close

7 حالات انتحار في شهر… مؤشرات خطيرة حول صحة المصريين النفسية

تكشف الوقائع المتكررة لحالات الانتحار، والجدل المتصاعد حول ارتفاع تكاليف العلاج النفسي، أن أزمة الصحة النفسية في مصر لم تعد شأنًا فرديًا أو ملفًا هامشيًا، بل باتت قضية اجتماعية واقتصادية تمس الأمن المجتمعي بأكمله
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

تتناول هذه المقالة موضوع الانتحار وإيذاء النفس في سياق صحفي. إذا كنت تعاني شخصياً من ضائقة نفسية أو أزمة صحية نفسية، يُرجى التواصل مع أخصائي الصحة النفسية أو خدمة دعم الأزمات في بلدك.


 

منذ بداية العام الجاري، شهدت مصر عددًا من حوادث الانتحار، إذ سجل أبريل فقط 7 وقائع متتالية، كان أبرزها واقعة سيدة سموحة بالإسكندرية التي ألقت بنفسها من الطابق الثالث عشر،  تلتها حوادث أخرى؛ فبعد يومين فقط، أقدمت طبيبة علاج طبيعي على الانتحار بالقفز من الطابق الثامن بحي النزهة بالقاهرة.

وفي واقعة مأساوية أخرى سقطت طبيبة بيطرية، تبين لاحقًا أنها مصابة بمرض “الوسواس القهري”، من أعلى شرفة بالطابق الثاني عشر في منطقة كفر طهرمس بمحافظة الجيزة، لتلحق بها بعد يومين سيدة أخرى ألقت بنفسها من الطابق الخامس بمنطقة بولاق الدكرور.

وفي 8 أبريل، أنهى شاب حياته شنقًا أعلى “كوبرى المظلات” بحي الساحل في القاهرة، وشهد يوم 4 أبريل واقعة أخرى، إذ أقدم سائق مسن على الانتحار شنقًا على سور مقر القومسيون الطبي بقرية غيط النصارى، وذلك بعد محاولات متكررة للحصول على معاش. فيما أنهت طبيبة في الثلاثينات من عمرها على إنهاء حياتها شنقًا داخل مسكنها بمنطقة مايو في القاهرة.

وفي يناير الماضي، أعلن الدكتور أحمد البيلي، وكيل وزارة الصحة بالشرقية، أن مستشفيات “بلبيس، والحسينية، والإبراهيمية” المركزية استقبلت 4 حالات محاولة انتحار بحبة الغلة، بينهم طفلة وشاب في مقتبل العمر، ونجحت الأجهزة الطبية في إنقاذ حياتهم.

ومع تكرار حالات الانتحار التي أثارت الكثير من الجدل، دعت  وزارة الصحة المواطنين إلى ضرورة اللجوء للطب النفسي. 

ورغم غياب الإحصائيات الحديثة حول عدد مرضى الاضطرابات النفسية في مصر، كشف آخر مسح  صادر عن الأمانة العامة للصحة النفسية، أن نحو 25% من المصريين يعانون من اضطرابات نفسية، بينما لا تتجاوز نسبة من يتلقون العلاج 0.4%. فيما أوضحت الدراسة أن الاضطرابات الأكثر انتشارًا “الاكتئاب على وجه التحديد” جاءت بنحو 43.7%، واضطرابات تعاطي المخدرات 30.1%.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه المؤسسات الرسمية على أهمية تعزيز الوعي بالصحة النفسية، وضرورة التعامل معها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الصحة العامة، تضاعفت تكاليف خدمات الصحة النفسية والإدمان التي كانت تقدمها وزارة الصحة بأسعار مخفضة، وذلك وفقًا للائحة المالية والإدارية الجديدة، التي بدأ تطبيقها منذ أغسطس الماضي. 

كذلك ارتفعت تكاليف المستشفيات والمراكز الخاصة بشكل ملحوظ، وتبدأ أسعار المصحات النفسية المرخصة في مصر من 3500 إلى 10 آلاف جنيه شهريًا، مع تفاوت هذه التكلفة من مؤسسة إلى أخرى. وتختلف الأسعار بحسب حالة المريض، وطبيعة البرنامج العلاجي، ونوع الإقامة، فضلًا عن مستوى الخدمات الإضافية ووسائل الترفيه المتاحة، وهو ما يعجز عنه عدد كبير من المواطنين، في ظل حد أدنى للأجور لا يتجاوز 8000 جنيهًا.

تضم الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان 24 مستشفى ومركزاً متخصصاً منتشرة في 15 محافظة، متخصصة في تقديم الرعاية النفسية وخدمات علاج الإدمان للمواطنين. وفي عام 2024 قدمت هذه المنشآت أكثر من 624 ألف خدمة طبية عبر عياداتها الخارجية في الفترة من يناير وحتى أكتوبر من العام نفسه. بالإضافة إلى تقديم ما يزيد على 21 ألف  خدمة طبية في عيادات طب نفس المسنين بالعيادات الخارجية خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025.

 

نوصي للقراءة: غرامة مالية مقابل تسرب إشعاعي: ما الذي أقره مجلس النواب؟


مفوضي الدولة توصي بإلغاء القرار

في هذا الإطار، جاء تقرير هيئة مفوضي الدولة في 16 أبريل الماضي، ليزيد من حدة الجدل حول سياسات تسعير خدمات الصحة النفسية، ويعيد طرح مطالب بضرورة دعم منظومة العلاج النفسي وإلغاء اللائحة المالية الجديدة.

وتحت شعار “الحق في الصحة” اعتبر المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن ما انتهى إليه التقرير يمثل انحيازًا واضحًا لحقوق المواطنين، وخطوة قد تمهد لحكم مرتقب من مجلس الدولة يعيد النظر في الأعباء المالية المفروضة على المرضى.

وأوصت هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار وزير الصحة رقم 220 لسنة 2025، فيما تضمنه من إغفال النص صراحة على مجانية علاج غير القادرين في حالات الطوارئ والخطر على الحياة، وذلك في الدعوى المقامة من المركز بالتنسيق مع حملة “مصيرنا واحد”، فيما انتهى التقرير إلى قبول الدعوى شكلًا، مع التوصية بإلغاء القرار جزئيًا وإلزام الجهة الإدارية بالمصروفات.

واستند التقرير إلى أن الحق في الصحة، بما يشمله من رعاية نفسية، حق دستوري أصيل لا يجوز تقييده بالقدرة المالية، خاصة في الحالات الحرجة. وأوضح أن اللائحة خالفت النص الدستوري بإغفالها التمييز بين حالات الطوارئ وحالات الخطر على الحياة، وعدم النص صراحة على شمول الحالتين بالعلاج المجاني لغير القادرين. 

وشدد على أن القدرة الاستيعابية للمنشآت الصحية هي القيد الوحيد المقبول لتقديم الخدمة، وليس القدرة المادية للمرضى، معتبرًا أن استمرار العمل باللائحة بصيغتها الحالية يشكل مخالفة قانونية تستوجب الإلغاء الجزئي.

من جهته يقول المحامي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن المركز يمثل قانونيًا عددًا من أولياء أمور المرضى النفسيين، إلى جانب حملة “مصيرنا واحد” المعنية بالدفاع عن حقوق المرضى النفسيين، موضحًا أن قرار رفع أسعار خدمات العلاج في مستشفيات الصحة النفسية الحكومية بنسبة وصلت إلى نحو 330% شكّل عبئًا كبيرًا على الأسر، وأثار حالة من الغموض بشأن آليات التعامل مع الحالات التي يتطلب إدخالها إلى المستشفيات بشكل إلزامي، خاصة من فاقدي الأهلية أو المرضى غير القادرين.

ويضيف “عدلي” في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن الزيادات الأخيرة دفعت بعض الأسر إلى إخراج ذويها من المستشفيات لعجزها عن تحمل التكاليف، مشيرًا إلى حالات انتهت بشكل مأساوي، وهو ما دفع المركز إلى الطعن على القرار، معتبرًا أن تطبيقه بهذا الشكل “يمثل خطرًا حقيقيًا على حياة المرضى النفسيين”، لا سيما في ظل طبيعة هذه الأمراض التي تتطلب علاجًا مستمرًا، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها خدمات يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها.

ويؤكد أن الطعن لا يستهدف رفض تسعير الخدمات بشكل مطلق، بل يطالب بضرورة التمييز بين القادرين وغير القادرين، بحيث لا تتحول التكلفة إلى عائق أمام تلقي العلاج، خاصة أن غياب الرعاية النفسية قد يؤدي إلى فقدان الحياة أو تعريض المريض ومن حوله للخطر. وأعرب عن أمله في أن تنتهي المحكمة إلى حكم منصف يعيد التوازن إلى منظومة العلاج النفسي، في ظل تصاعد الحديث الرسمي عن أهمية الصحة النفسية بعد الحوادث الأخيرة. مشيرًا على أن الحكم المرتقب في حال جاء بإلغاء قرار وزارة الصحة، فسيكون على الوزارة إلغاء اللائحة وإعادة النظر في أسعار الخدمة من جديد.

وكان المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،  أقام دعوى قضائية حملت رقم 86235 لسنة 79 أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة، وكلاء عن عدد من المتضررين من أوصياء وأولياء أمور عدد من المرضى إلى جانب مختصين ومهتمين بمجال الطب النفسي، ضد كل من: وزير الصحة بصفته، والأمين العام للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بصفته، ورئيس المجلس القومي للصحة النفسية بصفته، ومدير مستشفى العباسية للصحة النفسية وعلاج الإدمان بصفته، بشأن قرار الوزير رفع تكاليف الرعاية والعلاج بمستشفيات الصحة النفسية.

وبموجب القرار رقم 2020 لسنة 2025، نصت اللائحة على أن تتراوح تكلفة إقامة المريض بين 150 و550 جنيهًا يوميًا، بحسب درجة الإقامة، وذلك دون احتساب تكاليف الخدمات الطبية والعلاجية. ويأتي ذلك مقارنة بما كانت عليه الأسعار سابقًا، حيث تراوحت تكلفة الإقامة بين 5 و200 جنيه يوميًا.

وفي ورقة أصدرها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بعنوان “بين النص والتطبيق.. فجوة الحماية الاجتماعية في قضايا الأسرة والصحة النفسية” عقب انتحار سيدة سموحة بالإسكندرية، رأى  أن الاكتفاء بالتصريحات الرسمية التي تركز على التوعية بمخاطر الانتحار، دون معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية للأزمة، يعكس قصورًا واضحًا في الاستجابة. ويؤكد أن التوعية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل سياسات عامة عادلة تضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، وتخفف الضغوط المعيشية، وتوفر آليات فعالة لدعم الأسر، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين النصوص القانونية وتطبيقها الفعلي.

ويشير المركز إلى أن استمرار تحديد سقف منخفض للنفقة المصروفة عبر بنك ناصر الاجتماعي، إلى جانب ارتفاع تكاليف خدمات الصحة النفسية، يعمّق من هشاشة أوضاع النساء والأطفال، ويقوض الحق في الحماية الاجتماعية والصحة. كما يلفت إلى أن هذه الاختلالات تعكس خللًا هيكليًا يتطلب تدخلًا مؤسسيًا وتشريعيًا عاجلًا، يضمن تنفيذ الأحكام القضائية بفعالية، وربط قيم النفقة بالمتغيرات الاقتصادية، وإتاحة خدمات الصحة النفسية بصورة عادلة وميسورة، بما يتسق مع التزامات الدولة بحماية الفئات الأولى بالرعاية.

 

الفقر يقتل الأسر.. ظاهرة الانتحار الجماعي تتصاعد في مصر

 

اللائحة تهدد مرضى الاضطرابات النفسية 

كانت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان حذّرت، في تقرير نشرته في سبتمبر الماضي، من ارتفاع مقلق في حالات الانتحار في مصر، بعدما رصدت 216 حالة خلال عام 2024، مشيرة إلى أن العدد الفعلي قد يتجاوز هذا الرقم بأكثر من عشرة أضعاف نتيجة نقص الشفافية وعدم إعلان الجهات الرسمية للأرقام الدقيقة. 

ولفت التقرير إلى أن الأسباب الأكثر شيوعًا ترتبط بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الاضطرابات النفسية، والخلافات الأسرية، والفشل الدراسي، وتأخر الزواج، مؤكدًا أن الفئة الأكثر عرضة هي الشباب بين 21 و30 عامًا، وأن الذكور يمثلون نحو 65.7% من الحالات.

في السياق يقول الدكتور أحمد حسين، منسق حملة “مصيرنا واحد” وأحد مقيمي الدعوى القضائية وعضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا، إن الحملة هي مبادرة تضم مجموعة من المهتمين بالصحة، وتهدف إلى التصدي لتداعيات اللائحة المالية الجديدة لأسعار خدمات الصحة النفسية على المجتمع.  ويوضح أن أثر هذه اللائحة يمتد إلى أبعاد اجتماعية وقضائية واقتصادية، بما يهدد استمرارية علاج مرضى الاضطرابات النفسية والإدمان ويعمّق من أزماتهم.

ويرى “حسين”  في حديثه لــ”زاوية ثالثة” أن الصحة، وخاصة الصحة النفسية، تُعد مسألة أمن قومي، نظرًا لأن المريض النفسي غالبًا ما يمر بفترات عدم استقرار تفقده القدرة على اتخاذ القرار أو إدارة شؤون حياته، وهو ما ينعكس سلبًا ليس فقط عليه، بل على أسرته والمجتمع المحيط به، مشيرًا إلى أن بعض الحالات، مثل الاكتئاب الحاد والفصام والميول الانتحارية، قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة أو إلى سلوكيات خطرة في حال عدم تلقي العلاج المناسب.

ويشير عضو مجلس الأطباء السابق إلى أن إنشاء الأمانة العامة للصحة النفسية عام 1997 اتخذه الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك عقب حادث إرهابي تصدى له أحد المصابين باضطرابات نفسية، معتبرًا أن ما يحدث حاليًا “ارتداد لعصور عصر الظلام”، وأن تسعير خدمات الصحة النفسية يمثل “كارثة مجتمعية” تنعكس سلبًا على الدولة ككل، مشيرًا إلى أن الدراسات في الكثير من الدول تؤكد أن تكلفة عدم علاج المرضى النفسيين ومرضى الإدمان تصل إلى ضعفين ونصف تكلفة العلاج، أي أن علاج المرضى يوفر على الدولة أكثر مما يكلفها عدم علاجهم.

كذلك يوضح أن عدم العلاج يؤدي إلى فقدان المريض لقدرته الإنتاجية، وتأثر أسرته التي قد ينشغل فرد أو أكثر منها برعايته، إضافة إلى تفكك اجتماعي قد يصل إلى الطلاق أو الأزمات الأسرية، فضلًا عن أن مرضى الإدمان قد يلجؤون إلى ارتكاب جرائم للحصول على المواد المخدرة، وما يترتب على ذلك من جرائم وسجن وتكاليف إضافية على الدولة.

وينتقد منسق حملة مصيرنا واحد وعضو مجلس نقابة الأطباء سابقًأ، ما وصفه بقصر النظر إلى البعد الاقتصادي الحقيقي عند اتخاذ القرار،  وأن الأسعار قبل اللائحة الجديدة كانت تشمل 60% من الأسرة مجانًا، و40% بدرجات اقتصادية، تبدأ من نحو 5 جنيهات يوميًا وتصل إلى 200 جنيه في الدرجة الفندقية، بما يعادل من 150 جنيهًا شهريًا إلى نحو 6000 جنيه، بينما بعد اللائحة الجديدة أصبح أقل سعر للإقامة 150 جنيهًا يوميًا أي 4500 جنيه شهريًا، ويصل إلى 11500 جنيه شهريًا، ما تسبب في خروج  الكثير من المرضى من المستشفيات دون عودة.

ويرى منسق حملة مصيرنا واحد أن القرار غير منطقي حتى من منظور اقتصادي بحت، لأنه يؤدي إلى خسائر أكبر على الدولة مقارنة بتكلفة العلاج، وأن التعامل مع الصحة النفسية بهذه الطريقة يمثل تراجعًا خطيرًا، وأنه لم يتم الأخذ بآراء المختصين أو العاملين على قانون حقوق المريض النفسي.

نشرت منظمة الصحة العالمية دراسة في مجلة The Lancet Psychiatry في 13 أبريل لعام 2016، تناولت التقدير المتكامل للعوائد الصحية والاقتصادية للاستثمار في علاج الاكتئاب والقلق على مستوى عالمي. وأوضحت الدراسة أن عدد المصابين بالاضطرابات النفسية الشائعة في تزايد مستمر، حيث ارتفع من 416 مليون شخص عام 1990 إلى 615 مليون شخص عام 2013.

واستعرضت الدراسة تكاليف العلاج  والمحصلة الصحية في 36 بلدًا من البلدان منخفضة ومتوسطة ومرتفعة الدخل، على مدى خمسة عشر عامًا من 2016 إلى 2030. 

وخلصت إلى أن التكاليف المقدرة للتوسع في العلاج، والذي يشمل في الأساس المشورة النفسية الاجتماعية والأدوية المضادة للاكتئاب، تبلغ نحو 147 مليار دولار أمريكي. في المقابل، أوضحت الدراسة أن العوائد تفوق هذه التكاليف بشكل واضح؛ إذ إن تحسين مشاركة القوى العاملة ورفع إنتاجيتها بنسبة 5% يقدَّر بنحو 399 مليار دولار أمريكي، بينما يضيف تحسين الصحة العامة نحو 310 مليارات دولار أمريكي كعوائد إضافية، ما يعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمار في خدمات الصحة النفسية.

ومع ذلك، أشارت المنظمة في دراستها فإن الاستثمار الحالي في خدمات الصحة النفسية يقل بكثير عن اللازم. فوفقاً لمسح عام 2014 لأطلس الصحة النفسية التابع للمنظمة، تنفق الحكومات 3% في المتوسط من ميزانيات الصحة الخاصة بها على الصحة النفسية، وتتراوح النسبة من 1% في البلدان المنخفضة الدخل إلى 5% في البلدان المرتفعة الدخل. وخلصت الدراسة إلى أن كل دولار يُستثمر في علاج الاكتئاب والقلق يمكن أن يحقق عائدًا يصل إلى أربعة أضعافه، ما يعزز أهمية إدماج الصحة النفسية ضمن أولويات السياسات الصحية والاقتصادية عالميًا.

يُعد الحق في الصحة حقًا دستوريًا أصيلًا في الدستور المصري الصادر عام 2014 وتعديلاته عام 2019، حيث تنص المادة (18) على أن “لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، مع إقامة نظام تأمين صحي شامل يغطي جميع المواطنين ويشمل جميع الأمراض”.

 

نوصي للقراءة: نزيف الأدوية.. نقص الدولار يُهدّد صحة المصريين

قرارات منفصلة عن الواقع 

من جهتها، تقول الدكتورة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب ورئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، إنها دائمًا ما تختلف مع وزارة الصحة عند رفع اللوائح المالية الخاصة بتقديم الخدمة الصحية، مؤكدة أن الخدمة الصحية حق دستوري، ولا سيما للبسطاء.

وتضيف في حديثها لــ”زاوية ثالثة”  أنه في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية، والتي تعد من أهم أسباب تفاقم المرض النفسي بين المواطنين، تبدو وزارة الصحة منفصلة عن الواقع عندما ترفع أسعار الخدمات الخاصة بالعلاج النفسي، متسائلة عما إذا كانت هذه الخدمات مرتبطة بسعر الدولار، كما تبرر الحكومة ارتفاع تكلفة الدواء وزيادة فاتورة المستلزمات الطبية المستوردة. مؤكدة في ختام حديثها أن إعادة النظر في اللائحة المالية للخدمات الصحية أمر ضروري.

وفي السياق ذاته تنتقد إلهام عيداروس، الناشطة النسوية ووكيل مؤسسي حزب العيش والحرية تحت التأسيس، عدم وجود أرقام رسمية أو إحصاءات دقيقة عن مرضى الاضطرابات النفسية في مصر، لكن من خلال ملاحظاتها كمواطنة، ترى في حديثها لـ”زاوية ثالثة” أن أعداد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية ويعيشون في الشارع تبدو في تزايد. 

 وتشير إلى أنها تلاحظ بشكل متكرر وجود أكثر من شخص من المشردين أو من ذوي الاضطرابات النفسية في محيط سكنها، بعد أن كان العدد أقل في السابق، وهو ما تراه يحتاج إلى دراسة علمية ورسمية لتحديد أسبابه بدقة.

وتضيف “إلهام” أن ما لفت انتباهها هو التعديلات على اللائحة المالية والإدارية للمستشفيات النفسية الحكومية، خاصة فيما يتعلق بتكاليف الإقامة الطويلة والعلاج المزمن وعلاج الإدمان، حيث أن الأسر غير القادرة على تحمل هذه التكاليف لن يكون أمامها سوى ترك المرضى دون علاج، بينما يلجأ القادرون إلى القطاع الخاص مرتفع التكلفة، ما قد يؤدي إلى خروج بعض الحالات إلى الشارع.

وتشير الناشطة النسوية إلى أن سياسات تقليل الإنفاق العام على الصحة، إلى جانب التوسع في خصخصة الخدمات الصحية تحت مسميات مثل “تطوير الإدارة” أو “تشغيل المرافق”، تزيد من تفاقم الأزمة، في ظل نقص عدد الأطباء والمعالجين النفسيين وندرة التخصص أصلًا، معتبرة أن هذا الاتجاه يعمّق الفجوة في تقديم الخدمة للفئات الفقيرة، ويحول دون حصول المرضى النفسيين على الرعاية اللازمة، ما ينعكس سلبًا على المجتمع ككل.

وفيما يتعلق بالنساء، ترى عيداروس أن النساء تعاني بشكل أكبر في مجال الصحة النفسية والإدمان، بسبب الوصمة الاجتماعية والخوف من المسؤولية، ما يجعل النساء أكثر ترددًا في طلب العلاج. وأضافت أن النساء المشردات أو المصابات باضطرابات عقلية يتعرضن لمضاعفات أشد، تشمل الجوع والتشرد إضافة إلى العنف والاعتداءات الجنسية، ما يجعل وضعهن أكثر هشاشة من الرجال.

كان حزب العيش والحرية تقدم بورقة في إحدى جلسات الحوار الوطني معتبرًا أن الصحة النفسية ضرورة وليست رفاهية، واعتبرت الورقة في مقدمتها أن  الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من الصحة العامة وضرورة لدمجها داخل نظام التأمين الصحي الشامل، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي أُرت بشكل كبير على ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية، خصوصًا بين الشباب والنساء. مشييرة إلى أن الشباب، الذين يمثلون نحو 21% من السكان، يشهدون ارتفاعًا ملحوظًا في نسب تعاطي المخدرات والإدمان، إلى جانب تصاعد العنف ضد النساء، ما يعكس اتساع الفجوات في الحماية والرعاية الاجتماعية.

وأكدت الورقة أن منظومة علاج الإدمان والصحة النفسية في مصر تعاني من تحديات هيكلية، أبرزها نقص الكوادر الطبية والنفسية وهجرة الأطباء وغياب تنظيم مهني واضح للأخصائيين النفسيين، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الجهات المعنية وتوسع غير منضبط في مراكز العلاج غير المرخصة. كما تربط بين هذه الأوضاع وتراجع الإنفاق العام على الصحة واتجاه الدولة نحو خصخصة الخدمات، بما يحد من قدرة الفئات الأكثر احتياجًا على الحصول على العلاج والرعاية المناسبة.

وفي إطار الحلول، دعت الورقة إلى زيادة الاستثمار في الصحة النفسية واعتبارها أولوية داخل السياسات الصحية، وتطوير استراتيجية وطنية متكاملة تشمل الوقاية والعلاج وإعادة الدمج الاجتماعي للمتعافين، مع توفير كوادر مدربة وتحفيزها ماديًا ومهنيًا. 

واقترحت كذلك إدماج خدمات الدعم النفسي في المدارس والجامعات وأماكن العمل، وإنشاء وحدات متخصصة في المستشفيات وأقسام الشرطة، إلى جانب تطوير الإطار القانوني لضمان الحماية من العنف، خاصة ضد النساء، وتعزيز التعاون بين الدولة والمجتمع المدني لتوسيع نطاق الخدمات وضمان عدالتها.

تكشف الوقائع المتكررة لحالات الانتحار، والجدل المتصاعد حول ارتفاع تكاليف العلاج النفسي، أن أزمة الصحة النفسية في مصر لم تعد شأنًا فرديًا أو ملفًا هامشيًا، بل باتت قضية اجتماعية واقتصادية تمس الأمن المجتمعي بأكمله، وبينما تتزايد الضغوط المعيشية وتتسع الفجوة بين الحاجة إلى العلاج والقدرة على تحمله، تبدو الحاجة ملحّة إلى سياسات عامة أكثر عدالة، تضمن إتاحة خدمات الصحة النفسية للجميع.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search