close

إنذار الطاعة: كيف تحوّل القانون إلى أداة لعقاب النساء وإسقاط حقوقهن؟

كيف تحولت إنذارات الطاعة ودعاوى النشوز في مصر إلى أدوات قانونية لإذلال النساء وإسقاط حقوقهن الاقتصادية، وسط ثغرات تشريعية وثقافة مؤسسية تُعيد إنتاج “بيت الطاعة” بأسماء جديدة.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

لم تكن بسمة إبراهيم (اسم مستعار) تتصور أن يتحول مسكن الزوجية إلى لعنة عليها، تستخدم ضدها في المحاكم، بعد خلافات مع زوجها، هجر على إثرها المنزل مدة عام كامل، وخلال تلك الفترة لم يكن يرسل لها ولطفلها نفقات، رغم علمه بأنها لا تمتلك مصدرًا للدخل، الأمر الذي دفعها إلى رفع دعوى نفقة زوجية وأخرى للصغير، و دعوى أخرى،  تمكين من مسكن الزوجية، وصدر حكم لصالحها بالنفقة وأخر بالتمكين المشترك، باعتبار أن الزواج لا يزال قائمًا، ولكن بعد فترة تفاجأت بتوقف نفقتها وأبلغها محاميها  بصدور حكم نشوز ضدها، وبالتالي وقف نفقتها الزوجية.

صُدمت بسمة ذات الـ32 عامًا، المقيمة بأحد أحياء القاهرة، إذ لم يطرق أي مُحضر باب الشقة، جالبًا معه إنذار طاعة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن الزوج زعم أنها تركت المسكن دون إذنه، بينما كان في عمله، ولم يُذكر أنه هو من هجر المنزل،  وتعمد إرسال الإنذارات إلى عنوان لم تسكنه يومًا، باعتباره “بيت الطاعة”، لذا صدر حكم قضائي بنشوزها، والهدف لم يكن عودة الحياة الزوجية، بل إسقاط نفقة الزوجة.

ويعد إنذار الطاعة أحد أشكال الإذلال والعنف الجندري المترسخ في الهيكلية الاجتماعية، ويُعرف شعبيًا باسم “بيت الطاعة”، ويعود  الأساس القانوني له إلى المادة (11) من القانون رقم 100 لسنة 1985 التي تنص على أنه “إذا امتنعت الزوجة عن طاعة الزوج دون حق توقف نفقة الزوجة من تاريخ الامتناع، وتعتبر الزوجة ممتنعة دون حق إذا لم تعد لمنزل الزوجية بعد دعوة الزوجة إياها للعودة بإعلان على يد محضر لشخصها أو من ينوب عنها، وعليه أن يبين في هذا الإعلان المسكن، وتسقط نفقة الزوجة بعد مرور 30 يومًا من يوم إنذارها بالطاعة دون أن تعترض عليه”، وغالبًا ما تُستخدم هذه المادة كأداة عنف جندري مؤسسي لإخضاع النساء المتزوجات وإسقاط حقوقهن الاقتصادية.

حالة بسمة تعكس خللًا إجرائيًا يسمح بإصدار أحكام دون علم الطرف المتضرر،  رغم ذلك لم تستسلم؛ إذ رفع محاميها استئنافًا على الحكم، أمام محكمة الأسرة المختصة، لكنها دخلت لاحقًا في دوامة الجلسات المؤجلة: مرة لعدم الإعلان، ومرة لأن الزوج لم يُستدل على عنوانه، وعقب أشهر حضر محامي الزوج فجأة ليطلب بطلان الاستئناف بحجة عدم الإعلان خلال مهلة التسعين يومًا، لكن القاضي لم يصدر حكمًا يحسم القضية، وطلب مذكرة، وأجّل النطق بالحكم لشهرين آخرين، ولا تزال هي تنتظر تحقيق العدالة المؤجلة.

المعاناة نفسها عاشتها منال عبد الحميد (اسم مستعار)، بسبب إنذارات الطاعة، وإن كانت الأوضاع بالنسبة إليها أكثر تعقيدًا، إذ طُردت وأطفالها الثلاثة، قبل عام، من مسكن الزوجية، الواقع في محافظة القليوبية، ولم تمضِ أيام حتى تزوج زوجها بأخرى عرفيًا في المسكن نفسه، وحين رفعت منال ذات الـ42 عامًا قضايا نفقة على زوجها، تلقت إنذار الطاعة الأول، واعترضت عليه خلال مهلة الـ30 يومًا، ثم  تلقت ثلاث إنذارات طاعة متتالية، فسلّمت نفسها رسميًا عبر ُمحضر، وحررت إعلان بعرض نفسها للدخول في “بيت الطاعة”، محاولة إثبات حسن نيتها وكي لا تخسر حقوقها المادية، التي كانت تأمل أن تعينها في تسديد ديونها المتراكمة بسبب رفض الزوج الإنفاق عليها هي وأطفالها، لكن بعد يوم واحد فقط، طُردت مرة أخرى من المسكن، بلا شهود، وبلا حماية، وحررت محضر إثبات حالة استند فقط إلى روايتها.

ما حدث لمنال لم يكن استثناءً، بل نتيجة مباشرة لغياب آليات إثبات عادلة؛ إذ لم تستطع منال إثبات الزواج الثاني لزوجها، الذي لم يُوثق رسميًا، ولم تتمكن من العودة بأطفالها إلى شقة الزوجية، وسرعان ما خسرت الاعتراض على الإنذار لعدم تمكنها من إحضار شهود، الأمر الذي جعلها “ناشزًا” من وجهة نظر القانون، ما تسبب في وقف نفقتها، وفتح الباب للزوج لرفع دعوى نشوز لاسترداد ما أنفقه على الزوجة، مع إمكانية سقوط حقوقها في النفقة والمتعة والمؤخر، وسقوط حقها في المطالبة بالتطليق للشقاق.

 لم يكن هدف دعوى النشوز إعادتها إلى بيت سبق أن طردها منه الزوج، بل إسقاط النفقة عنها، كأحد أشكال العنف الاقتصادي ضد النساء، وبعد وقتٍ قصير خسرت الدعوى، في أول درجة، ثم استأنفت لكن غاب المحامي عن جلسات الاستئناف، فشُطبت لاحقًا، اكتشفت أن محاميها كان متواطئًا مع الزوج الذي استغل ثغرات قانونية، حتى يحرمها من جميع حقوقها التي رفضت التنازل عنها، وفي النهاية، لم تجد مخرجًا سوى دعوى الخلع، كخيار أخير داخل منظومة مغلقة، لتخرج من الزواج بلا حقوق مادية، وبديون أثقلت كاهلها.

ويُمنح الرجل، بحكم النصوص القانونية السارية، قدرة شبه مطلقة على تحريك إجراءات سريعة وقليلة التكلفة (إنذار طاعة، دعوى نشوز)، في مقابل مسارات قانونية طويلة، مكلفة، ومعقدة تُفرض على النساء للدفاع عن أبسط حقوقهن، وفي هذا السياق، لا يُفترض حسن نية الزوجة، بل تُوضع في موضع الاتهام تلقائيًا، ويُلقى على عاتقها عبء إثبات العنف أو الضرر أو بطلان المسكن أو فساد الإعلان، بينما يكفي ادعاء شكلي من الزوج لبدء سلسلة عقوبات اقتصادية ضدها.

وقبل سنوات، كادت ريم محمد (اسم مستعار) أن تدفع حياتها ثمنًا للعنف المنزلي، حين اعتدى زوجها عليها بالضرب المبرح أمام طفلتيها الصغيرتين، الأمر الذي دفعها للفرار بالطفلتين من مسكن الزوجية الواقع في أحد أحياء الجيزة، إلى منزل عائلتها بمحافظة كفر الشيخ. حال الأهل بينها وبين تحرير محضر ضد زوجها في قسم الشرطة، بذريعة عدم التسبب في سجن والد الطفلتين، وعلى أمل أن يتم الصلح بينهما، هو ما لم يحدث، كما رفض الزوج تطليق ريم ذات الـ 29 عامًا، أو الإنفاق على طفلتيهما.

وسرعان ما تحولت الحياة بين الزوجين إلى صراع قائم بين ساحات محكمة الأسرة، وبدأت مساومات الزوج لها: “تنازلي عن القائمة وكل حقوقك وأنا سأطلقك”. لكن ريم رفضت ذلك، ورفعت دعاوى نفقة واسترداد قائمة منقولات الزوجية، وحصلت على أحكام قضائية لصالحها، ثم رفعت دعوى طلاق للضرر، لكنها خسرتها، ثم تلقت إنذاري طاعة متتاليين،  لتعاقب على الهروب من العنف المنزلي بدلاً من معاقبة المُعنّف؛ فالزوجة التي تغادر مسكنًا خطرًا، أو ترفض علاقة زوجية قسرية، أو تطالب بالإنفاق، ربما يعتبر القانون محاولتها للنجاة “نشوزًا”، وفي المقابل، لا يوجد تصور قانوني لنشوز الرجل، أو امتناعه عن الإنفاق، أو هجره لزوجته، أو عنفه النفسي.

وبعد نصيحة من محاميها اعترضت ريم على إنذار الطاعة قبل انتهاء مدة الـ30 يومًا،  وردت عليه بدعوى الطلاق لاستحكام الخلاف والنفور، لكنها استمرت عامين، قبل أن يُحكم فيها لصالحها، وتتمكن أخيرًا من الحصول على حقوقها المادية.

وتظهر شهادات الناجيات اللواتي أُجريت معهن المقابلات، – بعد موافقتهن على النشر بأسماء مستعارة، كيفية تحول إنذارات الطاعة ودعاوى النشوز إلى أدوات ممنهجة للعنف الاقتصادي والاجتماعي ضد النساء. كأن كل ذلك هو نتيجة  نظام قانوني واجتماعي ذكوري، يعاقب النساء على محاولتهن النجاة، ويعيد إنتاج التمييز تحت غطاء الشرعية القانونية، وهذا العنف لا يُمارس بشكل فردي أو استثنائي، بل يستند إلى ثغرات تشريعية وإجرائية، تضع عبء الإثبات ومقاومة العنف الاقتصادي والجندري الواقع عليها، بينما تمنح الطرف الآخر سلطة شبه مطلقة.

في هذا السياق، لا يصبح إنذار الطاعة وسيلة لإعادة الحياة الزوجية، بل أداة ضغط قانونية لإسقاط الحقوق الاقتصادية للنساء، وعلى رأسها النفقة، ودفعهن قسرًا إلى القبول بتسويات مجحفة، أو الخروج من الزواج بلا أي حماية مادية.

 

أطفال بلا هوية في مصر: حين تتحول البيروقراطية إلى عنف ضد النساء

نوصي للقراءة: بحكم الدستورية العليا..انتهت الحضانة؟ اتركي الشقة فورًا!

التلاعب بإنذارات الطاعة

وفقًا لقانون الأحوال الشخصية،  يقوم الزوج بتوجيه إنذار رسمي لزوجته بالطاعة عبر قلم المحضرين بمحكمة الأسرة، يطالبها فيه بالعودة إلى منزل الزوجية والدخول في طاعته خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا من تاريخ إعلانها، خلال هذه المهلة، تكون مخيّرة بين العودة إلى منزل الزوجية أو الاعتراض على الإنذار أمام محكمة الأسرة، بحسب ما يوضح حمدي أحمد رزق، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة.

ويتحول إنذار الطاعة إلى حكم قضائي بالنشوز وسقوط نفقة عندما تتجاهل الزوجة إنذار الطاعة (عدم الرد عليه خلال 30 يومًا من إعلانه)، أو إذا رفضت المحكمة اعتراضها على الإنذار، لتثبت بذلك امتناعها عن طاعة الزوج دون حق، مما يخول الزوج رفع دعوى نشوز لإثبات ذلك قانونيًا وإيقاف نفقتها الزوجية (عدا نفقة الصغار) من تاريخ امتناعها.

إلاّ أن القانون المصري يُعرّف مفهوم النشوز، باعتباره خروج الزوجة عن طاعة زوجها دون مبرر شرعي أو قانوني، ويشترط لإثباته أن تكون الزوجة قد تركت منزل الزوجية دون موافقة الزوج، وامتنعت عن طاعته دون سبب مشروع، ولكن لا تصبح الزوجة ناشزًا في نظر القانون إلاّ بحكم قضائي صادر من محكمة الأسرة، وليس بمجرد توجيه إنذار الطاعة”. يقول لـ”زاوية ثالثة”.

ويشرح رزق أن قانون الأحوال الشخصية لم يضع حدًا أقصى لعدد إنذارات الطاعة التي يمكن للزوج توجيهها، غير أن أحكام المحاكم استقرت على مبدأ جوهري، مفاده عدم جواز إساءة استعمال هذا الحق؛ فإذا ثبت أن الزوج يتعمد توجيه إنذارات متكررة بقصد الكيد أو الإضرار بالزوجة أو إرهاقها ماديًا، يحق لها إقامة دعوى تعويض، فضلًا عن تحريك جنحة إساءة استعمال حق التقاضي.

وفيما يتعلق بصياغة إنذارات الطاعة، يؤكد رزق أن معظم الإنذارات المتداولة حاليًا تتضمن عبارات إنشائية ونمطية، يسعى الزوج من خلالها إلى تصوير نفسه كطرف حسن النية، والزوجة باعتبارها متمردة وخارجة عن الطاعة، مع الادعاء بتوفير المسكن والنفقة وكافة سبل الحياة الكريمة، دون مراعاة لخصوصية كل حالة.

ويحذر رزق من شيوع حالات التلاعب بإنذارات الطاعة بهدف إسقاط الحقوق المالية للزوجة، موضحًا أن الزوجة إذا لم تعد إلى منزل الزوجية خلال مهلة الثلاثين يومًا، أو لم تعترض على الإنذار، أو اعترضت وصدر حكم نهائي برفض اعتراضها، يحق للزوج حينها إقامة دعوى نشوز، وإذا قُضي له بها تسقط نفقتها الزوجية، لكنه يؤكد أن نفقة المتعة لا تسقط بسبب النشوز، وإنما تسقط فقط إذا ثبت للمحكمة أن الزوجة هي المتسبب الوحيد في الطلاق.

وفي هذا السياق يستعرض رزق أبرز صور التلاعب الشائعة، وعلى رأسها إعلان الزوجة على عنوان غير محل إقامتها الفعلي، بما يحول دون علمها بالإنذار وعدم اعتراضها عليه في الميعاد القانوني، ثم استغلال ذلك في رفع دعوى نشوز، كما تشمل هذه الصور مطالبة الزوجة بالعودة إلى مسكن زوجية مختلف عن المسكن الحقيقي الذي كانت تقيم فيه، في محاولة للضغط عليها أو إجبارها على تقديم تنازلات، غير أنه يمكن للزوجة في هذه الحالات إثبات عدم الإعلان الصحيح أمام المحكمة من خلال نموذج 6 مراسلات الصادر من هيئة البريد، والذي يفيد بعدم استلامها لأي مراسلات خلال الفترة محل النزاع، كما يحق لها التقدم بشكاوى إدارية لرئيس قلم المحضرين أو جهات التفتيش المختصة أو رئيس المحكمة ضد المحضر المخالف وتحرير محضر بالواقعة بقسم الشرطة أو تقديم شكوى للنيابة العامة.

وفي الواقع العملي، لا يُستخدم إنذار الطاعة بوصفه إجراءً قانونيًا لتنظيم الخلافات الأسرية، بل يتحول في كثير من الحالات إلى أداة ضغط تُمارَس على النساء لإجبارهن على إسقاط حقوقهن أو القبول بتسويات غير عادلة. 

ورغم أن القانون يتيح للزوجة الاعتراض على الإنذار، أو سلوك مسارات قانونية بديلة كالطلاق للضرر أو الخلع، فإن هذه الخيارات تُمارَس داخل ميزان قوى مختلّ، تُجَرَّم فيه محاولة المرأة للانفصال أو الاستقلال، وكثيرًا ما يُعاد توصيفها قانونيًا بوصفها «نشوزًا»، وبهذا، يصبح إنذار الطاعة جزءًا من منظومة عنف جندري مؤسسي في مصر، تُستخدم فيها اللغة القانونية وإجراءات التقاضي لإعادة إنتاج السيطرة الاقتصادية والاجتماعية على النساء، بدلًا من حمايتهن من علاقات زوجية قسرية أو مؤذية.

نوصي للقراءة: طلاق كل دقيقتين في مصر: ماذا تخبرنا الإحصائيات عن تفكك الأسر؟

إعادة إنتاج لبيت الطاعة القديم

في مواجهة هذا الواقع المشوّه، تعالت أصوات نسوية تطالب بإلغاء مفهوم بيت الطاعة من القانون المصري، أبرزها مبادرة “الطلاق في زمن النطاعة“، التي ترى أن المشكلة ليست في سوء التطبيق، بل في الفكرة ذاتها، وفي ظل نظام قانوني ذكوري أبوي يعيد إنتاج السيطرة على النساء باسم الحفاظ على الأسرة.

 الكاتبة والخبيرة التربوية رانيا البشبيشي وهي حاصلة على دكتوراه في التربية والعضوة برابطة المرأة العربية، التي أطلقت المبادرة مؤخرًا، توضح لـ”زاوية ثالثة” أن اختيارها لذلك الاسم، جاء بشكل مقصود، باعتباره توصيفًا ساخرًا لواقع قانوني واجتماعي يُعبّر عن “منظومة كاملة من النطاعة القانونية والأخلاقية”، – على حد تعبيرها-، كما تصف إنذار الطاعة بأنه إعادة إنتاج لبيت الطاعة القديم، – وهو مصطلح قانوني يعطي الزوج الحق في مطالبة زوجته بالعودة إلى مسكن الزوجية بعد مغادرتها له، وإذا رفضت، تعتبر ناشز وتفقد حقوقها كالنفقة-، بعد “تجميله شكليًا”، موضحة أن التغيير اقتصر على الاسم فقط، مع إلغاء التنفيذ الجبري بالقوة أو الشرطة، بينما بقي الجوهر كما هو، بل تحول إلى أداة قانونية تُستخدم للضغط على الزوجة وحرمانها من حقوقها المالية.

تقول البشبيشي: إن “إنذارات الطاعة تُستخدم عمليًا في حالتين أساسيتين؛ الأولى عندما تطلب الزوجة الطلاق وتغادر مسكن الزوجية، حيث يُروَّج اجتماعيًا أن الهدف هو إعادتها، بينما الواقع أن الغاية الحقيقية تكون إثبات غيابها لإسقاط حقها في النفقة. أما الحالة الثانية، فتكون أثناء التفاوض على الطلاق، حيث تُفاجأ الزوجة بإنذار طاعة يُرسل عمدًا بطرق تحول دون وصوله إليها”، لافتة إلى أن التلاعب لا يقتصر على عدد الإنذارات، بل يشمل عناوين خاطئة، أو عدم تسليم الأوراق عمدًا، أو توقيع الاستلام بدلًا من الزوجة، ما يؤدي إلى سقوط حقها دون علمها.

وتوضح مؤسسة المبادرة أن عدم تسلم الزوجة للإنذار خلال 30 يومًا، – وفق الصيغة القانونية المعمول بها -، يؤدي إلى سقوط حقوقها كافة، وهو ما يتيح للزوج بعد ذلك إيقاع طلاق غيابي دون التزام بنفقة متعة أو أي حقوق مادية أخرى، لافتة إلى أن بعض الأزواج يرسلون أكثر من إنذار طاعة خلال الشهر نفسه، كون القانون لا يضع حدًا عدديًا لذلك، ما يسمح باستخدام الإنذارات بشكل متكرر كوسيلة استنزاف نفسي ومالي للزوجة، وتعريضها لصدور حكم “نشوز” ضدها، والذي يحمل إهانة جسيمة للمرأة، ويُلحق بها ضررًا نفسيًا ومهنيًا، خاصة للنساء في المواقع القيادية أو الاجتماعية الحساسة.

وتضيف: “العبء القانوني يقع دائمًا على الزوجة، إذ تكون مطالبة بإثبات بطلان ادعاءات الزوج، وإثبات خطأ العناوين، بل وأحيانًا التوجه إلى أقسام الشرطة لإثبات محاولتها تنفيذ الإنذار، وهو ما وصفته بأنه إجراء مهين وغير إنساني، هذه المنظومة تمثل “سلاحًا قانونيًا واضحًا” بيد بعض المحامين والرجال، يُستخدم دون أي رادع”.

وتؤكد أن هذا الأسلوب يضر بالنساء على اختلاف أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية، لكنه يكون أشد فتكًا بالنساء الفقيرات وغير القادرات على تحمل كلفة الرد القضائي على كل إنذار، إذ يتطلب الرد رفع دعوى رسمية، والاستعانة بمحامٍ، وسداد رسوم قضائية، في حين لا يكلف الأمر الزوج سوى تحرير إنذار بسيط، مشيرة إلى أن الكثيرات يضطررن للاستسلام وترك حقوقهن لعدم قدرتهن على الاستمرار في هذا المسار المكلف.

وفي هذا السياق لا يعمل إنذار الطاعة فقط كإجراء قانوني، بل كآلية للعنف الاقتصادي الممنهج؛ إذ يهدد بشكل مباشر مصدر دخل أساسي لكثير من النساء (النفقة)، خصوصًا غير العاملات، في مجتمع لا يضمن لهن شبكة حماية اجتماعية بديلة، وبالتالي يصبح وقف النفقة أداة لإجبار النساء على العودة لعلاقات عنيفة، أو القبول بتسويات مجحفة، أو الخروج من الزواج بلا حقوق.

وتعتبر البشبيشي أن الصياغات المستخدمة في إنذارات الطاعة، جارحة ومهينة، وتضع المرأة موضع الشبهة الأخلاقية دون أي دليل، مشيرة إلى أن مصطلحات مثل “الطاعة” و”نشوز الزوجة و”احتباس الزوجة” لا تزال واردة في القانون، رغم ما تحمله من دلالات قهرية، وهو ما يتناقض مع واقع المرأة المعاصرة التي تعمل وتنتج وتشارك في المجال العام، مؤكدة أن الإبقاء على هذه النصوص القانونية هو إصرار على استخدام ثغرات قانونية لقهر النساء، بدلًا من خلق تشريعات عادلة تقوم على الشراكة والمساواة، وتحمي كرامة المرأة وحقوقها الإنسانية.

 

نوصي للقراءة: بين الكنيسة والقانون.. مسيحيات لا يحق لهن الطلاق

منظومة كاملة لمعاقبة الزوجة

تؤكد المحامية هبة عادل، مؤسسة مبادرة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن إنذارات الطاعة تُستخدم في الغالب كأداة ضغط ومساومة، لا بقصد إعادة الحياة الزوجية، وإنما لإجبار الزوجة على التنازل عن حقوقها المالية، مثل مؤخر الصداق ونفقة العدة والمتعة، خاصة فور لجوئها إلى دعاوى الطلاق أو النفقة، مشيرة إلى أنه من الشائع التحايل قانونيًا عبر توجيه الإنذار على مسكن غير حقيقي أو غير صالح، مع استيفاء شكلي للشروط، رغم علم الزوج بعدم قدرة الزوجة على الإقامة فيه.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن اعتراض الزوجة على إنذار الطاعة نادرًا ما يُقبل، إذ لا تستجيب المحاكم إلا في حالات استثنائية، ما يحوّل الإجراء إلى وسيلة ضغط ممنهجة لإسقاط النفقة أو فرض تسويات غير عادلة، معتبرة أن إنذارات الطاعة ودعاوى النشوز تمثل شكلًا من أشكال العنف الجندري، لما تنطوي عليه من إخضاع قسري، وتهديد اقتصادي ونفسي، واستخدام مصطلحات قانونية تمييزية، تعكس غياب مبدأ التكافؤ بين الزوجين داخل منظومة الأحوال الشخصية، مؤكدة أن هذه الإشكاليات تعكس خللًا تشريعيًا ومؤسسيًا واجتماعيًا يستدعي إعادة صياغة شاملة لقانون الأحوال الشخصية، بدلًا من استمرار منظومة قانونية تُعيد إنتاج السيطرة على النساء ولا تحمي حقوقهن.

وترى آية منير، الناشطة النسوية ومؤسسة مبادرة “سوبر وومان”، أن إنذارات الطاعة ودعاوى النشوز تعكس تصورًا بنيويًا للزواج بوصفه علاقة سلطة لا شراكة، يُمنَح فيها الرجل امتيازات قانونية واجتماعية واسعة. وهذا التصور لا يقتصر على المحاكم، بل يمتد إلى الجلسات العرفية، حيث تُوصم النساء بالنشوز وتُنتزع حقوقهن دون مساءلة مماثلة للرجال.

وتقول  لـ”زاوية ثالثة” إن منظومة الأحوال الشخصية تقوم على محاسبة أحادية للنساء، في ظل غياب أي تصور قانوني لـ”نشوز الرجل”، وتجاهل أشكال العنف غير الملموس كالهجر أو الإيذاء النفسي، ما يدفع كثيرًا من النساء إلى التنازل عن حقوقهن للخروج من علاقات مؤذية، لافتة إلى أن تجاوز أحكام الخلع 80% من إجمالي أحكام الطلاق يعكس انسداد مسارات الإنصاف، حيث تُضطر النساء عمليًا إلى “شراء حريتهن” في نظام قانوني يرسخ اختلال موازين العدالة لصالح الرجال.

وفي مصر تصل نسبة أحكام الطلاق بالخلع وحدها إلى أكثر من 80% من إجمالي الأحكام النهائية للطلاق، وفي عام 2024 وحده كانت هناك حوالي 11,906 حالة خلع من إجمالي 14,195 حكم طلاق نهائي بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، غير أن هذه النسبة تكشف عن اختلال بنيوي في منظومة الأحوال الشخصية في مصر؛ إذ أن الخلع يُقدَّم رسميًا كآلية تُمكّن النساء من إنهاء الزواج دون إثبات الضرر، فإن ارتفاع نسبته لا يعكس بالضرورة تحسّنًا في أوضاع النساء أو اتساع دائرة حرياتهن، بل يشير إلى انسداد مسارات الطلاق الأخرى؛ فالطلاق للضرر أو الاعتراض على إنذارات الطاعة يَظلان مسارين مُرهقين، طويلين، ومحفوفين باحتمالات الرفض، ما يدفع النساء إلى اختيار الخلع باعتباره الطريق الأقصر، لا الأكثر عدالة.

وفي الواقع العملي، تُجبر النساء على التنازل عن حقوقهن المالية – مثل مؤخر الصداق ونفقة المتعة والعدة – مقابل إنهاء العلاقة الزوجية؛ بهذا المعنى، يتحول الخلع من حق قانوني إلى شكل من أشكال العنف الاقتصادي المشرعن، حيث تتحمل النساء وحدهن كلفة الخروج من علاقة مؤذية، بينما يُعفى الطرف الأقوى قانونيًا من أي خسائر مماثلة.

في النهاية تعكس شهادات الناجيات وآراء الخبراء، نمط عنف جندري مؤسسي يُستخدم فيه القانون أداة لإخضاع النساء وإسقاط حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ أن إنذار الطاعة ودعاوى النشوز، جزء من هيكل قانوني واجتماعي يجعل النساء بين خيارين إما الخضوع الاقتصادي والاجتماعي تحت غطاء الشرعية القانونية، أو أن يتحملن وحدهن عبء الدفاع عن كرامتهن وحقوقهن، بينما يغيب أي رادع أو مساءلة للرجال أو لنظام التنفيذ.

وفي مواجهة هذا الواقع، تظهر قدرة النساء على المقاومة، من خلال تقديم الشهادات، ومبادرات المجتمع المدني، والمطالبة بإلغاء الممارسات الظالمة، وكشف ثغرات القوانين و تعديل نصوصها لضمان أن يصبح القانون حاميًا للحقوق لا أداة لإنتاج العنف، لكن يبقى السؤال: هل ستستجيب المؤسسات لدعوات الإصلاح، أم سيظل النظام الذكوري القانوني والمجتمعي يكرس هيمنة شكلية على حساب الحقوق والكرامة؟

أُنجز هذا التقرير في إطار زمالة مع مؤسسة Free Press Unlimited، بإشراف تحريري من ربا الحلو.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search