close

أطفال بلا هوية في مصر: حين تتحول البيروقراطية إلى عنف ضد النساء

آلاف الأمهات في مصر يُمنعن من تسجيل أطفالهن رغم أحكام قضائية تمنحهن الحق. بين قانون تقدّمي وواقع إداري متحيز، يولد الأطفال بلا هوية، وتُعاد إنتاج الوصاية الذكورية داخل مؤسسات الدولة
Picture of آية ياسر

آية ياسر

قبل عام من الآن كانت رضوى مصطفى (28 عامًا)، ما تزال تتعافى من جراحة الولادة القيصرية، حين أخذ شقيقيها المولودة الجديدة إلى مكتب الصحة لتلقي التطعيم الأول وإنهاء إجراءات شهادة الميلاد، لكنها لم تتخيل أن خطوة بسيطة كهذه ستتحول إلى معركة مع البيروقراطية والتمييز على أساس النوع الاجتماعي.

تلقت الأم اتصالًا من شقيقها يخبرها بأن الموظف رفض تسجيل الطفلة، وأصرّ على أن يأتي الأب الذي كان يعمل خارج البلاد أو عم الطفلة أو جدّها من جهة الأب فقط، رغم أن القانون لا يشترط ذلك، في اليوم التالي، وبعد استجمعت قواها وذهبت بنفسها إلى المكتب برفقة شقيقها، حاملة بطاقة هوية محدثة مدونًا فيها اسم زوجها، إضافة إلى قسيمة الزواج الرسمية.

“قدمت كل الأوراق الثبوتية الموثقة، لكن الموظف تعنت معي ورفض تسجيل الطفلة، ظلّلت أحاول طوال أسبوع كامل بلا جدوى، ولأن والد زوجي المسن مريض ويقيم في المنيا، وشقيقه الوحيد يعيش أيضًا خارج مصر، لم يستطيع أيًا منهما تسجيل الطفلة” تقول لــ”زاوية ثالثة”، مضيفة أن زوجها اضطر تحت وطأة التعنت الإداري، للحصول على إجازة طارئة من عمله والسفر على متن أول رحلة طيران متجهة إلى القاهرة، بعد مرور 10 أيام على ميلاد ابنته، فتقدّم بنفسه، وفور حضوره حصلت الطفلة على شهادة الميلاد في دقائق.

وتعكس هذه القصة الموقف خلالًا بنيويًا في التعامل مع النساء باعتبارهن مواطنات من الدرجة الثانية أو قاصرات قانونًا، مع العلم أن المواثيق الدولية وقوانين الطفل تضمن الحق في الهوية كبوابة للوصول إلى كافة الحقوق الأخرى، إلا أن الممارسة الإدارية لا تزال تتعامل مع الطفل والأم كملكية تابعة للرجل وعائلته حصرًا، مما يحولها إلى مجرد وسيط لا تملك صلاحية منح الهوية لطفلها أو مكانتها كمواطنة أيضًا.

في ذلك الوقت لم تكن رضوى تعلم أن قانون الطفل يعطيها الحق في تسجيل المولود، وأن ما حدث معها لم يكن سوى تعنتًا إداريًا وجندريًا، بحكم الأعراف والتقاليد الذكورية في المجتمع المصري، إلاّ أنها أدركت أن القانون وحده لا يكفي حين يُقرر موظفًا حكوميًا أن سلطته أقوى من حق الأم.

غير أن رضوى لم تكن الوحيدة التي واجهت ذلك التعنت والتمييز، بل عاشتها أيضًا مريم محمد (35 عامًا)، التي وضعت طفلتها في عام 2023، بعد زواج لم يستمر سوى بضعة أشهر، وانتهى بشكل مأساوي، فور أن أخبرت زوجها بحملها، انقلب عليها، لا لشيء إلا لأنها كانت زوجته الثانية، والزواج كان سرًا عن زوجته الأولى وأطفاله، وصُدمت حين خيّرها بين الإجهاض المنزلي غير الآمن أو الطلاق وإنكار نسب الجنين؛ فاختارت مريم الطريق الأصعب: الطلاق، واللجوء إلى القانون لحماية حقها وحق ابنتها.

سافر الأب وهجرها تمامًا، بينما كانت هي تخوض معارك متتالية؛ رفعت دعوى “طلاق للضرر“، وهو مفهوم وملاذ قانوني هدفه إنصاف الزوجة التي تتعرض لأذى مادي أو معنوي يجعل استمرار حياتها الزوجية مستحيلًا، يضمن هذا المسار الحقوق للزوجة ما أن تقدم للمحكمة أدلة واضحة تثبت وقوع الضرر، يُحكم لها بالطلاق مع احتفاظها بكامل حقوقها الشرعية والمالية، وانتظرت ميلاد طفلتها بفارغ الصبر والخوف معًا، وحين حان الوقت لتسجيل المولودة، وقفت في مكتب الصحة تحمل أوراقها الرسمية وقسيمة زواجها وبطاقة زوجها، لكنها فوجئت بالموظف يقول لها: “لا بد من حضور الأب أو العم أو الجد للأب.”

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الأب امتنع عن تسجيل الطفلة، حتى أصبحت ساقطة قيد، بناءًا على نصيحة المحامي قمت بتحرير محضر امتناع عن تسجيل المولود، لكن موظفي مكتب الصحة رفضوا التسجيل، رغم وجود كل الأوراق الرسمية المطلوبة معي، وهي قسيمة الجواز، وصورة بطاقة الأبوين”.

خرجت مريم من المكتب وهي تشعر بأنها معلّقة بين قانون لا يُنفّذ وطفل بلا هوية، لم تكن تعرف أن من حقها قانونًا تسجيل المولود بدون وجود الأب، طالما أن بيدها قسيمة الزواج الإلكترونية، وصورة من بطاقة الرقم القومي الخاصة به، وشهادة ميلادها هي، بالإضافة إلى إخطار الولادة.

عامان كاملان مرا على طفلتها، التي ما زالت بلا شهادة ميلاد، دون اسم رسمي، دون رقم قومي في المستقبل، ودون أي حق من حقوقها الأساسية، تضيف: “أحتاج إلى استخراج شهادة ميلاد لطفلتي كي أرفع لها قضية نفقة على والدها، الآن أصبحت مضطرة لرفع دعوى إثبات نسب رغم وجود زواج رسمي”.

وتحدد المادة 15 من قانون الطفل المصري رقم 126 لسنة 2008، الأشخاص المكلفين قانونًا بالتبليغ عن واقعة الولادة، وهم: والد الطفل إذا كان حاضرًا، ووالدة الطفل شريطة إثبات العلاقة الزوجية، ومديرو المستشفيات والمؤسسات العقابية ودور الحجر الصحي وغيرها، والعمدة أو الشيخ في حالة الزواج المثبت، ووفقاً لما تحدده اللائحة التنفيذية؛ فإن الوالد، هو من يقوم بالتبليغ في حال وجوده، الوالدة يُشترط عليها تقديم ما يثبت الزواج، مديرو المؤسسات، مثل المستشفيات والمؤسسات العقابية ودور الحجر الصحي، حيث تقع الولادة، العمدة أو شيخ البلد في حال تم إثبات الزواج، يمكن لهؤلاء القيام بالتبليغ.

وينص القانون على وجوب تسجيل المولود الجديد خلال 15 يومًا من تاريخ ولادته، كجزء من حقّه في التوثيق الرسمي وضمان حصوله على خدمات الصحة والتعليم وغيرها، ويُمنح الحق الأساسي في تسجيل المولود للأب، ولكن في حالة وفاة الأب قبل الولادة، أو غيابه، يحق للأم تسجيل المولود — بشرط تقديم ما يثبت الحالة (كالوفاة أو السفر).

وتتسق شهادتي رضوى ومريم، مع ما توضحه نهى عمر (اسم مستعار)، التي تشغل منصب ممارس عام بإحدى الإدارات الصحية في محافظة القاهرة،  لـ”زاوية ثالثة”، حول كون التعليمات التي تلقاها العاملون في أثناء تدريبهم على إجراءات تسجيل المواليد كانت تشترط حضور الأب لإتمام عملية التسجيل، وفي حال غيابه يجوز حضور العم أو العمة أو الجد أو الجدة من جهة الأب.

وتضيف الموظفة بالإدارة الصحية أن الأم يمكنها أيضًا تسجيل المولود، بشرط أن تكتب إقرارًا يوضح سبب عدم حضور الأب، مشيرة إلى أن بعض الموظفين قد يبالغون في تطبيق هذه التعليمات أو يتشددون فيها دون سند قانوني، نتيجة تأثير الممارسات الاجتماعية القائمة على الوصاية الذكورية، ما يؤدي أحيانًا إلى تعطيل حقوق الأمهات في تسجيل مواليدهن بصورة طبيعية.

وبحسب القانون تبدأ عملية تسجيل المواليد الجدد بالتوجه إلى مكتب الصحة التابع لمحل الولادة خلال 15 يومًا من تاريخ الولادة، ويتم تسليم المستندات المطلوبة ومنها إخطار الولادة، بطاقة الرقم القومي للأب والأم، وقسيمة الزواج، على أن يقوم موظفو الصحة بتسجيل بيانات الطفل وإرسالها إلكترونيًا إلى مصلحة الأحوال المدنية لاستخراج الشهادة المميكنة، ويمكن استلام الشهادة من مكتب السجل المدني بعد أسبوع تقريبًا.

 وفي حالات الطلاق أو وفاة الأب، يقدم ولي الأمر الوثيقة التي تثبت هذه الحالة، وعند التوجه لمكتب الصحة المعني، ينبغي على ولي الأمر – أو من ينوب عنه – التقديم خلال المهلة المحددة، وتقديم كل المستندات الأصلية المطلوبة. 

ويحق للمولود الحصول على التطعيمات الإلزامية في مكتب الصحة، حال عدم توفر شهادة ميلاد خاصة بها، إذ تنص المادة 25 من قانون الطفل، على وجوب تطعيم الطفل وتحصينه بالطعوم الواقية من الأمراض المعدية، وذلك دون مقابل، بمكاتب الصحة والوحدات الصحية، وفقا للنظم والمواعيد التى تبينها اللائحة التنفيذية، ويقع واجب تقديم الأطفال للتطعيم أو التحصين على عاتق والده أو الشخص الذى يكون الطفل فى حضانته.

 

نوصي للقراءة: عمالة الأطفال في مصر: طفولة مسلوبة وحوادث قاتلة خلال رحلات العمل اليومية


مواطنة منقوصة للنساء

في السياق ذاته تؤكد ندى نشأت، مديرة برنامج المشاركة العامة للنساء بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن أزمة تمييز بعض مكاتب الصحة ضد الأمهات في مسألة تسجيل المواليد تكون عادة نابعة من توجيهات شفوية تنتشر بين الموظفين، وتتناقض مع القوانين السارية، لافتة إلى أن الموظفين أحيانًا يتمسكون بتعليمات غير مكتوبة تفرض اشتراط حضور الأب أو أحد أفراد عائلته الذكور لتسجيل الطفل.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الأمر مرتبط بثقافة سائدة داخل المؤسسات، لا تعترف بحقوق النساء كمواطنات كاملات الأهلية، رغم أن القضاء الإداري، كان قد أقرّ صراحةً حق الأم في تسجيل المولود دون اشتراط حضور الأب، شريطة ثبوت العلاقة الزوجية”.

وتشير ندى إلى أن بعض مكاتب الصحة تتعامل بمعايير متباينة؛ فبعضها ترفض تسجيل الطفل دون حضور الأب أو أحد أقاربه الذكور، والبعض يكتفي بحضور الجدة للأب أو أي امرأة من عائلة الأب، وهذا التعنت ينطلق من  رؤية نمطية تعتبر المرأة تابعة وليست صاحبة سلطة قانونية كاملة، فتتم عرقلة الإجراءات الحكومية الخاصة بها بذرائع الولاية أو القوامة، أو التحقق من صحة الزواج.

وتضيف: “هذا النمط من التمييز على أساس النوع الاجتماعي، متجذر في المجتمع نتيجة عقود طويلة من السياسات والممارسات التي تضعف مكانة المرأة القانونية والاجتماعية، والموظفون يلجأون أحيانًا إلى تبريرات دينية انتقائية لتقييد حقوق النساء، رغم أنها لا تستند إلى نص قانوني أو مرجعية فقهية ملزمة”.

وتعتبر مديرة البرنامج أن جذور المشكلة تكمن في عدم الاعتراف الكامل بالمواطنة القانونية للنساء، وفي استمرار ثقافة مؤسسية ترى أن الأم لا تمتلك سلطة اتخاذ القرار نفسه الذي يمتلكه الأب، وهو ما يؤدي إلى تعطيل تنفيذ قوانين واضحة تكفل لها الحق في تسجيل مولودها، دون تعقيد أو وصاية.

التعنت الذي تواجهه بعض الأمهات في مكاتب الصحة عند تسجيل المواليد ليس مجرد مخالفات فردية، بل يعكس نمطًا متجذرًا من التمييز الإداري القائم على الجنس، بحسب  الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي، مي صالح، فعلى الرغم من أن القانون يمنح الأم حق تسجيل طفلها، إلا أن الممارسة داخل العديد من المؤسسات الحكومية تُخضع هذا الحق لنظرة أبوية تجعل حضور الأب أو أحد أفراد عصبته شرطًا غير منصوص عليه، ما يدفع الكثير من النساء إلى إجراءات قانونية معقدة للحصول على حق أصيل.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “ما يحدث عند تسجيل المواليد ليس بعزلة عن أشكال التمييز التي تتعرض لها الأمهات بحجة الولاية أو الوصاية، وهذه الممارسات تُحوّل التمييز من تصرفات فردية إلى تمييز مؤسسي تتعامل معه الأجهزة الحكومية باعتباره أمرًا واقعًا، في ظل صمت اجتماعي وتطبيع تدريجي مع الانتهاك”.

وتؤكد أن خوف النساء من المضايقات والوصم يلعب دورًا كبيرًا في تكريس هذا الواقع، إذ تتعرض الأمهات لتعليقات مسيئة وتلميحات تتعلق بالأخلاق أو غياب الأب، ما يدفع الكثيرات لتجنب خوض مواجهة قانونية أو إدارية، مشيرة إلى أن عدم وعي النساء بحقوقهن يسهل على الموظفين إساءة استخدام سلطتهم عبر إطلاق ادعاءات وهمية حول القانون، مستغلين ثغرات الثقافة المجتمعية.

وتتابع: “أوجه التمييز تظهر أيضًا في افتراض أن صلة الأب هي “الوحيدة المُعتدّ بها” أمام الموظفين، بينما يُجرى تجاهل أقارب الأم، رغم أن القانون يتيح لهم إجراءات مماثلة، واعتبار أنّ اعتراف الأب هو الأساس في إثبات البنوة، مما يُقصي الأم من حق أساسي”، مشيرة إلى أن ذلك جزء من منظومة أوسع تضع المرأة في موقع أدنى اجتماعيًا وقانونيًا.

 وتؤكد أن الأصل أن تحصل الأم على حقها مباشرة، لا اضطرارها إلى اللجوء للقضاء أو الشرطة لإثبات ما يكفله لها القانون بوضوح.

يُمارس هذا التمييز والتعنت ضد بعض الأمهات في مكاتب الصحة باختلاف مستوياتهن الاجتماعية والاقتصادية، وإن كانت النساء الأقل وعيًا بحقوقهن واللواتي لا تتوفر لديهن موارد مالية لتوكيل محامٍ يعانين منه بشكل أكبر. تُعد هذه الممارسات شكلًا من أشكال العنف الهيكلي أو المؤسساتي القائم على النوع الاجتماعي، والمرتبط بالعنف المتجذر في الأنظمة والقوانين التي تكرّس عدم المساواة وتعرض النساء لأذى جسدي ونفسي، هذا التمييز هو بمثابة لوم للضحية، وفشل في الحماية سببه نقص الإلتزام وتأخر الإجراءات، ويكمن الحل في نصوص تشريعية وتدخلات مجتمعية شاملة.

 

نوصي للقراءة: بحكم الدستورية العليا..انتهت الحضانة؟ اتركي الشقة فورًا!

أكبر إشكاليات تسجيل المواليد

الأحكام القضائية لم تنتصر فحسب لأحقية لنساء المتزوجات رسميًا في تسجيل مواليدهن، بل امتدت لتشمل المتزوجات عرفيًا؛ إذ ألزمت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في مصر، في سبتمبر 2018، مصلحة الأحوال المدنية التابعة لوزارة الداخلية بتسجيل المواليد من ساقطي قيد الميلاد، وأبناء الزواج العرفي بسجلات المواليد مع استخراج شهادات ميلاد لهم.

من ناحيتها ترى نيفين عبيد، المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، أن زواج الطفلات عرفيًا يمثل إحدى أكبر الإشكاليات المرتبطة بتسجيل المواليد في مصر، إذ لا تستطيع الفتيات القاصرات توثيق زواجهن قانونيًا، ما يؤدي إلى تعقيدات خطيرة عند إنجاب الأطفال، إذ تضطر الطفلة المتزوجة عرفيًا إلى الانتظار لحين بلوغ السن القانوني حتى تتمكن من توثيق زواجها، وهو ما يعني أن أطفالها يُولدون طوال هذه الفترة بلا أوراق رسمية، مشيرة إلى أن الطفل قد يتوفى قبل تسجيله، أو يولد ثم يحدث طلاق عرفي بين الزوجين دون أي مستند قانوني، أو يختفي الزوج أو يُسجن لسنوات طويلة، ولا تستطيع الأم تسجيل المولود لعدم وجود ما يثبت العلاقة الزوجية.

وتشير إلى أن بعض الأسر تلجأ إلى التحايل على القانون بتسجيل المولود باسم الجد—والد الطفلة—أو أحد الأقارب، حتى يتمكن الطفل من الحصول على التطعيمات والتعليم والخدمات الصحية. لكن هذا الخيار ليس متاحًا للجميع، إذ يرفض بعض الأقارب تسجيل الطفل باسمهم باعتباره “اختلاطًا للأنساب”، مما يجعل الطفل مجهول النسب، في نظر القانون، لعدم وجود أي إثبات قانوني للعلاقة الزوجية.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الأطفال غير الموثقين يُحرمون من الحقوق الأساسية مثل التعليم، الكشف الصحي، والتطعيمات، وتظل أوراقهم معلقة حتى تتمكن الأم من إثبات زواج لم يُوثق من البداية، وتزداد المشكلة تعقيدًا إذا تعرضت الأم للطلاق أو الترمل أثناء زواجها العرفي، أو إذا سُجن الزوج، لاسيما أن القضايا المتعلقة بزواج قاصرات، والتي يتعامل معها القانون في بعض الحالات كجرائم اتجار بالبشر، وقد تصل العقوبة فيها إلى السجن لعشر سنوات”.

وتلفت المديرة التنفيذية إلى أن التعامل مع هذه الحالات يختلف من نيابة إلى أخرى؛ ففي بعض الحالات تبادر النيابة إلى توثيق عقد الزواج العرفي حمايةً للطفل، وفي حالات أخرى تُطبّق العقوبة دون معالجة وضع الأسرة القانوني، أما فيما يخص تعنت بعض مكاتب الصحة في تسجيل المواليد، فتقول إنها لا تعرف ما إذا كان هذا التعنت يعود لغياب عقد الزواج فقط، أم لاعتبارات أخرى داخلية، لكن في كل الأحوال فإن غياب التوثيق هو نقطة الخلل الأساسية، التي تفتح سلسلة من المشكلات القانونية والاجتماعية للأطفال وأمهاتهم.

 

نوصي للقراءة: زواج القاصرات في مصر: أطفال بلا نسب وقوانين بحاجة للتعديل


القضاء ينتصر لأحقية الأم في تسجيل مولودها

القانون يتيح للأم أو الأب أو الجد أو العم تسجيل المولود، شريطة أن تكون الأم حائزة على قسيمة زواج رسمية سارية تثبت العلاقة الزوجية خلال فترة تسمح قانونًا بحدوث الحمل، بحسب  المحامية آية حمدي، مديرة مكاتب المساندة بمؤسسة المرأة الجديدة، التي تشير إلى أن هذا الحق لا يُطبّق دائمًا على أرض الواقع، إذ تتغلب الأعراف في كثير من الأحيان على نصوص القانون، ما يؤدي إلى تعنت بعض الموظفين ورفضهم تسجيل المواليد دون حضور الأب.

وتوضح آية أنه يوجد أمام الأمهات مسارين لمواجهة هذا التعنت، يمكن السير فيهما بالتوازي أو بشكل منفصل: الأول هو تقديم إنذار ومحضر ضد الموظف الممتنع ورفع جنحة «امتناع عن تنفيذ القانون»، بوصفه رفضًا لأداء عمل مُلزم قانونًا، أما المسار الثاني فيتمثل في رفع دعوى «إثبات نسب»، وهو إجراء تلجأ إليه الأمهات حتى في حالات الزواج الرسمي عندما يرفض الأب الحضور أو تمتنع مصلحة الأحوال المدنية عن التسجيل.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “عادة ما يُرفق تحرير محضر ضد الأب بالامتناع عن تسجيل المولود، كقرينة في دعوى إثبات النسب، لكنه لا يترتب عليه في الواقع العملي عقوبات مباشرة، لأن القانون ينص على أن للأم حق التسجيل، رغم أن هذا الحق لا يُنفَّذ عمليًا في العديد من المكاتب”.

وتضيف أنه في حال تجاوز الطفل المدة القانونية للتسجيل خلال 15 يومًا واعتباره «ساقط قيد»، فإن الأم لا تملك سوى اللجوء إلى تحرير محضر في القسم ورفع دعوى إثبات نسب، مشيرةً إلى أن الفصل في هذه الدعاوى قد يستغرق في المتوسط نحو ثمانية أشهر، وإن كانت المدد تختلف تبعًا لإجراءات الإعلان والتحريات وطلبات القاضي.

وتُبيّن أن دعوى إثبات النسب تمر بعدة خطوات، من بينها إعلان الأب، وطلب تحريات من وزارة التضامن الاجتماعي للتأكد من عدم خضوع الطفل لنظام الأسر البديلة، وقد يطلب القاضي شهودًا، خصوصًا في حالات الزواج العرفي. أما في الزواج الرسمي، فتُعد قسيمة الزواج وشهادة الميلاد وإخطار الولادة مستندات كافية في أغلب الحالات.

وبشأن إجراءات تسجيل المولود الناتج عن زواج عرفي، توضح أنه يتوجب الأم تُرفع دعوى «إثبات زواج وإثبات نسب» في صحيفة واحدة، وتقدم عقد الزواج العرفي وإفادات الولادة، ويستلزم الأمر حضور شهود مطلعين على واقعة الزواج، وبعد صدور الحكم تثبت شهادة الميلاد بشكل طبيعي وتُمنح للطفل جميع الحقوق المكفولة للأطفال المولودين في إطار زواج رسمي.

وفيما يتعلق بحالات وفاة الأب قبل الولادة، تقول: إن “المحكمة تقارن بين مدة الزواج وتوقيت الحمل، وقد تطلب شهودًا أو مستندات إضافية لإثبات النسب، ويزداد الأمر تعقيدًا في الزواج العرفي الذي يستلزم اعترافًا أو حضورًا من عائلة الأب”.

وتؤكد آية حمدي أن جوهر المشكلة يكمن في التناقض بين نصوص القانون التي تمنح الأم حق التسجيل، وبين الممارسات الواقعية داخل بعض مكاتب الصحة، والتي لا تزال خاضعة لثقافة تُغلّب الأعراف على القواعد القانونية، وتُلقي بالعبء القانوني والاجتماعي كاملًا على النساء.

ويعد تسجيل المواليد حقًا أساسيًا لكل طفل يولد على الأراضي المصرية، باعتباره أحد الحقوق المدنية التي نصت عليها اتفاقية حقوق الطفل وقانون الطفل المصري، ولا يجوز حرمان أي طفل من شهادة ميلاد بغض النظر عن ظروف ولادته، لأن إثبات الوجود القانوني حق لا يسقط ولا يخضع للتقديرات الشخصية، بحسب ما يؤكد المحامي أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن أطفال مصر.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة”، أن قانون الطفل يُحمّل الأب المسؤولية الأولى عن الإبلاغ عن المولود، وفي حالة غيابه يحق لأحد أقاربه من جهة الأب—مثل العم أو الأخ—إتمام إجراءات التسجيل، مشيرًا إلى أن الأم أيضًا تملك حق التبليغ متى استطاعت إثبات العلاقة الزوجية عبر تقديم قسيمة الزواج الرسمية أو أي مستندات تؤكد قيام الزواج، وفقًا لما نصت عليه اللائحة التنفيذية للقانون، وإذا تعذر إثبات العلاقة الزوجية، يمكن للأم تقديم إقرار نسب، وفي هذه الحالة يُسجّل الطفل باسم أمّه وباسم أبٍ افتراضي لحين الفصل في العلاقة الزوجية أمام المحكمة.

ويُبيّن أن شهادة الميلاد الصادرة في هذه الحالة تُعد مؤقتة لحين إثبات أو نفي النسب، لكنها تُعتمد كشهادة قائمة ما لم يطرأ تعديل لاحق، مؤكدًا أن امتناع بعض الموظفين عن التسجيل بحجة ضرورة حضور الأب هو ممارسة روتينية مخالفة للقانون، وأن النصوص القانونية تمنح الأم الحق الصريح في تسجيل الطفل دون اشتراط وجود الأب متى قدّمت مستندًا يثبت العلاقة الزوجية، لافتًا إلى أنه في حالة الزواج العرفي، يمكن للأم تسجيل الطفل بإقرار مؤقت، ثم رفع دعوى إثبات علاقة زوجية لتعديل شهادة الميلاد وإضافة اسم الأب الحقيقي بعد صدور الحكم.

ويقول إن “مشكلة التعنت الإداري ليست ناتجة عن قصور في التشريع”، واصفًا قانون الطفل بأنه «من أفضل القوانين عالميًا بشهادة الأمم المتحدة»، وأن الإشكاليات الراهنة تعود إلى موروثات ثقافية وأفكار أبوية تعيق تطبيق النصوص، مشيرًا إلى أن وزارة الداخلية والمجلس القومي للطفولة والأمومة درّبا الموظفين على تسهيل تسجيل الأطفال، لكن بعض المكاتب لا تزال تتمسك بممارسات قديمة.

فيما يسعى القانون إلى حماية مصلحة الطفل الفضلى والحيلولة دون إفلات، الآباء الذين يمتنعون عن تسجيل مواليدهم  من العقاب، رغم الزواج الرسمي، فإنهم يعاقبهم حال لم يسجلوا أطفالهم خلال الـ15 يومًا الأولى من الولادة بدفع غرامة مالية، وقد تصل العقوبة إلى الحبس لمدة تصل إلى ستة أشهر إذا ثبت أن الأب بتصرفه عرّض الطفل للخطر،  وهو توصيف قانوني يشمل حرمان الطفل من التطعيمات، والتأمين الصحي، وإثبات الهوية، وكلها حقوق ترتبط مباشرة بإصدار شهادة الميلاد، بحسب ما يوضح مصيلحي.

ويختتم حديثه معنا مؤكدًا أن الأم ليست مضطرة لقبول التعنت الإداري في مكاتب الصحة، وأن أمامها مسارات واضحة: تقديم شكوى إلى مدير الأحوال المدنية بالعباسية، وإخطار المجلس القومي للطفولة والأمومة، أو اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للحصول على شهادة الميلاد، قائلًا: إن “القانون في صف الأطفال، وما يحدث من تجاوزات لا يمثل إلا موروثًا يجب أن ينتهي”.

ويجب على الأم أو أهلها، إذا امتنع الموظف عن تسجيل المولود، أن يقوموا بتحرير محضر في قسم الشرطة لإثبات حالة الامتناع، ثم استخدام إفادة المحضر لتقديمها لمكتب الصحة لتسجيل الطفل، ويمكن اللجوء لخطوط نجدة الطفل للحصول على مساعدة، وإذا استمر الرفض، يمكن تقديم تظلم للمسؤولين الأعلى (مدير الأحوال المدنية، ثم قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة)، مع العلم أن الامتناع يعرض الموظف لعقوبة مالية. 

وكانت قد أكّدت المحكمة الإدارية العليا في حكم نهائي صادر عنها، في أبريل 2015، أن استخراج شهادة الميلاد للمولود ليس حقًا حصريًا للزوج، بل يحقّ للأم أيضًا أن تسجّل مولودها — حتى في حال وجود خلافات زوجية أو رفض الأب، وجاء في حيثيات الحكم أن حرمان الأم من هذا الحق مجرد “إهانة” لا يقبلها القانون، وأن حرمان الطفل من قيد ميلاده يشكل انتهاكًا لحقه الدستوري في الهوية.

وتعود وقائع القضية إلى امرأة تركت منزل الزوجية أثناء حملها وتوجهت للسجل المدني لتسجيل طفلها بعد ولادته، لكن مكتب الصحة امتنع بناءً على طلب الزوج، مما دفعها للقضاء، وبعد أن امتنع زوجها عن المثول أمام المحكمة، قضت المحكمة بوقف تنفيذ قرار الامتناع، وفرضت على إدارة السجل المدني إثبات واقعة الميلاد وتسليم الأم شهادة ميلاد طفلها.

وفي فبراير 2023 أصدرت المحكمة الإدارية العليا شهادة بعدم الطعن على الحكم السابق من محكمة القضاء الإداري يقرّ بأن حق الأم في استخراج شهادة ميلاد لمولودها لا يسقط بسبب خلافات زوجية أو رفض الأب، تضمن الحكم أنه لا يجوز للزوج أو أهله حرمان الزوجة من هذا الحق أو إهانتها، حتى لو غابت الزوجة عن منزل الزوجية.

وقضت المحكمة بإلزام جهة السجل المدني بإثبات واقعة ميلاد الطفل وإصدار شهادة ميلاده، رغم امتناع الأب أو إدارة الصحة، معتبرة أن حرمان الطفل من قيد ميلاده يمثل انتهاكًا لحقه الدستوري في الهوية، مؤكدة أن التسجيل ليس حكرًا على الأب فقط، بل يشارك فيه الزوجان معًا، وبذلك انتصر الحكم للأم وطفلها، وأصبح نهائيًا غير قابل للطعن.

فيما تؤكد المحامية الحقوقية انتصار السعيد، مديرة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن الإجراءات الإدارية داخل بعض المؤسسات الحكومية ما زالت تعكس نظرة تمييزية ضد النساء، خاصة الأمهات المعيلات، مشيرة إلى أن التعنت في تسجيل المواليد دون حضور الأب لا يستند إلى أي أساس قانوني، بل يقوم على ممارسات فردية تفتقر للوعي، وتمثل انتهاكًا واضحًا لحق الطفل في الهوية. 

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “ما يجري في بعض مكاتب السجل المدني من تعطيل لإجراءات تسجيل الأطفال يعد انتهاكًا مزدوجًا يمسّ المرأة وطفلها في آن واحد، ويعكس ثقافة تمييزية تسيطر على مؤسسات يفترض أن تقدم خدماتها دون تفرقة”.

وتوضح أن القانون المصري يمنح الأم الحق في تسجيل مولودها، إلا أن التطبيق العملي ما زال يخضع للتصورات الذكورية والسلطة التقديرية لبعض الموظفين، ما يحوّل هذا الحق إلى معاناة يومية للأمهات، خاصة الناجيات من العنف أو حالات الهجر، مشدّدة على أن حرمان الطفل من شهادة ميلاد بسبب موقف شخصي من موظف هو انتهاك لحقوقه الأساسية، من الهوية إلى الرعاية الصحية والتعليم.

وتطالب المحامية الحقوقية، وزارة الداخلية بإصدار تعليمات واضحة وملزمة للعاملين بالسجل المدني باحترام حق الأم كولاية طبيعية، ومحاسبة أي موظف يعرقل استخراج شهادة الميلاد دون سند قانوني، مع ضرورة تدريب الموظفين على مبادئ المساواة وعدم التمييز، مؤكدة أن إصلاح القوانين لا يتحقق ما لم يصاحبه تغيير في السلوك المؤسسي والوعي المجتمعي، لافتة إلى أن أي تعنت ضد الأمهات في استخراج الأوراق الرسمية يمثل انتهاكًا صريحًا للدستور والمواثيق الدولية التي التزمت بها الدولة.

 وتكشف شهادات الأمهات والخبراء، والأحكام القضائية المتراكمة خلال السنوات الماضية، أن أزمة تسجيل المواليد في مصر لا ترتبط بقصور في التشريعات، بل بمنظومة من الممارسات الإدارية والذهنية الأبوية التي تحوّل حقًا قانونيًا واضحًا إلى امتياز يخضع لمزاج موظف أو لثقافة مؤسسية تقليدية، وبينما يقرّ القانون صراحة بحق الأم في تسجيل طفلها، يظل هذا الحق معلّقًا في العديد من مكاتب الصحة، حيث تنتصر التوجيهات الشفوية والأعراف على النصوص والدستور، ليدفع الأطفال—قبل أمهاتهم—الثمن الأفدح: حرمانهم من الهوية، والرعاية الصحية، والتعليم، والوجود القانوني نفسه.

أخيرًا، إن حرمان النساء من حقّ تسجيل مواليدهن لا يسقط حقهن في الأمومة فحسب، بل يمثل شكلًا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي يُعيد أفراد ضمن مؤسسات الدولة إنتاجه، فربط هوية الطفل القانونية بالرجل فقط هو تكريس لفكرة أن ‘المجال العام’ والقانوني هو مساحة ذكورية بامتياز، بينما يُحاصر النساء في ‘المجال الخاص’ للرعاية فقط، وهو واقع يتنافى كليًا مع مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون.

وعليه، فإن استمرار هذا التعنت لا يجب النظر إليه كـ ‘عرف اجتماعي’ يُمكن التغاضي عنه، بل كشكل صريح من أشكال الفساد الإداري وسوء استغلال السلطة؛ مما يستوجب تدخلًا عاجلًا من أجهزة الرقابة لإجراء تدقيق شامل على مكاتب الصحة، ومساءلة الموظفين الذين ينصبون أنفسهم قضاةً أخلاقيين بدلًا من منفذين للقانون.

فبين قانون تقدّمي وواقع إداري متجمد، يبقى مستقبل آلاف الأطفال معلّقًا، في انتظار لحظة تصبح فيها الممارسات الإدارية متسقة مع القضاء الذي حسم الأمر مرارًا، وتصبح النساء كاملات الأهلية بالفعل، لا بالورق فقط.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كم طفلًا يجب أن يولد بلا هوية، وكم أمًا يجب أن تخوض معركة لا ضرورة لها، قبل أن تُلزم مؤسسات الدولة نفسها بتطبيق ما يُفترض أنه حق مكفول، لا معركة تُخاض؟

 

أُنجز هذا التقرير في إطار زمالة مع مؤسسة Free Press Unlimited، بإشراف تحريري من ربا الحلو.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search