي أي أزمة خارجية، مثل حرب أو تقلبات أسعار، تؤثر على البلاد بشكل مباشر، وهذا يعني أن عنصر ‘الاستدامة’ فيه مشكلة.

ويضيف: “لذلك، أرى أن الأمن الغذائي في مصر لا يزال في مرحلة هشة، ولكي يتحقق، يجب أن نعمل على تقليل الفجوة بين التصريحات الرسمية والأرقام التي تعكس الواقع، ودعم الإنتاج المحلي، وضبط الأسعار، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، حتى يتمكن المواطن من الحصول على غذاء كافٍ وصحي وبسعر مناسب.”

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والبنك المركزي المصري، شهدت تكلفة المعيشة في مصر خلال العقد الأخير تقلبات حادة، فقد سجل متوسط معدلات التضخم السنوي الذروة الأولى في يونيو من عام 2017 عقب قرار تحرير سعر الصرف، حين تجاوز المعدل 30%. ثم دخلت البلاد في فترة هدوء نسبي بين عامي 2019 و2021 من نفس الشهر، حيث تراجع التضخم إلى أقل من 10%. غير أن الأوضاع عادت للتصاعد بشكل غير مسبوق مع الأزمة الاقتصادية العالمية والمحلية، لتسجل الذروة الثانية في 2023 بمعدل اقترب من 36%، قبل أن تبدأ الأرقام في التراجع النسبي عام 2025.

 

 

نوصي للقراءة: الدعم يتآكل والضرائب ترتفع: ماذا تقول أرقام الموازنة الجديدة؟

الفقر المتعدد الأبعاد.. صورة أعمق للأزمة المعيشية

تشير تصريحات الحكومة إلى أن نحو 20% من الموازنة يوجَّه لدعم الأمن الغذائي وأن برامج الدعم تصل إلى 60 مليون مواطن، لكن ورقة حزب التحالف الشعبي الاشتراكي أعدها الباحث الاقتصادي  إلهامي الميرغني وحصلت زاوية ثالثة على نسخة منها حول موازنة (2025/2026) تُظهر صورة أكثر تعقيدًا. فبينما يبلغ بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية 742.5 مليار جنيه، تذهب أجزاء كبيرة منه لسداد ديون صناديق التأمينات والمعاشات ومكافآت وبدلات ودعم الكهرباء، فيما تجمّد دعم الفرد في بطاقات التموين عند 50 جنيهًا منذ 2018 وتراجع عدد المستفيدين. في المقابل تستحوذ خدمة الدين العام على 4.38 تريليون جنيه، أي نحو ثلثي الموازنة.

يتسق ذلك مع تحليل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لموازنة (2021/2022)، الذي أظهر أن نصف مخصصات الحماية الاجتماعية حوالي 286 مليار جنيه في (2020/2021) و283.3 مليار في (2021/2022) ذهبت أيضًا لسداد ديون التأمينات، مع ارتفاع طفيف في دعم التموين إلى 87.2 مليار جنيه، وتراجع الإنفاق على دعم القطاع العائلي بنسبة 1.4%، بينما ارتفعت المخصصات الموجهة للجهات الحكومية بنسبة 7%.

وفي عام 2022، كشف تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء، عن أن أكثر من خُمس سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر المتعدد الأبعاد، وهو مقياس لا يكتفي بحساب الدخل فقط، بل يرصد أشكال الحرمان المختلفة التي تمس حياة الأفراد، من التعليم والرعاية الصحية إلى السكن والخدمات الأساسية.

و بالرغم من أن بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك يمثل الأداة الأهم لقياس الفقر وتتبّع التغيرات في مستويات المعيشة، فإن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لم يُصدر أي تحديثات منذ بحث( 2019/2020)، في الوقت الذي شهدت فيه البلاد ارتفاع في موجات تضخم غير مسبوقة وتراجعًا حادًا في القوة الشرائية للمواطنين. هذا الغياب للبيانات المحدثة يترك فجوة واضحة أمام الباحثين وصنّاع القرار، ويُصعّب تقييم فاعلية السياسات الحكومية وبرامج الحماية الاجتماعية- وفقًا لمحمد رمضان للباحث الاقتصادي  في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

وبحسب تقرير الفقر متعدد الأبعاد، ارتفعت  نسبة الفقر بشكل لافت في المناطق الريفية، حيث يُعد نحو ثلث السكان هناك فقراء متعددي الأبعاد، مقارنة بنسبة تقل عن النصف في المناطق الحضرية. ويُظهر التقرير أن واحدًا من كل خمسة مصريين يعاني من فقر متعدّد الأبعاد، بنسبة انتشار تبلغ 21%، بينما تصل “شدة الفقر” إلى 37%، ما يعني أن الأسر الفقيرة محرومة في أكثر من ثلث المؤشرات التي يعتمد عليها هذا المقياس.

في الريف المصري تحديدًا، تتعمق الأزمة أكثر؛ فحوالي 28% من السكان هناك يواجهون حرمانًا مركبًا يشمل التعليم والصحة والخدمات الأساسية، مقارنة بـ 12% فقط في المناطق الحضرية، وهو ما يعكس التفاوت الاجتماعي والمكاني الواضح في توزيع الفرص ومستويات المعيشة داخل البلاد.

كذلك، كشف البنك الدولي أن معدل الفقر الوطني في مصر ارتفع إلى 32.5% عام 2022، مقارنة بـ29.7% في العام المالي 2019–2020، ما أدى إلى استمرار الضغوط الاقتصادية على الأسر المصرية رغم المخصصات المعلنة في الموازنة.

ومنذ عام 1990، بدأ البنك الدولي  باستخدام خط فقر دولي مقدر بدولار واحد للفرد يوميًا ( ~48 جنيها يوميا) ما يعادل (~ 1440 حنيه شهريًا) لقياس الفقر المدقع، بما يتناسب مع مستويات المعيشة في أفقر بلدان العالم. ومع مرور الوقت، جرى تعديل هذا الخط ليواكب التغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ليصل حاليًا إلى 2.15 دولار للفرد الواحد يوميًا (وفق تعادل القوة الشرائية) بما يعادل(~103 جنيهًا يوميًأ) (~3000 شهريَا). ويُعرّف هذا المبلغ باعتباره الحد الأدنى اللازم لتأمين الاحتياجات الأساسية – من غذاء وملبس ومأوى – في بلد منخفض الدخل نموذجي.

 

نوصي للقراءة: الدعم يتآكل والضرائب ترتفع: ماذا تقول أرقام الموازنة الجديدة؟


سوء التغذية والأوضاع الصحية للمصريين

تحت عنوان “نظرة إقليمية حول الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا”،كشفت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عن تزايد سوء التغذية في مصر خلال العقدين الماضيين، إذ ارتفعت نسب المتأثرين من 4.8% عام 2002 إلى 8.5% في 2023، ما رفع عددهم من 6.2 إلى 9.4 مليون شخص. 

فيما تجاوزت السمنة بين البالغين 30% في دول عربية عدة بينها مصر. وشهدت البلاد أيضًا ارتفاعًا في معدلات التقزم والوزن الزائد بين الأطفال دون الخامسة، ما يشير إلى أشكال سوء التغذية، من نقص المغذيات إلى السمنة وما يرتبط بها من أمراض غير سارية، وفق منظمة الصحة العالمية.

وفي السياق، يؤكد محمد رمضان، الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الأزمة الاقتصادية تركت أثرًا واضحًا على معيشة المواطنين، إلا أن الحجم الدقيق لهذا التأثير غير معروف بسبب عدم نشر نتائج بحث الدخل والإنفاق لدورتي (2020/2022) وما بعدها.

ويضيف:”لا شك أن الأزمة الاقتصادية أثرت بشكل مباشر على معيشة المواطنين وفقًا لاحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء، لكننا حتى الآن لا نعرف بدقة حجم هذا التأثير، إذ أن بحث الدخل والإنفاق – وهو المؤشر الرئيسي لفهم حالة الفقر في المجتمع – لم يُنشر بعد، سواء البحث الخاص بعام 2020/2022 أو البحث اللاحق، وبالتالي الأرقام غير متاحة لنا”.

ويشير رمضان في حديثه لـ “زاوية ثالثة” إلى دراسة أجراها المعهد الدولي لبحوث الغذاء خلال فترة الإغلاق الأولى بسبب جائحة كورونا، حيث أظهرت نتائج الاستبيان الذي شمل عددًا من الأسر أن 85% منها قللت إنفاقها على الغذاء. لافتًا إلى معدلات التضخم خلال عامي 2020 و2022، والتي تجاوزت 30%، في حين ارتفع التضخم الخاص بالغذاء بشكل أكبر، وتخطّت أسعار بعض السلع حاجز الـ100%، وفقًا لاحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء.

ويوضح الباحث الاقتصادي، أنه من الطبيعي أن يؤدي هذا الغلاء إلى تراجع استهلاك الأسر من حيث الكم، أو إلى التحول نحو بدائل أرخص والتقليل من استهلاك اللحوم والدواجن، وهو ما يفاقم أزمة الصحة العامة على المدى الطويل. فمصر تعاني أصلًا من معدلات مرتفعة للأنيميا والنحافة، وفي الوقت نفسه نسب عالية من السمنة وزيادة الوزن. هذه المفارقة ترتبط بشكل مباشر بنمط غذائي غير متوازن سببه الأساسي ارتفاع الأسعار.

أما الحديث عن تحقيق الأمن الغذائي من خلال السياسات الحكومية الحالية، فيرى رمضان أن الأرقام على أرض الواقع لا تدعمه ؛ لأن الزيادة في رقعة الأراضي الزراعية التي تعلن عنها الدولة ليست بالحجم الذي يجري الترويج له، وفقًا لبيانات ومواقع تدقيق المعلومات.

يُعرف بحث الدخل والإنفاق الذي يصدر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفقر بأنه “عدم القدرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للفرد أو للأسرة، وتتمثل تلك الاحتياجات في الطعام والمسكن والملبس وخدمات التعليم والصحة والمواصلات.

ذكر بحث الدخل والإنفاق في الفترة من 2017/2018 ارتفاع نسبة الواقعين تحت خط الفقر إلى 32.5%، بدلًا من 27.8% من إجمالي السكان في عام 2015، فيما تراجعت هذه النسبة إلى نحو 29.7% خلال عامي  2019/2020. ومنذ ذلك التاريخ لم يصدر الجهاز المركزي بحث الدخل والإنفاق بتفاصيله المعتادة، إذ اكتفى لجهاز بنشر تقرير عن حالة الفقر متعدد الأبعاد في مصر دون البيانات التفصيلية التي كانت تنشر على مدار السنوات الماضية.

الاعتماد على الواردات

تبلغ المساحة الزراعية في مصر نحو 10 ملايين فدان، ورغم توسع الدولة في مشروعات الاستصلاح لزيادة الإنتاج، ما زال الإنتاج الزراعي غير كافٍ لتحقيق الأمن الغذائي. وتعتمد البلاد بشكل كبير على الواردات لسد فجوة الاستهلاك، إذ يغطي الإنتاج المحلي من القمح نحو (45–50%) فقط من الاحتياج، بينما تُستورد الكميات المتبقية بملايين الأطنان سنويًا.

فيما تشير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في تقرير لها،  إلى أن اعتماد مصر المرتفع على واردات الغذاء يجعلها شديدة التأثر بالأزمات الخارجية، خصوصًا في فترات تراجع الحصاد أو ارتفاع الأسعار عالميًا. ويُقدَّر اعتماد القاهرة على الواردات بنحو 45% من الطلب المحلي. كما أشار التقرير إلى أن  الأزمات العالمية المتلاحقة زادت– من جائحة كورونا إلى حرب أوكرانيا والتقلبات المناخية– من هشاشة هذا الوضع، عبر ارتفاع أسعار السلع وتعطل سلاسل الإمداد، مما انعكس مباشرة على الأسعار المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين.

تُظهر إحصاءات الجهاز المركزي،  متوسط نصيب الفرد من اللحوم في مصر بين عامي 2015 و2023 تغيرًا لافتًا في أنماط الاستهلاك. فقد شهدت لحوم الأبقار تراجعًا كبيرًا من ( 9.2) كيلوجرامات عام 2015 إلى ما بين (5.4 و5.7) كيلوجرامات خلال الفترة من 2019 إلى 2023، بينما انخفض استهلاك لحوم الجاموس من 3.2 كيلوجرامات إلى ما يقارب 1.1و1.5 كيلوجرام فقط في السنوات الأخيرة. 

في المقابل، ارتفع استهلاك الدواجن من (8.7) كيلوجرامات عام 2015 ليبلغ ذروته عند ( 16.7) كيلوجرامًا في 2021، قبل أن يستقر حول من (13 إلى 14) كيلوجرامًا في 2022 و2023. ما يشير إلى زيادة اعتماد الأسر المصرية بصورة متزايدة على الدواجن كبديل أقل تكلفة مقارنة باللحوم الحمراء، وسط ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

 فيما يشير تقرير منظمة الغذاء الفاو إلى أن “متوسط استهلاك اللحوم” عالميًا (بجميع أنواعها) يقترب من 41.3 كجم للفرد سنويًا.

 

 

فيما تشير بيانات استهلاك الخضر في مصر خلال الفترة من 2015 إلى 2023 إلى تغييرات لافتة في نمط الاستهلاك. إذ ارتفع استهلاك البطاطس من نحو 29.3 كيلوجرامًا للفرد في العام خلال عام 2015 إلى 45.3 كيلوجرامًا في 2023، مسجلًا أعلى زيادة بين جميع الأصناف، ما يشير إلى  الاعتماد المتزايد عليه كغذاء منخفض التكلفة مقارنة بسلع أخرى. في المقابل، انخفض استهلاك الطماطم تدريجيًا من 56.1 كيلوجرامًا إلى نحو 47.4 كيلوجرامًا في نهاية الفترة، رغم كونها من الخضر الأساسية في النظام الغذائي المصري.

أما استهلاك الباذنجان فشهد تذبذبًا ملحوظًا، مع تسجيل ارتفاعات وصل إلى 12 جنيهًا للكيلو جرام عام 2025. وبالنسبة إلى الكوسة والفلفل والخيار، فقد ظلت معدلات استهلاكها منخفضة نسبيًا مقارنة بمحاصيل أخرى. وبالنسبة لاستهلاك الفاكهة في مصر خلال الفترة من 2015 إلى 2023  فقد شهدت تباينات بين الأصناف لكن معدل الاستهلاك السنوي ظلت منخفضة.

 رسم بياني للخضروات 

 

رسم بياني للفاكهة

في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن البيانات الرسمية وتقارير المتابعة تُظهر بوضوح تراجع متوسط نصيب الفرد من عدد من المحاصيل والسلع الغذائية، وهو مؤشر مباشر على تقلص قدرة الإنتاج المحلي على مواكبة احتياجات الزيادة السكانية والضغوط الاقتصادية. ويرجع ذلك، بحسبة،  إلى ضعف الحوافز الموجهة للمزارعين وسوء إدارة السياسات الزراعية.

ويشرح الميرغني في حديثه إلى زاوية ثالثة أن الزراعة التعاقدية لم تحقق أهدافها؛ فأسعار الشراء التي تحددها الدولة لا تتناسب مع تكاليف الإنتاج، ما يدفع بعض المزارعين إلى الامتناع عن زراعة محاصيل بعينها، كما حدث في المنيا مع محصول قصب السكر. ويضاف إلى ذلك تأخر صرف مستحقات المزارعين، الأمر الذي يضر بثقتهم في السياسات الزراعية ويعرقل الاستثمارات الريفية، ويؤثر في النهاية على استقرار المعروض من المحاصيل الاستراتيجية.

ويشير الميرغني إلى أن ملف الاستيراد بات خاضعًا لهيمنة مجموعة من كبار التجار الذين يحتكرون واردات السلع الأساسية ويتقاسمون السوق بشروط تُضعف الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، وهو ما يزيد هشاشة السوق المصرية أمام تقلبات الأسعار العالمية، ويحدّ من قدرة الدولة على ضبط الإمدادات والتسعير.

ويضيف أن الاعتماد الكبير على واردات القمح جعل مصر في موقع شديد التأثر بالأزمات الدولية، موضحًا أن الحرب “الروسية–الأوكرانية” كشفت مدى خطورة الاعتماد على الخارج في تأمين السلع الاستراتيجية، بعدما تعرضت البلاد لصدمات مباشرة في الإمدادات والأسعار.

كذلك يرى الميرغني أن تحرير سعر الصرف ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي منذ 2016 انعكس سلبًا على الأمن الغذائي للفئات الأكثر فقرًا، حيث أدت تقلبات العملة إلى زيادة تكاليف الاستيراد وارتفاع أسعار السلع المحلية، ما دفع الأسر إلى تخفيض استهلاك اللحوم والدواجن والألبان، واللجوء إلى بدائل أقل جودة غذائية، وهو ما توثّقه الدراسات الميدانية التي سجّلت تراجعًا ملحوظًا في استهلاك البروتينات والمغذيات الأساسية.

ويتابع أن أداء هيئة السلع التموينية في تأمين الاحتياطي الاستراتيجي يواجه انتقادات متزايدة، إذ لا تزال مصر تعتمد على الاستيراد لتغطية معظم احتياجاتها من القمح والزيوت والسكر والبقوليات، في ظل تذبذب الكميات المشتراة محليًا، وهو ما يترك البلاد عرضة لضغوط تقلبات السوق الدولية.

ويقول: “السياسات الحكومية الحالية في مجالي الزراعة والتموين لم تُعالج هشاشة النظام الغذائي، بل زادت من تعرضه للصدمات الخارجية وقلّصت جودة التغذية لدى قطاعات واسعة من المواطنين. الإصلاح الحقيقي يتطلب إعادة تصميم الحوافز المقدمة للمزارعين، وتحسين منظومة التموين والتخزين الاستراتيجي، ومكافحة الاحتكار في الاستيراد، وضمان شبكات حماية اجتماعية فعّالة للفئات الأكثر تضررًا.”

وخلال السنوات الأخيرة، تكررت التصريحات الرسمية حول التوسع في الرقعة الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي، غير أن الأرقام المحلية والدولية تعكس واقعًا مغايرًا؛ فبينما تتراجع قدرة المواطن على تأمين غذاء متوازن، تتسع الفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع المعيشي، في ظل اعتماد متزايد على الاستيراد وتفاقم الديون التي تثقل الموازنة العامة بأعباء السداد. ومع استمرار هذا المشهد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: ما مصير الأمن الغذائي للمصريين؟

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search