أثارت حادثة انتحار أم مع أبناءها الخمسة بمحافظة الإسكندرية، فيما عُرف إعلاميًا بـ”مذبحة كرموز”، صدمة قاسية للمجتمع المصري، فرغم تكرار تلك الوقائع النادرة على مصر مؤخرًا، تبقى الأخيرة الأكثر قسوة بحسب ما يرويه الشهود.
“الموت الجماعي”، هربًا من الفقر والضغوط المعيشية المتراكمة، بات للمرة الأولى خيارًا أمام الأسر المصرية، فعلى مدار السنوات العشر الأخيرة، ورغم عدم تسجيل رقم محدد للحوادث إلا أن المؤشر في تزايد مستمر، بحسب تقارير تناولت الحوادث بشكل متفرق خلال السنوات العشر الأخيرة.
وفي كرموز، بنهاية شهر رمضان، ومع اقتراب عيد الفطر، حاول (ريان)، ٢١ عامًا، الانتحار بإلقاء نفسه من أعلى مقر سكنه، قبل أن يتدخل الأهالي وينجحوا بإنقاذه، ليتبين لاحقًا أن المحاولة كانت الحلقة شبه الأخيرة لفاجعة أكبر، بعد أن عثرت الأجهزة الأمنية على جثث لوالدته وأشقاءه الخمسة داخل محل إقامتهم.
الصدمة الكبرى كانت اعترافات الشاب في التحقيقات، إذ كشف أن ما حدث جاء نتيجة اتفاق بين أفراد الأسرة على إنهاء حياتهم بشكل جماعي، هربًا من وطأة الضغود الاقتصادية والمعيشية التي يتعرضون لها.
من جانبها جددت نيابة كرموز حبس الإبن، خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، بتهمة قتل والدته وأشقائه الخمسة. فيما أصدرت جهات التحقيق المختصة بالإسكندرية قرارًا بإحالته إلى مستشفى الأمراض النفسية، وذلك لبيان مدى سلامة قواه العقلية والنفسية أثناء ارتكاب الواقعة. وما تزال التحقيقات مستمرة.
وفي التفاصيل أوضحت التحقيقات أن الأزمة بدأت عقب تطليق الزوج الأردني، زوجته هاتفياً وأخبرها بالزواج من أخرى، مع إبلاغها بالتوقف عن الإنفاق على أبنائهما الستة. وتزامن ذلك مع معاناتها من مرض السرطان، الأمر الذي ضاعف من الضغوط والأزمات التي واجهتها الأسرة.
وأدلى جيران الأسرة بشهاداتهم أمام النيابة العامة، كاشفة عن معاناة مادية ونفسية عاشتها الأسرة المكونة من الأم والأبناء الذين كانوا يعانون من ضائقة مالية خانقة منذ سنوات جراء سفر الأب وانقطاعه عنهم، لدرجة اعتمادهم الكلي على مساعدات الجيران لتأمين القوت اليومي.
نوصي للقراءة: الإغلاق المبكر للمحال في مصر: ماذا يعني فعليًا؟

غير مألوفة لكنها ليست نادرة
على الرغم من أن “مذبحة كرموز” وُصفت في أقوال الابن الناجي خلال التحقيقات، حتى الآن، بأنها واقعة “موت جماعي” جاءت نتاج اتفاق مسبق بين الأم وأبنائها للخلاص من وطأة الفقر والمرض، إلا أن هذه المأساة تعيد تسليط الضوء على ظاهرة تكررت في السنوات الأخيرة؛ وهي لجوء أحد الوالدين إلى إنهاء حياة الأبناء و في بعض الأحيان يلجأ الجاني إلى الانتحار في النهاية.
ورغم تباين القصص واختلاف تفاصيلها وخلفياتها الاجتماعية، يظل “ضيق الحال أو الفقر” وتردي الأوضاع المعيشية وتراكم الديون إلى جانب التفكك الأسري، القاسم المشترك وأبرز الأسباب وراء هذه الوقائع.
ففي سبتمبر الماضي، شهدت مدينة نبروه بمحافظة الدقهلية، جريمة مأساوية، بعدما خنق أب أطفاله الثلاثة حتى الموت، تراوحت أعمارهم بين 5 و10 أعوام، ونشر نعيهم عبر “فيس بوك”،قبل أن يطعن زوجته الثانية عدة طعنات، بلغت نحو 13 إلى 16 طعنة، ثم يلوذ بالفرار.
وبعد الجريمة، فرّ الأب إلى مدينة طلخا، وألقى بنفسه أمام قطار على جسر المشاة بين طلخا والمنصورة، ما أدى إلى مصرعه في الحال وتحول جثته إلى أشلاء.
وفي يونيو من العام نفسه، شهدت مدينة الشروق شرق القاهرة واقعة مأساوية، إذ قتلت أم مصرية مطلقة منذ ثلاث سنوات أطفالها الثلاثة خنقًا، قبل أن تتوجه بنفسها إلى قسم الشرطة لتسليم نفسها. وعزت الأم فعلتها خلال التحقيقات إلى ضغوط مالية ونفسية شديدة، مشيرة إلى عجزها عن تغطية المصروفات الدراسية لأبنائها، وهو ما دفعها إلى ارتكاب الجريمة في لحظة يأس.
أما في مارس، شهدت منطقة أبو زعبل بمحافظة القليوبية، عثر الأهالي على جثث ثلاثة أطفال أشقاء داخل منزلهم وأبلغوا الشرطة فورًا. وكشفت التحقيقات لاحقًا أن الأم هي من ارتكبت الجريمة، مدفوعة بحالة نفسية حرجة، إذ كانت تعاني من اضطرابات نفسية شديدة، ما أدى بها إلى إنهاء حياة أطفالها.
وفي عام 2021، قتل صاحب مخبز في قرية الغرق بمركز إطسا في محافظة الفيوم، زوجته وأطفاله الخمسة باستخدام أداة حادة، قبل أن يحاول الانتحار باشعال النيران في نفسه داخل محله. وكشفت التحقيقات أن المتهم كان مثقلاً بأزمة مالية طاحنة وديون متراكمة، وخشي من أن تعاني أسرته من الملاحقات والمعاناة في حال وفاته أو سجنه، ما دفعه إلى اتخاذ هذا القرار المأساوي.

ليست جريمة فردية بل أزمة اجتماعية
من جهته يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن “مذبحة كرموز” لا يمكن اختزالها في إطار الإجرام الفردي، لكنها انعكاس لأزمة اجتماعية مركبة تتطلب تحليل للعوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي أدت إلى هذه المأساة. حيث واجهت الأسرة انسدادًا تامًا في الفرص المادية والاجتماعية.
ويوضح في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن الجمع بين الفقر المدقع، ومرض الأم، وتخلي الأب المغترب عن مسؤولياته بالطلاق والزواج بأخرى، خلق حالة من “اليأس الجماعي” حوّلت الموت في نظر الضحايا من جريمة إلى “رحمة” ومخرج وحيد من بؤس الواقع.
ويضيف أستاذ علم الاجتماع أن الحادثة تكشف عن هشاشة وضع “الأم المعيلة” في مجتمع ذكوري يضع كامل أعباء التربية والإعالة على عاتقها عند غياب الأب، ويشير إلى أن الأم عاشت “عزلة وظيفية” واجتماعية في حي شعبي يفتقر لشبكات الدعم الحكومي أو المدني. ما قاد الأسرة إلى حالة من فقدان المعايير، حيث انهارت الروابط الأسرية التقليدية وتحولت إلى “اتفاق انتحاري” لإنهاء المعاناة المشتركة، وهو ما يفسر اعترافات الابن الناجي بوجود تراضٍ على الرحيل الجماعي.
ويشدد أستاذ علم الاجتماع، على ضرورة تبني سياسات رادعة للحد من الإنجاب غير المسؤول في الأسر محدودة الدخل، لما يسببه من ضغوط نفسية على الأم قد تُستغل من قبل الأب تحت ذريعة “العزوة”، رغم محدودية الموارد. مؤكدًا على توسيع خدمات الصحة النفسية المجانية في الأحياء الشعبية والمناطق الأكثر هشاشة، مشيرًا إلى أن معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية هي السبيل الأضمن لمنع تكرار مثل هذه المآسي، التي تظهر كلما تفاقمت الضغوط المعيشية وغاب الأمان الاجتماعي والدعم الأسري.
كانت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، قد حذرت في تقرير لها نشرته في سبتمبر العام الماضي، من ارتفاع مقلق في حالات الانتحار في مصر، بعد رصد 216 حالة خلال عام 2024، مشيرة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكثر من عشرة أضعاف بسبب نقص الشفافية وعدم إعلان الجهات الرسمية للأرقام الحقيقية. وتتركز حالات الانتحار بشكل أكبر في القاهرة الكبرى، بما يشمل القاهرة والجيزة والقليوبية، حيث سجلت 121 حالة تمثل 56% من الإجمالي، تليها محافظات الوجه القبلي بنسبة 31.5%، بينما تمثل محافظات الوجه البحري أقل من 10% من الحالات.
وأوضحت المؤسسة أن الأسباب الأكثر شيوعًا للإقدام على الانتحار تتعلق بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الأمراض النفسية، الخلافات الأسرية، الفشل الدراسي، وتأخر الزواج، مؤكدة أن الفئات الأكثر عرضة هي الشباب بين 21 و30 عامًا والذكور بنسبة 65.7% من الحالات.
ودعت المؤسسة في تقريرها الحكومة إلى وضع استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الانتحار تعتمد على بيانات دقيقة، مع التركيز على معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الفقر، وتوسيع نطاق خدمات الدعم النفسي المجانية. كما شددت على ضرورة تقييم فعالية الخطوط الساخنة والدعم النفسي المقدم للأفراد الأكثر هشاشة، لضمان منع تحول الضغوط المعيشية إلى قرارات مأساوية، بما في ذلك الانتحار أو اللجوء إلى العنف الأسري.
نوصي للقراءة: 332 مليون دولار جديدة للقطار الخفيف: لماذا تستدين مصر رغم تحذيرات السيسي؟

مؤشر خطير يحتاج إلى تدخل
في السياق تصف الدكتورة سارة النحاس النائبة البرلمانية عن حزب مستقبل وطن، الحوادث المشار إليها بما فيها واقعة كرموز المروعة، بأنها مؤشر خطير على عمق الأزمة الاجتماعية والضغوط المعيشية التي يواجهها المواطن المصري يوميًا.
وتؤكد في حديثها لــ”زاوية ثالثة” أن هذه الوقائع لا يمكن التعامل معها كأحداث فردية أو عابرة. إذ أن تردي الأوضاع الاقتصادية وغياب شبكات الحماية الاجتماعية الفعّالة خلقت حالة من الاحتقان واليأس لدى بعض المواطنين، داعية الجهات التنفيذية إلى التدخل الفوري والجاد قبل تفاقم الأزمة.
وتشدد النائبة على أن الأمن المجتمعي لا يقل أهمية عن الأمن القومي، وأنه من الضروري مراجعة سياسات الدعم والحماية الاجتماعية بما يشمل برامج تدخل نفسي ومجتمعي تستهدف الأسر الأكثر هشاشة، لضمان الحد من الانتحار والعنف الأسري الناتج عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. مؤكدة أن التدخل المبكر ودعم الأسرة والمجتمع يمثل السبيل الوحيد لمنع تحول هذه الضغوط إلى مآسي شخصية واجتماعية، وأن المجتمع لا يمكن أن يُترك لمواجهة هذه التحديات بمفرده.
تشير أحدث الإحصاءات الرسمية إلى أن نحو 29 % من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، بحسب ما أعلن رئيس الوزراء في تصريحات صحفية في ديسمبر من العام الماضي. ووفقًا لبيانات مؤشر الفقر متعدد الأبعاد التي أعدّها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع شركاء دوليين ونشرت في 2024، فإن حوالي 21 % من السكان يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، الذي يشمل حرمانًا من التعليم أو الصحة أو الخدمات أو الحماية الاجتماعية. بينما تشير أحدث بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر في مصر بلغت حوالي 33.5 % من السكان في العام 2021– وفقًا لمقياس خط الفقر الوطني.

فشل في الأمان المعيشي الحقيقي
ترى نيفين عبيد، المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، أن كثيراً من الحوادث الجنائية المأساوية في مصر، بما فيها الانتحارات الجماعية وحالات العنف الأسري، ليست أحداثاً عابرة أو مفاجئة، بل تنبثق من تضافر عوامل اقتصادية ونفسية واجتماعية طويلة المدى.
وتشير “نيفين” في حديثها لــ”زاوية ثالثة”إلى قصور منظومة الدعم النقدي، مثل برنامج “تكافل وكرامة”، معتبرة أن هذه البرامج تفشل في توفير الأمان المعيشي الحقيقي للأسر الفقيرة والنساء المعيلات، إذ تقتصر غالباً على “سد الرمق” دون معالجة المشكلات الجوهرية التي تواجهها هذه الأسر، مؤكدة أن بعض الحالات، مثل سيدة الإسكندرية الأخيرة، قد تكون خارج مظلة هذا الدعم تماماً.
وتنبه المديرة التنفيذية للمؤسسة المرأة الجديدة، إلى غياب الاهتمام بالصحة النفسية والدعم النفسي، مؤكدة أن الدولة يجب أن تتعاون مع المجتمع المدني لتقديم تغطية واقعية لاحتياجات الأفراد، مشددة على أن التجاهل الحالي لهذه الجوانب يزيد من تفاقم الأزمات الفردية ويهيئ الأرضية لمواقف مأساوية.
وترى “نيفين” أن دراسة الحالات الجنائية الصعبة تتطلب نهجًا علميًا معمقًا ضمن سياق العلوم الجنائية والاجتماعية، معتبرة أن هذه الحالات رغم كونها “استثنائية” توفر دروسًا مهمة لفهم مسببات الأزمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتشير إلى أهمية التعرف على العلامات التحذيرية المبكرة قبل اتخاذ الأفراد لقرارات مصيرية، معتبرة أن تجاهل هذه المؤشرات من قبل الدولة أو المجتمع يمثل تقصيراً يؤدي إلى تفاقم الكوارث الإنسانية والاجتماعية.
توصل البحث المعنون بـ”منظومة الحماية الاجتماعية في مصر من منظور تنموي” الذي نُشر في ديسمبر 2024، إلى أن برامج الحماية الاجتماعية الحالية غير كافية لتوفير حياة كريمة للفقراء ومحدودي الدخل، خاصة في ظل السياسات التنموية المتبعة التي أسهمت في زيادة أعداد الفقراء وتعميق الفقر.
وأوضح البحث أنه رغم تعدد البرامج الاجتماعية التي تهدف إلى دعم “الأفراد الأولى بالرعاية” بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو 2013، إلا أن أثرها يظل محدودًا، خصوصًا مع اعتماد السياسات التنموية على قروض خارجية من صندوق النقد الدولي لتمويل مشروعات التنمية، وما يترتب على ذلك من إجراءات تقشفية أثرت سلبًا على قدرة الأسر الفقيرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وبناءً على هذه النتائج، يؤكد البحث على ضرورة إعادة النظر في منهجية إدارة منظومة الحماية الاجتماعية، بما يحقق التكامل بين البرامج المختلفة، مع توسيع نطاق الدعم لتشمل كافة الاحتياجات المعيشية الأساسية. بالتوازي مع إصلاح المنظومة، يُوصى بالتحول نحو نموذج تنمية مستقل قادر على بناء اقتصاد قومي قوي، يستطيع مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة قائمة على العدالة الاجتماعية في توزيع ثمار التنمية، وتحسين مستوى معيشة جميع الفئات، وتقليل الفجوة بين طبقات المجتمع، بما يسهم بشكل مباشر في محاربة الفقر والحد من تداعياته الاجتماعية والنفسية.