close

مجزرة أبنوب: 9 قتلى والجاني كان معروفًا للأمن وعضوًا في لجان المصالحات

أطلق رجل 48 عامًا كان عضوًا في لجان المصالحات ومساعد أمين حزب النار عشوائيًا في شوارع مركز أبنوب بأسيوط قاتلًا 9 أشخاص بينهم نساء وأطفال، فيما تؤكد شهادات الأهالي أنه كان معروفًا لدى الأمن ومتحركًا علنًا بسلاح آلي لسنوات، في حادث كشف عن تداخل أزمات السلاح غير المرخص ومخدر الشابو والنفوذ الإجرامي في الصعيد.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

شهد مركز أبنوب بمحافظة أسيوط، الإثنين الماضي، حادث إطلاق نار جماعي عُرف إعلاميًا بـ”مجزرة أبنوب”، وثقتها مقاطع فيديو متداولة، لإطلاق أحد الأشخاص النيران بشكل عشوائي على مجموعات من المواطنين، ما أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 5 آخرين، بينهم سيدات وأطفال. 

الواقعة التي أثارت حالة واسعة من الجدل والغضب،  بدأت بالقرب من المعهد الديني عند منطقة الشيخ حسن، بعدما اصطدمت سيارة الجاني بأحد مستقلي الدراجات النارية ثم غادر المكان دون محاولة إسعافه أو الاطمئنان عليه، إثر ذلك لاحقه عددًا من الأهالي، وطالبوه بالتوقف ومساعدة المصاب ونقله إلى المستشفى، إلا أنه رد بإخراج سلاح آلي من سيارته وإطلاق الأعيرة النارية صوب الناس، بحسب ما روى أحد شهود العيان لـ”زاوية ثالثة”.

ويضيف الشاهد أن إطلاق النار استمر بصورة عشوائية تجاه المواطنين، على مسافات متفرقة، أثناء تحرك الجاني بسيارته في شوارع أبنوب، ما أدى إلى سقوط الضحايا تباعًا في أكثر من موقع، من أعمار مختلفة دون تمييز، بينهم أطفال ونساء، قبل أن يفرّ عقب الحادث إلى منطقة زراعية بقرية بني محمديات، وحين داهمته قوات الشرطة اشتبك معها، وقٌتل  خلال ذلك المتهم ونجله الوحيد، وهو طالب بكلية الحقوق.

وتشير المعلومات المتداولة حول مرتكب الحادث إلى أنه يُدعى عاطف خلف أحمد سليم، ويبلغ من العمر 48 عامًا، وينحدر من قرية بني محمد التابعة لمركز أبنوب بمحافظة أسيوط، وينتمي إلى عائلة معروفة محليًا، ارتبط اسمها بعدد من المساهمات المجتمعية، من بينها التبرع بأراضٍ لإقامة مدارس تحمل إحداها اسم والده “خلف أبو سليم”، والذي زعم مصدر محلي، في شهادته لـ”زاوية ثالثة”، أنه كان يتاجر بالمخدرات والسلاح، وقُتل في خصومة ثأرية منذ سنوات.

وبحسب روايات متداولة وشهادات محلية حصلت عليها “زاوية ثالثة”، كان “عاطف” عضوًا في لجان المصالحات العرفية بمركز أبنوب، وشارك في تسوية نزاعات وخصومات ثأرية بين العائلات، إضافة إلى نشاطه الحزبي؛ وشغل منصب مساعد أمين حزب الشعب الجمهوري في محافظة أسيوط، فيما يشير أهالي إلى أنه “كان يتستر بالمناصب السياسية لممارسة أنشطة غير مشروعة مثل زراعة المخدرات والاتجار بها”. وفي رواية أخرى، يشير أحد الأهالي، إلى تعاطي الجاني لمخدر الشابو.

من جانبها، قالت وزارة الداخلية، في بيان لها، الإثنين، إن الأجهزة الأمنية تلقت بلاغًا بقيام أحد الأشخاص بإطلاق أعيرة نارية بشكل عشوائي تجاه المواطنين داخل موقف أبنوب بمحافظة أسيوط، أثناء استقلاله سيارة ملاكي، ما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 5 آخرين.

وأضافت أن قوات الأمن انتقلت على الفور إلى موقع الحادث، وتمكنت من تحديد هوية المتهم، قبل أن تكشف التحريات هروبه إلى قطعة أرض زراعية بدائرة المركز، موضحة أن المتهم بادر بإطلاق النار فور استشعاره باقتراب القوات، ما أدى إلى تبادل لإطلاق النيران انتهى بمقتله.

وبينما أشارت التحريات الأولية إلى أن مرتكب الواقعة كان يعاني منذ فترة من اضطرابات نفسية، ويتلقى العلاج بإحدى مستشفيات الأمراض النفسية في القاهرة، بحسب بيان الوزارة، وفي المقابل أكدت شهادات الأهالي، أن القاتل مساعد أمين حزب الشعب الجمهوري وعضو لجنة المصالحات وكان دائم التعامل مع القيادات الأمنية والمسئولين في مركز أبنوب.

ويؤكد عمرو حسين، وهو اسم مستعار لأحد أهالي قرية بني محمد التابعة لمركز أبنوب بمحافظة أسيوط،  لـ”زاوية ثالثة”، أن المجزرة الدامية التي شهدتها المدينة لم تكن حادثًا مفاجئًا أو معزولًا، وإنما نتيجة لما وصفه بتراكمات طويلة من التقصير الأمني والتهاون في التعامل مع الخارجين عن القانون، موضحًا أن المتهم كان معروفًا لدى الأهالي، ويتردد بصورة مستمرة على مركز الشرطة، وكان يتحرك حاملًا سلاحًا آليًا “على مرأى ومسمع من الجميع”، دون اتخاذ إجراءات رادعة بحقه.

ويتهم “حسين” بعض العناصر الإجرامية في القرية بالانخراط في تجارة السلاح والمخدرات وزراعة الأفيون والاستيلاء على أراضٍ، متسائلًا عن أسباب عدم التصدي لهم مبكرًا قبل وقوع الحادث، ومبديًا استغرابه من مشاركة المتهم في لجان المصالحات رغم ما يحيط به من شبهات جنائية، مطالبًا بفتح تحقيق موسع بشأن ما اعتبره أوجه قصور أمني في مركز شرطة أبنوب، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير، مؤكدًا أن الحادث تسبب في حالة غضب وحزن واسعة بين أهالي المركز، خاصة مع سقوط ضحايا من النساء والأطفال.

بينما يشرح بيتر هاني، وهو اسم مستعار لأحد سكان قرية بني محمديات التابعة لمركز أبنوب بمحافظة أسيوط، أن المتهم في حادث إطلاق النار كان يتمتع، بحسب روايته، بنفوذ واسع داخل المركز، كونه كان قياديًا في أحد الأحزاب السياسية وضمن لجان المصالحات المحلية، وهو ما جعله فوق المساءلة القانونية، على حد وصفه.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المتهم وأسرته ارتبط اسمهم، وفق ما يتردد بين الأهالي، بتجارة السلاح والمواد المخدرة، فضلًا عن زراعة نباتات مخدرة في بعض الجزر النيلية التابعة للمنطقة، هذه الأنشطة كانت معروفة داخل المركز”، متهمًا بعض القيادات الأمنية المحلية بالتغاضي عن تلك الأنشطة وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة تجاهها.

ويكشف “هاني” أن المتهم كان يتحرك بصورة علنية حاملًا أسلحة نارية داخل سيارته، دون أن يواجه ملاحقات أمنية، بحسب قوله، مؤكدًا حالة الغضب التي تسود بين أهالي القرية عقب وقوع الحادث وسقوط ضحايا من المدنيين.

وفي تعليقها على الواقعة وصفت النائبة البرلمانية مروة ممدوح كدواني، عن دائرة قطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد، الحادث  بـ”الأليم والمروع”، مؤكدة أنه يمثل أحد مظاهر العنف غير المعتادة في المجتمع المصري، مشددة على ضرورة اتخاذ خطوات جادة لمواجهة انتشار الأسلحة غير المرخصة، من خلال تشديد الرقابة الأمنية ومتابعة حيازة السلاح، مشيدة في الوقت نفسه بسرعة تحرك الأجهزة الأمنية وتعاملها مع المتهم، والذي في رأيها حال دون سقوط عدد أكبر من الضحايا.

تقول  لـ”زاوية ثالثة”: “الملابسات الكاملة للحادث ما تزال قيد التحقيق، في ظل تعدد الروايات المتداولة بشأن مكان وتفاصيل الواقعة، وننتظر نتائج التحقيقات الرسمية، وبالتزامن يتابع نواب المحافظة أوضاع المصابين وأسر الضحايا، وينسقون مع وزارة التضامن الاجتماعي، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات الخاصة بصرف التعويضات للمصابين وأسر المتوفين”.

وفيما يتعلق بلجان المصالحات العرفية التي كان الجاني عضوًا بها، تُبيّن النائبة أن هذه اللجان تضم شخصيات ذات مكانة اجتماعية، وتهدف إلى احتواء الخصومات الثأرية ووقف النزاعات بين العائلات، واصفة ملف الثأر في الصعيد شديد التعقيد ولا يمكن حله بصورة كاملة في ظل استمرار حيازة الأسلحة النارية. 

وتضيف أن جهود التوعية والندوات المجتمعية ساهمت في تخفيف حدة بعض النزاعات، لكنها لم تنهِ الظاهرة بشكل كامل، بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية والموروثات الخاطئة، مؤكدة أن انتشار السلاح غير المرخص في صعيد مصر، يظل مصدر تهديد مباشر للأمن المجتمعي.

فيما تشرح النائبة نيفين إسكندر، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، أن طبيعة بعض مناطق الصعيد، وما يرتبط بها من عادات اجتماعية وثقافة حمل السلاح، تسهم في تعقيد الظاهرة، مؤكدة أن  إطلاق النار الجماعي الذي شهده مركز أبنوب بمحافظة أسيوط، كشف عن الحاجة إلى تدخلات عاجلة لمواجهة انتشار السلاح غير المرخص والمواد المخدرة،  داعية إلى احتواء حالة الغضب بين الأهالي ومنع أي تصعيد مجتمعي.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الملابسات الكاملة للحادث ما تزال غير واضحة، والعنف العشوائي الذي شهدته الواقعة يثير تساؤلات حول دوافعها وما إذا كانت مرتبطة بخصومات ثأرية أو باضطرابات نفسية أو بتأثير المخدرات”، مؤكدة أن امتلاك أشخاص يعانون اضطرابات نفسية أو يتورطون في تعاطي المخدرات لأسلحة نارية غير مرخصة، خاصة الأسلحة الآلية، يمثل تهديدًا بالغ الخطورة للأمن المجتمعي.

وتضيف: “التصدي للبؤر الإجرامية وتجارة المخدرات لا يقتصر على الدور الأمني فقط، وإنما يتطلب تكاتفًا بين الأجهزة الأمنية والأهالي والمؤسسات المدنية، إلى جانب تعزيز التعليم والتوعية وتحقيق التنمية الاقتصادية، باعتبارها عوامل أساسية للحد من الجريمة والعنف”.

وفيما يتعلق بعضوية المتهم في لجان المصالحات العرفية وارتباطه بنشاط سياسي، توضحت النائبة أن طبيعة المجتمع في الصعيد تتسم بتشابكات معقدة، إذ قد تشارك بعض العائلات في جهود إنهاء النزاعات وفي الوقت نفسه تحتفظ بأسلحة بحكم العادات والتقاليد المتوارثة، مؤكدة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب حلولًا شاملة لا تعتمد فقط على المقاربة الأمنية، وإنما تشمل التوعية المجتمعية والتسليم الطوعي للسلاح ومعالجة الأسباب الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالعنف.

 

نوصي للقراءة: اشترِ حياتك: التصالح في جرائم القتل

تصاعد مقلق للعنف المجتمعي

من جهتها ترى الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع المساعد ورئيس قسم المجتمعات الريفية والصحراوية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن تكرار الجرائم الجماعية المرتبطة بتعاطي المخدرات أو السطوة الإجرامية، يعكس تصاعدًا مقلقًا في معدلات العنف المجتمعي، مشيرة إلى أن الحادثة الأخيرة تمثل نموذجًا صادمًا لهذا النوع من الجرائم التي يرتبط فيها فقدان السيطرة بتعاطي المواد المخدرة والعنف المفرط.

تقول  لـ”زاوية ثالثة”: “انتشار المخدرات التخليقية، مثل “الشابو” و”الاستروكس”، ساهم خلال السنوات الأخيرة في زيادة الجرائم العنيفة، بسبب تأثيرها المباشر على الجهاز العصبي والحالة النفسية للمتعاطين، إذ تؤدي إلى الهلاوس السمعية والبصرية، والشعور بالاضطهاد، والعصبية الحادة، وفقدان القدرة على التمييز، وهو ما قد يحول المشاجرات والخلافات البسيطة إلى جرائم قتل جماعي”.

وتضيف أن خطورة الظاهرة لا ترتبط بالمخدرات فقط، وإنما أيضًا بثقافة فرض النفوذ بالقوة والعنف داخل بعض البيئات التي تعاني من انتشار السلاح وضعف الوعي وتراجع دور الأسرة والردع الاجتماعي، مشيرة إلى أن بعض الجناة يلجأون إلى العنف المبالغ فيه كوسيلة لتعويض الشعور بالتهميش أو العجز، بما يحول الجريمة إلى أداة لإثبات السيطرة وإخافة المحيطين بهم.

وتلفت إلى أن الجرائم الجماعية تترك آثارًا اجتماعية واسعة، من بينها تراجع الإحساس بالأمان، وتفكك الروابط الأسرية، وتطبيع مشاهد العنف، خاصة مع تكرار تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن تهديد فئة الشباب التي تعد الأكثر استهدافًا من شبكات المخدرات التخليقية.

كذلك تربط بين تصاعد هذه الجرائم وعدد من العوامل، بينها الضغوط الاقتصادية، والبطالة، والتفكك الأسري، وضعف الاحتواء النفسي للشباب، وانتشار المحتوى العنيف عبر المنصات الرقمية، مشددة على أن المواجهة الأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها، مؤكدة ضرورة تبني مقاربة شاملة تشمل التوعية الأسرية، والتوسع في برامج علاج الإدمان، ودعم خدمات الصحة النفسية، وتوفير أنشطة للشباب، إلى جانب تطوير الخطاب الإعلامي والتربوي لمواجهة ثقافة العنف.

وتشهد محافظات الصعيد، ومنها أسيوط، انتشارًا لمخدر “الشابو” خلال السنوات الأخيرة، وسط تحذيرات من تداعياته الأمنية والاجتماعية والصحية، ويُرجع مختصون هذا الانتشار إلى انخفاض أسعار المخدر مقارنة بسنوات سابقة، إلى جانب سهولة تصنيعه محليًا باستخدام مواد أولية متاحة نسبيًا.

ويُعرف “الشابو” بتأثيراته العنيفة على الجهاز العصبي والحالة النفسية، إذ يسبب حالات من الهلاوس والبارانويا والعنف الحاد واضطرابات النوم، وهو ما دفع بعض التقارير إلى ربطه بجرائم قتل وعنف أسري شهدتها عدة محافظات بالصعيد خلال الأعوام الأخيرة.

ويرتبط انتشار الشابو بوجود بؤر إجرامية تجمع بين تجارة المخدرات وحيازة الأسلحة غير المرخصة، لا سيما في بعض الجزر النيلية والمناطق الزراعية، وفي المقابل، كثفت الأجهزة الأمنية حملاتها ضد شبكات الاتجار والتصنيع المحلي للمخدرات التخليقية.

 

نوصي للقراءة: الشابو في مصر: تهديد أمني واجتماعي يتفاقم وسط عجز حكومي

السلاح في الصعيد قنبلة موقوتة

من جهته يؤكد اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق لشمال ووسط الصعيد، أن حادث إطلاق النار الذي شهده مركز أبنوب بمحافظة أسيوط يعكس خطورة انتشار الأسلحة الآلية غير المرخصة، خاصة في بعض مناطق الصعيد التي ما تزال تشهد وجودًا واسعًا للسلاح المرتبط بالخصومات والثأر، مؤكدًا أن الأجهزة الأمنية تنفذ حملات مستمرة لجمع الأسلحة وضبط حائزيها، إلى جانب تتبع شبكات الاتجار والنقل، وشددت الداخلية خلال السنوات الأخيرة إجراءات ملاحقة السلاح غير القانوني بسبب خطورته الكبيرة على الأمن العام.

يقول  لـ”زاوية ثالثة”: “انتشار السلاح في الصعيد يرتبط بعوامل اجتماعية وثقافية، من بينها اعتقاد بعض العائلات بضرورة الاحتفاظ بالسلاح للحماية أو الردع، وهو ما يصعّب جهود التسليم الطوعي للأسلحة، والدولة أطلقت آليات قانونية تسمح بتسليم السلاح غير المرخص، لكن بعض الأهالي ما زالوا يتخوفون من التخلي عنه في ظل امتلاك عائلات أخرى للسلاح”.

ويلفت إلى أن الحدود المصرية الممتدة مع ليبيا والسودان، تمثل أحد مصادر تهريب الأسلحة إلى الداخل المصري، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الأجهزة الأمنية تواصل تنفيذ حملات يومية لضبط الأسلحة والبؤر الإجرامية، داعيًا إلى تكامل دور الإعلام والمؤسسات الدينية والتعليمية في مواجهة ثقافة السلاح والعنف، إلى جانب جهود لجان المصالحات والرموز المجتمعية في الحد من النزاعات الثأرية.

ويوضح أن المعلومات المتداولة بين الأهالي وفي تقارير محلية، حول تعاطي الجاني مواد مخدرة، خاصة المخدرات التخليقية مثل: الشابو، قد تفسر حالة العنف المفرط التي صاحبت الواقعة، معتبرًا أن هذا النوع من المخدرات أشد خطورة من المخدرات التقليدية، لما يسببه من اضطرابات عصبية وسلوكية وفقدان السيطرة على التصرفات.

وينظم قانون الأسلحة والذخائر رقم 394 لسنة 1954 وتعديلاته المتعاقبة، ضوابط حمل وحيازة الأسلحة النارية في مصر، حيث يقوم التشريع على مبدأ حظر الحيازة باعتبارها الأصل، بينما يُمنح الترخيص كاستثناء يخضع لشروط أمنية وصحية محددة.

ويشترط القانون ألا يقل عمر طالب الترخيص عن 21 عامًا، وأن يكون حسن السمعة وخاليًا من السوابق الجنائية، إذ يُحظر منح الترخيص للمحكوم عليهم في الجنايات أو جرائم العنف والمخدرات والسرقة والجرائم المرتبطة باستخدام السلاح، فضلًا عن المشتبه فيهم أو الخاضعين لمراقبة الشرطة، وكذلك المصابين باضطرابات نفسية أو غير المستوفين للياقة الصحية المطلوبة.

ويُلزم القانون المتقدم بطلب الترخيص بتقديم مستندات تشمل صحيفة الحالة الجنائية، وصورة بطاقة الرقم القومي، وشهادات طبية، ومذكرة توضح مبررات طلب السلاح، على أن تخضع الطلبات لتقدير وزارة الداخلية ممثلة في قطاع الأمن العام، مع تجديد الترخيص سنويًا.

كذلك يحدد تصنيفات متعددة للأسلحة، تبدأ من الأسلحة البيضاء وحتى الأسلحة الآلية والثقيلة، مع تفاوت العقوبات بحسب نوع السلاح وطبيعة المخالفة. وتصل العقوبات في حالات حيازة الأسلحة الآلية أو الثقيلة دون ترخيص إلى السجن المشدد أو المؤبد، خاصة إذا ارتبطت الجريمة بحمل السلاح في أماكن عامة أو استخدامه في أعمال عنف.

وقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية إطلاق عدد من مبادرات التسليم الطوعي للأسلحة، أبرزها مبادرة الرئيس السيسي في سيناء (2013)، لتسليم الأسلحة خلال مهلة زمنية، ومبادرة في مطروح (2014-2015) لتسليم السلاح غير المرخص، أسفرت 3459 قطعة في مرحلة واحدة).

وأعلنت وزارة الداخلية آنذاك، عن مهل زمنية للتسليم دون ملاحقات فورية، قبل تكثيف الحملات الأمنية عقب انتهاء تلك الفترات، كما ظهرت دعوات محلية متفرقة في بعض قرى الصعيد لإخلاء المناطق من السلاح، إلا أن الاستجابة ظلت محدودة مقارنة بحجم الأسلحة المضبوطة خلال المداهمات الأمنية.

وتعتمد السلطات في محافظات الصعيد، بصورة أكبر على الحملات الأمنية المكبرة والمداهمات المباشرة لضبط الأسلحة غير المرخصة، مقارنة بمبادرات التسليم الطوعي التي ظلت محدودة التأثير نسبيًا، ويرتبط ذلك بالطبيعة الاجتماعية والثقافية لانتشار السلاح في بعض مناطق الصعيد، فيما تشير تقارير إلى أن بعض البؤر الإجرامية في الصعيد ترتبط بأنشطة تجارة المخدرات وزراعة المواد المخدرة.

بدوره يؤكد العقيد حاتم صابر، خبير مقاومة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات، أن حوادث إطلاق النار المرتبطة بحيازة الأسلحة غير المرخصة في محافظات الصعيد تُعد ظاهرة ممتدة تاريخيًا، وترتبط بطبيعة العادات والتقاليد السائدة في بعض المناطق، نتيجة انتشار السلاح خارج الإطار القانوني ووجود الخصومات الثأرية والنزاعات العائلية، رغم تشديد العقوبات القانونية على حيازة الأسلحة الآلية.

يقول  لـ”زاوية ثالثة”: “استخدام الأسلحة الآلية، مثل البنادق من عيار( 7.62×39)،  يمثل خطورة كبيرة على الأمن العام، خاصة مع تصاعد حوادث إطلاق النار الجماعي خلال فترات متقاربة، وما جرى في جريمة أبنوب لا يمكن اعتباره سلوكًا طبيعيًا لكن التحقيقات وحدها هي القادرة على حسم ما إذا كان مرتكب الواقعة يعاني اضطرابات نفسية أو كان تحت تأثير مواد مخدرة”.

وفي تعليقه على عضوية المتهم في لجان المصالحات العرفية، يشرح أن هذه اللجان ترتبط بالبنية الاجتماعية التقليدية في الصعيد، ودورها الأساسي احتواء النزاعات والثأر، إلا أن ذلك لا يمنع احتمال تورط بعض الأفراد في أنشطة إجرامية أو تعاطي مواد مخدرة.

ويضيف أن انتشار المخدرات التخليقية، وعلى رأسها “الشابو” ارتبط خلال السنوات الأخيرة بتوسع تجارة السلاح غير المرخص، لافتًا إلى أن تعاطي هذه المواد قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على السلوك وارتفاع معدلات العنف. 

كذلك يشير إلى أن بعض البؤر الإجرامية في الصعيد تستند إلى عصبيات قبلية وظهير اجتماعي، ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا، مؤكدًا أن الحد من الظاهرة يتطلب استمرار القبضة الأمنية إلى جانب رفع الوعي المجتمعي.

في ظل تضارب الروايات حول دوافع الجريمة، تبقى “مجزرة أبنوب” واحدة من أكثر حوادث العنف الجماعي صدمة في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، ولكن لكشفها تداخل أزمات أعمق تتعلق بانتشار السلاح غير المرخص، وتصاعد تجارة المخدرات التخليقية، وحدود الرقابة المجتمعية والأمنية في بعض مناطق الصعيد. 

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search