فوجئ سامي أغا، اللاجئ السوري المقيم في مصر منذ أكثر من عشر سنوات، الأربعاء الماضي، بحملة أمنية داهمت عددًا من المحال التجارية المملوكة لسوريين في حي التجمع الأول بالقاهرة. كان من بينها متجره المتخصص في بيع وتأجير فساتين الزفاف و”السهرات”، وخلال دقائق، تحولت الصدمة إلى واقع قاسٍ، بعدما أوقفت قوات الأمن شقيقه، الذي يعاني من إعاقة بصرية ويعمل معه، إلى جانب ثلاثة عمال سوريين آخرين.
جميع الموقوفين، بحسب “أغا”، مسجلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ويحملون البطاقة الصفراء الصادرة عنها، وهي “وثيقة تُمنح لطالبي اللجوء الذين تقدموا بطلباتهم وأبرزوا مستندات هوية صالحة”، وتُعد دليلاً رسميًا على وضعهم القانوني كـ “طالبي لجوء”. الاستثناء الوحيد كان عاملاً واحدًا ألغى بطاقته مؤخرًا، تمهيدًا للعودة الطوعية إلى سوريا، بعد إغلاق ملفه لدى المفوضية والحصول على تصريح خروج من السلطات المصرية.
بطاقة شقيقه كانت قد انتهت في أبريل من العام الماضي، وحاول تجديدها، إلا أن موعده المحدد لدى المفوضية لا يزال في 26 يناير الجاري، بسبب الضغط الكبير عليها في مصر. ورغم ذلك، لم يحُل هذا الانتظار دون توقيفه، مع زملائه، إلى جانب 23 عاملاً سوريًا آخرين في المنطقة نفسها. جرى احتجازهم في قسم الشرطة، ثم عُرضوا على النيابة في اليوم التالي، دون حضور محامين، قبل نقلهم، يوم الجمعة، إلى الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية في حي العباسية بالقاهرة، وفق ما يؤكده سامي لـ”زاوية ثالثة”.
يقول “أغا”: “حتى الآن، يرفض الأمن السماح لنا بالتواصل مع ذويّنا المحتجزين. أحد الضباط طالبنا بالعودة إلى بلدنا. حاولنا التواصل مع مفوضية اللاجئين دون أي رد، ولا نعرف مصير أخي وزملائه. نخشى ترحيلهم، رغم أن لديهم أسرًا وأطفالًا مقيمين في مصر”.
وفي رواية أخرى، يحكي محمد أديب، اللاجئ السوري المقيم في مصر، عن توقيف ابن شقيقه مؤخرًا في حي السلام أول، بسبب انتهاء إقامته، رغم حمله بطاقة اللجوء الصفراء وتسجيله الرسمي لدى المفوضية، لكنه لم يكن يحملها معه لحظة التوقيف، ولم يتمكن من الحصول على موعد لتجديد الإقامة.
يتحدث “محمد” عن لحظة تلقي الخبر، وما تبعها من سباق مع الزمن، إذ سارعت الأسرة بإرسال جواز السفر وبطاقة اللجوء وكارت الإقامة المنتهية إلى قسم الشرطة، في محاولة لإثبات أن الشاب دخل البلاد بصورة نظامية، وينتظر موعدًا رسميًا لم يتمكن من الوصول إليه.
ويوضح محمد لـ”زاوية ثالثة” أن إقامة ابن شقيقه منتهية منذ عام 2023، فيما تعود آخر بطاقة إقامة يحملها إلى عام 2022، وهو وضع شائع بين كثير من اللاجئين الذين حالت المواعيد المؤجلة والتعقيدات الإدارية دون تجديد إقاماتهم، لا رغبةً في المخالفة أو التهرب من القانون. ويتساءل بمرارة: هل سيكون مصير الشاب الترحيل أم الإفراج عنه بعد التحقق من أوراقه؟ ويضيف أن هذا السؤال لا يخص ابن شقيقه وحده، بل مئات العائلات التي تعيش القلق ذاته يوميًا، في ظل صمت المؤسسات المعنية وتأخر ردود المفوضية، رغم محاولاته المتكررة للتواصل.
أما عامر إبراهيم، فيروي أيضًا أنه التزم بالإجراءات الرسمية وانتظر دوره لدى المفوضية، وحصل على موعد لتجديد الإقامة بعد ثلاث سنوات، ظنًّا منه أن الالتزام سيمنحه قدرًا من الأمان. غير أن هذا الشعور انهار مطلع يناير الجاري، حين أوقفته قوة أمنية أثناء سيره في الشارع.
يقول عامر لـ”زاوية ثالثة”: “أوقفوني وبقيت محتجزًا نحو عشرة أيام”، مستعيدًا تجربة وصفها بالمهينة. ولم يكن وحده؛ فكثيرون وجدوا أنفسهم عالقين بين إجراءات بطيئة لا تُنجز، وحملات توقيف لا تعترف بالمواعيد. ويروي بحسرة كيف جرى توقيف والده الستيني من مقر عمله، رغم حمله جواز سفر ساريًا وامتلاكه موعدًا لتجديد الإقامة، معتبرًا أن هاتين الواقعتين كانتا كافيتين لتقويض شعور الأمان لدى عائلته المقيمة في مصر منذ أكثر من عقد.
ومع مرور الوقت، تحول الخوف، بحسب “عامر”، إلى شعور يومي يخيّم على حياة السوريين في مصر: “الكل خائف، لا أحد يجرؤ على الخروج من بيته أو حتى العودة إليه”. ويوضح أن معظم التوقيفات تطال من لا يحملون إقامة سارية، وأن الغالبية لا تُرحَّل، لكنها تمر بتجربة قاسية من الاحتجاز والترهيب، تترك أثرًا عميقًا حتى بعد الإفراج. ويرى أن مسؤولية ما يجري تقع على عاتق مفوضية اللاجئين، مطالبًا في الوقت نفسه بتدخل السفارة السورية في القاهرة والتواصل الجاد مع المفوضية، لأن “ما يحدث لم يعد يُحتمل”.
من جانبها، ترى نسرين القزاز، اللاجئة السورية، أن الحديث المتكرر عن “تقنين الأوضاع” لا ينعكس على الواقع اليومي للسوريين. فبحسب روايتها، بات الحصول على بطاقة التسجيل أو تجديدها يستغرق عامًا أو عامين، دون أي اعتراف فعلي بمواعيد تجديد الإقامة أو مراعاة لطول فترات الانتظار. وتشير إلى أن التوقيفات لا تقتصر على من يفتقرون إلى الأوراق، بل تطال أحيانًا من يحملون مستندات نظامية، في ظل غموض واسع وخوف دائم من الترحيل.
وعن تجربتها الشخصية، تقول إنها تنتظر منذ أكتوبر الماضي استخراج “إثبات القيد” اللازم لتجديد إقامتها دون نتيجة، ثم دخلت مرحلة انتظار الموافقة الأمنية منذ أكثر من خمسة عشر يومًا. وتضيف لـ”زاوية ثالثة”: “لم نقصّر يومًا في احترام البلد المضيف أو قوانينه، لكننا نحتاج قوانين واضحة وميسّرة لنتمكن من الالتزام بها والعيش بشكل نظامي”.
وتستعيد نسرين مشهدًا لا يفارق ذاكرتها، حين شاهدت حملة توقيف واسعة في أحد أحياء القاهرة لم تُستثنَ منها امرأة سورية في العشرينات كانت تحمل رضيعها. تقول: “أخذوها، ولا أعرف إن كانت قد تركت أطفالًا آخرين في البيت، أو كانت خارجة لشراء طعام أو دواء”.
في السياق نفسه، أفاد شهود عيان من أبناء الجالية السورية في مصر لـ”زاوية ثالثة” بأن يوم 8 يناير شهد حملة أمنية واسعة استهدفت سوريين في عدد من المناطق، وأسفرت عن توقيف أعداد كبيرة من الشباب من داخل المحال التجارية والمصانع، خصوصًا في مدينة العاشر من رمضان، بسبب انتهاء الإقامات أو عدم حمل أوراق الإقامة أو البطاقة الصفراء أثناء التوقيف.
ولم تتوقف الحملات عند هذا الحد، بل امتدت إلى محافظات وأحياء متعددة، من بينها السادس من أكتوبر، ومدينة بدر، ومدينتي، وجسر السويس، والعبور، والشروق، والتجمع الأول، ومدينة نصر، ووسط البلد بالقاهرة، إضافة إلى مناطق في محافظة دمياط، وشاطئ النخيل، وحي العصافرة بالإسكندرية، فضلًا عن توقيفات في مدينة الغردقة، تحديدًا في أحياء الكوثر والسنترال السياحي. وأكد الشهود أن وتيرة الحملات في الغردقة كانت أقل حدة مقارنة بالقاهرة الكبرى، لكنها ما زالت مستمرة.
ويشير الشهود إلى حالة توتر شديدة تسود أوساط الجالية السورية، في ظل خوف وترقب دائمين، مع استمرار الحملات بدرجات متفاوتة، واتساع نطاقها الجغرافي، وعدم وضوح معايير التوقيف أو مدته.
نوصي للقراءة: مصريون في سجون الأسد: هل يعودون بعد سقوط النظام؟

قرارات حكومية غير مُعلنة
تعود جذور الأزمة إلى أغسطس 2024، حين ألغت السلطات المصرية إعفاء السوريين من رسوم التأشيرات، وفرضت رسمًا قدره 25 دولارًا أميركيًا، حتى على حاملي الإقامات المصرية أو الأوروبية. وبالتوازي، فُرضت شروط جديدة على تجديد الإقامات السياحية للأجانب، ما دفع كثيرًا من السوريين إلى البحث عن بدائل، مثل بطاقة اللجوء أو الإقامة الاستثمارية، في وقت ازداد فيه نشاط سماسرة التأشيرات والهجرة غير النظامية إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا، وسط قلق متزايد داخل الجالية السورية.
وفي 14 ديسمبر 2024، صدر قرار بإلغاء جميع الاستثناءات التي كانت تُمنح للسوريين الحاصلين على إقامات في دول مثل الولايات المتحدة ودول شنغن وبريطانيا وكندا، ليصبح الحصول على تصريح أمني مسبق شرطًا إلزاميًا لدخول مصر. طُبّق القرار فورًا ودون إعلان، ما أدى إلى منع دخول سوريين وإعادتهم من المطارات. فيما نقلت قناة “العربية” عن مصادر لم تُسمِّها، أن الأجهزة الأمنية بدأت مراجعة إقامات السوريين داخل البلاد، وأن منشورًا رسميًا عُمم منتصف الشهر نفسه على الجهات الأمنية يقضي بوقف تجديد الإقامات حتى إشعار آخر، وربط أي تجديد بالموافقة الأمنية.
وتتفاوت تكلفة الموافقة الأمنية لدخول السوريين إلى مصر بحسب نوعها، وتتراوح تقريبًا بين 1150 و2300 دولار أميركي أو أكثر، عبر شركات سياحة ووسطاء يعملون مع الأجهزة الأمنية، بحسب منصة “صحيح مصر”.
وفي 29 ديسمبر 2024، أصدرت سلطات الطيران المدني تعليمات بعدم السماح بقبول الركاب السوريين القادمين إلى مصر من مختلف دول العالم، مع قصر الدخول على حاملي تأشيرات الإقامة المؤقتة لغير السياحة، وفرض غرامات إدارية على شركات الطيران المخالفة.
ومنذ عام 2014، صدرت قرارات وتعليمات أمنية متتابعة عبر الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية بصورة غير رسمية، وفقًا لمنظمات حقوقية، وكانت منصة اللاجئين رصدت، صدور قرار داخلي، عقب سقوط نظام بشار الأسد وسيطرة مجموعات المعارضة المسلحة على الحكم في 8 ديسمبر 2024، يقضي بترحيل أي سوري يتم توقيفه لأي سبب، بغض النظر عن وضعه القانوني.
لاحقًا، أُقر إجراء جديد بإيقاف جميع الاستثناءات المتعلقة بدخول السوريين، باستثناء زوجة المصري أو زوج المصرية، بشرط توثيق عقد الزواج رسميًا قبل 7 ديسمبر 2024. كما نص القرار على منح السوريين الحاصلين سابقًا على موافقة دخول إقامة لمدة شهر واحد غير قابلة للتجديد، بدلًا من ثلاثة أشهر.
وسبق أن فرضت السلطات منذ عام 2017 غرامات مالية على السوريين بسبب تأخير تجديد الإقامة، بلغت نحو 1700 جنيه مصري للأشهر الثلاثة الأولى، و500 جنيه عن كل شهر إضافي، إضافة إلى رسوم قدرها 5 ألاف جنيهًا جنيه عن كل سنة تأخير في استخراج بطاقة الإقامة لأول مرة.
وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين لديها في مصر حتى 31 مارس 2025 نحو 139 ألاف لاجئًا.
نوصي للقراءة: من يرسم الطريق إلى سوريا الجديدة؟
قضايا اللجوء
يرى نور خليل، – مدير منصة اللاجئين في مصر-، أن ما يجري يمثل حملة أمنية على مستوى وطني، تُنفذ بأوامر عليا، ولا تقتصر على مناطق بعينها. مشيرًا إلى أن عام 2024 شهد تحولات جوهرية في سياسات الدخول والإقامة الخاصة بالسوريين، مشيرًا إلى ورقة بحثية أصدرتها المنصة تناولت هذه التغيرات، خصوصًا بعد سقوط نظام الأسد.
ويؤكد “خليل” أن الحكومة أوقفت فعليًا إصدار وتجديد الإقامات السياحية للسوريين، وأن مواعيد تجديد إقامة اللجوء باتت بعيدة للغاية، تصل في بعض الحالات إلى عام 2029، رغم أن هذه الإقامة تُجدَّد قانونًا كل ستة أشهر.
ويشرح أن هذه الإجراءات وضعت آلاف اللاجئين في حالة “غير نظامية” بفعل قرارات إدارية اتخذتها الدولة نفسها، ثم جرى معاقبتهم عليها. ويشير إلى أن انتظار موعد رسمي لتجديد الإقامة يُعد وضعًا قانونيًا من حيث المبدأ، وليس جريمة تستوجب الاحتجاز، لافتًا إلى أن النيابة غالبًا ما تقرر إخلاء سبيل المحتجزين، لكنهم يُعادون إلى أقسام الشرطة ويُتحفظ عليهم، وأحيانًا تصدر بحقهم قرارات إبعاد دون إجراءات واضحة.
ويشدد على أن الحملة الأخيرة لم تميز بين لاجئ وملتمس لجوء أو حامل إقامة استثمارية أو دراسية أو زواج، معتبرًا أن ما يحدث إجراء تمييزي قائم على الجنسية، وليس مجرد “ضبط إداري”. موضحًا أن من بين المحتجزين أشخاصًا يحملون إقامات زواج سارية لخمس سنوات، وآخرين لديهم استثمارات فعلية في مصر وكانوا بصدد تحويل نوع إقامتهم. لافتًا إلى أن ما جرى لا يمكن توصيفه كحملة عامة على الأجانب، بل حملة تستهدف السوريين تحديدًا، إذ وقعت التوقيفات في أحياء معروفة بكثافة وجودهم، دون تسجيل حالات مماثلة لجنسيات أخرى خلال الفترة نفسها.
وفيما يخص تبريرات الدولة، يشير خليل إلى أن الرد الرسمي المعتاد يتمثل في الضغط الواقع على مصلحة الجوازات، لكنه يؤكد أن هذا لا يبرر غياب أي تدابير بديلة، مثل إصدار إفادات رسمية مؤقتة تحمي الأشخاص من الاحتجاز وتمنحهم حق الوصول إلى الخدمات الأساسية إلى حين تجديد الإقامة، وهو ما لم يحدث.
ويلفت إلى أن هذه السياسات خلقت حالة واسعة من الخوف والرعب داخل أوساط السوريين، إذ بات كثيرون يتجنبون الذهاب لتجديد إقاماتهم خشية الرفض أو الحصول على “ختم الإبعاد”، فضلًا عن التكاليف المرتفعة المرتبطة بالإقامات، لا سيما بالنسبة للعائلات. ويضيف أن التأخير لا يقتصر على الإقامات فقط، بل يشمل أيضًا إجراءات العودة الطوعية، التي تتطلب إغلاق ملف اللجوء والحصول على موافقات متعددة تستغرق وقتًا طويلًا وتكلفة مرتفعة.
ويؤكد مدير منصة اللاجئين، أن تسييس قضايا اللجوء يُعد انتهاكًا جسيمًا للأعراف والمواثيق الدولية، سواء كان بهدف الضغط على اللاجئين للعودة، أو استخدامهم كورقة ضغط سياسية. ويشير إلى أن بعض اللاجئين قد يكون قادرًا على العودة، لكن آخرين قادمون من مناطق لا يزال الصراع قائمًا فيها أو دُمرت بنيتها التحتية بالكامل، ولا يملكون أي خيار آمن للعودة.
ويحذّر من الآثار الاجتماعية الخطيرة للحملة، موضحًا أنها لا تؤدي فقط إلى تفكيك عائلات لاجئة، بل تمس عائلات مصرية أيضًا، في ظل ارتفاع نسب الزواج بين السوريين والمصريين. ويؤكد أن توقيف أحد الوالدين يعني عمليًا ترك أطفال مصريين دون رعاية، وهو انتهاك لا يطال اللاجئين وحدهم، بل يمتد إلى مواطنين مصريين.
ويضيف خليل أن منصة اللاجئين في مصر رصدت خلال الأسبوعين الأخيرين تصاعدًا ملحوظًا في خطاب الكراهية ضد السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، تقوده حسابات منظمة، مؤكدًا أن هذه الحملات ليست عفوية، وغالبًا ما تتزامن مع سياق أمني، بما يشير إلى ترابط واضح بين التحريض الرقمي والتوقيفات الميدانية.
نوصي للقراءة: قومية زائفة ووهم اقتصادي: مطالب ترحيل اللاجئين في مصر

إجراءات غير قانونية
من الناحية القانونية، يتمتع حاملو “البطاقة الصفراء”، أو “بطاقة طالب اللجوء”، بالحماية المقررة بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وكذلك اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969، ما يوفر لهم حماية صريحة من التوقيف والترحيل، بحسب – المحامي الحقوقي والاستشاري بمنصة اللاجئين-، حليم حنيش.
ويوضح “حنيش” أن الاتفاق المبرم بين الدولة المصرية والأمم المتحدة يكفل لهم أيضًا الحق في الاستفادة من خدمات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وهو ما أكده قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، الذي جرّم صراحة ترحيل اللاجئين وملتمسي اللجوء.
ويقول حنيش لـ”زاوية ثالثة”: “إن ترحيل اللاجئ لا يجوز إلا في حالات محددة وحصرية، تتعلق بارتكاب جرائم تمس الأمن العام أو قضايا الإرهاب، وفقًا لما نصّت عليه الاتفاقيات الدولية والقانون المصري. وعدم تجديد بطاقة اللجوء لا يُعد جريمة جنائية، بل يترتب عليه، في أقصى الحالات، إجراء إداري، ولا يشكّل بأي حال مبررًا قانونيًا للقبض أو الاحتجاز”.
ويصف المحامي الحقوقي حملات القبض على اللاجئين بسبب عدم حيازة إقامات سارية بأنها إجراءات “غير قانونية”، تتعارض مع التزامات مصر الدولية وتشريعاتها الوطنية، معتبرًا أنها تُستخدم كوسيلة ضغط لدفع اللاجئين والمهاجرين إلى مغادرة البلاد تحت مسميات مثل “العودة الطوعية”، رغم أن الظروف المحيطة تجعل هذه العودة قسرية بحكم الواقع.
بالإضافة إلى ذلك ينتقد أداء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في التعامل مع الأزمة، مؤكدًا أن دورها الأساسي هو الحماية، وأن تدخلاتها في الوقائع الموثقة لم تكن كافية أو حاسمة، مطالبًا بتحرّك علني وفعّال، عبر التواصل المباشر مع الحكومة المصرية، والإعلان عن اجتماعات رسمية لمناقشة هذه الانتهاكات.
من جانبه، يؤكد محمود شلبي، – الباحث المعني بشؤون مصر وليبيا في منظمة العفو الدولية-، أن حملات توقيف المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في مصر ليست جديدة، إذ وثّقت المنظمة بين عامي 2023 و2024 توقيف أعداد كبيرة من المهاجرين ذوي البشرة السوداء في القاهرة والجيزة، في استهداف تمييزي قائم على لون البشرة، مضيفًا أن الأنباء المتداولة حاليًا تشير إلى اتساع هذه الممارسات لتشمل السوريين.
ويوضح “شلبي” أن هذه الحملات تقترن بسلسلة من الانتهاكات الجسيمة، من بينها الاعتقال التعسفي، حيث يُحتجز بعض الموقوفين دون عرضهم على النيابة إلى حين ترحيلهم، ودون تمكينهم من الطعن القضائي على قانونية احتجازهم أو قرارات ترحيلهم. ويشير إلى أنه حتى في الحالات التي تقرر فيها النيابة إخلاء السبيل، تستمر الشرطة في احتجاز الأشخاص تمهيدًا لترحيلهم.
ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “الانتهاك الأخطر يتمثل في خرق مبدأ عدم الإعادة القسرية، عبر ترحيل سوريين إلى سوريا دون إجراء تقييم فردي للمخاطر، رغم استمرار عدم الاستقرار هناك وتباين المخاطر بحسب هوية الأشخاص وانتماءاتهم”.
ويلفت “شلبي” إلى أن توقيف أشخاص يحملون بطاقات صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يمثل تطورًا بالغ الخطورة، إذ يعكس غياب الحد الأدنى من الحماية للاجئين الموثقين، وعدم احترام الحكومة المصرية لالتزاماتها الدولية، ولا سيما اتفاقية 1951 وبروتوكولها الملحق.
ويشدد على ضرورة أن توقف الحكومة المصرية فورًا حملات الاعتقال القائمة فقط على الوضع القانوني، مؤكدًا أن مخالفات الإقامة، إن وُجدت، يجب التعامل معها كمخالفات إدارية لا كجرائم جنائية، وبعقوبات متناسبة لا تشمل الاحتجاز أو الترحيل.
نوصي للقراءة: حماية أم قيود؟ انتقادات واسعة لقانون اللجوء المصري الجديد

مبدأ “عدم الإعادة القسرية”
يرى كريم عنارة، – مدير البحوث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية-، أن البلاد تشهد منذ نهاية عام 2024 أزمة حادة في منظومة حماية اللاجئين، تصل حد انهيار الحد الأدنى من الحماية التي التزمت بها الدولة لعقود طويلة. موضحًا أن هذه المنظومة كانت تقوم على تفويض الدولة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بتحديد صفة اللاجئ ومنح الإقامات، بما يضمن الحماية من الترحيل إلى بلدان يتعرض فيها اللاجئون للخطر، غير أن هذا الأساس تلقى ضربة قاضية خلال العامين الأخيرين.
ويقول “عنارة” لـ”زاوية ثالثة”: “المنظمات العاملة في مجال الحماية، إلى جانب المبادرة المصرية، رصدت على مدار عامين حملة أمنية موسعة تستهدف اللاجئين والمهاجرين بشكل عام، دون تمييز بين المسجلين وغير المسجلين، أو بين حاملي الإقامات ومن لا يملكون أوراقًا رسمية، مع تركيز واضح سابقًا على أصحاب البشرة السوداء”.
ويضيف أن المبادرة وثّقت تصاعدًا ملحوظًا في حالات التوقيف والاحتجاز والترحيل، بما في ذلك لاجئون مسجلون وحاصلون على إقامات سارية، مع تجاهل متكرر للأوراق الرسمية، مشيرًا إلى خطاب وجّهه عدد من المقرّرين الخواص بالأمم المتحدة إلى الحكومة المصرية في 13 يناير 2026، حذروا فيه من تدهور أوضاع اللاجئين، استنادًا إلى توثيقات من منظمات حقوقية وبيانات المفوضية.
ويؤكد عنارة أن الخطاب الأممي أشار إلى أن فترات انتظار الإقامة تجاوزت ألف يوم، ما يضع اللاجئين في حالة هشاشة شديدة، خاصة مع استمرار التوقيفات بذريعة مخالفة الإقامة. كما لفت إلى أن عدد المحتجزين خلال الربع الأول من 2025 بلغ نحو 1120 مهاجرًا ولاجئًا، مقارنة بمتوسط سابق بلغ 250 شخصًا، إلى جانب ارتفاع بنسبة 150% في حالات ترحيل لاجئين موثّقين.
ويخلص عنارة إلى أن ترحيل أشخاص يتمتعون بوضع قانوني سليم يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية، محذرًا من أن استمرار هذا النهج يمثل تحولًا جذريًا وغير مسبوق في تعامل مصر الحديث مع اللاجئين، وقد يمتد ليشمل جنسيات أخرى.
وكانت مجموعة من المقرّرين الخواص بالأمم المتحدة قد وجّهت، في مذكرة مؤرخة في 13 يناير الماضي، انتقادات لاذعة إلى الحكومة المصرية على خلفية ما وصفته بانتهاكات ممنهجة لحقوق اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، شملت الترحيل والاحتجاز التعسفي، فضلًا عن ممارسات يُشتبه في تعارضها مع مبدأ عدم الإعادة القسرية، أحد الأعمدة الراسخة في القانون الدولي العرفي.
وأكدت المذكرة أن هذه المخاوف لا تمثل واقعة معزولة، بل تأتي استكمالًا لتحذيرات سبق طرحها في رسالة مؤرخة في 17 ديسمبر 2024، مشيرة إلى أن المعلومات المتاحة تفيد باستمرار الانتهاكات وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، من بينها الاتجار بالبشر وأشكال متعددة من الاستغلال، لا سيما بحق النساء والأطفال. وطالبت الحكومة المصرية باتخاذ تدابير مؤقتة وفورية لوقف هذه الممارسات، وضمان المساءلة حال ثبوتها.
وفي هذا السياق المتشابك، يجد اللاجئون السوريون في مصر أنفسهم عالقين بين سياسات متقلّبة وغير معلنة، وإجراءات إدارية وأمنية فضفاضة لا تميّز بوضوح بين مخالف وملتزم بالقانون، ولا بين لاجئ أملته الظروف على الانتظار ومقيم يسعى إلى تسوية وضعه القانوني. ومع اتساع الحملات الأمنية وغياب الشفافية بشأن قواعد الدخول والإقامة، يتعمّق الإحساس بالخوف وانعدام الأمان داخل الجالية السورية، التي كانت مصر لسنوات طويلة ملاذًا نسبيًا من أتون الحرب والاضطراب.