تواجه الحكومة المصرية أصعب عام ديون في تاريخها المعاصر، إذ تتراكم الاستحقاقات الخارجية والداخلية، ما يفرض ضغوطًا هائلة على موارد الدولة ويضع الاقتصاد أمام تحدٍّ حاسم بين القدرة على السداد وضرورة الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. في ظل استهلاك خدمة الدين لنحو نصف الإنفاق العام، وتجاوز الالتزامات الخارجية عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، تسعى الحكومة إلى احتواء عبء المديونية من خلال استراتيجيات متعددة، تشمل إعادة جدولة الآجال، العودة إلى أسواق الدين الدولية، بيع الأصول الاستراتيجية، وكذلك اقتراح مبادلات ديون أو مقايضة الالتزامات بأصول مملوكة للدولة.
تأتي هذه الجهود وسط خطاب رسمي يعد بخفض ملحوظ في الدين العام وتحسين المؤشرات المالية، بينما تكشف بيانات البنك المركزي وتقارير الخبراء المستقلين عن واقع أكثر تعقيدًا، يتداخل فيه نقص السيولة مع تضخم هيكلي في المديونية، وارتفاع تاريخي في تكاليف خدمة الدين.
رغم تصاعد الحديث الرسمي عن أولوية خفض الدين العام، لا تزال الحكومة متأخرة في الإعلان عن استراتيجية متكاملة لإدارة المديونية، وسط تضارب في التصريحات وتعدد في المبادرات المتداولة دون مرجعية مؤسسية واضحة. فحتى الآن، لم تُنشر وثيقة رسمية تحدد مسار خفض الدين وأدواته وجدوله الزمني. فيما تتراوح التصريحات بين التأكيد على عدم بيع الأصول، والترويج المتزامن للتخارج من الشركات العامة، والحديث عن مبادلات الدين، دون توضيح الفروق الجوهرية بين هذه المسارات أو حدود كل منها.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التضارب لا يعكس بالضرورة تعدد أدوات بقدر ما يكشف عن غياب سردية اقتصادية واحدة لإدارة الدين، ما يضعف قدرة الأسواق والرأي العام على تقييم المخاطر الحقيقية للمسار المالي للدولة، كذلك تأخر الإعلان عن الاستراتيجية يزيد من تكلفة عدم اليقين، سواء على مستوى ثقة المستثمرين أو على مستوى النقاش العام حول الكلفة الاجتماعية والسيادية لخيارات خفض الدين.
نوصي للقراءة: بيع أصول الدولة.. الصكوك السيادية المصرية بين خفض الدين ورهن المستقبل

هل تملك الحكومة مسار لخفض الدين؟
شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا في التصريحات الحكومية بشأن “مسار واضح” لخفض الدين العام، دون الكشف عن التفاصيل الدقيقة أو التبعات السياسية والاقتصادية لهذا المسار. اكتفى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في عدة مناسبات بالتأكيد على أن الدولة “تعمل على خفض جذري في حجم الدين” وتعزيز مؤشرات المديونية، معتبرًا هذه القضية أولوية استراتيجية، غير أنها تُدار ضمن “رؤية متكاملة” لم تُقدم بعد إلى الرأي العام أو البرلمان كوثيقة رسمية مكتملة.
من جانبه، قدّم وزير المالية أحمد كوجك، خطابًا أكثر تفصيلاً من حيث الأهداف الرقمية، متحدثًا عن استراتيجية وطنية مرتقبة لإدارة الدين، تستهدف الخفض الهيكلي لنسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتنويع مصادر التمويل، والتحول التدريجي من الاقتراض التجاري مرتفع التكلفة إلى التمويل الميسر طويل الأجل، بما يتسق مع التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي.
وتتبنّى وزارة المالية مسارًا نزوليًا لمديونية أجهزة الموازنة العامة، تستهدف بموجبه خفضها من 84% من الناتج المحلي الإجمالي في (2024/2025) إلى 80% في (2025/2026)، ثم إلى 76% في (2026/2027) و72% في (2027/2028)، وصولًا إلى 70% في (2028/2029)، قبل أن تتراجع إلى 68% بحلول (2029/2030). ويُعزى تحقيق هذه المستهدفات، وفقًا للخطة، إلى الحفاظ على فائض أولي مرتفع، إلى جانب تحقيق معدلات نمو حقيقي قوية، وهي افتراضات تراهن على استدامة بيئة اقتصادية مواتية، رغم ما يحيط بها من تقلبات محلية ودولية
وعلى صعيد الدين الخارجي، تعلن الحكومة استهداف خفض رصيد ديون أجهزة الموازنة بنحو 1–2 مليار دولار سنويًا، مع وضع سقف للإصدارات الدولية الجديدة بحيث لا تتجاوز قيمة الاستحقاقات السنوية، بما يعني، نظريًا، الحد من صافي الاقتراض الجديد. غير أن هذه المقاربة، كما يلاحظ مراقبون، تركز على إدارة الدين أكثر من تقليصه فعليًا، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على أسواق الدين الدولية لسد الفجوات التمويلية.
وفي هذا السياق، عادت مصر خلال (2024- 2025) إلى سوق الإصدارات الدولية لأول مرة منذ ثلاث سنوات، عبر طرح سندات يورو بوند وصكوك، وسط ما وصفته الحكومة بإقبال قوي من المستثمرين، وتراجع تكلفة التمويل مقارنة بمتوسطات الأسواق الناشئة. وتستشهد الحكومة بانخفاض مؤشر مخاطر الاستثمار في الأوراق المالية المصرية إلى 271 نقطة بعد أن بلغ 1858 نقطة في ديسمبر 2024، إلى جانب تراجع منحنى عائد السندات الدولية بنحو 278 نقطة أساس، معتبرة ذلك دليلًا على تحسن نظرة الأسواق، رغم استمرار هشاشة المؤشرات الاجتماعية والضغوط التضخمية داخليًا.
وتسعى وزارة المالية، بحسب الخطة، إلى رفع نسبة التمويل الخارجي الميسر من مصادر جديدة إلى 60% من إجمالي التمويل السنوي، بالتوازي مع تقليل الاعتماد على التمويل التجاري مرتفع التكلفة. فضلًا عن ذلك، تعتزم توجيه ما لا يقل عن 50% من حصيلة التخارج من الأصول الحكومية وأي عوائد استثنائية أخرى إلى خفض الدين، في رهان متكرر على بيع الأصول كأداة لتخفيف الضغوط، لا كحل هيكلي لأزمة المديونية.
وفي الداخل، تستهدف الاستراتيجية إطالة متوسط عمر الدين المحلي من 3.5 سنوات في (2024/2025) إلى ما بين 4.5 و5 سنوات على المدى المتوسط، عبر التوسع في أدوات تمويل جديدة مثل الصكوك المحلية وسندات التجزئة والسندات ذات العائد المتغير، إلى جانب عمليات إعادة الشراء والمبادلة. وتروج الحكومة لهذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لخفض مخاطر إعادة التمويل، رغم استمرار تركّز الدين المحلي في القطاع المصرفي.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بنحو 12% خلال العامين الماضيين، وما تبعه من رفع التصنيف الائتماني من مؤسسة “ستاندرد آند بورز” في أكتوبر الماضي، لأول مرة منذ سبع سنوات، يظل عبء خدمة الدين التحدي الأكثر حدة. إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن خدمة الدين تستحوذ على نحو 50% من إجمالي المصروفات العامة، وحوالي 72% من إجمالي الإيرادات في 2024/2025، وهي من أعلى النسب بين الدول النظيرة.
يرى الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم للدراسات الاستراتيجية”، المختص بدراسة وتقييم السياسات النقدية، طارق الرفاعي، أن الإجراءات التي أعلنتها مصر مؤخرًا لمعالجة مشكلة ديونها عملية على الورق، لكن مدى واقعيتها يعتمد بشكل كبير على التنفيذ والظروف الخارجية.
ويوضح في حديثه مع زاوية ثالثة أن تتمحور الاستراتيجية الأساسية حول بيع الأصول، والخصخصة، وجذب رؤوس الأموال الخليجية، وضمان استمرار دعم صندوق النقد الدولي. ويقول: “من حيث المبدأ، يُعدّ تقليص دور الدولة، وتحسين تدفقات الدولار، وتمديد آجال استحقاق الديون، خطوات سياسية حكيمة، فالقطاع العام المصري كبير وغير فعال، لذا فإنّ التخلص من بعض أصوله ومشاركة القطاع الخاص أمران طال انتظارهما.”
لكنه يرى أن المشكلة تكمن في الحجم والتوقيت، إذ يمكن أن توفر مبيعات الأصول راحة مؤقتة، لكنها حلول مؤقتة ولا يمكنها حل عبء الديون الهيكلي بشكل مستدام، والذي تُغذّيه العجوزات المالية المستمرة، وارتفاع تكاليف الفائدة، وتخفيضات قيمة العملة المتكررة. علاوة على ذلك، تتم العديد من عمليات البيع تحت ضغط، مما يُضعف القدرة على تحديد الأسعار ويحدّ من الفوائد طويلة الأجل للاقتصاد.
ويقول الخبير الاقتصادي إنّ ارتفاع أسعار الفائدة المحلية، التي تهدف إلى الدفاع عن العملة وكبح التضخم، تُفاقم بدورها ديناميكيات الديون من خلال زيادة مدفوعات الفائدة. في الوقت نفسه، لا يزال النمو مقيدًا بالاعتماد على الواردات، وضعف الصادرات، وعدم اليقين بشأن السياسات.
ويوضح الرفاعي أن “خطة مصر ليست غير منطقية، لكنها غير مكتملة، فبدون إصلاحات أعمق لتعزيز الإنتاجية والصادرات والاستثمار الخاص، تُخاطر هذه الإجراءات بكسب الوقت فقط بدلاً من معالجة المشكلة الأساسية.”\
نوصي للقراءة: هل تخدعنا مؤشرات التعافي؟ ما تكشفه أرقام التعداد الاقتصادي السادس عن هشاشة النمو في مصر

مبادلة الديون.. هل تنقذ الحكومة مؤقتًا؟
خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في 2025، اتجهت الحكومة إلى تفعيل آلية مبادلات الدين مع عدد من الشركاء الدوليين، بوصفها مسارًا أقل كلفة سياسيًا وماليًا من السداد النقدي المباشر. أبرزهذه التحركات تمثل في الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي لتحويل جزء من الديون الخارجية إلى تمويل لمشروعات في مجالات إدارة المياه والطاقة المتجددة والتكيف مع التغير المناخي، بما يسمح بتخفيف أعباء خدمة الدين، مع إعادة توجيه الموارد نحو قطاعات تُصنَّف تنمويًا، دون أن تمس جوهر المديونية.
وشملت هذه السياسة اتفاقًا مع ألمانيا بقيمة 100 مليون يورو في أغسطس 2025، إلى جانب مبادلات سابقة مع إيطاليا والإمارات، من بينها جزء من صفقة “رأس الحكمة”، فضلًا عن مذكرة تفاهم مع الصين تفتح الباب أمام ترتيبات مماثلة مستقبلًا. وبحسب تقديرات رسمية، بلغ إجمالي ما نفذته مصر من مبادلات دين منذ التسعينيات قرابة مليار دولار، وهو رقم محدود قياسًا بحجم المديونية الكلية، لكنه يكتسب زخمًا متزايدًا في ظل الضغوط التمويلية الحالية.
ومع الحديث عن خطط إضافية لتوسيع هذه الآلية خلال 2026، تحاول جهات رسمية تقديم مبادلات الدين بوصفها نموذجًا “ذكيًا” لإدارة الأزمة، بالمقارنة بين التجربة المصرية ودول مثل السيشل وبليز، كنماذج قابلة للتكرار في الاقتصادات المثقلة بالديون. غير أن هذه المقاربة تظل مشروطة بقدر أعلى من الشفافية، لا سيما فيما يتعلق بحدود ربط مبادلات الدين ببيع الأصول العامة أو إعادة تعريف الالتزامات السيادية، وهي أسئلة لا تزال غائبة عن النقاش الرسمي حتى الآن.
وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي شدد على أن مبادلة الديون بالاستثمار ستكون المحرك الرئيس لخفض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 40% بحلول 2026. وأوضح أن الدولة أصبحت، خلال عام واحد، “سدّادًا صافياً للدين الخارجي بنحو 3.4 مليارات دولار”، رغم بقاء الرصيد الكلي مرتفعًا نتيجة تراكمات سابقة، كما حوّلت التزامات قائمة بقيمة 11 مليار دولار إلى استثمار مباشر طويل الأجل.
ومبادلة الديون بالاستثمارات هي أداة مالية استراتيجية تلجأ إليها الدول والشركات لتحويل التزاماتها القائمة إلى استثمارات مباشرة، غالبًا في مشروعات تنموية أو قطاعات ذات أولوية. تعتمد الفكرة على التفاوض مع الدائنين، سواء كانوا حكومات أجنبية أو مؤسسات مالية دولية، لإعادة هيكلة الدين بدلًا من سداده نقدًا، بما يخفف من عبء خدمة الدين ويحوّل الالتزامات المالية إلى فرص استثمارية تدعم النمو الاقتصادي.
من جانبه يرى الدكتور أحمد عبود، – أستاذ الاقتصاد بجامعة بورتسموث بلندن-، أن فكرة مبادلة الديون بالاستثمارات قد تكون أداة فعّالة لتقليل الدين الخارجي وفتح آفاق جديدة للاستثمار داخل مصر. وأوضح أن الفكرة تقوم على استبدال الالتزامات المالية للدولة تجاه الدائنين بمشروعات استثمارية تمتلكها تلك الدول داخل مصر، بحيث تقوم باستثمار الأموال في هذه المشروعات بدلاً من سداد الدين نقدًا أو بفوائد مستحقة.
ويقول عبود لـ”زاوية ثالثة”: “بمعنى آخر، يتم تحويل الدين إلى أصول أو استثمارات، بحيث تصبح الدول الدائنة مالكة لها، وهو ما يقلل الدين على مصر مباشرة، ويتيح في الوقت نفسه توسيع قاعدة الاستثمارات”.
لكنه يحذر من أن نجاح هذه الآلية يعتمد على قابلية مصر لأن تكون وجهة جاذبة للاستثمار، مشيرًا إلى أن بعض الدول قد ترفض مبادلة ديونها بالاستثمار، مفضلة الحصول على السداد النقدي أو العوائد التقليدية. مضيفًا أن: “مصر بحاجة إلى تقديم حزمة تحفيزية قوية، بعائد جيد أو مشروعات استثمارية جذابة، لكي تقبل الدول الدائنة بالتحول من الدين النقدي إلى استثمارات فعلية”.
ويشير، أستاذ الاقتصاد بجامعة بورتسموث، إلى الجانب المزدوج للمبادلة: “الجانب الإيجابي يتمثل في تخفيض الدين وخلق استثمارات جديدة داخل مصر، بينما الجانب السلبي يكمن في فقدان الدولة جزءًا من السيطرة على الاستثمار المحلي والعوائد المستقبلية، التي ستؤول جزئيًا للدول الدائنة”.
ويوضح أن البديل هو استثمار المشروعات الجديدة مباشرة لجذب عملة أجنبية واستثمارات خارجية، وزيادة احتياطيات الدولار والعملات الأجنبية، بدلًا من التفريط بهذه الفرص مقابل تقليل الديون الحالية. وقال: “المبادلة لها قيمة، لكنها تحتاج إلى إدارة دقيقة لضمان أن تكون خطوة استراتيجية لا مجرد حل قصير المدى”.
إلى جانب التصريحات الرسمية، شهدت الساحة الاقتصادية مؤخرًا تداول مقترح غير حكومي يُعرف باسم “المقايضة الكبرى”، طرحه رجل الأعمال حسن هيكل، يقوم على تصفير جزء من الدين العام عبر نقل أصول سيادية مدرّة للعائد، مثل أصول هيئة قناة السويس وبعض الشركات والهيئات العامة، إلى البنك المركزي، على أن تُستخدم هذه الأصول كضمانات لإعادة هيكلة الدين أو توريقه، أو للحصول على تمويل بشروط أفضل. وقد رُوّج لهذا الطرح عبر وسائل إعلام محلية، ووُصِف من قبل بعض المعلقين بـ”الحل المبتكر”، رغم كونه خارج أي إطار رسمي للدولة.
ويرى مراقبون أن عودة أفكار المقايضة وتوريق الأصول إلى الواجهة لا تعكس بالضرورة تحولًا في السياسات الحكومية، بقدر ما تكشف عن فراغ معلوماتي ناجم عن تأخر الإعلان عن استراتيجية الدين المرتقبة، وعدم إخضاعها لنقاش عام أو رقابة برلمانية. هذا الفراغ ساعد على تنامي السرديات المختلفة حول إدارة الأزمة، وأعاد إلى المشهد مقترحات سبق أن أُجهضت قبل سنوات تحت ضغط الرأي العام، نتيجة المخاوف المرتبطة بالسيادة الاقتصادية، واستقلالية البنك المركزي، ومخاطر تحميل الأجيال القادمة كلفة حلول قصيرة المدى.

صندوق النقد ومبادلات الديون: ما وراء الكواليس
كشفت مصادر حكومية مصرية عن حصول وزارة المالية على الضوء الأخضر لبدء مفاوضات موسعة مع الدائنين الأجانب لتحويل الديون المستحقة إلى استثمارات، بعد موافقة مجلس الوزراء، وذلك بعد أيام من مغادرة بعثة صندوق النقد الدولي للقاهرة ضمن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج القرض.
وأوضح مصدر لـ”إنتربرايز” أن التفويض يمنح وزارتي المالية والتخطيط صلاحية التواصل المباشر مع الدائنين، بما في ذلك عبر نادي باريس، بهدف تحويل الديون إلى حصص استثمارية طويلة الأجل في مشروعات تنموية.
مصدر حكومي ثانٍ قال إن النشاط المكثف لمبادلة الديون يأتي لمعالجة مخاوف صندوق النقد الدولي، الذي أعرب، خلف الكواليس، عن عدم رضاه عن مؤشرات الدين الحالية لمصر، رغم تفاؤل الحكومة باجتياز المراجعتين الخامسة والسادسة.
وأوضح أن التحذير الرئيسي للصندوق يتعلق بالافتقار الحالي للمرونة المالية، ما يهدد قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الاقتصادية المستقبلية وتمويل التنمية الاجتماعية، ويستدعي تحركًا عاجلاً نحو مبادلة الديون وإيجاد مصادر سيولة جديدة. وتعني هذه المبادلات حصول الدائنين على حصص ملكية في مشروعات الدولة مقابل ديونهم. مشيرًا إلى أن مدفوعات فوائد الدين تلتهم نحو 80% من إيرادات الدولة في العام المالي (2025/2026)، الذي بدأ في يوليو الماضي وينتهي في يونيو المقبل.
نوصي للقراءة: هل تملك مصر خطة للتخارج من شراكة صندوق النقد؟

الأعباء الثقيلة على خدمة الدين
تشير أحدث تقديرات البنك المركزي المصري إلى أن 2026 ستكون من أثقل سنوات خدمة الدين الخارجي، مع التزام الدولة بسداد نحو 29.18 مليار دولار لصالح الدائنين في الخارج، تشمل أقساط أصل الدين والفوائد معًا. ينقسم هذا المبلغ إلى 23.79 مليار دولار مستحقة كأقساط أصلية، و5.4 مليارات دولار فوائد، مما يعكس تضخم فاتورة الدين وأثرها المباشر على الاحتياجات التمويلية للميزانية العامة.
وفي المقابل، يكشف تقرير حكومي رسمي أن إجمالي الدين العام بلغ بنهاية يونيو 2025 نحو 14.9 تريليون جنيه (نحو 313 مليار دولار)، بزيادة تجاوزت 15% مقارنة بالعام السابق، منها 3.8 تريليون جنيه تمثل الديون الخارجية. الأرقام الرسمية الأخرى تشير إلى أن الدين الخارجي تجاوز 161 مليار دولار في منتصف 2025، ما يؤكد استمرار الضغوط على الموازنة العامة.
ومن جانبه، يقول الدكتور كريم العمدة، -أستاذ الاقتصاد السياسي-، إن أزمة الدين الخارجي المصري ليست مشكلة يمكن حلها بسرعة، مؤكدًا أن الحلول السريعة التي يتحدث عنها البعض “غير واقعية”، مشيرًا إلى أن الأزمة “صعبة ومعقدة ومترقبة ومركبة”، وأن المقترحات التي تُطرح ليست جديدة، بل أعيد تداولها أكثر من مرة على مدار السنوات الماضية بصيغ مختلفة دون معالجة جوهرية.
ويلفت العمدة إلى أن مبادلة الديون بالاستثمارات آلية قديمة في مصر، بدأت منذ عام 2003 مع إيطاليا، ولاحقًا مع ألمانيا بين 2010 و2011، لكنها تطبق حتى الآن بمعدلات محدودة. ويضيف: “توسيع نطاق مبادلة الديون سيكون خطوة إيجابية، لأنها تمكن الدولة من تحويل جزء من التزاماتها إلى استثمارات طويلة الأجل بدلاً من سداد نقدي فوري”. موضحًا أن هذه الآلية طبقت أيضًا في صفقات مثل “رأس الحكمة”، حيث خصمت نحو 10 مليارات دولار من أصل 35 مليار دولار كانت مستحقة، كما استفادت دول أخرى مثل قطر والكويت من تحويل ديونها إلى أصول وعقارات.
ورغم ذلك، يتوقع العمدة أن أزمة الدين ستظل مستمرة لفترة طويلة، موضحًا أن ضعف الكفاءات الاقتصادية في الحكومة الحالية وصعوبة اتخاذ قرارات سريعة تزيد من تعقيد المشهد، كما أن مجلس النواب لم يوفر الدعم المطلوب لتمكين الحكومة من إدارة الأزمة بفاعلية.
ويلفت إلى أن الأدوات التقليدية لمعالجة الدين واضحة: تقليل عجز الموازنة، زيادة حجم الاستثمارات، وتعظيم الإيرادات من النقد الأجنبي. مشيرًا إلى أن المصريين في الخارج لعبوا دورًا حاسمًا في حماية الاقتصاد خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن تحويلاتهم بلغت نحو 40 مليار دولار خلال 2025، وهو رقم ضخم يقلل الضغط على مدفوعات الدين الخارجي. وأضاف: “زيادة استثمارات المصريين في الداخل أو رفع حجم تحويلاتهم يمكن أن يوفر سيولة كبيرة ويخفف من عبء الديون على الدولة”.
ويتوقع العمدة أن يشهد العامين المقبلين تحسن تدريجي في الاقتصاد، لافتًا إلى أن “الوضع أصبح أكثر استقرارًا مقارنة بالماضي، ونتوقع أن يكون 2026 أفضل بكثير، مع انخفاض محتمل للدولار ومعدل التضخم. لكن التحديات قائمة، خصوصًا مع قرب تشكيل حكومة جديدة، ونتمنى أن تتمتع بالكفاءة اللازمة لإدارة الاقتصاد بفاعلية”.
ويوفر تقرير البنك المركزي رقم 90 حول “الوضع الخارجي للاقتصاد المصري” قراءة مفصلة لمستوى الالتزامات الخارجية. فقد بلغ إجمالي الدين الخارجي نحو 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، بزيادة 8.3 مليارات دولار عن العام السابق، رغم المحاولات المتكررة لتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
وينقسم الدين بحسب الأجل: الديون طويلة الأجل تشكل 80.8% من الإجمالي، بنحو 130.3 مليار دولار، مقابل 19.2% للديون قصيرة الأجل (30.9 مليار دولار). وتبلغ الالتزامات قصيرة الأجل حوالي 54.6 مليار دولار (33.8%) مقابل 106.7 مليار دولار (66.2%) للالتزامات طويلة الأجل، ما يبرز تركيز العبء المالي على المدى الطويل، لكنه لا يلغي التحديات الفورية للسيولة.
تمثل المؤسسات متعددة الأطراف أكبر مصادر الدين الخارجي، بحوالي 47.2 مليار دولار (29.3% من الإجمالي)، من بينها 14.2 مليار دولار مستحقة لصندوق النقد الدولي. هذا التركيب يجعل الموقف المالي المصري حساسًا لتقلبات السياسات الدولية وتوجهات المؤسسات الدولية، وهو عامل يجب أخذه في الاعتبار عند تصميم استراتيجيات إدارة الدين.
تشير التقديرات إلى أن التزامات الحكومة المتوسطة والطويلة الأجل المستحقة في 2026 تصل إلى نحو 34.9 مليار دولار، موزعة بين النصف الأول من العام بـ15.7 مليار دولار (12.8 مليار أصل و2.9 مليار فوائد)، والنصف الثاني بـ19.2 مليار دولار (11 مليار أصل و2.4 مليار فوائد). وتشمل أبرز هذه الاستحقاقات سداد يورو بوندز وصكوك بالدولار بقيمة 1.4 مليار دولار لكل منهما، إلى جانب ودائع خليجية وسعودية تبلغ مجملها 7.3 مليارات دولار، ما يعكس اعتماد الدولة على مصادر متنوعة لسد التزاماتها.
ويقيس التقرير كفاءة الاقتصاد الخارجي عبر نسبة خدمة الدين إلى الصادرات والإيرادات الجارية، والتي بلغت 53.6% و34.5% على التوالي. هذه النسب توضح مدى الأعباء التي تضعها الالتزامات الخارجية على موارد النقد الأجنبي، وتكشف هشاشة الموقف في ظل الاعتماد على تدفقات خارجية متذبذبة.
نوصي للقراءة: تسريع بيع أصول الدولة.. من يضع السعر؟ ومن يشتري؟

دين متصاعد وسياسات تعيد تدويره
في السياق ذاته، كشف تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الصادر مؤخرًا تحت عنوان “هل تخرج مصر من بحر الرمال؟”، عن استمرار تصاعد الدين الخارجي المصري ليصل إلى نحو 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، مقارنة بنحو 155 مليار دولار قبل عام واحد فقط، في مؤشر يعكس فشل السياسات المتبعة في كبح مسار الاستدانة، رغم الإجراءات التقشفية المتكررة وتعويم العملة.
وبحسب التقرير، فإن الزيادة في حجم الدين لا تنفصل عن التضخم الحاد في أعباء خدمة الدين، حيث تلتهم أقساط السداد والفوائد سنويًا عشرات المليارات من الدولارات، ما يضع ضغطًا مباشرًا على موارد الدولة من النقد الأجنبي. ويشير التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من الاحتياطي النقدي يُستخدم لتغطية التزامات قصيرة ومتوسطة الأجل، ما يقلص هامش الأمان المالي ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية.
ويرصد التقرير أن الحكومة، بدلًا من خفض الاعتماد على القروض، لجأت خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تدوير الدين؛ أي الاقتراض الجديد لسداد التزامات قديمة. ووفقًا للتقرير، فإن هذا النمط أدى إلى تضخم هيكلي في الدين الخارجي، دون أن يقابله توسع موازٍ في القطاعات القادرة على توليد عملة صعبة، مثل الصناعة التصديرية أو الزراعة أو السياحة ذات القيمة المضافة العالية.
أما على مستوى الدائنين، فيوضح التقرير أن المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، باتت تشكل نسبة متزايدة من إجمالي الدين الخارجي، إلى جانب قروض ثنائية من دول عربية. ويؤكد أن هذه التركيبة تُقيد خيارات الدولة، إذ ترتبط القروض ببرامج إصلاح وهيكلة اقتصادية تنعكس مباشرة على أسعار السلع، والدعم، وسعر الصرف.
ويشير التقرير إلى أن محاولات الحكومة الإفلات من الأزمة لم تتجه إلى تقليص الدين، بل إلى إدارته مرحليًا عبر بيع الأصول، وزيادة الاعتماد على الاستثمارات قصيرة الأجل، وتوقيع اتفاقات تمويل جديدة، وهو ما ساهم في تأجيل الانفجار بدلًا من معالجة جذور الأزمة. ووفقًا للتقرير، فإن هذه السياسات قد تُحسّن مؤشرات مؤقتة، لكنها تترك الدين عند مستويات مرتفعة يصعب خدمتها على المدى المتوسط.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار الدين الخارجي عند هذه المستويات، مقرونًا بتراجع قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم، يعني أن كلفة الأزمة لا تتحملها الدولة وحدها، بل تنتقل تدريجيًا إلى المواطنين عبر تآكل الدخول وارتفاع الأسعار وتقليص الإنفاق الاجتماعي. ويحذر من أن غياب تغيير جذري في سياسات الاقتراض قد يحوّل الدين من أداة تمويل إلى قيد دائم على الاقتصاد والسيادة المالية.