في ذروة موجة حر تجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز الـ40 مئوية، غرقت مناطق واسعة من محافظة الجيزة في ظلام وعطش، نتيجة انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه، تجاوزت 24 ساعة في بعض الأحياء، فيما بدا المشهد أشبه بشلل تام للحياة اليومية؛ تعطلت المصاعد، انقطع الإنترنت، توقفت أجهزة التبريد، ووجدت آلاف الأسر نفسها عاجزة عن الحصول على الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية، خاصة في المناطق المكتظة أو المهمشة التي ترزح أصلًا تحت وطأة ضعف الخدمات والبنية التحتية.
رغم تأكيدات الحكومة المتكررة بشأن الاستعداد الكامل لفصل الصيف وذروة الاستهلاك، كشفت وقائع الأيام الأخيرة عن اختلالات عميقة في بنية الشبكة الكهربائية، كانت ذروتها في محافظة الجيزة حيث شهدت مناطق واسعة من العمرانية، والهرم، وفيصل، والحوامدية انقطاعًا شبه كامل للتيار الكهربائي لساعات متواصلة تجاوزت 12 ساعة في بعض الأحياء، امتدت معها حالة من التوتر والارتباك في صفوف السكان، لاسيما مع غياب التوضيحات الرسمية أو التنويه المسبق.
وبحسب بيانات وزارة الكهرباء، فإن الأزمة تعود إلى عطل فني مفاجئ في إحدى دوائر محطة محولات جزيرة الدهب (220 ك.ف)، أدى إلى ما يعرف بانسحاب الجهد، أي فقدان جزئي للطاقة الموصلة إلى مناطق بعينها، وهو ما أسفر عن انقطاع واسع النطاق للتيار. إلا أن هذا التفسير، رغم وجاهته التقنية، لم يخفِ تساؤلات مشروعة حول غياب خطط الطوارئ أو بدائل التوزيع التي يُفترض أن تعوّض أي خلل مفاجئ في محطة بهذا الحجم.
ورغم المساعي التي أُعلن عنها لاحقًا لإعادة التيار تدريجيًا، بدت الاستجابة أبطأ من المتوقع، وتباينت التصريحات حول توقيت عودة الكهرباء إلى المناطق المتأثرة، ما زاد من احتقان المواطنين واستياءهم. وفي خلفية المشهد، كانت الشبكة القومية للكهرباء قد سجلت في اليوم ذاته أحمالًا قياسية بلغت 38,800 ميجاوات، وهو أعلى معدل مسجّل في تاريخ الشبكة، وفق ما أعلنت الشركة القابضة. هذا الرقم، الذي يعكس ضغطًا غير مسبوق على منظومة الطاقة، يعيد إلى الواجهة إشكاليات التوسع العمراني غير المنظّم، والتكييف المركزي غير المرشد، وضعف الاستثمارات في البنية التحتية للنقل والتوزيع الكهربائي.
ويأتي هذا في وقت يعاني فيه المواطنون أصلًا من عودة تخفيف أحمال متكررة، دون وضوح في توقيتها أو شفافية في أسبابها، إذ يؤكد مواطنون تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” من مناطق متفرقة في القاهرة والجيزة، أن الانقطاعات باتت جزءًا من روتينهم اليومي، وغالبًا ما تحدث في أوقات الذروة دون سابق إنذار، ما يعطل مصالحهم ويزيد من معاناتهم في ظل ارتفاع درجات الحرارة، كذلك يشير عدد من السكان في أحياء مثل فيصل والهرم والبساتين إلى أن غياب أي جدول معلن لتخفيف الأحمال يجعل من الصعب التكيف مع الوضع، فيما يلفت آخرون إلى أن الانقطاعات المفاجئة ألحقت أضرارًا بالأجهزة الكهربائية وتسببت في خسائر مادية.
ومن جهتها، قالت محافظة الجيزة، فجر اليوم الإثنين، إنها انتهت من أعمال إصلاح كابل الجهد العالي (66 ك.ف) في منطقة ساقية مكي التابعة لحي جنوب الجيزة، مشيرة إلى بدء ضخ التيار الكهربائي تدريجياً للمناطق التي تضررت، بما في ذلك المنشآت الحيوية والعامة، بالتوازي مع إعادة تشغيل محطة مياه جزيرة الذهب بصورة منتظمة، بهدف استعادة ضخ المياه بشكل طبيعي للمناطق المتأثرة. وقدّمت المحافظة اعتذارها للمواطنين عن أي إزعاج أو معاناة نتجت عن انقطاع الكهرباء أو تأثر خدمات المياه، مؤكدة حرصها على اتخاذ جميع الإجراءات العاجلة لضمان استقرار الخدمات في أقرب وقت ممكن.
منذ عام 2023، واجهت مصر انقطاعات متكررة للكهرباء، غالبًا بسبب نقص الوقود، انخفاض إنتاج الغاز، وارتفاع الطلب خلال موجات الحر، وأعلنت الحكومة في أبريل الماضي أن هناك استعدادات كاملة لتجنب انقطاعات الكهرباء خلال الصيف، بما في ذلك استيراد الوقود وتعزيز الشبكة، ومع غياب الخطط المعلنة لتعويض نقص الطاقة أو تحسين كفاءة التوزيع، تبدو الأزمة مرشحة للاستمرار ما لم يتم التعامل معها باعتبارها أولوية خدمية وأمنية في آن، بحسب مراقبون تحدثوا إلى زاوية ثالثة.

نوصي للقراءة: ارتفاع أسعار الكهرباء يُعيد تشكيل أنماط حياة الأسر المصرية

مشهد متكرر
في شوارع الهرم وفيصل وجزيرة الدهب، يتكرر المشهد ذاته منذ مطلع الأسبوع الجاري: مواطنون محاصرون بين الظلام والحر، يحاولون التكيّف مع انقطاعات متكررة للكهرباء تمتد لساعات، دون جدول واضح أو تحذيرات مسبقة. “أصبحت الحياة تُدار بالدقائق”، تقول فاطمة عبد المنعم، ربة منزل من شارع اللبيني، مضيفة: “نحسب وقت مجيء التيار لنشحن هواتفنا أو نشغّل الثلاجة قليلًا، ثم ننتظر ساعات في الظلام والحرارة”.
فاطمة، التي تعول أسرة مكونة من أربعة أفراد، تؤكد أن التيار غالبًا ما ينقطع دون سابق إنذار، ويتبعه انقطاع فوري في المياه، إذ تعتمد العمارة التي تسكنها على مضخة كهربائية، تقول إنها اضطرت إلى شراء شموع وبطاريات رغم ضيق الحال، وتشكو من غياب أي استجابة من شركة الكهرباء، متسائلة: “هل هناك من يسمع عن أوضاعنا؟، يقولون الكهرباء والمياه عادت في الأخبار لكن الواقع لا مياه ولا كهرباء ولا حياة”.
أما ياسر علام، موظف في القطاع الخاص يقيم بمنطقة فيصل، فقد عاش تجربة وصفها بـ”المرعبة” حينما علِق في المصعد لأكثر من نصف ساعة خلال عودته من عمله. يقول لـ”زاوية ثالثة”: “كنت أطرق الجدران وأصرخ حتى سمعني أحد الجيران وساعد في إنقاذي”، منذ ذلك الحين، امتنع ياسر عن استخدام المصعد، رغم معاناته من مشاكل في الركبة، واضطر إلى صعود ستة طوابق سيرًا كل يوم. ينتقد ياسر غياب التحذيرات أو أي تواصل من الجهات المعنية، مؤكدًا: “الناس لازم تعرف وتتجهز بدل من حبسنا كأننا في فخ”.
في جزيرة الدهب، تزداد المعاناة حدّة مع فئات أكثر هشاشة، وضعف البنية التحتية رانيا محسن، عاملة نظافة تعيش مع والدتها المسنة في غرفة ضيقة بلا تهوية، تقول إن والدتها لم تتمكن من النوم طوال الليل بسبب الحر، “المروحة الصغيرة التي نعتمد عليها لم تعمل، والمياه قُطعت أيضًا. طرقنا أبواب الجيران، لكن الحال واحد”، تضيف بحسرة، قبل أن تسأل: “لا أحد يتواصل معنا لا نواب ولا مسؤولين، ولا نعرف متى تعود الحياة لطبيعتها، أمي مريضة ومعرضة لانخفاض الضغط في أي لحظة، من مسؤول عن حياتها؟”
وتتجاوز تبعات الأزمة المنازل لتصل إلى المرافق الحيوية، في وحدة غسيل كلوي تابعة لأحد المراكز الطبية بالجيزة، يروي الدكتور حسام كمال لزاوية ثالثة تفاصيل يوم وصفه بـ”الحرج طبيًا وإنسانيًا”، يقول: “انقطع التيار الكهربائي بشكل مفاجئ يوم السبت، والمولد الاحتياطي لم يعمل بسبب عطل غير مكتشف، اضطررنا لتأجيل الجلسات رغم وجود حالات حرجة”. يؤكد أن بعض المرضى تعرضوا لمضاعفات بسبب التأخير، مشيرًا إلى تلقيهم اتصالات من مراكز أخرى تطلب المساعدة، ويحذر “إذا لم توضع المرافق الطبية ضمن الأولويات الوطنية لحماية الشبكة الكهربائية، فسنواجه كارثة إنسانية حقيقية”.
نوصي للقراءة: غاز مصر في إسرائيل: تصديرٌ منخفض التكلفة واستيرادٌ مرتفع يُقيّد الإنتاج المحلي

البرلمان على خط الأزمة
تنتقد النائبة بالبرلمان الدكتورة مها عبد الناصر، ما وصفته بسوء إدارة الأزمة، وتقول في تصريح إلى زاوية ثالثة أزمة انقطاع الكهرباء والمياه التي شهدتها مناطق واسعة مؤخرًا ليست مجرد خلل عابر أو أزمة طارئة، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بغياب الحد الأدنى من أسس الإدارة الرشيدة للبنية التحتية الحيوية في مصر. وأضافت: “ما يحدث ليس صدفة. نحن نعيش في دولة تفتقر إلى ثقافة الصيانة الدورية والتخطيط المسبق. المرافق تُترك لتعمل حتى تنهار، دون أي تدخل استباقي، ودون توفير قطع غيار أو تجهيز بدائل لمواجهة الأعطال”.
وتنتقد مها طريقة إدارة الأزمات، مشيرة إلى أن ما حدث في محطة كهرباء الجيزة مؤخرًا، وما سبقه من أعطال في أماكن حيوية مثل سنترال رمسيس، يعكس غيابًا تامًا لأسلوب علمي في التعامل مع المرافق العامة. وتقول: “نحن ندير الملفات بطريقة عشوائية. لا توجد منظومة تتابع الحالة الفنية للمحطات، ولا توجد خطط بديلة جاهزة للتنفيذ في حال وقوع أعطال طارئة، والنتيجة أن المواطن هو من يدفع الثمن، معاناة وانقطاعًا وغيابًا لأي تواصل أو شفافية”.
وتشدد النائبة على أن استمرار هذا النمط من الإدارة يعني استمرار الفشل، مضيفة: “إذا لم تتغير فلسفة الدولة في إدارة البنية التحتية، وإذا لم يتم تبني أسلوب يرتكز على الصيانة الدورية والتقييم المستمر وتوفير البدائل، فلن يكون هناك أي تحسن. لا يمكن أن نظل ننتظر الكارثة حتى تحدث ثم نتحرك بعشوائية”. مؤكدة على أن ما يحدث ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لغياب التخطيط وسوء الإدارة، مطالبة الحكومة بتحمل مسؤوليتها قبل أن تتوسع الأزمة وتتحول إلى تهديد شامل للأمن الإنساني في البلاد.
وقد شهد البرلمان حالة حراك في مواجهة الأزمة خلال الأيام الماضية، ومن جانبه تقدّم النائب هشام حسين، عضو مجلس النواب عن دائرة الحوامدية والبدرشين، بسؤال برلماني عاجل إلى وزيري الكهرباء والتنمية المحلية، مطالبًا بالكشف عن تفاصيل ما جرى، ومساءلة المقصرين عن انقطاع التيار لما يزيد عن 12 ساعة دون إعلان مسبق أو خطة بديلة لتغذية المناطق المتضررة. وانتقد النائب في مداخلته عدم تفعيل خطط الطوارئ، وغياب التنسيق بين أجهزة المحافظة وشركات الكهرباء، رغم تكرار مثل هذه الأزمات خلال السنوات الماضية.
ردود الفعل المجتمعية لم تكن أقل حدة، إذ تحوّلت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات شكوى جماعية، وثّق خلالها المواطنون حجم المعاناة التي تكبدتها الأسر في ظل الانقطاع الطويل، خاصة مع تزامن الأزمة مع درجات حرارة شديدة الارتفاع، تداول بعضهم صورًا لأجهزة طبية توقفت عن العمل داخل المنازل، وأجهزة تكييف تعطلّت في حضانات أطفال أو غرف مرضى، بينما نشر آخرون مقاطع توثق تحوّل المصاعد السكنية إلى “مصائد حديدية” علق فيها سكان لأكثر من ساعة.
وفي ظل هذا الواقع، لم تُطرح إلى الآن أي خطة واضحة من الوزارة لإعادة تقييم كفاءة محطات التحويل أو الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة لمواجهة الطلب المتزايد، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الحكومة تتعامل مع أزمة الكهرباء باعتبارها “حدثًا طارئًا”، أم “ملفًا استراتيجيًا” يحتاج إلى مراجعة شاملة تشمل البنية التحتية، وآليات التشغيل، والأولويات الاستثمارية.
نوصي للقراءة: خفض إمدادات الغاز يُربك قطاع الأسمدة ويهدد الصادرات المصرية

ما أسباب الأزمة؟
تواجه مصر أزمة هيكلية في إنتاج الغاز الطبيعي الذي يُعدّ الوقود الرئيسي لتوليد الكهرباء، حيث تراجع الإنتاج كثيرًا خلال العامين الأخيرين، ليمس أدنى مستوى له منذ تسع سنوات في فبراير 2025، بحيث افتقر لسد متطلبات الطلب المحلي المتزايد بشدة، بحسب مصادر عدة ومن جهة أخرى، أشارت الحكومة إلى أن البلاد تواجه اضطرابات مفاجئة في الإمداد نتيجة توقف واردات الغاز من تل أبيب خلال يونيو 2025 بسبب توترات إقليمية، ما أحدث ضغطًا خطيرًا على الشبكة الكهربائية
وتبين أن اعتماد مصر شبه الكامل على الغاز، الذي شكل 84٪ من مزيج الطاقة في 2023، جعلها عرضة لانقطاعات مفاجئة عند أي خلل في الإمداد حتى ولو استمر لساعات قليلة.
في عام 2023، شكل الغاز الطبيعي 84% من مزيج الطاقة، بينما ارتفعت حصة الطاقة المتجددة إلى 11.5% في 2024، مع مساهمة كبيرة من الطاقة المائية (7%) والطاقة الشمسية وطاقة الرياح (5%)، وفقًا لموقع Low-Carbon Power.
ويقول المهندس محمد أمين، نائب رئيس حزب الاتحاد، في تصريح خاص لـزاوية ثالثة، إن أزمة انقطاع الكهرباء والمياه المتكررة ليست ناتجة فقط عن ظروف طارئة أو موجات حر استثنائية، بل تمثل انعكاسًا مباشرًا لسوء التخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بالاعتماد غير المتوازن على محطات الطاقة التي تستهلك الغاز الطبيعي بكثافة، دون تطوير حقيقي لبدائل الطاقة المتجددة. وأضاف أن الدولة توسعت في بناء مشروعات عملاقة للطاقة دون أن تستثمر بالقدر الكافي في كفاءة شبكات التوزيع أو تحسين الأداء المؤسسي لشركات الكهرباء، وهو ما يظهر الآن في شكل عجز يومي وتخفيضات إجبارية للإمدادات.
ويشير أمين إلى أن ما يحدث ليس مجرد انقطاع عرضي، بل تعبير عن خلل هيكلي في ملف الطاقة ككل، فمصر لديها فائض نظري في إنتاج الكهرباء، لكن المشكلة تكمن في محدودية الوقود المتاح لتشغيل المحطات، وسوء إدارة شبكة التوزيع، إلى جانب ضعف الاستثمارات في عمليات الصيانة. وقال: “ما فائدة المحطات إن لم نجد ما يغذيها؟ وهل يعقل أن يُترك المواطن تحت رحمة تخفيف أحمال عشوائي دون شفافية في الجدول الزمني أو أسباب فنية واضحة؟”.
وينتقد نائب رئيس حزب الاتحاد غياب المكاشفة مع المواطنين، موضحًا أن الحكومة لم تعلن بوضوح عن أزمة نقص الغاز المحلي الموجه للمحطات، ولم تصارح الناس بتأخر واردات الغاز المسال من الخارج بسبب أزمات الدولار وشح العملة الصعبة. كما تساءل عن مصير عقود الشراكة مع شركات الطاقة الخاصة، والتي يفترض أن تسهم في ضمان استقرار الإمدادات.
ويلفت أمين إلى أن أزمة الكهرباء امتدت لتؤثر سلبًا على محطات مياه الشرب، خصوصًا في أطراف المدن الجديدة والمناطق الريفية، حيث تتوقف تلك المحطات عن العمل في حال انقطاع التيار، مما يفاقم من معاناة الأهالي الذين يواجهون انقطاعين متزامنين في الخدمات الأساسية. وختم تصريحه قائلاً: “نحن بحاجة لمراجعة جذرية لسياسات الطاقة، تقوم على الشفافية والتخطيط بعيد المدى، وربط الأمن القومي بمفهوم العدالة في توزيع الموارد، بدلًا من تحميل المواطن كلفة إخفاقات متراكمة لم يُستشر فيها أصلًا”.
وبالرغم من تأكيد الحكومة توفير خطط بديلة للتعامل مع الأزمة خاصة في ضوء الارتفاعات القياسية لدرجات الحرارة، فإن انقطاع الكهرباء في كثير من الأحيان لم يكن ضمن خطة مدروسة، بل جاء كنتيجة لأحمال غير مسبوقة بلغت ذروتها في صيف 2025 عند نحو 38,800 ميجاوات في يوم واحد، ما يعد الأعلى بتاريخ الشبكة الوطنية. وتقول الحكومة إن الأزمة تمثّلت في ضغط الاستخدام الكثيف لمكيفات الهواء، ومراوحة الاستهلاك في المنازل والمصانع، في ظل ضعف التوسّعات في قدرة التوليد واستثمارات النقل، وهو ما أفقد النظام مرونة مواجهة ذروة الأحمال.
إلى جانب ضغوط الوقود والأحمال، تفاقمت الأزمة بخروج عدد من محطات التحويل الكبرى عن الخدمة لأسباب فنية، خاصة محطة جزيرة الدهب في الجيزة، التي تعرضت لأعطال متكررة في دوائر 220 ك.ف وكابلات الجهد 66 ك.ف، ما أدى إلى “انسحاب الجهد” وانقطاع التيار عن مناطق واسعة تنامت ساعات الانقطاع فيها إلى أكثر من 24 ساعة
وحملت تصريحات وزارة الكهرباء وشركة النقل إشارات إلى أن هذه الأعطال جاءت نتيجة إهمال واضح في الصيانة الدورية، إذ خرجت ثلاث محطات رئيسية في أقل من أسبوعين (جيزة، الإسكندرية)، في دليل على هشاشة البنية التحتية ومحدودية خطط الطوارئ المتوفرة
تتطلب منظومة المياه الحديثة، بدءًا من رفع المياه الخام من المصادر، ومرورًا بمعالجتها في محطات التنقية، وانتهاءً بضخها عبر شبكات التوزيع، اعتمادًا شبه كامل على الكهرباء. وأي انقطاع في التيار الكهربائي، حتى لو لفترات محدودة، يؤدي إلى توقف تلك العمليات الحيوية، خاصة في المحطات التي لا تمتلك بدائل طاقة كافية. ووفقًا لبيانات الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، فإن أكثر من 70% من محطات المياه في مصر تعتمد على الكهرباء العمومية في التشغيل.
بالتالي، فإن الانقطاعات الكهربائية المتكررة – سواء المخططة ضمن برامج تخفيف الأحمال أو الناتجة عن أعطال – تؤثر مباشرة على استمرارية ضخ المياه، خصوصًا في المناطق المرتفعة والطوابق العليا، أو في الأحياء التي لا تحتوي على خزانات تخزينية كافية. ويتفاقم الوضع في ظل غياب إعلان مسبق عن مواعيد فصل الكهرباء، مما يحول دون استعداد السكان أو الجهات الخدمية لتأمين بدائل.
ترتبط أزمة المياه الحالية ارتباطًا عضويًا بأزمة الكهرباء، إذ تعتمد الغالبية العظمى من محطات رفع وضخ المياه في مصر على الشبكة القومية للكهرباء، ما يجعل أي انقطاع في التيار يؤدي تلقائيًا إلى توقف الخدمة المائية في عدد كبير من المناطق. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 60% من المحطات لا تمتلك مصادر طاقة احتياطية كافية لتغطية ساعات الانقطاع.
وفي ظل التقنين المستمر للكهرباء نتيجة تخفيف الأحمال، أصبحت محطات المياه عرضة للتوقف بشكل دوري، دون أن تصدر الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي جداول دقيقة أو بيانات استباقية للمواطنين لتدبير احتياجاتهم. وتعزز هذه الحالة من انعدام الشفافية ويعمق شعور المواطنين بالعجز والإهمال المؤسسي.