رغم الدور السياسي والدبلوماسي الذي تلعبه القاهرة لمحاولة خفض التصعيد الإقليمي، وإدانتها للاستهداف الإيراني لدول الخليج، منذ بداية الحرب، تواجه مصر انتقادًا حادًا لا يقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها شملت سياسيين وكتاب خليجيين بارزين.
الانتقادات التي جاءت متفاوتة بين تلمحيات بضعف الدور المصري، وهجوم واضح على القاهرة، تركزت جميعها حول فكرة غياب الدعم العسكري المصري لدول الخليج، في مواجهة الهجمات الإيرانية. وطالت أيضًا جامعة الدول العربية، مهاجمة ما اعتبرته غيابًا لتحرك عربي أكثر فاعلية في مواجهة التصعيد.
في المقابل توالت التصريحات والبيانات الرسمية، تؤكد موقف القاهرة الداعم للعواصم الخليجية، بينما تتواصل التحركات على المستويين السياسي والدبلوماسي بشكل مكثف في محاولة لوقف التصعيد.
وعلى مستوى الداخل المصري، أثار الموقف الرسمي جدلًا، وقد اعترض عدد من النواب على البيان الصادر عن مجلس الشيوخ المصري إزاء الأحداث، وقالوا إنه لم يدين بشكل واضح العمليات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
ومن جانبه أجرى الرئيس المصري جولة موسعة في مارس الماضي إلى السعودية والبحرين، إلى جانب زيارات سابقة للإمارات وقطر، وركز خلال المباحثات على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، والتأكيد على أن أمن الخليج يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
نوصي للقراءة: الحرب على إيران.. كيف يلامس التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي حدود مصر؟

استهداف القواعد الأمريكية أم العواصم الخليجية؟
يؤكد السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مصر منذ البداية دعمت دول الخليج وحرصت على التواصل معها لمعرفة احتياجاتها، سواء كانت دعمًا سياسيًا أو غيره، مؤكدًا أن القاهرة بذلت كل الجهود الممكنة سياسيًا ودبلوماسيًا، لمحاولة احتواء الموقف ومنع توسع الحرب.
ويضيف مساعد وزير الخارجية الأسبق في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن إيران حذرت قبل اندلاع الحرب بحوالي شهر، أن أي استخدام للقواعد العسكرية في الدول المجاورة ضدها سيواجه برد مباشر في نفس المواقع، وأن التحذير شمل كافة المصالح الأمريكية وأبلغت إيران بذلك جميع دول الخليج والأمين العام للأمم المتحدة.
ويتابع: “عندما بدأت العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، نفذت إيران ما حذرت منه، بسبب استخدام هذه القواعد في الضربات، مما يمثل اختراقًا لسيادة دول الخليج واعتداءً على استقلالها.”
ويوضح أن المسؤولية لا تقع على مصر، لأن جميع الدول العربية، بما فيها البرلمانات ووزراء الخارجية، استنكرت هذا الاعتداء، ولم يكن بالإمكان منع الضربات الإيرانية طالما أن القواعد في دول الخليج تستخدم لمساعدة إسرائيل والولايات المتحدة في تدمير المنشآت الإيرانية.
ويشير “حسن” إلى أن ما أثير على وسائل التواصل الاجتماعي من تعاطف مصري مع إيران بعيد عن الموقف الرسمي، وأن الرأي العام المصري تعاطف مع إيران كونها كانت في مسار تفاوضي وفق ما أكده الوسيط العماني، وكان هناك تقدم ملموس وحددت جلسة تفاوضية، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل اعتدت على إيران قبل انعقاد الجلسة الثانية، مما أثار تعاطف الشعب المصري مع دولة إسلامية تعرضت للاعتداء، مؤكدًا الفرق بين الموقف الرسمي الذي يسعى لاحتواء الأزمة والموقف الشعبي على السوشيال ميديا.
ويشدد الدبلوماسي المصري السابق أن ما حدث يمثل عدوانًا أمريكيًا إسرائيليًا على إيران، وأن الرد الإيراني كان دفاعيًا طبيعيًا، حيث نشطت كل أذرعها في العراق ولبنان واليمن. وأن الرد الإيراني استهدف القواعد والمصالح الأمريكية نظرًا للأضرار الفادحة التي لحقت بها.
من جانبه يوضح، محمد عبد الحفيظ وكيل نقابة الصحفيين أن استهداف بعض المواقع في دول الخليج يرتبط في الأساس بوجود قواعد عسكرية ومصالح أمريكية، معتبرًا أن ذلك يفسر طبيعة الأهداف في التصعيد الجاري.
ويلفت إلى ما أورده تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” بشأن نقل قوات أمريكية من قواعد عسكرية إلى مواقع مدنية داخل بعض الدول الخليجية، وهو ما قد يغيّر طبيعة المخاطر المرتبطة بهذه المواقع.
وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” أفادت في تقرير لها أن الضربات الإيرانية ألحقَت أضرارًا جسيمة بعدد من القواعد العسكرية الأمريكية، ما دفع غالبية القوات “باستثناء المشاركين مباشرة في تشغيل الطائرات وتنفيذ العمليات الجوية” للعمل من فنادق ومكاتب مدنية، فيما أصبحت عدة قواعد من بين 13 موقعًا أمريكيًا غير صالحة للإقامة، وكانت القاعدة في الكويت الأكثر تضررًا، إذ قُتل ستة من أفراد الخدمة الأمريكية في مركز العمليات التكتيكية في الشعيبة، بينما تضررت أنظمة الرادار ومعدات الاتصالات في قطر والبحرين والسعودية.
الكيماويات والمعادن في المقدمة: مصر تُسرّع بيع 60 شركة حكومية
ماذا تريد دول الخليج من مصر؟
في عدد من التدوينات المنفصلة على منصة إكس، يرى اللواء السعودي السابق عبدالله غانم القحطاني والمعروف بقربه من دوائر النظام السعودي، أن حرب الصواريخ الإيرانية على دول الخليج كشفت عن ما وصفه بـ “وهم الأخوة العربية” الذي تمسك به الخليجيون طويلاً، معتبرًا أن هذا الشعار قد أُفرغ من مضمونه وبات مجرد خطاب إعلامي يُستهلك في الرخاء ويتبخر عند أول اختبار حقيقي.
ويرى أن الواقع السياسي أثبت أنه يُدار بمنطق المصالح لا المبادئ، مما تسبب في خيبة أمل كبرى لدى شعوب وحكومات الخليج التي وثقت بمحيط عربي لم يقف معها في لحظات الخطر الوجودي.
ويوضح القحطاني أن ستة عشر يومًا من القصف الصاروخي الإيراني كانت كفيلة بكشف حجم الخذلان، حيث ساد صمت ثقيل وغاب الحد الأدنى من التضامن العربي، بل ظهرت تبريرات وصفها بـ”الباردة وحالات شماتة صريحة” من بعض النخب السياسية والثقافية. ويرى أن هذا الانكشاف كشف عن مزاج سياسي لا يرى في الخليج حليفاً، بل مجرد ساحة ثرية قابلة للاستنزاف، وهو ما استوجب ضرورة إعادة تعريف الصديق بعيداً عن المجاملات القديمة.
ويشدد القحطاني على أن هذه الحرب كانت “لحظة فرز قاسية” أسقطت الأقنعة ووضعت العلاقات العربية أمام اختبار فشلت فيه، مما يستوجب على قادة السياسة والإعلام في السعودية تغيير لغة الخطاب التي أوهمت الناس بطبيعة العلاقات مع المحيط المجاور.
وفيما يخص القوى الإقليمية، اعتبر القحطاني مصر خاسرًا سياسيًا واضحًا في نظر الرأي العام الخليجي، بسبب ما وصفه بـ “التقية السياسية” والمواقف المتباينة التي أظهرت تعاطفاً مع السلوك الإيراني العدائي – على حد وصفه.
و يشير إلى أن هذا الموقف أحدث فجوة في تقدير حساسية المرحلة، مما قد يدفع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، إلى إجراء مراجعات أعمق لمستوى التعاون الاستراتيجي مع القاهرة بما يتناسب مع معطيات المرحلة الجديدة التي لا تقبل التردد في المواقف المصيرية.
من جهته يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن دول الخليج كانت تتوقع من مصر تحريك القوات المسلحة، والتواجد على الأرض وفي مياه هذه الدول للمشاركة في ضرب إيران عسكريًا.
ويوضح “ربيع” في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن الموقف المصري كان مخالفًا تمامًا لتلك التوقعات، ويصفه بأنه “منطقي وسليم”، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية: أولًا، أن الحرب لم تبدأ من إيران بل كانت ضحية العدوان الأمريكية الإسرائيلي؛ ثانيًا، مشاركة مصر كانت ستعني إشراك دول الخليج في الحرب، في حين أن معظم هذه الدول رفضت الانخراط في صراع ليس صراعها؛ وثالثًا، أي مشاركة مصر كانت ستثبت أنها تحارب إلى جانب عدوها التقليدي إسرائيل ضد إيران، وهي إحدى الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وعضو في دول عدم الانحياز، وهو ما كان مبررًا وجيهًا للغاية لعدم المشاركة بالمعنى الذي توقعه البعض في الخليج.
وحول تأثير هذا الموقف على الاستثمارات والعمالة الخليجية في مصر، يرى “ربيع” أن الأمر لن يصل إلى هذه المرحلة، مشيرًا إلى أن العمالة والاستثمارات مستمرة بشكل طبيعي، وأن الدول الخليجية مستفيدة من هذه الاستثمارات، مستدركًا أن أعداد العمالة كبيرة جدًا، في دول الخليج، ما يجعل أي تغييرات مستحيلة على الأقل على المدى القريب.
ويوضح نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن محاولات الرئيس المصري والزيارات الدبلوماسية المستمرة تهدف إلى ترميم أي شرخ محتمل، وأن مصر ليست سببًا لهذه الخلافات.
ويشير إلى أن دول الخليج نفسها لم تكن دائمًا داعمة لمصر في بعض الملفات والمواقف الهامة، مثل قضية سد النهضة الإثيوبي، إذ كان هناك دعم لإثيوبيا على حساب مصر، مستشهدًا باستثمارات الإمارات في سد النهضة وزيارة رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد للإمارات قبل أسبوعين، مؤكدًا أن هذا يوضح أن الحديث عن دعم مستمر أو مساندة كاملة ليس دقيقًا دائمًا.
وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نفى في تصريحات صحفية، تلقي القاهرة أي دعوات خليجية للتدخل العسكري في الصراع الجاري، مؤكداً أن مصر لم تتلقَ مثل هذه المطالبات.
وأشار عبد العاطي إلى وجود تحركات إقليمية لوضع ترتيبات أمنية جديدة، لكنه شدد على رفض أي محاولات لفرض تصورات أو أفكار خارجية. مؤكدًا أن مصر تُفضّل الحلول الدبلوماسية وفق الأطر القانونية والاتفاقيات العربية، وعلى رأسها اتفاقية الدفاع المشترك.
وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أنه :”لا يجوز للرئيس إرسال قوات مسلحة خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بالأغلبية، على أن يكون ذلك في مهام قتالية للدفاع عن الأمن القومي”.
كيف تتحرك القاهرة؟
نشرت الهيئة العامة للاستعلامات، تقريرًا مفصلًا عن التحركات الدبلوماسية والرسمية التي قامت بها مصر منذ بداية الحرب.
وأوضح التقرير أن مصر تتبنى مسارًا دبلوماسيًا وأمنيًا متعدد الأبعاد لاحتواء تداعيات الحرب، مع التركيز على منع امتدادها إلى عمق المنطقة العربية، وإدراكها أن استقرار دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
كذلك استضافت القاهرة اجتماعات ثلاثية ضمت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، واستمرت متابعة المسارات التفاوضية منذ يونيو 2025، مع التركيز على خطوات عملية للتحقق من المنشآت النووية الإيرانية وزيادة الشفافية.
وعقب اندلاع الحرب، واصلت القاهرة جهودها على المستويين الثنائي ومتعدد الأطراف مع دول الخليج والشركاء الدوليين، شملت السعودية والإمارات وقطر والكويت وتركيا وباكستان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بهدف تنسيق التحركات العربية والدولية لخفض التصعيد.
بالإضافة إلى عقد اجتماعات وزارية رفيعة المستوى، ومتابعة مستمرة لتداعيات الحرب على الأمن الإقليمي والطاقة والتجارة، مع التأكيد على تعزيز الحلول السلمية، ورفض أي اعتداء على سيادة الدول العربية، والعمل على حماية الأمن والاستقرار الإقليميين من خطر الانزلاق إلى فوضى شاملة.
وفي السياق كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها، عن نجاح المخابرات المصرية في إقامة تواصل مباشر مع الحرس الثوري الإيراني ضمن دبلوماسية غير رسمية، أسهمت في تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه ضربات لإيران.
ووفق الصحيفة، تمكنت المخابرات المصرية من فتح قناة اتصال مع الحرس الثوري، الجهاز شبه العسكري الأقوى المسؤول عن حماية النظام في طهران، والذي يُعد أبرز كيان أمني وسياسي في البلاد، وقدمت مقترحًا لوقف الأعمال العدائية لمدة خمسة أيام لبناء الثقة تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار دائم.
ويقول الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين، إنه لا توجد أي مواقف رسمية صادرة عن دول الخليج تنتقد الدور المصري، وأن ما يُثار في هذا السياق يقتصر على بعض الأصوات من سياسيين وكتاب من دول الخليج على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي انطلقت من تصورات غير واقعية بإمكانية انخراط مصر عسكريًا في الصراع الدائر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ويوضح عبد الحفيظ في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن هذا الطرح “غير وارد على الإطلاق”، في ضوء ما وصفه بالثوابت الاستراتيجية للدولة المصرية، التي لا يمكن أن تضع مصر في موقع اصطفاف مع إسرائيل في أي مواجهة إقليمية، معتبرًا أن العقيدة العسكرية والسياسية المصرية لا تزال تتعامل مع إسرائيل بوصفها “العدو الاستراتيجي”، في حين تُعد إيران دولة إقليمية قائمة، رغم الخلافات والتنافس معها.
ويضيف وكيل نقابة الصحفيين أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في طبيعة الموقف من إيران، بقدر ما ترتبط بغياب مشروع عربي متكامل قادر على موازنة النفوذ الإيراني في المنطقة، مشيرًا إلى أن طهران تمتلك مشروعًا واضحًا تسعى إلى توسيعه إقليميًا، في مقابل غياب رؤية عربية موحدة للتعامل مع هذا التمدد.
وفيما يتعلق بالمواقف داخل دول الخليج، يشير إلى أن عددًا من المفكرين والشخصيات القريبة من دوائر صنع القرار عبّروا عن رفضهم الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران، باعتبار أن الصراع الحالي يحمل أبعادًا أمريكية-إسرائيلية، وقد يؤدي إلى جر المنطقة نحو مواجهة عربية-إيرانية.
ويلفت إلى تصريحات لشخصيات بارزة، من بينها حمد بن جاسم آل ثاني رئيس الوزراء القطري الأسبق و الأمير تركي الفيصل من عائلة آل سعود، اعتبرت أن الانخراط في مثل هذا التصعيد يمثل خطرًا على استقرار دول الخليج.
ويشير الكاتب الصحفي ووكيل نقابة الصحفيين إلى أن بعض الأصوات التي تُبدي انتقادات للموقف المصري تنطلق من شعور بالضغط الناتج عن استهداف أراضٍ تضم قواعد عسكرية أمريكية، وهو ما يخلق انطباعًا بغياب الدعم، رغم أن الدور المصري تركز في الدعم السياسي والدبلوماسي، والعمل على الوساطة ونقل الرسائل بين الأطراف- بحسب وصفه.
ويؤكد أن مصر، عبر أجهزتها، منخرطة في قنوات تواصل غير مباشرة مع أطراف إقليمية، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني، في إطار جهود تهدف إلى إيجاد صيغ لاحتواء التصعيد، وهو ما يبرز دور مصر كوسيط إقليمي في أوقات الأزمات.
وكان حمد بن جاسم آل ثاني رئيس الوزراء القطري الأسبق، قد أكد في تدوينة له عبر منصة إكس، أن دول مجلس التعاون الخليجي يجب ألا تُجَر إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رغم انتهاك الأخيرة لسيادة دول المجلس وبدئها بالهجوم على الأراضي الخليجية.
وأضاف أن الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران قد يؤدي إلى استنزاف الموارد ويفتح المجال لقوى إقليمية ودولية للتحكم بالدول الخليجية تحت ذريعة المساعدة، مؤكدًا على ضرورة تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وأشار بن حمد إلى أن بعد انتهاء المعركة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ستكون هناك قوى جديدة في المنطقة وقد تزداد نفوذ إسرائيل، ومن ثم يجب أن تتصرف دول المجلس كيد واحدة موحدة لمواجهة أي اعتداء ورفض أي محاولات للابتزاز أو فرض الإملاءات عليها.
نوصي للقراءة: رفع أسعار الوقود للمرة الـ21 منذ 2019.. الحرب ذريعة والمصريون يدفعون الفاتورة
لماذا يرفض الخليج فكرة “الجيش العربي”؟
أكدت القاهرة أكثر من مناسبة على ضرورة تفعيل أطر الأمن القومي العربي والتعاون المشترك كخطوة استراتيجية أساسية لحماية سيادة الدول العربية واستقرارها، وشددت على أهمية الإسراع في اتخاذ خطوات عملية واستحداث آليات جديدة، بما في ذلك سرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.
لكن هذا المقترح واجه انتقادات خليجية، مثلًا يصفه اللواء القحطاني بأنه خطوة متأخرة وتأتي بعد فوات الأوان، واعتبرها نوعًا من التلاعب والخداع الإعلامي، يهدف لتجميل المواقف بعد أن أثبتت دول الخليج قدرتها على حماية نفسها من العدوان عبر تحالفاتها الدولية وقدراتها الذاتية الدفاعية.
ويشير القحطاني إلى أن مفهوم “الأمن العربي المشترك” قد سقط عملياً وأصبح شعارًا بلا مضمون، إذ أظهرت الأحداث أن قضايا الأمن في الخليج لا تُعد مسائل عربية جامعة إلا حين تمس مصالح الآخرين، وأن الغالبية العظمى من المواقف العربية تجاه الخليج كانت في لحظات الخطر صامتة أو مترددة.
مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستشهد إدارة العلاقات الخليجية وفق عقلية المصالح الوطنية أولاً، بحيث تُمنح المساعدات والتحالفات على أساس المواقف الفعلية والالتزام السياسي الواضح من الشركاء، وليس بدافع العاطفة أو الشعارات الإعلامية.
في المقابل يؤكد السفير رخا أحمد حسن، أن التجارب السابقة أثبتت أن الدول العربية بلا درع دفاعي متكامل معرضة للخطر، حتى أمام قواعد أمريكية مزودة بأحدث التقنيات، إذ لم تتمكن هذه القواعد نفسها من صد صواريخ أو طائرات مسيّرة إيرانية بسيطة، سواء عن نفسها أو عن الدول المضيفة لها.
ويشير “حسن” إلى موقف إيران الرسمي، إذ صرح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن طهران على استعداد لتشكيل لجنة مشتركة من دول الخليج وإيران للتحقق من الاعتداءات على منشآت النفط والمدن المدنية في المنطقة، مؤكدًا أن إيران ليست لديها نية لاستهداف المنشآت العربية المدنية.
من جهته يرى الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ وكيل نقابة الصحفيين، أن مقترح وزارة الخارجية يحمل رسالة تتعلق بضرورة بناء منظومة أمن إقليمي عربي مستقلة، مشيرًا إلى أن تحقيق ذلك يتطلب تنسيقًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا بين الدول العربية، في ظل تعقيدات العلاقات الإقليمية والدولية.
تكشف تداعيات الحرب والتصعيد الإقليمي عن فجوة متزايدة بين توقعات بعض الأطراف الخليجية وحدود الدور المصري، فبينما تراهن القاهرة على أدوات الدبلوماسية والوساطة واحتواء الأزمات، يظل جزء من الخطاب الخليجي أسير تصور تقليدي للدعم يقوم على الانخراط العسكري المباشر.