مرّ أكثر من مئة عام على صدور أول تشريع للأحوال الشخصية في مصر، وهو ما دفع حقوقيين وحقوقيات، مؤخرًا، للمطالبة بإصدار قانون حديث يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. وبالرغم من الإعلان عن حزمة مقترحات لتعديل القانون خلال الفترة الماضية، لا يزال هذا الملف معلقًا بلا حسم، خاصة مع انتهاء مدة البرلمان، وترقب انعقاد دورة جديدة للمجلس المنتخب، فيما تسيطر حالة من عدم الشفافية بشأن القانون من جانب الحكومة، ما يصفه مراقبون بأنه انعكاسًا لأولويات سياسية وهروبًا مستمرًا من مواجهة مجتمعية جرى تأجيلها عمدًا.
في هذا السياق، طالبت حملة “افتحوا أبواب العدالة”، التي أطلقتها مؤسسة قضايا المرأة المصرية، في بيانها الصادر قبل أيام (نهاية ديسمبر الماضي) بوضع حد لحالة الجمود التي تحكم ملف قانون الأحوال الشخصية، مؤكدة أن التشريع القائم لا يضمن حماية الأسرة بقدر ما يُدير صراعاتها، ولا يصون حقوق الأطفال، بل يتركهم رهائن لنزاعات قضائية طويلة الأمد، بينما يُقنّن عدم المساواة ويُعيد إنتاج أنماط متعددة من العنف داخل البيوت وأروقة المحاكم.
وشهدت المنظومة القانونية للأحوال الشخصية في مصر تطورًا تدريجيًا على مدار أكثر من قرن، بدءًا من القانون رقم 25 لسنة 1920، الذي مثل أول محاولة لتقنين مسائل الأسرة وإرساء قواعد محددة للزواج والنفقة والحضانة، مرورًا بالقوانين المعدلة والمتتابعة، مثل قانون رقم 25 لسنة 1929 الذي وسّع بعض الأحكام المتعلقة بالطلاق والنفقة، وقانون رقم 77 لسنة 1943 الذي عالج قضايا المواريث وبعض الحقوق الأسرية، ثم قانون رقم 119 لسنة 1952 الذي ينظم أحكام الولاية على المال، فضلًا عن قانون رقم 100 لسنة 1985 الخاص بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وقد تزامن هذا التطور مع الدساتير المصرية، بدءًا من دستور 1971 ووصولًا إلى دستور 2014 المعدل سنة 2019، الذي نص على المساواة بين الرجل والمرأة وأهمية حماية الأسرة.
في يناير الماضي وبعد مرور نحو ثلاث سنوات من تشكيل اللجنة، أعلن المستشار عبد الرحمن محمد، رئيس لجنة إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، الانتهاء من صياغة كافة مواد القانون، الذي تم تقسيمه إلى ثلاثة أقسام رئيسية: الولاية على النفس، والولاية على المال، والإجراءات المنظمة للمسائل الشخصية.
بالرغم من ذلك، لم يُعرض مشروع القانون على البرلمان الذي انتهت مدته الدستورية، ولم يُعطَ أولوية لإنهاء الإجراءات التشريعية الخاصة به، لينتهي به المطاف في انتظار دور البرلمان القادم. ويأتي ذلك على الرغم من المطالبات الحقوقية المتكررة بأهمية إقرار قانون للأحوال الشخصية يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية في مصر، ويضمن العدالة والمساواة لجميع أفراد الأسرة، خصوصًا النساء والأطفال.
نوصي للقراءة: العنف ضد نساء مصر.. بين فصول القوانين الغائبة وسنوات التراجع

نحو تشريع أكثر عدالة
بحسب الحملة التي أطلقتها مؤسسة قضايا المرأة، تتحمل النساء العبء الأكبر لهذا التأخير؛ سنوات مُهدَرة في التقاضي، فقدان متزايد للأمان الاقتصادي، وأشكال من الابتزاز القانوني تُمارَس تحت شعار “الحفاظ على الأسرة”. يحدث ذلك رغم وجود مشروعات قوانين بديلة جاهزة، في مقدمتها مقترح “قانون أسرة أكثر عدالة” الذي أعدّته مؤسسة قضايا المرأة المصرية، ورغم صدور قرار رئاسي في يونيو 2022 بتشكيل لجنة لإعداد قانون جديد خلال أربعة أشهر.
يتضمن مشروع القانون المقترح من مؤسسة قضايا المرأة المصرية، حزمة من التعديلات الجوهرية مقارنة بالتشريع القائم. من أبرزها إقرار حق الأم التي تعرضت لاغتصاب في إثبات نسب الطفل إلى أبيه، ووضع تنظيم جديد للطلاق يقضي بأن يتم عبر المحكمة بدلًا من وقوعه بإرادة منفردة، مع النص على تعويض الزوجة في حال الطلاق بما يحدّ من الأضرار الاقتصادية المترتبة عليه.
كذلك ينص المشروع على منح الطرف غير الحاضن حق استضافة الطفل بصورة منتظمة، بما يضمن استمرار العلاقة الأسرية دون الإخلال بمصلحة الطفل الفضلى. ويقترح أيضًا إلزام عقد الزواج بتضمين شروط إضافية يتوافق عليها الطرفان، من بينها تنظيم الشراكة المالية وتقسيم الثروة في حال الطلاق.
وفي ما يتعلق بالحضانة، يضع المشروع الأم في المرتبة الأولى، ويجعل الأب في المرتبة الثانية، ويُقر بحق الأم في الاحتفاظ بحضانة أطفالها في حال زواجها مرة أخرى. ويمتد هذا الحق ليشمل الأم المسيحية المتزوجة من رجل مسلم، أسوة بالأم المسلمة، بما يحقق قدرًا أكبر من المساواة بين الأمهات. وفي الوقت نفسه، لا يحظر المشروع تعدد الزوجات لكنه يضع له ضوابط، كما يمنع المقترح زواج القاصرات بشكل قاطع.
من جهتها تقول سهام علي، المديرة التنفيذية لمؤسسة قضايا المرأة المصرية، إن تأخر صدور قانون جديد للأحوال الشخصية لا يمكن فصله عن ترتيب الأولويات التشريعية في مصر، معتبرة أن قضايا النساء والأسرة لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بملفات أخرى، مثل قوانين الاستثمار والضرائب، وهو ما حدث أيضًا في مشروع قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة.
وتشير في حديثها لـ”زاوية ثالثة” إلى أنه رغم دعوة رئيس الجمهورية في عام 2022 إلى إعداد قانون أحوال شخصية أكثر عدالة، وتكليف وزارة العدل بتشكيل لجنة لإنجاز مسودة خلال أربعة أشهر، فإن “ما يقرب من أربع سنوات مرت دون إعلان أي نتائج أو طرح مشروع قانون للنقاش العام”. وتأمل أن يكون هناك إرادة تشريعية لمناقشة المقترح بجدية- تقول سهام.
وترى المديرة التنفيذية لمؤسسة قضايا المرأة أن الحاجة لإقرار قانون جديد للأحوال الشخصية في مصر ملحّة ومرتبطة بالواقع الاجتماعي المتغير، حيث أن القانون الحالي تعود جذوره إلى عشرينيات القرن الماضي، وتعرض لتعديلات متفرقة وغير جذرية عبر العقود. وخلال أكثر من مئة عام، تغيّرت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتغيّرت أدوار النساء والرجال، وتغيرت احتياجات الأطفال، بينما ظل الإطار القانوني عاجزًا عن مواكبة ذلك. مضيفة أن ربط قانون الأحوال الشخصية بالشريعة الإسلامية بشكل جامد “غير دقيق”، وتوضح أن “الفقه الإسلامي نفسه أكثر تطورًا ومرونة من كثير من النصوص المطبقة حاليًا”.
في المقابل ترى سهام أن القانون، رغم منحه الزوجة أسبابًا للتطليق، يضع شروطًا شبه تعجيزية لإثباتها:” فعلى سبيل المثال في حالات الضرب أو الهجر أو حتى مشكلات العلاقة الخاصة، يُطلب من المرأة شهود، وهو أمر غير واقعي. ومع غياب القدرة على الإثبات، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات للاستمرار في علاقات عنيفة، لأن الخلع يعني التنازل عن الحقوق المالية، وهو خيار لا تتحمله كثيرات اقتصاديًا”.
بالإضافة إلى ذلك، تشدد سهام على أن القضية ليست “قانونًا للنساء فقط”، موضحة أن “القانون الحالي يُقصي الأب أحيانًا بشكل غير عادل، وترتيب الحضانة قد يضع الأب في المرتبة الثانية عشرة أو الرابعة عشرة، بعد قريبات بعيدات، وهو ما يخلق احتقانًا شديدًا داخل الأسرة، كذلك نظام الرؤية الحالي، القائم على ثلاث ساعات في مكان عام، لا يسمح ببناء علاقة حقيقية بين الطفل والطرف غير الحاضن”. لافتة إلى أن المشكلة لا تتوقف عند النصوص، بل تمتد إلى التنفيذ:”كثير من الأحكام الخاصة بالنفقة أو المسكن لا تُنفذ بفعالية. بعض الأزواج يُخفون دخولهم الحقيقية، أو يتصرفون في مسكن الزوجية للإضرار بالأم وأطفالها. فتبدو الحقوق موجودة على الورق، لكنها عمليًا صعبة المنال”.
وتؤكد أن قانون عمره أكثر من مئة عام لا يمكنه الاستجابة لمتطلبات أسرة مصرية تتغير باستمرار. استمرار العمل به هو تجاهل للواقع الاجتماعي والاقتصادي، وتأجيل غير مبرر لتحقيق العدالة داخل الأسرة.

لماذا لم يصدر القانون المعدل؟
في يونيو 2022، أصدر المستشار عمر مروان وزير العدل، قرارًا وزاري، بتشكيل اللجنة القضائية القانونية المختصة في قضايا ومحاكم الأسرة، لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية، وفقا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى.
وكان من المقرر أن تنتهي اللجنة من إعداد مسودة التعديلات في 5 أكتوبر 2022، إلا أن الفترة المحددة امتدت إلى أن تم الانتهاء من المشروع كاملًا. وفي يناير 2025، أعلن رئيس اللجنة الانتهاء من صياغة القانون الجديد، الذي يضم (355) مادة موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية: (175) مادة تخص الولاية على النفس، و(89) مادة للولاية على المال، و(91) مادة تتعلق بالإجراءات وآلية تنفيذها، بالإضافة إلى (60) مادة مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، تتناول مسائل إجرائية وتنظيمية فقط مثل الرؤية والاستزارة والنفقة، دون المساس بالأحكام الشرعية- وفقًا لما أعلنه رئيس اللجنة، كذلك يشمل المشروع تعديل عقود الزواج لكلا الديانتين المسلمة والمسيحية، ومن ثم قدم مشروع القانون إلى وزارة العدل.
في 20 مارس 2025، أعلن وزير العدل خلال احتفالية المرأة المصرية تسلم كافة التعديلات، وأنه جارٍ إعادة ضبط مشروع القانون وصياغته القانونية النهائية، بالإضافة إلى إعداد مشروع مستقل لصندوق رعاية الأسرة المصرية مكوّن من (13) مادة.
من جهتها أصدرت مؤسسة الإنسان والمدينة للأبحاث الاجتماعية – وهي مؤسسة مصرية مستقلة- ورقة بعنوان “معضلات قانون الأحوال الشخصية في مصر .. واقع يُكرِّس التمييز ويُهمش حقوق النساء والأطفال”، أوضحت خلالها أنه رغم أن البنود الأساسية المقترحة لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد تضمنت تعديلات على الولاية على النفس والمال والطلاق والرؤية والنفقة، وكذلك قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين، إلا أنها لم تتطرق إلى بنود حيوية مثل حق المسكن الآمن للنساء والأطفال وقوانين مكافحة العنف الأسري.
وأشارت الورقة إلى أن التجارب القضائية توضح أن إلغاء المادة التي تُلزم الزوج بتوفير مسكن للمطلقة الحاضنة من قبل المحكمة الدستورية، أدى إلى فقدان حماية قانونية فعّالة للمطلقة وأطفالها، إذ يُقتصر حق الأم على أجر مسكن مؤقت، ويضطر العديد من النساء للجوء إلى رفع دعاوى تمكين، وغالبًا ما يواجهن رفض الأزواج للامتثال لأحكام المحكمة، أحيانًا إلى حد تدمير المسكن بالكامل.
وأوضحت المؤسسة في ورقتها أن مشكلة المسكن الآمن تتفاقم بسبب قلة مراكز استضافة النساء والأطفال، إذ يبلغ عددها 8 مراكز فقط في 8 محافظات من أصل 27، مع شروط إقامة صارمة مثل إثبات التعرض للعنف، وتوفير أوراق الزواج أو الطلاق، ودفع رسوم الإقامة حسب الدخل. كما يُمنع الأطفال الذكور فوق 12 سنة من الإقامة مع الأم، ما يزيد من صعوبة تأمين بيئة آمنة بعد الطلاق، ويجبر بعض النساء على البقاء في علاقات عنيفة بسبب غياب بديل مأمون، وهو ما يجعل قضية المسكن الآمن واحدة من أبرز الثغرات القانونية والاجتماعية التي لم يعالجها القانون الحالي.
وتشير الإحصاءات المحلية والدولية إلى تفاقم العنف ضد النساء، حيث أظهرت تقارير الأمم المتحدة وموقع بروموندو أن نسبة الرجال الذين يرون أن العنف ضد الزوجة مبرر تتراوح بين 53.4% و90%. ويرى مراقبون أن القانون يتسامح في بعض الحالات التي تتعرض فيها الزوجة للعنف بزعم “الضرب التأديبي”، ويتيح القانون للزوج رفع دعاوى زنا أو التنازل عنها، ما يفتح الباب أمام الابتزاز والتلاعب -بحسب الورقة.
وأشارت الورقة أيضًا إلى أن الإحصاءات الرسمية كشفت أن نحو 89.5% من قضايا العنف المنزلي مقدمة من الزوجات ضد الأزواج، بينما بلغ عدد جرائم العنف ضد الفتيات والنساء 1195 جريمة عام 2024، ما يعكس الحاجة الملحة لإصلاحات قانونية تحمي النساء والأطفال.
وأكدت الورقة في الختام على أن مواد قانون الأحوال الشخصية تكشف عن ثغرات قانونية التي ما زالت تحول دون تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين؛ إذ يحد القانون من حقوقهن القانونية والاجتماعية ويكرّس تبعيتهن للذكور.
ورأت الورقة لتحقيق المساواة في الحقوق والمسؤوليات بين الجنسين، من الضروري إجراء إصلاحات قانونية شاملة تضمن الحماية القانونية الكاملة للنساء وأطفالهن في كافة الظروف، وتقتضي بمراجعة شاملة لقوانين الأحوال الشخصية لجميع المواطنين، بغض النظر عن الدين، استنادًا إلى مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون، بموجب الدستور المصري لعام 2014 الذي يمنح المحكمة الدستورية العليا صلاحية مراجعة مدى توافق القوانين مع الشريعة، دون تدخل المؤسسات الدينية. مع مراعاة الاعتراف بحقوق أتباع الديانات والطوائف الأخرى وإتاحة تنظيم شؤونهم الشخصية عبر قانون مدني مُوّحد للأحوال الشخصية يحترم حرية العقيدة ويحد من التضارب في الأحكام، ويراعي تنوع المجتمع المصري ويكفل العدالة لجميع أفراده.
نوصي للقراءة: ثغرات قانونية تتيح تخفيف الأحكام على رجال قتلوا زوجاتهم

مواجهة مؤجلة
في السياق ترى آية منير، المديرة التنفيذية لمبادرة سوبر وومن، أن تأخير إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية في مصر لا يبدو على قائمة أولويات الدولة حاليًا، معللة بذلك انتهاء البرلمان من دورته دون وضع القانون ضمن أولوياته.
وذكرت آية في حديثها لــ”زاوية ثالثة: أن المقترحات التي ناقشها المجلس القومي للمرأة وشوهدت عبر خطط الأزهر تضمنت إلغاء الطلاق الشفوي والغيابي وتعديل قوانين النفقة، إلا أن هذه الإصلاحات غالبًا ما تكون جزئية ولا تمس المشروع الكامل للقانون، كما أن الدولة تسعى لموازنة الإصلاح بين صورة الدولة المدنية ورضا الشارع وخطاب ديني محدد.
وترى أية أن قانون الأحوال الشخصية وتعديلاته المتعددة ثقل كامل الدولة اقتصاديًا، حيث أن النساء اللواتي يتعرضن للتمييز الاقتصادي بسبب الميراث أو الحرمان من التعليم والعمل يعتمدن على الدولة للحصول على دعم مثل برامج “حياة كريمة”، مؤكدة أن حل جذور المشكلة الاقتصادية للنساء من خلال توفير فرص عمل وتعليم وتأهيل ونفقة عادلة من شأنه تخفيف العبء على الدولة وضمان حياة كريمة للأطفال، بدلًا عن سياسة السجن التي لا تنفع كثيرًا في حال تعثر دفع النفقة من قبل الأزواج.
وتلفت آية إلى أن إجراءات التقاضي في الأحوال الشخصية تشكل عبئًا كبيرًا على النساء، مشيرة إلى طول مدة التقاضي في قضايا الطلاق والنفقة التي قد تستمر لسنة ونصف، إضافة إلى تعدد القضايا المتعلقة بنفس الزوج، وهو ما يضاعف العبء على المرأة ويؤدي إلى استغلال النظام القضائي من قبل بعض الأزواج. كما أوضحت أن القانون الحالي يترك تقدير النفقة والطلاق للسلطة القضائية دون حماية واضحة للنساء، مما يزيد من احتمالات التعرض للظلم والعنف المنزلي.
تتفق إلهام عيداروس، الناشطة النسوية ووكيل مؤسسي حزب العيش والحرية -تحت التأسيس-، مع أية منير في أن القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها إصلاح قوانين الأحوال الشخصية، ليست من أولويات الدولة.
وتؤكد في حديثها لـ”زاوية ثالثة” أن الدولة غير حاسمة في مواجهة أي أعباء مالية أو إدارية جديدة قد تنتج عن إصلاحات شاملة في القانون، مما يضعف فرصة تحقيق العدالة بين الجنسين. وتشيرإلى أن التعديلات المرتقبة في قانون الأحوال الشخصية غالبًا ما تستجيب لمطالب الرجال فقط، خصوصًا فيما يتعلق بالرؤية والحضانة، بينما تبقى مسألة الولاية والحقوق الاقتصادية للمرأة غير معالجة بشكل جذري.
وتضيف أن هناك حاجة لأن يُعامل القانون النساء من منظور حقوقهن وكرامتهن، وليس فقط وفق مظالم محددة للرجال، مشيرة إلى أن بعض التعديلات المقترحة قد تتعارض مع المبادئ الشرعية نفسها، مثل الحضانة التي تنحاز أحيانًا للأب على حساب الأم.
في السياق، تلفت عيداروس إلى أن نظام الاستضافة للأمهات والأطفال يعاني من قصور كبير، حيث لا تتحمل الدولة مسؤوليات واضحة لضمان الحماية أو متابعة الحالات، وهو ما يزيد من العبء على الأسر، كذلك تشير إلى أن الإجراءات القضائية المعقدة والطويلة في الأحوال الشخصية تزيد من صعوبة حصول النساء على حقوقهن المادية والأسرية، بينما تُركت قضايا مثل النفقة والولاية لتقدير القاضي دون حماية واضحة، مما يزيد من عدم المساواة ويضع النساء في وضع هش أمام القانون.
أما عمرو محمد – المحامي والحقوقي في مؤسسة تدوين لدراسات النوع الاجتماعي-، فيرى أن تأخر القانون يمثل مواجهة يتجنبها الدولة مع المؤسسات الدينية، التي تُعد الراعي الرسمي لقوانين الأحوال الشخصية في مصر، إذ تميل هذه المؤسسات إلى تثبيت بعض التشريعات الراسخة وعدم تعديلها لتواكب العصر. مشيرًا إلى أن القانون الحالي، الصادر منذ عام 1920، لم يعد صالحًا للتطبيق العملي في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة.
ويذكر الحقوقي في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن تأجيل مناقشة قوانين هامة مثل قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي قُدم منذ أكثر من ثلاث سنوات إلى البرلمان، يعكس خشية الدولة من مواجهة محتملة مع المجتمع والمؤسسات الدينية، رغم تزايد حالات العنف ضد النساء في المجتمع المصري.

وتيرة العنف في تزايد مستمر
يرى خبراء حقوقيون أن القصور في القانون الحالي للأحوال الشخصية يسهم بشكل مباشر في استمرار العنف الأسري، سواء كان نفسيًا أو اقتصاديًا، نتيجة الإجراءات القضائية المعقدة والثغرات المتعلقة بالطلاق والولاية على المال والنفقة.
توضح آية منير أن إصلاح هذه القوانين بشكل شامل، مع تبسيط إجراءات التقاضي، وضمان نفقة عادلة، وتوفير فرص اقتصادية للنساء، سيكون خطوة أساسية للحد من العنف الأسري، وتحقيق حماية قانونية واجتماعية للمرأة والأطفال.
من جهتها، ترى إلهام عيداروس أن العنف ضد النساء في مصر لا يمكن ربطه بشكل مباشرة بالقوانين فقط، بل يرتبط بالضغوط الاقتصادية والتوجهات الثقافية والاجتماعية السائدة. وتؤكد أن الأب الحنون لا يمارس العنف بسبب الرؤية أو النفقة، بينما يرتبط العنف غالبًا بالشخصيات العدوانية أو رفض النساء للضوابط التقليدية. وتضيف أن تحسين الوضع القانوني والاقتصادي للنساء وتبسيط إجراءات التقاضي يمكن أن يسهم في تقليل النزاعات الأسرية، لكنه لا يعالج كامل الأسباب الاجتماعية والثقافية للعنف.
فيما يؤكد عمرو محمد، المحامي والحقوقي أن تأخر إصدار قانون الأحوال الشخصية يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على النساء، ويجعل التقاضي تجربة طويلة وشاقة. ويضيف أن قضايا الأسرة يجب أن تعالج من خلال” الشباك الواحد” وهو مقترح حقوقي بحيث تكون القضية الواحدة شاملة لجميع الحقوق، بدلًا من تكثيف الإجراءات وتعدد الدعاوى القضائية التي تجبر النساء على قضاء سنوات في المحاكم للحصول على حقوقهن، أو الحصول على أحكام يصعب تنفيذها. ويصف هذا الوضع بأنه شكل من أشكال العنف الاقتصادي، حيث غالبًا ما تصدر الأحكام بعد عامين أو أكثر، وفي ظل ظروف اقتصادية صعبة لا تستطيع المرأة تنفيذها.
ويستشهد محمد بمثال على ذلك في قضايا النفقة، إذ تضطر كثير من النساء للجوء إلى بنك ناصر لصرف مستحقاتهن، وغالبًا لا يتمكنّ من الحصول على أكثر من 500 جنيه شهريًا، وهو مبلغ ضئيل جدًا مقارنة بارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة. وحتى أحكام الحبس لا تُنفذ في بعض الحالات، إذ يمكن للمدانين الهروب خارج البلاد دون تنفيذ الأحكام المتعلقة بالنفقة.
يرى الحقوقيين والحقوقيات أن القانون الحالي لم يعد قادرًا على مجاراة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بينما مشاريع القوانين البديلة، مثل “قانون أسرة أكثر عدالة”، ما تزال عالقة.
ويشير الخبراء الحقوقيون إلى أن الإصلاح الشامل للقانون، إلى جانب تبسيط إجراءات التقاضي وتوفير حماية اقتصادية وقانونية فعّالة للنساء والأطفال، يعد خطوة أساسية للحد من النزاعات الأسرية وتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي ظل استمرار الجمود المؤسسي، يظل ملف قانون الأحوال الشخصية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الموازنة بين الالتزامات القانونية وحماية حقوق المواطنين، وبين الضغوط الاجتماعية والدينية، وهو اختبار لن يُنجح إلا بإرادة تشريعية وسياسية جادة.