close

أسوان ترى النيل ولا تشربه: مدينة السياحة تغرق في الصرف

في قلب الجنوب المصري، تختلط مياه الشرب بالصرف الصحي وتغرق القرى في فيضانات المجاري، بينما تُروَّج أسوان كأيقونة السياحة والنيل. تحقيق “زاوية ثالثة” يكشف الوجه المظلم لمدينة الجمال المهددة بالتلوث والانهيار.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

على ضفاف النيل، وبينما تُسوَّق أسوان بوصفها أيقونة السياحة المصرية وبوابة الجنوب، تتكشف يوميًا أزمة بنية تحتية متفاقمة تهدد حياة السكان وتُلوث البيئة وتُناقض الصورة الترويجية للمحافظة؛ ففي الوقت الذي تستقبل فيه المدينة أفواج السائحين إلى معابدها وجزرها، تغرق شوارع ومنازل في مناطق حيوية مثل: أبو الريش والكرور والسيل، بمياه الصرف الصحي، جراء انفجارات متكررة في الشبكات  دون حلول جذرية، وغياب شبكات الصرف الصرف في بعض القرى بالمحافظة. 

تمثّل أحدث هذه الوقائع في انفجار خط طرد الصرف الصحي بمنطقة الكرور مطلع يناير الجاري، ما أدى إلى اندفاع كميات هائلة من مياه الصرف باتجاه منازل السكان. غير أن الحادث لا يمكن النظر إليه بوصفه واقعة طارئة أو معزولة، بقدر ما يعكس نمطًا ممتدًا من التدهور المزمن في البنية الخدمية بالمنطقة. فقد شهدت “الكرور” في عام 2016 تكرار كسر خط الصرف الصحي أربع مرات خلال خمسة أشهر، ما أسفر عن غرق عدد من المنازل، قبل أن يتكرر المشهد مجددًا بانفجار مفاجئ لخط الطرد الرئيسي في ديسمبر 2017.

وفي يوليو 2018، عادت مياه الصرف لتغمر المنازل عقب كسر خط طرد المحطة رقم 11، بينما سجّل أكتوبر 2024 واقعة جديدة لكسر الخط نفسه، للمرة الثانية خلال أسبوع واحد فقط من إصلاحه، في مؤشر واضح على فشل المعالجات المؤقتة واستمرار الخلل البنيوي.

جاءت الأزمة الأخيرة بعد أشهر من عقد شريف الشربيني، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، اجتماعًا في 29 مايو من العام الماضي، لمناقشة جهود تطوير منظومة الصرف الصحي بقرية الكرور، بما يشمل محطة الرفع رقم 11، وخط الطرد، وشبكة الانحدار بطول 41 كيلومترًا، إلى جانب تعديل تصميم المحطة، بهدف ضمان تشغيل الخط دون أعطال.

وفي 3 ديسمبر الماضي، تفقد كمال أبو حلاوة، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بأسوان، وياسر عبد الشافي، معاون محافظ أسوان للمشروعات، محطة صرف صحي الكرور، غير أنه بعد مرور 17 يومًا فقط، وقع كسر مفاجئ في خط الطرد، أدى إلى انقطاع مياه الشرب والصرف الصحي عن عدة مناطق. ولم تمضِ أيام حتى تكررت الأزمة مجددًا خلال الفترة من 6 إلى 9 يناير الجاري، وفقًا لشهادات السكان الذين أعربوا عن استيائهم من تكرار الأعطال، مطالبين بحلول جذرية تنهي الأزمة من جذورها.

وتمثّل مشكلات البنية التحتية والمرافق في محافظة أسوان، ولا سيما شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب، معاناة مستمرة للسكان، إذ تشهد المحافظة انفجارات شبه يومية في الأنابيب، خاصة في منطقتي “السيل” و”الكرور”، ما يؤدي إلى غرق الشوارع بالمياه ويؤثر بشكل بالغ على حركة المواطنين.

وتوضح هدى عبد الجليل، الناشطة في العمل الخدمي والخيري بمحافظة أسوان، أن هناك مناطق تختلط فيها مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، مثل قرية “أبو الريش”، حيث تقع أنابيب المياه بالقرب من آبار الصرف، ما يؤدي إلى اختلاطها وحرمان السكان من الحصول على مياه نظيفة وصالحة للاستخدام الآدمي.

وعند وقوع الانفجارات أو السيول، تشير “هدى” إلى أن المنازل منخفضة الطوابق تتضرر بشكل مباشر، إذ تغمر المياه الأرضيات، لا سيما في البيوت المبنية من الطين أو المغطاة بأسقف من الصاج أو الجريد، ما يفاقم حجم الخسائر، في حين تتأثر أساسات المنازل المشيدة من الطوب. 

وتضيف أن المياه التي تصل إلى المنازل تكون أحيانًا ذات لون غريب يميل إلى الاصفرار أو الاحمرار، إلا أن السكان يضطرون إلى استخدامها للشرب، وهو ما أدى في فترات سابقة إلى حالات تسمم ووفيات، فضلًا عن إصابة بعض الأهالي بمضاعفات صحية استدعت دخولهم وحدات الغسيل الكلوي. مؤكدة أن المشكلات لم تُحل بشكل كامل رغم التدخلات الحكومية وإجراء تحاليل للمياه، وأن الأضرار لا تزال قائمة حتى الآن.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: إن “مشكلات المياه والصرف الصحي تعيق حركة المواطنين في الشوارع، وتؤثر على الطلاب والموظفين، وتخلّف أضرارًا صحية جسيمة، من بينها انتشار الفشل الكلوي، والنزلات المعوية، وأمراض الجهاز الهضمي”، داعيةً المسؤولين إلى تدخل عاجل لحماية المواطنين من تبعات البنية التحتية المتهالكة، وتحسين جودة خدمات المياه والصرف الصحي في المحافظة.

صور حصلت عليها زاوية ثالثة، توثق غمر أحياء سكنية في منطقة السيل بأسوان، بمياه الصرف الصحي
صور حصلت عليها زاوية ثالثة، توثق غمر أحياء سكنية في منطقة السيل بأسوان، بمياه الصرف الصحي

تعاني بعض قرى محافظة أسوان غياب كامل لشبكات الصرف الصحي، أبرزها: أبو الريش قبلي وبحري، – يُقدّر عدد سكانها بنحو حوالي 46 ألف نسمة -؛ فيما يعتمد الأهالي على نظام البيارات، ما تسبب في مشكلات بيئية وصحية متفاقمة، وخلال الأشهر الأخيرة، تسربت مياه الصرف الصحي إلى الشوارع والمناطق السكنية، بحسب ما يروي  مؤمن أبو المكارم، أحد سكان القرية. 

ورغم إدراج قرية أبو الريش ضمن القرى المستهدفة بالمشروع القومي “حياة كريمة” لتنمية قرى الريف المصري، الذي أطلقه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي 2019، والإعلان عن بدء تنفيذ إحدى شركات المقاولات، بالتنسيق مع الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي، لمحطة معالجة ثلاثية بمنطقة الكسّارة التابعة للقرية، على مساحة خمسة أفدنة وبطاقة استيعابية تبلغ 10.5 متر مكعب يوميًا، فإن الأهالي يؤكدون أنهم لم يلمسوا حتى الآن أي أعمال تنفيذية ملموسة على أرض الواقع.

ويكشف مؤمن لـ”زاوية ثالثة”، عن أزمة تعانيها منطقة “الشلباب” داخل القرية، لتدفق مياه الصرف بشكل مستمر، من البيارات في المناطق الجبلية، تجاه الشوارع والمنازل، وصولًا إلى خط السكة الحديد، على مدار نحو ثلاثة أو أربعة أشهر، ما تسبب في أضرار واسعة للسكان، لافتًا إلى أن الأهالي تقدموا بشكاوى إلى المحافظة، إلا أن الردود اقتصرت على اعتبار المشكلة شأنًا أهليًا، مع مطالبتهم بحلها فيما بينهم، دون تدخل فعلي من الجهات التنفيذية أو تحرير محاضر ضد المتسببين في الأزمة.

صور حصلت عليها زاوية ثالثة، توثق معاناة سكان أبو الريش في أسوان بسبب الصرف الصحي

وفي سياق مشابه، يعاني سكان منطقة جبل الزلط بمركز كوم أمبو أوضاعًا خدمية متدهورة، في ظل غياب شبه كامل للمرافق الأساسية، إذ تفتقر المنطقة إلى أبسط الخدمات. فلا توجد شبكة صرف صحي عاملة، كذلك لم تعمل محطة الرفع الخاصة بالصرف، ولم تُستكمل توصيلات الصرف للمنازل، ما أدى إلى انتشار البيارات والمياه الراكدة بجوار العمارات السكنية والمدرسة والمحول الكهربائي، ما يشكل خطرًا صحيًا وبيئيًا دائمًا على السكان، بحسب ما يوضحه الشاذلي أبو الوفا أحمد، أحد سكان المنطقة، لـ”زاوية ثالثة”.

ويشير أحمد إلى معاناة الأهالي من غياب الخدمات الأمنية ووسائل المواصلات، فضلًا عن وجود ملعب خماسي غير مُفعّل، ومخبز متوقف عن العمل منذ أكثر من 11 شهرًا، ما يضطر السكان إلى التوجه إلى مدينة كوم أمبو للحصول على الخبز، متحملين أعباء مالية إضافية يومية في المواصلات، في ظل نقص حاد في الخدمات. كما يحذر من خطورة الطريق المؤدي إلى جبل الزلط، بسبب وجود مصرف مكشوف دون مصدّات واقية، وغياب الإنارة، الأمر الذي أسفر عن تكرار الحوادث.

ويدعو الشاذلي أحمد المسؤولين إلى زيارة منطقة جبل الزلط ميدانيًا للاطلاع على حجم المعاناة التي يعيشها الأهالي، مؤكدًا أن الأوضاع الراهنة لا تليق بآدميتهم ولا بحقهم في الحصول على خدمات أساسية آمنة.

 

صور حصلت عليها زاوية ثالثة، توثق معاناة سكان جبل الزلط نتيجة الصرف الصحي

 

نوصي للقراءة: تلوث المياه في أسوان: ما نعرفه عن الوفيات والإصابات والمخاطر المحتملة

إهمال متجذّر واتهامات بالفساد

تُعد مشكلات البنية التحتية في محافظة أسوان، ولا سيما ما يتعلق بمرافق مياه الشرب والصرف الصحي، مشكلات مزمنة ومتجذرة منذ سنوات طويلة، ويشير الأمين العام لحزب مصر 2000 في أسوان محمد كمال الحاكم، إلى أن الشبكات لم تخضع لعمليات إحلالٍ وتجديدٍ حقيقيةٍ منذ أكثر من خمسينَ إلى ستينَ عامًا، حتى باتت الانفجارات والكسور شبهَ يوميةٍ، حتى في المناطق الحيوية مثل: الكورنيش وطريق العقاد وطريق المطار، وهي الطرق التي تُهيأ عادةً للزيارات الرسمية، فضلًا عن المناطق الشعبية التي تعاني أوضاعًا أكثرَ تدهورًا، ويعزي ذلك إلى ما وصفه بـ”تغلغل الفساد” داخل شركة مياه الشرب والصرف الصحي بأسوان، وسيطرة مجموعةٍ بعينها على مفاصل الإدارة، رغم إحالة بعض رموزها إلى التقاعد، واستمرار تلاميذهم في مواقع قيادية.

يقول  لـ”زاوية ثالثة”: “المواطن الأسواني يعاني في المقام الأول من انفجارات الصرف الصحي والكسور المتكررة، سواء في الصيف أو الشتاء، لا سيما خلال مواسم الأمطار والسيول، في ظل تهالك الشبكات واستخدام مواسير قديمة، من بينها مواسير “الأسبستوس” المحظورة دوليًا”.

ويشرح أن أكثر القطاعات تضررًا بالمحافظة هو قطاع “حي شرق”، الذي يضم مناطق السيل وكيما وعزب كيما والصداقة الجديدة والحكروب والجزيرة، إذ تتركز الكثافة السكانية للفئات الشعبية والكادحة، موضحًا أن الشوارع في مناطق مثل عزبة النهضة تشهد غرقًا دائمًا بمياه الصرف الصحي، في ظل غياب أي حلول جذرية، ويلفت إلى أن محطة رقم 11، المغذية لمنطقة الكرور، تعرضت لانفجارين خلال أقل من عشرة أيام، ما تسبب في غرق الشوارع ومناطق واسعة بمياه الصرف الصحي، مُبينًا أن معالجة الأعطال تقتصر غالبًا على حلولٍ مؤقتةٍ، دون تغييرٍ حقيقيٍّ للبنية التحتية.

ويعتقد الحاكم أن الشركة تحصل شهريًا على دعمٍ ماليٍّ من الشركة القابضة للمرتبات، يتراوح بين ستةَ عشرَ إلى سبعةَ عشرَ مليونَ جنيه، في الوقت الذي تتجاوز فيه إيراداتها الشهرية من تحصيل فواتير العدادات وتركيب الخطوط والعدادات خمسينَ مليونَ جنيه، بما يعني أن إجمالي الإيرادات السنوية قد يصل إلى ما بين أربعمائةٍ وخمسمائةِ مليونِ جنيه، دون أن ينعكس ذلك على تحسين مستوى الخدمة أو تطوير البنية التحتية.

ويتحدث عما يصفه بوقائع فسادٍ موثقةٍ داخل الشركة، من بينها قضية مدير التعاقدات والعقود، الذي استغل ثغرات النظام الإلكتروني لاستخراج عدة عدادات فعليًا، مع تسجيل عدادٍ واحدٍ فقط على النظام، وهو ما أدى إلى إهدار المال العام، قبل أن تتحرك الأجهزة الرقابية لإثبات المخالفات، مؤكدًا أن أحد الموظفين المتورطين في القضية أقدم على الانتحار عقب انكشاف الوقائع، بجانب قضية أخرى تتعلق بتفعيل عداداتٍ موقوفةٍ لمواطنين مسافرين أو وحداتٍ مغلقةٍ منذ سنوات، واستخدامها لتوصيل الخدمة لمشتركين جدد، بما أدى إلى تحصيل غير قانوني، – على حد قوله-، مؤكدًا أن الرقابة الإدارية تدخلت، وتمت محاسبة المتورطين وفصل عددٍ من الموظفين.

 

نوصي للقراءة: أسوان بين المرض والماء الملوث: أزمة صحية ترفع التكاليف على السكان

قرى كوم أمبو تغرقها المياه الجوفية

معاناة سكان القرى من تدهور شبكة الصرف الصحي وغيابها في بعض المناطق، تأتي تزامنًا مع ارتفاع منسوب المياه الجوفية في قرى بمركز كوم أمبو شمالي أسوان، أبرزها: “فطيرة”، التي تعرضت لغمر أجزاء من شوارعها وتصدع وانهيار بعض بيوتها، بعدما تسربت إليها المياه، وما زاد من تعقيد الأزمة عدم دخول شبكة الصرف الصحي إلى الخدمة – بحسب ما يؤكد سكان القرية الذين تحدثوا إلى “زاوية ثالثة”.

ويحكي عبد الرحمن مصطفى، أحد أهالي قرية فطيرة بحري التابعة لمركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، أن قريته تعاني منذ عام 2021 من مشكلة متفاقمة تتعلق بارتفاع منسوب المياه الجوفية، ما أدى إلى تدفق المياه داخل المنازل بارتفاع يصل إلى نحو 30 سنتيمترًا فوق سطح الأرض، وليس فقط في الشوارع أو المناطق المنخفضة، وهو ما تسبب في أضرار جسيمة للأهالي، مشيرًا أن الأزمة بدأت بعد عام من بدء أعمال مبادرة “حياة كريمة” في القرية، واستمرت لعدة سنوات دون حل جذري، رغم تقديم شكاوى متكررة وتنظيم حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للفت الانتباه إلى الأزمة.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن المشكلة لا تقتصر على قرية فطيرة بحري فقط، بل تمتد إلى قرى مجاورة مثل: الحجندية والكاجوج، إذ تسببت المياه الجوفية في أضرار إنشائية جسيمة، وصلت إلى سقوط منازل بالفعل، مضيفًا أن الجهات التنفيذية بدأت مؤخرًا، بناءً على توجيهات محافظ أسوان ورئيس مجلس مدينة كوم أمبو، في إنشاء بئر لسحب المياه الجوفية، إلا أن هذا الإجراء لم يحل المشكلة بشكل كامل، معتبرًا أن حجم الأزمة أكبر من الحلول الجزئية الحالية.

ويؤكد أن استمرار وجود المياه الجوفية أسفل المنازل لأكثر من ثلاث أو أربع سنوات تسبب في انهيار عدد من البيوت، خاصة أن غالبية سكان القرية من الأسر البسيطة، وتتنوع طبيعة المساكن بين مبانٍ من الطوب الأحمر وأخرى من الطوب اللبن، وهو ما زاد من هشاشتها أمام تسرب المياه، مشيرًا إلى أن الأهالي المتضررين لم يحصلوا على أي تعويضات من المحافظة أو الجهات المعنية، وأن مطالبات الأهالي بتخصيص وحدات من مشروعات الإسكان التابعة للدولة، لتعويض المتضررين، لم تلق استجابة حتى الآن.

وينفى مصطفى إجراء أي معالجات من شركة مياه الشرب أو الصرف الصحي لسحب المياه، مؤكدًا أن أي تحركات رسمية على الأرض كانت محدودة، ومجددًا مطالبته بضرورة تعويض الأهالي المتضررين، واتخاذ حلول جذرية ومستدامة لإنهاء أزمة المياه الجوفية بالمنطقة.

وتتفق روايته مع ما يرويه المحمدي أحمد، أحد سكان قرية فطيرة بمركز كوم أمبو، حول تفاقم مشكلة ارتفاع منسوب المياه الجوفية، بشكل ملحوظ خلال الخمس أو الست سنوات الأخيرة، وأن ذلك تزامن مع تنفيذ أعمال الصرف الصحي بالقرية، والتي انتهت المرحلة الأولى منها، متضمنة مدّ المواسير وإنشاء المحطة، إلا أن المشروع لم يدخل مرحلة التشغيل حتى الآن.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المياه الجوفية لا تخرج من باطن الأرض فقط، بل تزحف على سطح الأرض وتغمر الشوارع والمنازل، وهناك عدد من البيوت غمرتها المياه بالكامل، مما تسبب في أضرار جسيمة للأهالي، انهيار عدد من المنازل داخل القرية”.

 لكنه يوضح أن المحافظة أرسلت خلال الأسبوعين الماضيين فرقًا فنية بدأت في حفر بئر استكشافي لمحاولة تحديد مصدر المياه، سواء كانت ناتجة عن تسرب من باطن الأرض أو من مصادر سطحية، لافتًا إلى أن المياه ما زالت تُسحب حاليًا باستخدام سيارات شفط ونقلها خارج القرية، دون أن يؤدي ذلك إلى حل جذري للأزمة، معربًا عن أمله في تدخل عاجل ينهي معاناة السكان ويحول دون تفاقم الخسائر.

 

نوصي للقراءة: على ضفاف النيل.. أسوان تعيش 12 يومًا بلا مياه

نقص الإمكانيات المالية والموارد

بدورها تؤكد النائبة ريهام عبد النبي، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بمحافظات جنوب الصعيد، أن محافظة أسوان تعاني من تدهور شديد في البنية التحتية، خاصة فيما يتعلق بشبكات الصرف الصحي والمياه، موضحة أنه على الرغم من تنفيذ مبادرة “حياة كريمة” لعدد من المشروعات الخدمية المهمة، مثل: المدارس ومجمعات الخدمات ومراكز الشباب، إلا أن الهدف الأساسي الذي كان يعوّل عليه المواطنون، وهو مشروعات الصرف الصحي، لم يكتمل بعد، مشيرة إلى أن معظم مشروعات الصرف الصحي التابعة للمبادرة لم تدخل حيز التشغيل حتى الآن، رغم الإعلان منذ أكثر من عام عن وصول نسب التنفيذ إلى ما يزيد على 90%.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “إن تأخر تشغيل مشروعات الصرف الصحي يمثل أزمة حقيقية، لا سيما أن المبادرة بدأت قبل نحو ست سنوات، وكان من المفترض الانتهاء من مرحلتها الأولى خلال ثلاث سنوات فقط، واستمرار هذا الوضع يثير تساؤلات حول كفاءة التنفيذ وجودة المشروعات”.

وتنتقد النائبة تكرار كسور وانفجارات خطوط المياه والصرف الصحي في عدد من مناطق أسوان، موضحة أن كثيرًا من هذه الخطوط جرى تركيبها منذ عامين أو ثلاثة فقط، وهو ما يعكس، بحسب قولها، وجود فساد وسوء تنفيذ، سواء من جانب بعض المقاولين الذين يستخدمون مواد غير مطابقة للمواصفات، أو بعض المسؤولين عن الاستلام الذين يمررون الأعمال دون الالتزام بالمعايير الفنية.

وتضيف: “بعض المناطق، مثل “أبو الريش بحري” و”أبو الريش قبلي”، لا تزال محرومة من شبكات الصرف الصحي رغم أنها تقع في قلب مدينة أسوان، وتعتمد بشكل كامل على “البيارات”، التي تفيض بمياه الصرف وتغرق الشوارع والمنازل، وقد تدخلت شخصيًا في أكثر من مرة لتوفير سيارات كسح لرفع المياه، في ظل محدودية عدد هذه السيارات بالمحافظة”.

وتلفت إلى أن الطبيعة الجغرافية لأسوان تمثل تحديًا إضافيًا، نظرًا لتنوع التربة بين الصخرية والرملية والطينية، واتساع المسافات بين القرى والمراكز، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعثر المقاولين أو توقفهم عن استكمال المشروعات، دون وجود آليات فعالة لإلزامهم بالتنفيذ.

وفيما يخص أزمة المياه الجوفية في بعض قرى مركز كوم أمبو، مثل قرية فطيرة وقرية الكاجوج، تؤكد النائبة أن المشكلة ناتجة عن تراكمات طويلة من الإهمال وسوء الإدارة، وأنها لم تنشأ بين يوم وليلة، مشددة على أن غياب المتابعة والتدخل المبكر من الجهات التنفيذية أدى إلى تفاقم الأزمة ووصولها إلى حد انهيار بعض المنازل.

وحول مطالبات الأهالي توفير مساكن بديلة للمتضررين، تؤكد عبد النبي أن المحافظة تعاني من ضعف شديد في الإمكانيات المالية والموارد الكافية للتعامل مع حجم المشكلات القائمة، بينما يضغ النواب البرلمانيون لتوفير اعتمادات مالية من الوزارات والجهات المعنية. مؤكدة على أن أسوان تمتلك مقومات سياحية وزراعية وعلاجية وصناعية كبيرة، وتستحق أوضاعًا خدمية أفضل، وأن مواجهة هذه الأزمات تتطلب الإخلاص في العمل العام، وتغليب المصلحة العامة على أي مصالح شخصية، حتى تتمكن المحافظة من تجاوز التحديات المتراكمة.

 

نوصي للقراءة: من أسوان إلى الوادي الجديد: السيول تكشف هشاشة البنى التحتية

ملاحظات فنية تُعرّقل تنفيذ خط الطرد

ردًا على شكاوى الأهالي برر مصدر مسؤول بإدارة الإعلام بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بأسوان، تكرار انفجارات خطوط الصرف الصحي في قرية الكرور، بطبيعة خط الطرد الخاص بمحطة الرفع رقم 11. مؤكدًا أنه يعاني بالفعل من انفجارات متكررة، إلا أنه لم يتم تسليمه رسميًا للشركة حتى الآن، ولا يزال في عهدة الشركة المنفذة للمشروع، إلاّ أن الشركة رغم عدم تسلمها الخط رسميًا، تتدخل عند وقوع أي كسر من خلال إدارة صيانة خطوط الطرد، بالتنسيق مع الشركة، لإجراء الإصلاحات اللازمة بصورة عاجلة، حرصًا على تقليل الأضرار الواقعة على المواطنين.

ويكشف المصدر لـ”زاوية ثالثة” أن تنفيذ خط الطرد محل الشكوى يرجع إلى ما يقرب من عشر سنوات، لافتًا إلى وجود ملاحظات فنية تتعلق بالتنفيذ والضغوط التشغيلية، وهو ما حال دون استلام الشركة للمشروع حتى الآن.

وبشأن منطقة أبو الريش، يؤكد المصدر أنها غير مخدومة بشبكة صرف صحي من الأساس، وتعتمد على البيارات الخاصة بالأهالي، ما يجعلها خارج نطاق التشغيل الفني المباشر للشركة، موضحًا أن خطط إدخال الصرف الصحي لتلك المناطق تقع ضمن اختصاص المحافظة والهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي باعتبارها الجهة المنفذة.

أما منطقة السيل، فيوضح المصدر أنها منطقة ذات كثافة سكانية مرتفعة، وتعاني من وجود مياه جوفية غزيرة مثبتة رسميًا، مشيرًا إلى أن فرق الصيانة التابعة للشركة تتدخل فور حدوث أي كسر أو انفجار في خطوط المياه أو الصرف الصحي لإصلاح الأعطال واستبدال الأجزاء التالفة، وفيما يتعلق بمناطق مثل فطيرة بحري بمركز كوم أمبو، فيشير إلى أن الصرف الصحي جارٍ إدخاله إليها، وأن مشكلة المياه الجوفية تندرج ضمن اختصاص قطاع المياه الجوفية بوزارة الموارد المائية والري، مشيرًا إلى أن تدخل الشركة في شفط المياه يتم في إطار المسؤولية المجتمعية فقط، وليس باعتباره اختصاصًا رسميًا.

وحول مبادرة “حياة كريمة”، يؤكد المسؤول الإعلامي بالشركة، أن الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي هي الجهة المنفذة لمشروعات الصرف الصحي ضمن المبادرة، بينما يقتصر دور شركة مياه الشرب والصرف الصحي على التشغيل والصيانة بعد الاستلام الرسمي، لافتًا إلى أن الغالبية العظمى من المشروع لم تتسلمها الشركة حتى الآن، لكنها تتدخل، في جميع الأحوال، لمعالجة أي خلل أو أعطال طارئة، سواء في المناطق التابعة للمبادرة أو غيرها، بهدف الحد من الأضرار وضمان استمرار تقديم الخدمة للمواطنين، – بحد قوله-.

من جهته أفاد مصدر مسؤول بمحافظة أسوان، – فضّل عدم ذكر اسمه -، لـ”زاوية ثالثة”، أن أزمة الصرف الصحي في منطقة الكرور، ممتدة منذ عام 2004، وشهدت وعودًا متكررة بإنشاء محطة صرف صحي دون تنفيذ فعلي، إلا أن المحافظة حصلت مؤخرًا الحصول على موافقات لإنشاء محطة جديدة، غير أن طبيعة التربة الصخرية في أسوان، تجعل تنفيذ مشروعات الصرف الصحي أكثر تعقيدًا وتكلفة، وتتطلب فترات زمنية طويلة قد تصل إلى عامين لإنشاء المحطات وتشغيلها.

 ويلفت المسؤول إلى أن جزءًا من شبكات الصرف القديمة تم تنفيذه بطرق غير ملائمة لطبيعة الأرض، ما أدى إلى عيوب فنية في الانحدارات، انعكست في تكرار الانسدادات وإنفجارات المواسير، مؤكدًا أن المحافظة تعمل حاليًا وفق منهجية منظمة لمعالجة هذه المشكلات بشكل تدريجي دون الإعلان عن المشروعات قبل اكتمالها.

لكنه يعزي بعض أعطال شبكات الصرف الصحي إلى ممارسات خاطئة من بعض السكان، مثل إلقاء مخلفات صلبة وخرسانية داخل الخطوط، ما يؤدي إلى انسدادات كاملة تستلزم أحيانًا تغيير الخطوط بالكامل بتكلفة مرتفعة، مُحملًا الأهالي، مسؤولية عدم القيام بكسح البيارات بانتظام، لاسيما في المناطق المرتفعة نسبيًا، ما يؤدي إلى تسرب المياه وانحدارها إلى المناطق الأقل منسوبًا، ويتسبب في تضرر جيرانهم.

وبشأن مبادرة “حياة كريمة” يقول المصدر إن المرحلة الأولى من المبادرة شارفت على الانتهاء في محافظة أسوان، التي تُعد – بحسب قوله – المحافظة الوحيدة التي تضم ثلاثة مراكز ضمن المبادرة، مشيرًا إلى أن بعض المناطق مرشحة للدخول ضمن المرحلة الثانية، وفقًا للخطة المعتمدة، مضيفًا أن نسب تغطية خدمات مياه الشرب على مستوى الجمهورية مرتفعة مقارنة بخدمات الصرف الصحي، لافتًا إلى أن المبادرة ساهمت في تحسين هذه النسب.

 وفيما يخص المياه الجوفية، أكد المصدر أن محافظة أسوان تعاني بطبيعتها من ارتفاع منسوب المياه الجوفية نتيجة قربها من نهر النيل، مشيرًا إلى أن التعامل مع هذه المشكلة يُعد تحديًا مرتبطًا بالعوامل الطبيعية، ولا يمكن القضاء عليه بشكل كامل، وإنما يتم الحد من آثاره عبر حلول مثل حفر آبار لتجميع المياه، وهي حلول مكلفة وتحتاج إلى موارد كبيرة.

 ويُقر المصدر بوجود مخاطر على بعض المباني القديمة، خاصة المشيدة من الطين، نتيجة استمرار تدفق المياه أسفلها لفترات طويلة، لكنه شدد على أن ذلك لا ينطبق على جميع المباني، مؤكدًا في الوقت ذاته أن من حق الأهالي الشكوى، وإن كانت بعض الشكاوى – بحسب وصفه – لا تعكس الصورة الكاملة للأسباب الفنية للمشكلة.

في المحصلة، تكشف أزمة البنية التحتية في أسوان عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي الذي يعيشه السكان، وبين صورة مدينة تُقدَّم باعتبارها واجهة سياحية عالمية، وحياة مواطنين تحاصرهم مياه الصرف والمياه الملوثة والمخاطر الصحية داخل منازلهم وشوارعهم. فالتكرار المزمن للأعطال، وتأخر تشغيل المشروعات المنفذة، وتبادل المسؤوليات بين الجهات المختلفة، كلها عوامل تُبقي الأزمة معلّقة دون حسم، وتحوّل الحلول إلى إجراءات مؤقتة لا تمس جذور المشكلة.

وبينما تُعزى الأعطال أحيانًا إلى الطبيعة الجغرافية أو سلوكيات بعض الأهالي، تبقى الحقيقة أن سنوات من الإهمال، وضعف التخطيط، وغياب الرقابة والمساءلة، أفرغت شبكات المرافق من قدرتها على الصمود، وألقت بتبعاتها الصحية والاقتصادية على الفئات الأكثر هشاشة. وفي محافظة تمتلك هذا الثقل السياحي والإنساني والاستراتيجي، لا تبدو أزمة الصرف الصحي والمياه مجرد خلل خدمي، بل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في تحقيق العدالة المكانية، وربط التنمية بالشعور بالأمان والكرامة الإنسانية.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى تظل أسوان رهينة وعود مؤجلة ومشروعات غير مكتملة، فيما يطالب سكانها بحلول جذرية تضمن لهم حقهم في بيئة نظيفة، وخدمات آمنة، وحياة تليق بمدينة تُقدَّم للعالم بوصفها جوهرة الجنوب؟

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search