close

عمار علي حسن لــ”زاوية ثالثة”… الصحافة مكبلة.. البرلمان مُهندَس.. والحوار الوطني فرصة أُهدرت

يرى حسن أن المعارضة تعاني منذ زمن طويل. نحن أمام معارضة إمّا صنعتها السلطة بمالها ونفوذها، وحددت لها مسارها وحدود حركتها، وإمّا معارضة حاولت التمرد على هذه المعادلة، فجرى حصارها و إقصائها و استهجانها وتشويهها
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

في بلد يتقلّص فيه المجال العام عامًا تلو الآخر، وتتحوّل السياسة إلى نشاط محفوف بالمخاطر، يصبح السؤال عن دور المثقف، وحدود الكلام، ومعنى الحوار، سؤالًا وجوديًا. هنا، لا يعدو الحديث عن الصحافة أو البرلمان أو المعارضة نقاشًا نخبويًا، بل مسألة تمسّ الحق في المعرفة وإمكانية تخيّل مستقبل مختلف.

في هذا السياق، يأتي هذا الحوار المطوّل مع الكاتب والمفكر السياسي عمار علي حسن، بوصفه شهادة نقدية على لحظة مأزومة، يتحدث فيها من موقع الشاهد والناقد في آنٍ واحد. يستعيد حسن خبرته الطويلة في متابعة تحولات المجال العام المصري، ويقارب المشهد السياسي والثقافي من أكثر زواياه حساسية: حرية الصحافة، بنية البرلمان، أزمة المعارضة، ومآلات ما سُمّي بـ”الحوار الوطني”. لا يقدّم إجابات مجاملة، ولا يكتفي بالتوصيف السطحي، بل يذهب إلى جذور الاختلال، رابطًا بين القمع السياسي، وتآكل المجال العام، وتصاعد العنف الاجتماعي، وانسداد أفق الثقافة والكتابة.

 

ما رأيك في تزايد الاتهامات بنشر أخبار كاذبة، وتوجه الحكومة المصرية نحو تغليظ العقوبات المرتبطة بهذا الاتهام؟

في كثير من الحالات، توصيف الأخبار على أنها “كاذبة” ليس دقيقًا. هناك فارق جوهري بين الخبر الكاذب والخبر الخاطئ. وحتى الكذب ذاته درجات؛ فهناك كذب كلي وآخر جزئي، كما أن هناك فرقًا بين الكذب المتعمد وغير المقصود.
وحتى في حال ثبوت الخطأ، يجب طرح سؤال أساسي: ما أسبابه؟ هل يرجع إلى تقصير الصحفي في تحري الدقة أو في بذل الجهد للوصول إلى المعلومة؟ أم أن السلطة نفسها حجبت المعلومات وضنّت بها على الناس؟ في هذه الحالة، إذا اجتهد الصحفي في النشر، سارعت السلطة إلى وسم ما نُشر بالكذب، ثم لجأت إلى المحاكم وحبس الصحفيين في قضايا نشر، وهو أمر غير معتاد تاريخيًا في الحياة السياسية والإعلامية المصرية.

العقوبات الحالية كافية، بل كثيرة ومغلظة، وقد بذلت الجماعة الصحفية على مدار عقود جهودًا حثيثة من أجل تخفيفها، لكن المؤسف أن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس. تُغلّظ العقوبات في وقت ماتت فيه الصحافة تقريبًا وكُتمت أنفاسها.
الصحافة المصرية اليوم لا تستطيع أن تقول شيئًا، لا عن المسؤولين الكبار، ولا حتى عن صغار الموظفين البيروقراطيين. أصبحت الصحافة مكبلة، وانصرف الناس عنها وعن الإعلام، لأنها لم تعد قادرة على نقل الحقيقة، أو لا تجد أصلًا ما يمكن نقله.

سواء تعلق الأمر بالمؤسسات الحكومية، أو الجهاز البيروقراطي، أو مجتمع المال والأعمال، أو بعض المؤسسات النافذة في الحياة المصرية؛ فإن الجميع يعمل تحت ضباب كثيف، لا تتسرب من خلاله أي معلومات. ونتيجة لذلك، ضاعت الصحافة: الصحافة الخبرية تكاد تكون غير موجودة، ولا إمكانية لإجراء تحقيقات استقصائية معمقة حول أي ظاهرة.  أما كتّاب الرأي فهم ملاحقون، لا يستطيعون التعبير بحرية، بدءًا من الرقابة الذاتية التي يكتسبونها بفعل القمع المتواصل، وصولًا إلى التعليمات المباشرة التي تُنقل إلى رؤساء التحرير.

 

هناك أكثر من 180 تصريحًا خلال ستة أشهر فقط، ما بين مضلل وغير دقيق، صدرت عن وزراء ومسؤولين، بحسب إحصاءات رصدتها مؤسسات مختصة بتدقيق المعلومات. كيف تعلّق على ذلك؟

لو طُبّقت قاعدة “الأخبار الكاذبة” على ما يصدر عن كثير من المسؤولين من تصريحات، لوجدنا أنفسنا أمام قضايا بالجملة، واستيقظنا في اليوم التالي على فراغ وزاري وسياسي كامل.
الحقيقة أن كثيرًا من التصريحات تُقال بشكل تقديري وجزافي، والأرقام متضاربة ومتغيرة من مسؤول إلى آخر، بينما الحقيقة إما غائبة أو مُغيّبة عمدًا. وتحاول الصحافة أن تتلمس طريقها نحو هذه الحقيقة، لكنها غير مُمكّنة من ذلك.

وكما ذكرت، هناك فرق واضح بين الكذب والخطأ. وقد استقر العرف المهني لعقود على أنه إذا نشرت صحيفة أو منصة خبرًا غير صحيح، فمن حق الجهة المعنية أن ترد أو تصحح في المساحة نفسها وبنفس حجم الخط، كما تعلمنا من أساتذة هذه المهنة. لكن ما يحدث الآن مختلف تمامًا؛ لا ينتظرون تصحيحًا، ولا يقدّمون رواية بديلة، وفي الوقت ذاته، إذا حاول الصحفيون الفهم أو السؤال، يُتهمون بالكذب والانحراف، وأحيانًا بالخيانة.

 

هل تعتقد أن قانون حرية تداول المعلومات سيصدر قريبًا؟

أعتقد أن قانون حرية تداول المعلومات قد يصدر بالفعل في وقت قريب، لكن السؤال الأهم الذي يجب طرحه هنا هو: أين مفوضية الشفافية التي نصّ عليها الدستور؟ لأنه لم يكتفِ بالنص على حق تداول المعلومات، بل أقرّ أيضًا بعقاب من يحجب المعلومات عن الشعب.
لو طُبّقت هذه القاعدة الدستورية، وتم إنشاء مفوضية الشفافية المنصوص عليها، لحُلّ جزء كبير جدًا من الأزمة، وأصبحت الصحافة قادرة على الوصول إلى تقارير وإحصائيات وبيانات حكومية منتظمة، يمكن الاستناد إليها والرجوع لها، لا سيما في ما يتعلق بالمشروعات الاقتصادية.

لكن التعامل مع قانون حرية تداول المعلومات باعتباره أداة ضغط، أو وسيلة قمع، أو إطارًا لحصار الحريات، هو تعامل قاصر ومضلل. هذا القانون يجب أن يُنظر إليه بوصفه استجابة مباشرة لحق أصيل من حقوق الشعب المصري؛ صاحب المال والأرض والسيادة والشرعية، في المعرفة، وفي الإلمام بما يجري لأمواله، وحقوقه، ومستقبله.

 

نوصي للقراءة: من المنع من السفر إلى “المنع من العمل”.. كيف يُخنق المجتمع المدني بالقانون؟

 

ما تقييمك للانتخابات البرلمانية الأخيرة؟

ليست الأطول فحسب، بل هي أيضًا الأعجب في تاريخ مصر كله منذ أن عرفت الحياة النيابية قبل قرن ونصف، وحتى هذه اللحظة. انتخابات شابها قدر كبير من الفوضى، والخروقات، والانتهاكات، إلى حد استدعى تدخل رئيس الجمهورية نفسه، وهو تدخل ما كان ليحدث لولا أن قيل له إن حجم الخرق قد اتسع إلى درجة باتت معها الفضيحة شاملة وعامة، وبات لا بد من تدخل يخفف من غلواء هذه الممارسات البشعة التي شهدناها خلال العملية الانتخابية.

البرلمان الذي نتج عن انتخابات جرت على هذا النحو سيظل مجروحًا في ضمير الشعب المصري، وفي نظرة الناس إليه، حتى وإن اكتمل شكله الإجرائي، واستوفى الإجراءات الشكلية التي تُمكّنه من الانعقاد، وممارسة مهامه، وإصدار ما يشاء من تشريعات أو قوانين أو حتى تعديلات دستورية. وبالتالي، سيظل هذا البرلمان مجروحًا في الوعي العام، وسيبقى كل ما يصدر عنه مجروحًا بدوره. ومن هنا، فإن العودة إلى الحق فضيلة، وإعادة النظر واجبة، لأن برلمانًا تشكّل على هذا النحو سيكون من الصعب على الناس هضمه أو منحه الشرعية المعنوية.

 

هل ترى أن هناك اختلافًا مرتقبًا بين البرلمان القادم والبرلمانات السابقة؟

أتصور أن برلمان 2015 وبرلمان 2020 مرا بالطريقة نفسها. قائمة مطلقة مغلقة، انتخابات فردية، كان كثير منها محسومًا سلفًا، غير أنّ استخدام المال السياسي، والخروقات، والإجراءات التعسفية، كان في دورات سابقة أقل نسبيًا. أمّا هذه المرة، فقد تجاوز الأمر الحدود المعتادة، ووصل إلى حدّ هندسة العملية الانتخابية برمّتها، وتحديد النتائج قبل وضع المقدمات، على نحو يقود إلى مسار مُعدّ سلفًا. هذا النمط كان حاضرًا جزئيًا في برلماني 2015 و2020، لكنه لم يبلغ آنذاك هذه الدرجة من الفجاجة أو الوضوح.

وأعتقد أننا سنرى البرلمان نفسه، بالطريقة ذاتها، وبالأداءات نفسها. ستكون هناك أصوات معارضة؛ بعضها مرسوم له مسار محدد، وبعضها الآخر خارج هذا الإطار، لكن قدرتها على التأثير في النهاية تكاد تكون معدومة، لأن الأغلبية الميكانيكية الكاسحة تظل في يد السلطة. وبهذا يتحول البرلمان إلى مجرد قنطرة تعبر عليها السلطة التنفيذية لتحقيق ما تريده.

 

كيف تقيّم تجربة الحوار الوطني؟ وهل فتحت فعلًا نافذة، ولو محدودة، في المجال العام؟

 الحوار الوطني، في الحقيقة، كان فرصة جرى أهدرت، لفتح قنوات اتصال بين معارضة وأشخاص مستقلين، وبين خبراء وعلماء ومفكرين، وبين سياسيين ذوي خبرة وتاريخ من جهة، والسلطة الحالية من جهة أخرى. بعض المشاركين بدا وكأنه وسيط ينقل نبض الناس إلى السلطة، وبعضهم كان حريصًا بصدق على المصلحة الوطنية.

وكان من الواجب، على الأقل، أن ينتهي الحوار الوطني بوضع خطة عمل واضحة، يجري تطبيقها كليًا أو جزئيًا في المرحلة التالية. ولم يكن مأمولًا أن يقتصر الأمر على الإفراج عن سجناء رأي أو سياسة، أو على تعديل قوانين انتخابية فحسب، بل كنا نأمل أن تشمل هذه الخطة إصلاحًا سياسيًا حقيقيًا وشاملًا.

لكن، للأسف، جرى التعامل مع الحوار الوطني باعتباره حملة علاقات عامة، أو وسيلة لجسّ النبض، أو لتخفيف الضغوط. ثم سارت الأمور على هذا النحو. وجاءت حرب “طوفان الأقصى”، ولم تعد السلطة في حاجة إلى الإنصات إلى المتحاورين، وانتهى الأمر بهذه الصورة.

وهذه آفة مألوفة في الحياة السياسية المصرية، ألفناها على مدار عقود طويلة. أنا شخصيًا من الذين فتحوا أعينهم على السياسة في عهد مبارك، ووجدت أن السلطة كلما تأزمت أو اشتد عليها الضغط، لجأت إلى مثل هذه الحوارات؛ تُنقل على شاشات التلفزيون، ويتحدث المشاركون بمنطق واقتدار. لكن ما إن تنتهي الأزمة، حتى يُغلق باب الحوار ونعود إلى نقطة الصفر. وهذا بالضبط ما جرى أيضًا في تجربة الحوار الوطني في هذا العهد.

 

 هل يعني ذلك أن السيناريو نفسه قد يتكرر في لجنة تطوير الإعلام؟

لجنة تطوير الإعلام، في تقديري، لن تنتهي إلى شيء يُذكر، طالما أن العقيدة السياسية الراسخة السائدة حاليًا تنظر إلى الإعلام باعتباره تهديدًا للاستقرار إذا تُرك له الباب مفتوحًا، وإذا كان إعلامًا حرًا. وهذا تصور مردود عليه؛ فالمرونة والحرية الإعلامية التي كانت قائمة في فترات سابقة هي التي حفظت مصر إلى حدّ بعيد. ولو كانت الحرية الإعلامية عاملًا من عوامل الانهيار، لكانت دول أخرى قد انهارت، لا سيما أننا شهدنا في محيطنا صراعات وحروبًا أهلية وانتفاضات شعبية واسعة.

بل إن الإعلام كان أحد الأسباب التي أسهمت في إطالة عمر نظام مبارك؛ فعلى الرغم من أن هذا النظام كان قد استنفد أغراضه منذ عام 1995، فإنه استمر ستة عشر عامًا بعد ذلك، بفضل هامش المرونة الذي خلقته الحرية الإعلامية.
ومن ثم، إذا لم تعترف السلطة السياسية بأن الحريات العامة، ومنها حرية الإعلام، هي حقوق أصيلة للمواطنين، فعليها، على الأقل، أن تتعامل معها باعتبارها وسيلة لضخ قدر من المرونة في أوصال الحياة السياسية، بما يجعل هذه السلطة أكثر ألفة، وأكثر استقرارًا، وأكثر قبولًا لدى قطاع عريض من الناس.

 

من النظام السياسي ننتقل إلى المعارضة. هل ترى أن المعارضة المصرية قادرة على القيام بدورها؟ هل لا يزال فيها نبض، أم أننا أمام أزمة حقيقية في بنية المعارضة؟

 المعارضة تعاني منذ زمن طويل. نحن أمام معارضة إمّا صنعتها السلطة بمالها ونفوذها، وحددت لها مسارها وحدود حركتها، وإمّا معارضة حاولت التمرد على هذه المعادلة، فجرى حصارها و إقصائها و استهجانها وتشويهها، وتجفيف منابع التمويل الشرعي القادمة من جيوب الشعب المصري، مع إخضاعها لرقابة شديدة، أو الدفع بعناصر لتفجيرها من الداخل وإضعافها حتى الانهيار.

وقد رأينا هذه الممارسات مرارًا، منذ عهد مبارك، مع أحزاب مثل الوفد، والعمل، والتجمع، والأحرار، ثم حزب الغد. هذه هي الآلية التي دأبت السلطة على استخدامها للعب في هوامش المعارضة الجادة.
أما المعارضة الأخرى التي يُرسم لها مسار محدد، أو التي ترضى بالمتاح، أو تتقاسم بعض المغانم مع السلطة السياسية، فأنا لا أُعوّل عليها، ولا أعتبرها معارضة بالمعنى الحقيقي.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن مصر خالية من المعارضة. فهناك معارضة غير منتظمة، معارضة سائلة، تضم علماء ومفكرين وخبراء وساسة ووجهاء، بل وتمتد أيضًا إلى المواطنين العاديين وعموم الناس. هؤلاء موجودون، ولا يمكن على الإطلاق إنكارهم أو استبعادهم، بل أرى أن دائرتهم تتسع بمرور الوقت.

 

معنى ذلك أنك لا تعترف بما يُسمّى معارضة “الحيز المتاح”، التي تميّز بين التحالفات الانتخابية والتحالفات السياسية؟
أنا لا أعترف بمعارضة ترسم لها السلطة الطريق. من الطبيعي، بل ومن المتعارف عليه في كل الديمقراطيات حول العالم، أن تجري المعارضة – بوصفها جزءًا من النظام السياسي – حوارًا مع السلطة، وأن تتفاهم معها، وأن تجلس إلى طاولة واحدة، وتعرض برامج، وتطرح بدائل، وتتحاور، وتنقل نبض الشارع إلى هذه السلطة، بل وقد تشارك في صناعة القرار. كل هذا مفهوم ومقبول.

لكن ما لا أتفهمه هو أن تقوم السلطة السياسية بتحديد «مغانم» بعينها للمعارضة، وأن تقتصر العلاقة على هذه المغانم فقط، أو على محاولة تلطيف البطش الذي قد تمارسه السلطة ضد المعارضين. هنا تتحول العلاقة إلى ما يشبه التسوّل أو الاستجداء، لا إلى علاقة ندّية، ولا إلى حوار ندّي. في هذه الحالة لا تنظر المعارضة إلى نفسها بوصفها صاحبة حق في طرح البدائل، ولا صاحبة حق في التفكير في الوصول إلى السلطة. كل ذلك غائب.

السلطة تنظر إلى المعارضة بوصفها «قلائد زينة»، وكثير من أطراف المعارضة ترضى للأسف بهذه الأدوار. لكن في المقابل، هناك من يتمردون على هذا الوضع، ويسعون إلى بناء معارضة حقيقية، سواء كانت معارضة منتظمة داخل أحزاب سياسية، أو جماعات ضغط ومصالح، أو معارضة سائلة ممتدة بين عموم الناس وداخل المؤسسات المدنية.

نوصي للقراءة: انتخابات لم يصدقها أحد.. حين تصبح الطعون أكثر من المقاعد الفردية

هل تتوقع أن البرلمان القادم سيعمل على تعديل الدستور؟

 أنا أتصور أن كل السيناريوهات مفتوحة في المستقبل. قد نرى هذا البرلمان يستكمل فصله التشريعي القادم بالكامل. وقد نشهد حكمًا من المحكمة الدستورية بفض البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة. وقد يكمل البرلمان مدته ويُقدم على حزمة من التشريعات والقوانين المنتظرة، والتي تصب في مجملها في إطار التوجهات السياسية والاقتصادية للسلطة التنفيذية الراهنة.

وقد يُقدم هذا البرلمان أيضًا على تعديل الدستور، سواء فيما يخص مدد الرئاسة أو غيرها من المواد، وهذا احتمال وارد. كما قد ينتهي عمر البرلمان بعد عام، أو بعد شهور، وربما قبل أن يُقدم على مثل هذه التعديلات. وقد يتم التعديل إذا استكمل فصله التشريعي.

وإذا جاء برلمان آخر عبر انتخابات جديدة، فقد ينظر هو أيضًا في هذه الملفات.  بمعنى أدق، كل الاحتمالات مطروحة. هناك أحاديث متداولة، ومعلومات غير مؤكدة، وهواجس، وتكهنات، وتوقعات، يصعب تصنيفها: هل هي معلومات فعلية؟ أم تخمينات؟ أم هواجس؟ أم نبوءات؟

لكن قياسًا على ما جرى من قبل، وعلى الرغبات والطموحات والقدرات والمطامع الموجودة في المشهد السياسي، فإن جزءًا كبيرًا جدًا من هذه الملفات يظل منوطًا بالبرلمان، ودوره في المرحلة المقبلة.

نحن نعيش حالة عنف ملموسة في المجتمع المصري خلال العامين الأخيرين، عنفًا موجّهًا في الغالب نحو الفئات الأضعف، كالنساء والأطفال وغيرهم. من وجهة نظرك، ما أسباب هذا العنف؟  وأين تكمن الأزمة تحديدًا؟

 العنف الاجتماعي الذي يستشري ويشيع في المجتمع المصري ليست له أسباب أحادية، بل هو نتاج مجموعة من العوامل المركبة والمتداخلة بدرجة كبيرة.

هناك، أولًا، أسباب سياسية، تتعلق بإغلاق أطر الحوار العام وغياب مساحات التنفيس، فضلًا عن أثر القرارات الصادرة عن السلطة العليا على مجمل الأحوال المعيشية. يضاف إلى ذلك القوانين التي تُشرَّع وتحاصر الناس، سواء في الأسواق من خلال الارتفاع المستمر في الأسعار بفعل التضخم، أو في ما يتعلق بالعلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي، أو قوانين الإيجارات الجديدة في المساكن، وغيرها. كل ذلك يفضي إلى أنماط من العنف داخل ما يمكن تسميته بـ”مجتمعات الندرة”.

وهناك أسباب تتصل بتراجع الوازع الديني، نتيجة أن المؤسسات الدينية وبعض القائمين على إنتاج الخطاب الديني لم يعودوا يقدمون القدوة أو الأسوة الحسنة للناس. بل إن بعضهم سقط سقوطًا مروعًا خلال العقد الأخير، في اختبار حقيقي مرت به مصر منذ ثورة يناير وحتى اليوم.

كذلك هناك أسباب اقتصادية واضحة، تتمثل في اتساع مجتمعات الندرة، وزيادة معدلات الفقر، وانحسار العطاء. ومن الطبيعي أن يؤدي ضيق ذات اليد إلى أنماط من العنف؛ فالإنسان الذي لا يجد غذاءه أو كساءه أو دواءه، لن يكون إنسانًا هادئًا أو أليفًا، وقد يوجّه غضبه إلى المجتمع إذا عجز عن توجيهه إلى السلطة.

وهناك أيضًا عوامل تتعلق بتدوير العنف، أو ما يمكن وصفه بـ«نفايات العنف» التي تُعاد إنتاجها وتداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت المساحة مفتوحة على الغرائزية، وعلى الاستهلاك المفرط، وعلى البذخ، وعلى تداول مشاهد العنف والجرائم، وهي أمور كانت تصل إلى الناس في السابق بنسب محدودة، لكنها اليوم باتت حاضرة على نطاق واسع.

يضاف إلى ذلك أسباب مرتبطة بالمخدرات، ولا سيما ظهور أنواع جديدة شديدة التأثير تذهب بالعقل، وتدفع المدمنين إلى ممارسة العنف ضد أنفسهم، وضد ذويهم وأقاربهم، وضد المجتمع بشكل عام.

وهناك، أخيرًا، أسباب تتعلق باستشراء بعض الاضطرابات والأمراض النفسية، التي قد يكون بعض المصابين بها ميالين إلى العنف. بمعنى أدق، فإن أسباب العنف في المجتمع المصري متعددة ومركبة؛ لكل عامل منها وزنه وحصته، لكنها جميعًا تتضافر لتدفع بالمجتمع من حالة السكينة والألفة إلى دائرة العنف.

لدينا أزمة كتابة في مصر. هذا واضح جدًا في الأعمال الدرامية والسينمائية خلال الفترة الأخيرة؛ نادرًا ما نجد أعمالًا تُرضي الجمهور أو تترك أثرًا. حتى الكتب التي تصدر عن دور النشر لم تعد تلقى اهتمامًا يُذكر. أين الأزمة إذن؟
الأزمة مركبة. أزمة الكتابة ليست سطحية، بل متعددة الأبعاد، وبعضها يتعلق بالكتّاب أنفسهم.

الكتاب، حين يُنشر ويُطلق عليه صفة “كتاب”، يحتاج إلى رحلة متكاملة داخل دار نشر معتبرة، بدءًا من اختيار الموضوع مرورًا بالمراجعة والتصحيح والتدقيق والتحرير، وصولًا إلى الطباعة بما يليق باللفظ “كتاب”. هذه المنظومة تعرضت للعبث بشكل واضح. هناك دور نشر عديدة تنشر نصوصًا رديئة مقابل الدفع، وكثير منها غير مُراجع وغير مطابق للمعايير الأساسية، بعضها سرقات أدبية، وبعضها معتمد على الذكاء الاصطناعي، وانتشر هذا الأسلوب طالما أن الناشر يتلقى المقابل المالي.

أسباب الأزمة تتجاوز ذلك، لتشمل نظرة المجتمع للثقافة باعتبارها ترفًا في العقد الأخير، مع وجود قلق من المثقفين باعتبارهم حاملين للوعي، فكان المطلوب تحجيم أدوارهم.

في السابق، كان هناك تواصل بين الكتاب والدراما، باعتبارها الوسيلة الأكثر انتشارًا لدى الجمهور مقارنة بالكتب. هذه الصلة انقطعت تقريبًا. أصبح كُتّاب الدراما يميلون إلى الاستسهال، ونادرًا ما نجد أعمالًا مأخوذة عن رواية أو قصة قصيرة، كما جرت العادة في تاريخ الدراما والسينما المصريتين.

الدراما والسينما كانت تسهم في “تنجيم” بعض الكتاب؛ فيشاهد الناس أعمالًا مقتبسة عن رواياتهم، فيتعرفون إلى أسمائهم، ثم يبحثون عن كتبهم، وكانت هذه وسيلة دعاية مشروعة للأدب. هذا الدور انتهى تقريبًا اليوم.

أما المساحات الثقافية في الصحافة المصرية، فهي تكاد تكون معدومة، باستثناء مطبوعات محدودة جدًا، مثل “أخبار الأدب”، وجمهورها محدود كذلك. المجلات والدوريات الثقافية تُطبع بمئات النسخ، وأحيانًا تُوزع عشرات فقط، وحتى إذا وُزعت بالآلاف، يظل العدد هزيلًا مقارنة بعدد المثقفين أو الراغبين في الاطلاع على الثقافة.

وعليه، لا أرى أن المشكلة تكمن في نقص منتجي النص الأدبي أو الفني؛ هذا تقييم غير صحيح على الإطلاق، بل الأزمة أوسع، تشمل دور النشر، ووسائل الإعلام، والمساحات التي يُتاح فيها للنصوص أن تصل إلى جمهورها، وكذلك النظرة العامة للثقافة والكتابة في المجتمع.

لدينا الآن عدداً من الكُتّاب أكبر بكثير مقارنة بما كان متاحًا في أزمنة سابقة. تأملي مسابقات القصة القصيرة، وستجدين عددًا كبيرًا من الأعمال الجيدة. الذين ينظمون هذه المسابقات والجوائز يجيبون عن هذا السؤال عمليًا؛ فحتى الجوائز المخصصة للشباب تتلقى مئات الروايات، من بينها على الأقل أربعون رواية تُعتبر جيدة.

هل كان في مصر في فترة من الفترات أربعون أديبًا جيدًا؟ لا، لكن الدولة كانت ترعى الثقافة، وتفتح شرايينها، وكانت مصر تتمتع بدور إقليمي في هذا المجال، وكل ذلك كان ينعكس إيجابًا على أرباب القلم.

اليوم، كل هذا اختفى تقريبًا، وصار المثقف الحقيقي – الباحث عن الحقيقة، والناقد لأداء السلطة، والمنحاز إلى الناس، والمعترض على الفساد والاستبداد – يتعرض لحصار شديد. هذا الوضع أسقط أيضًا رمزية وقيمة المثقف في أعين الناس، فانصرف الجمهور عنه.

الأسباب متعددة، بعضها يعود إلى السياق العام، وبعضها إلى المثقفين أنفسهم، الذين ارتضوا في الغالب أن يبتعدوا عن الاهتمام بمشاكل الناس وينشغلوا بكتاباتهم الخاصة. بعضهم أُقصي أو خرج من السباق، وبعضهم توقف عن الإنتاج بعد التساؤل عن جدوى الكتابة، وبعضهم ينتج نصوصًا جيدة لكنه لا يجد وسيلة نشر، أو إن وجد النشر، فلا يحظى عمله بالانتشار أو التوزيع. لدينا بالفعل مشاكل مركبة في هذا الاتجاه.

 

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search