لم تكن التحولات التي شهدها المجال العام في مصر منذ ثورة يناير 2011 محصورة في موازين القوة السياسية أو في طبيعة الصراع بين السلطة والمعارضة، ولا في محاولات المعارضة شقّ طريقها داخل معادلة سياسية مغلقة، بقدر ما تجلّت، على نحو أعمق، في البنية القانونية ذاتها التي أُعيد تشكيلها لإدارة المجال العام وضبطه.
فبينما اعتمدت الدولة، قبل الثورة، على قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 باعتباره إطارًا استثنائيًا مُعلنًا لتقييد الحقوق والحريات تحت ذريعة “ضبط المجال العام”، شهدت السنوات اللاحقة انتقالًا لافتًا نحو إدماج هذا الاستثناء داخل منظومة القوانين العادية، وعلى رأسها قانون مكافحة الإرهاب، وبعض مواد قانون العقوبات، وغيرها من التشريعات المستحدثة.
في هذا السياق، يرى قانونيون أن الملاحقات الأمنية لم تعد تُمارَس عبر أوامر اعتقال إدارية أو محاكم استثنائية بالمعنى التقليدي، بل من خلال مسارات قضائية تبدو، شكلًا، ملتزمة بالقانون، لكنها تستند إلى نصوص فضفاضة، وتفسيرات موسعة، وإجراءات احترازية تحوّلت عمليًا إلى أدوات عقابية، في مقدمتها الحبس الاحتياطي المطوّل. وهو ما أفضى إلى تداخل ملتبس بين ما يُصنّف كجرائم جنائية، وما يُستهدف في جوهره بوصفه نشاطًا سياسيًا أو تعبيرًا سلميًا.
ينطلق هذا التقرير من مقارنة قانونية وتحليلية بين أنماط الاتهام قبل الثورة في ظل العمل بقانون الطوارئ، وتلك التي استُخدمت لاحقًا ضد النشطاء والمعارضين استنادًا إلى قوانين مكافحة الإرهاب والعقوبات وغيرها من التشريعات المستحدثة، بهدف تفكيك الكيفية التي جرى عبرها تقنين الاستثناء وتحويله من إجراء طارئ مُعلن إلى ممارسة دائمة مؤطرة بنصوص قانونية.
نوصي للقراءة: يحيى فكري لـ”زاوية ثالثة”:دار المرايا تُقصى من معرض الكتاب للعام الثاني دون تفسير رسمي

ما قبل يناير وما بعدها
في مقارنة مباشرة لطبيعة الاتهامات قبل وبعد يناير، يقول الكاتب الصحفي هشام فؤاد إن الاتهامات قبل الثورة كانت تدور أساسًا حول “قلب نظام الحكم” أو “مخالفة قانون الطوارئ”، الذي حظر تجمع أكثر من خمسة أشخاص، باعتباره الأداة القانونية الرئيسية آنذاك لضبط المجال العام.
ويضيف فؤاد، في حديثه إلى “زاوية ثالثة”، أنه بعد صيف 2013 باتت الاتهامات الغالبة هي “تمويل جماعات إرهابية” أو “الانضمام إليها”، وهي تهم طالت معظم السجناء السياسيين، في سياق استمد فيه النظام الحاكم شرعيته المعلنة من “مكافحة الإرهاب”، إلى جانب التوسع في توجيه تهمة “نشر أخبار كاذبة”.
ويرى فؤاد أن هذا النمط من الاتهامات يستهدف، في جوهره، الحد من النشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بوصفها المساحة المفتوحة التي يعبّر عبرها المواطنون عن أوضاعهم ومشكلاتهم. ويشير إلى أن نسبة معتبرة من القضايا، سواء قبل الثورة أو بعدها، تُدار دون تحريات جدية أو أدلة كافية، بما يثير تساؤلات حول مهنيتها وجدّيتها.
ويستعيد فؤاد واقعة تعود إلى عام 2003، حين تصدّر الإعلام خبر القبض على ما سُمّي بـ”تنظيم شيوعي جديد” يهدف إلى قلب نظام الحكم، بينما اقتصر الأمر فعليًا على توقيف خمسة من أعضاء تنظيم الاشتراكيين الثوريين. يومها سخر بعض الكتّاب من القضية، وأطلقوا عليها اسم “تنظيم الخمسة”، فيما انتقد المحامي الراحل نبيل الهلالي هزلية الاتهامات وقصور التحريات، داعيًا، تهكمًا، إلى تعلم “فن تلفيق التهم” وبذل جهد حقيقي في التحريات. وانتهت القضية ببراءة المتهمين بعد حبس احتياطي لم يتجاوز أربعة أشهر.
ويقارن فؤاد ذلك بتجربته الشخصية في عام 2019، حين وُجّهت إليه وآخرين اتهامات بتمويل جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وصدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات. موضحًا: “قضيت ثلاث سنوات ونصف دون تقديم دليل إدانة حقيقي، ثم خرجت بعفو رئاسي”.

الاستثناء المُعلن
اعتمدت السلطات المصرية قبل يناير 2011 على قانون الطوارئ بوصفه أداة مركزية لضبط المجال العام، مانحًا أجهزة الأمن صلاحيات واسعة شملت الاحتجاز دون محاكمة منتظمة، وإحالة المتهمين إلى محاكم أمن الدولة الاستثنائية. ورغم لجوء السلطات إلى القوة لتفريق المظاهرات واعتقال المعارضين، يرى حقوقيون أن ما كان يجري آنذاك لا يمكن مقارنته بما تشهده البلاد حاليًا.
في هذا السياق، يقول – مدير المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية-، مالك عدلي إن المقارنة بين ما قبل 2011 وما بعدها لا ينبغي أن تقتصر على اختلاف الأدوات القانونية، بل يجب فهمها في إطار اختلاف المنظومات القانونية ذاتها التي استُخدمت لضبط المجال العام.
ويوضح “عدلي” أن القضاء المصري شهد قبل الثورة محطتين فارقتين شكّلتا مرجعية مهمة في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية: الأولى حكم أحداث 18 و19 يناير 1977، الذي برّأ نحو 176 متهمًا، واعتبر أن الانتفاضة كانت رد فعل طبيعي على قرارات اقتصادية، وميّز بينها وبين توصيف النظام لها آنذاك. والثانية حكم قضية إضراب عمال السكة الحديد عام 1986، الذي أقرّ بحق العمال في الاحتجاج على تدهور أوضاعهم المعيشية.
ويرى عدلي أن هذين الحكمين أسّسا لتراث قضائي اعترف بشرعية الاحتجاج، وفرض على الدولة إدماج العهود الدولية للحقوق المدنية والسياسية ضمن منظومتها القانونية.
يقول مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن الحكم الأول أسّس لما وصفه بـ”الذخيرة” في التراث القضائي المصري فيما يتعلق بالاحتجاجات الشعبية، وبالطريقة التي من المفترض أن يتم التعامل بها قانونيًا مع اتهامات التخريب والإتلاف وما شابهها. أما الحكم الثاني، فقد ألزم الدولة المصرية باعتماد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ضمن منظومتها التشريعية.
ويشير عدلي إلى أن هذين المسارين كانا الأكثر تأثيرًا في تشكيل الإطار الحاكم للمجال العام قبل الثورة، حيث كانت الاتهامات الرئيسية الموجهة للنشطاء والسياسيين والمتظاهرين تدور حول التخريب والإتلاف، إلى جانب اتهامات تتعلق بالإضراب وتعطيل المرافق الحيوية.
ورغم غرابة بعض الاتهامات قبل الثورة، مثل “الصياح الجهري ضد النظام”، يؤكد عدلي أن المنظومة العقابية آنذاك كانت “تحترم المجال العام”، وتتيح مساحات للحركة السياسية، ولم تكن تهدف إلى إغلاقه بالكامل. ويشير إلى أن الحبس الاحتياطي قبل الثورة كان محدودًا زمنيًا، وأن نيابة أمن الدولة لم تكن معنية بكافة القضايا السياسية، بل بقضايا الإرهاب المسلح تحديدًا.
ويضيف أن التطبيق العملي للتحقيقات القضائية في القضايا السياسية قبل الثورة كان مختلفًا جذريًا عمّا هو عليه اليوم، موضحًا أن أطول فترات الحبس الاحتياطي آنذاك لم تتجاوز الأسابيع أو الأشهر القليلة، وأن القضايا لم تكن تصل إلى المراحل الممتدة التي باتت في سنوات ما بعد الثورة.
وعن إحالة السياسيين والحقوقيين إلى نيابات أمن الدولة، يوضح أن اختصاص نيابة أمن الدولة العليا قبل يناير 2011، كان مقصورًا على القضايا المتعلقة بالإرهاب والتنظيمات الإسلامية والجهادية المسلحة والأحداث الكبرى، ولم يكن يمتد ليشمل عموم القضايا السياسية والتعبيرية.

منظومة قاسية ومتشابكة
يصف عدلي المنظومة القانونية التي تلت الثورة بأنها “قاسية جدًا”، مشيرًا إلى تحولات جوهرية في قوانين التظاهر، والإعلام، والعمل الأهلي، والانتخابات، فضلًا عن قانون مكافحة الإرهاب، الذي تحوّل عمليًا إلى أداة لتنظيم المجال العام، لا لمواجهة العنف المسلح فحسب. ويؤكد أن التغيير لم يقتصر على التشريع، بل طال أيضًا المبادئ القضائية المستقرة، مع تراجع دور محكمة النقض في كبح التوسع في تفسير النصوص، ما جعل العواقب القانونية للأفعال غير قابلة للتقدير المسبق.
ويرى عدلي أن هذا التحول قد يكون مفهومًا لفترة محدودة في سياق حماية الأمن العام ومواجهة الإرهاب وتجمعات أنصار جماعة الإخوان والتنظيمات المسلحة وحالة الطوارئ التي كانت سائدة في الشوارع، لكنه يصبح- وفق توصيفه – صعب التبرير حين يستمر لأكثر من خمسة عشر عامًا دون مراجعة. مشيرًا إلى التغيرات الأخرى التي لحقت بقوانين الصحافة والنشر، مع إنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، بما أعاد تشكيل الإطار القانوني المنظم للإعلام والمجال العام.
ويشير المحامي الحقوقي كذلك إلى التغييرات التي طالت قوانين الانتخابات، والعمل الأهلي، ومباشرة الحقوق السياسية، موضحًا أن قانون مكافحة الإرهاب نفسه، حين تُستخدم مواده ضد من يحاولون المشاركة في المجال العام، يتحول عمليًا إلى أحد القوانين المنظمة للمجال العام، وليس مجرد قانون استثنائي لمواجهة العنف المسلح.
كذلك يلفت إلى ظهور قوانين لم تكن موجودة سابقًا، مثل قانون الكيانات الإرهابية وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، موضحًا أنه قبل ذلك كان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي محصورًا قانونيًا في نطاق محدود مثل قضايا السب والقذف، أو نشر شائعات بعينها كقضية إشاعة مرض الرئيس، بينما باتت اليوم تهمة “نشر أخبار كاذبة” من أكثر الاتهامات شيوعًا.
ويوضح عدلي أنه رغم الانتقادات التي كانت تُوجَّه سابقًا لمواد قانون العقوبات المتعلقة بالنشر باعتبارها مطاطة وغير واضحة وتهدف إلى محاصرة المجال العام، فإن هذه المواد كانت، في رأيه، مفهومة داخل منظومة تشريعية موحدة ذات نسق واحد. أما اليوم، فقد أصبح المجال العام محكومًا بعدة قوانين متداخلة، على رأسها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون الاتصالات بعد تعديله، وقانون العمل الأهلي، فضلًا عن التعديلات الكثيرة التي أُدخلت على قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية وقانون التظاهر.
ويضيف أن التغيير لم يقتصر على التشريع، بل طال أيضًا المبادئ القضائية التي كانت مستقرة لدى المحاكم العليا في مصر، مشيرًا إلى أن السوابق القضائية كانت تمثل مرجعًا مهمًا لتفسير النصوص المبهمة أو للحد من توسع المحاكم في استخدام بعض المواد، وأن محكمة النقض كانت تضطلع دائمًا بهذا الدور، لكنها تراجعت بعد 2011 عمّا سبق أن قررته في فترات سابقة، ليحل تنظيم مختلف تمامًا.
ويرى عدلي أن هذا التحول قد يكون مفهومًا في ظل التضخم التشريعي، لكنه غير مفهوم بالنظر إلى أثره السلبي على المجال العام، حيث أصبحت العواقب القانونية للأفعال غير قابلة للتقدير المسبق. ويضرب مثالًا على ذلك بأن مجرد قول شخص: “أنا أكره النظام”، كان قبل 2011 يُفهم قانونيًا في إطار محدد يمكن توقع تبعاته، أما اليوم فقد أصبح الأمر بمثابة “قوس مفتوح لا يُغلق”، يمكن أن تُوجَّه على أساسه اتهامات متعددة في آن واحد.
ويخلص عدلي إلى أن سلطة إنفاذ القانون أصبحت جزءًا فاعلًا في المنظومة القانونية التي تطبق هذه النصوص، بما جعل المنظومة التشريعية القائمة لم تعد تتيح مساحات للاجتهاد القضائي الذي يمكن أن يُسهم في تحقيق التوازن والعدالة.
عقب ثورة يناير، طالبت منظمات حقوقية بإنهاء حالة الطوارئ التي استمرت طوال فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وقالت هيومن رايتس ووتش في بيان لها، إن انتقال مصر إلى نظام ديمقراطي يحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان سيكون معرضًا للخطر ما لم تنفذ الحكومة العسكرية الانتقالية مجموعة إصلاحات فورية في هذا المجال. ولاحقًا تم إلغاء مد حالة الطوارئ نهائيًا في 25 أكتوبر 2021 بقرار رئاسي
نوصي للقراءة: أطول انتخابات نيابية في مصر تعيد إنتاج برلمان هيمنة الموالاة

التقنين العقابي
بعد الثورة، لم تتوقف الملاحقات الأمنية، لكنها انتقلت إلى أدوات قانونية جديدة، بدءًا من قانون التظاهر، مرورًا بقانون مكافحة الإرهاب، وصولًا إلى قوانين الإعلام والتقنية، وصولًا إلى إصدار قانون الإجراءات الجنائية رغم الانتقادات. في إطار تشريعي متكامل يمنح الملاحقات غطاءً قانونيًا، لكنه يُنتج آثارًا عقابية مماثلة، بل أشد، لتلك التي كان يفرضها قانون الطوارئ.
ويرى قانونيون وسياسيون أن القوانين الجديدة تُستخدم حاليًا لملاحقة السياسيين والنشطاء تحت غطاء قانوني، لكنها تمارس في الوقت نفسه ضغوطًا مشابهة لتلك التي كانت تُمارس بموجب قانون الطوارئ، عبر توسيع نطاق التجريم وإن فاقت حاليًأ في تحويل الحبس الاحتياطي والإجراءات القضائية إلى أدوات عقابية، ضمن إطار ظاهر من الشرعية القانونية.
بالإضافة إلى ذلك يقول مراقبون إن “الملاحقات لم تختلف قبل الثورة وبعدها بقدر ما تغير نمط الملاحقة نفسها: من استثناء معلن وصريح قائم على الطوارئ، إلى ملاحقة مقننة تحت إطار قوانين عادية صُممت لتسمح بتوسيع التجريم والسيطرة على المجال العام.”
في هذا السياق، يقول زياد العليمي، المحامي الحقوقي وعضو مجلس النواب السابق، إن الدولة قبل الثورة “كانت تتحايل على القانون”، بينما جرى بعد الثورة “تقنين الإجراءات غير الشرعية وتحويلها إلى نصوص قانونية”.
ويشير إلى تآكل ضمانات المحاكمة العادلة، واتساع نطاق الحبس الاحتياطي، وتحول قوائم الإرهاب من إجراء احترازي مؤقت إلى عقوبة ممتدة، فضلًا عن التناقض بين إدراج معارضين على هذه القوائم ودعوتهم في الوقت ذاته إلى الحوار الوطني.
ويضيف أن “الانتهاكات” التي يتعرض لها المتهمون باتت تُمارَس اليوم “بطرق أسوأ، لكنها تبدو في ظاهرها قانونية”، بحد وصفه، مشيرًا إلى أنه في عهد مبارك كانت قرارات الاعتقال تصدر لفترات محددة، وكان يمكن الطعن عليها قضائيًا، بينما أصبح الحبس الاحتياطي الآن بلا سقف زمني واضح، حيث يقبع آلاف المتهمين رهن التحقيق منذ خمس أو ست سنوات دون محاكمة نهائية.
ويشير العليمي إلى تآكل ضمانات المحاكمة العادلة، موضحًا أن محامين كثيرين يُمنعون من الاطلاع على ملفات القضايا أو الحصول على صور منها، وهو ما عايشه شخصيًا حين كان متهمًا في إحدى القضايا. كما يذكر أن المحامين في قضية ضمه إلى قوائم الإرهاب طُلب منهم الترافع دون الاطلاع على أسباب الإدراج بدعوى “السرية”، متسائلًا: “كيف يمكن لمحامٍ أن يترافع دون أن يعرف سبب الاتهام؟”
وفيما يتعلق بقوائم الإرهاب، يلفت العليمي إلى أنها تحولت من إجراء احترازي مؤقت إلى عقوبة ممتدة، حيث ظل بعض الأشخاص مدرجين عليها لأكثر من عشر سنوات، رغم أن القانون يفترض أن تكون إجراءً مؤقتًا لحين التحقق من الوقائع. ويضيف أن بعض المدرجين يُمنعون من العمل وممارسة حياتهم الطبيعية دون سند قضائي حقيقي، ومن بينهم حقوقيون بارزون مثل محمد الباقر.
وينتقد العليمي التناقض في ممارسات السلطة، إذ تُدرج أشخاصًا على قوائم الإرهاب ثم تدعوهم في الوقت ذاته للمشاركة في الحوار الوطني، متسائلًا: “هل هم إرهابيون أم لا؟”
وعن طبيعة الاتهامات، يقول إن تهمة “الانضمام إلى جماعة إرهابية” أصبحت تُستخدم كقالب واحد جاهز يُلصق بالجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم أو مواقفهم السياسية، حتى في حالات لأشخاص مسيحيين أو معارضين معروفين لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أدى ـ بحسب وصفه ـ إلى فقدان الثقة في منظومة العدالة، محذرًا من أن “أخطر ما يهدد الدول هو فقدان ثقة الناس في العدالة”.
وفي مقارنة لافتة، يرى العليمي أن المحاكم العسكرية باتت في نظر كثير من المحامين “أرحم من دوائر جنايات الإرهاب”، موضحًا أن أحكام الإعدام في القضايا العسكرية أقل نسبيًا، ولا تصدر عادة إلا في حال وجود أدلة واضحة، بينما تشهد دوائر الإرهاب معدلات أعلى في إصدار أحكام الإعدام. ويختم العليمي بالقول إن انتهاك حقوق المتهمين والمحامين أصبح يتم بشكل علني ومُشرعن بالقانون، وليس خفيًا كما كان في السابق.
نوصي للقراءة: اللاجئون السوريون في مصر..ترحيل واحتجاز بلا إنذار
الاتهامات المعلّبة
برزت خلال السنوات الأخيرة تهمتا “نشر أخبار كاذبة” و”الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون أو جماعة إرهابية”، باعتبارهما الأكثر شيوعًا في ملاحقة السياسيين والنشطاء والمعارضين في مصر.
وبحسب قانونيين وسياسيين، فإن طبيعة الاتهامات شهدت تحوّلًا لافتًا؛ إذ انتقلت من مرحلة كانت تتسم بعدم المعقولية أو ضعف المنطق القانوني، سواء من حيث تركيبها أو افتقارها إلى أدلة جدية قبل ثورة يناير، إلى ما وصفوه بـ”الاتهامات المعلّبة” ذات الصيغ المتكررة.
ويعتبر هؤلاء أن صدور ترسانة من القوانين بعد يناير أتاح إعادة هندسة الخطاب الاتهامي داخل أطر قانونية أكثر تعقيدًا، تمنحه مظهرًا منضبطًا شكليًا، حتى وإن ظلّت الإشكاليات الجوهرية المرتبطة بالأدلة وضمانات المحاكمة العادلة قائمة.
في هذا السياق، يقول السياسي والحقوقي مصطفى شوقي إن الفترة التي سبقت يناير 2011 كان قانون الطوارئ هو الإطار القانوني الحاكم، وكانت القضايا عادةً تُعرض على النيابة والقاضي الطبيعي. وكان للقضاء العسكري اختصاص محدود للغاية، مقصورًا على القضايا الكبرى المرتبطة بالأحداث الجهادية أو تنظيمات الإخوان المسلمين، فيما كانت محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية نادرة جدًا.
ويضيف شوقي، في حديثه لزاوية ثالثة، أن ما بعد عام 2013 شهد توسعًا هائلًا في أدوات الملاحقة القانونية، إذ جرى استبدال الأدوات التشريعية التقليدية بترسانة من القوانين الجديدة، في مقدمتها قانون الطوارئ الذي أُعيد العمل به اعتبارًا من أبريل 2017 واستمر تطبيقه حتى أكتوبر 2021.
وخلال هذه الفترة، تم مد حالة الطوارئ بقرارات جمهورية متتالية كل ثلاثة أشهر بعد موافقة البرلمان، لما يزيد على أربع سنوات ونصف، رغم أن الدستور ينص على أن إعلان الطوارئ يكون لمدة ثلاثة أشهر قابلة للمد مرة واحدة فقط بعد موافقة البرلمان، وهو ما أثار جدلًا قانونيًا واسعًا حول دستورية آلية التجديد المتكرر.
وإلى جانب الطوارئ، شملت هذه الترسانة الجديدة قوانين التظاهر، ومكافحة الإرهاب، والكيانات الإرهابية، وتنظيم وتقنية المعلومات، وغيرها من القوانين التي أسهمت في تضييق المجال العام، فضلًا عن التعديلات الدستورية التي وسّعت من صلاحيات القضاء العسكري لتشمل إحالة المدنيين إليه في حالات متعددة، ما شكّل، بحسب شوقي، تحولًا جذريًا في الممارسة القضائية وطبيعة السيطرة القانونية على المجال العام.
ويشير شوقي إلى أن استخدام الحبس الاحتياطي كأداة عقابية كان أقل قسوة قبل يناير، إذ كان معظم المتهمين يُطلق سراحهم ولم يُستَخدم كأداة للانتقام أو التنكيل. وفي الحالات القليلة التي صدرت فيها أحكام، كانت غالبًا قصيرة، وغالبًا ما يتم الإفراج عنها لاحقًا عبر عفو رئاسي، كما حدث مع الصحفيين إبراهيم عيسى ووائل الإبراشي.
أما طبيعة الاتهامات قبل الثورة، فتتركز بحسب شوقي على أعمال التخريب والاعتداء على منشآت عامة وأفراد الأمن، ولم تشمل الاتهامات الجديدة التي أصبحت بعد الثورة من الأدوات القانونية الرئيسية لملاحقة السياسيين والنشطاء، مثل الانضمام إلى جماعات إرهابية أو نشر أخبار كاذبة، وهي اتهامات، وفق وصفه، “معلبة” وجاهزة للتطبيق ضمن الترسانة القانونية الجديدة.
في يوليو 2018، رصدت منظمة هيومن رايتس ووتش ورقة حقائق بعنوان “الملاحقات القضائية للنشطاء والصحفيين بموجب قانون الإرهاب في مصر” عشرة قضايا تشمل 36 متهما وجهت إليهم فيها أعضاء في نيابة أمن الدولة العليا تهما بموجب قانون مكافحة الإرهاب في مصر (القانون رقم 94 لسنة 2015) أو مواد الإرهاب في قانون العقوبات.
ونوهت المنظمة في تقريرها أن القائمة ليست شاملة، ولكنها تضم الحالات التي تمكنت هيومن رايتس ووتش من الحصول على معلومات. وتشابهت الاتهامات في القضايا العشرة إذ شملت ( نشر أخبار كاذبة، الانضمام/ تمويل جماعة إرهابية أو كلاهما، الإنضمام إلى جماعة أُسست بخلاف أحكام القانون).
وتكشف المقارنة بين ما قبل يناير وما بعدها أن التحول لم يكن في طبيعة الاتهامات وحدها، بل في منطق إدارة العدالة ذاته. فبينما كان القمع يُمارَس سابقًا عبر أدوات استثنائية واضحة كقانون الطوارئ والمحاكم العسكرية بشكل استثناء، بات اليوم يُمارَس عبر منظومة تشريعية تبدو مكتملة الأركان، لكنها تُستخدم لإعادة تعريف الفعل السياسي بوصفه جريمة جنائية.
لم يعد الاستثناء حالة مؤقتة، بل صار قاعدة قانونية، ولم تعد الطوارئ إجراءً طارئًا بل ممارسة دائمة مغلّفة بنصوص وقوانين تحت إطار” ضبط المجال العام”
وفي ظل هذا الواقع، لا يظل السؤال المطروح فقط عن دستورية القوانين أو مشروعية الإجراءات، بل عن مستقبل السياسة، ويبقى الرهان الحقيقي معقودًا على استعادة معنى القانون كأداة لحماية الحقوق لا لتقنين مصادرتها، وعلى إعادة الاعتبار للعدالة باعتبارها شرطًا للاستقرار، لا عائقًا أمامه.