عقدت الحركة المدنية الديمقراطية مؤتمرها الاقتصادي الثاني تحت عنوان “الاقتصاد المصري وتداعيات الحرب على إيران”، الأربعاء 29 أبريل، بمقر حزب المحافظين في منطقة جاردن سيتي بوسط القاهرة.
حضر المؤتمر عدد من رؤساء أحزاب الحركة المدنية، إلى جانب نخبة من الخبراء الاقتصاديين المشاركين في الجلسات النقاشية، من بينهم الدكتور جودة عبد الخالق، وزير المالية الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، و الدكتور حسن الصادي أستاذ اقتصاديات التمويل بالجامعة ذاتها، والباحث السياسي إلهامي الميرغني عضو مجلس أمناء الحركة المدنية، و الدكتور أحمد جلال وزير المالية الأسبق، وعمار علي حسن الكاتب والباحث السياسي. فيما اعتذر عن الحضور أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق.
ذلك بالإضافة إلى لفيف من القيادات السياسي والحزبية من بينهم حمدين صباحي عضو مجلس أمناء الحركة المدنية، ووفاء صبري رئيسة حزب الدستور وسيد الطوخي رئيس حزب الكرامة وأكمل قرطام رئيس حزب المحافظين والنائب إسلام أكمل قرطام عضو مجلس النواب عن حزب المحافظين.
وخلال جلسات المؤتمر، طرح المشاركون، رؤى متباينة حول تشخيص الأزمة الحالية، التقت عند الحاجة إلى مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية الحالية، مع التأكيد على أن الاعتماد المفرط على الاقتراض، وتراجع دور القطاعات الإنتاجية، ساهما في زيادة الضغوط على الاقتصاد والمواطنين.
وفي هذا السياق، قدمت الحركة ما وصفته بـ”روشتة إنقاذ” تضمنت حزمة من التوصيات التي تستهدف تحقيق توازن بين المعالجات العاجلة والإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد. وركزت هذه الرؤية على تخفيف الأعباء المعيشية، ودعم الإنتاج المحلي، وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة.
من جهته يقول وليد العماري، المتحدث باسم الحركة المدنية الديمقراطية، إن المؤتمر الاقتصادي الثاني للحركة يأتي بالتزامن مع تصاعد التوترات والحرب في المنطقة، إذ ركزت مناقشاته على تأثير هذه التطورات على الاقتصاد المصري.
ويوضح في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن المؤتمر يسعى للإجابة عن كيف وصل الاقتصاد المصري إلى درجة من الهشاشة تجعله يتأثر سلبًا بمجرد اندلاع صراع إقليمي، وربما بدرجة تفوق تأثيره على دول أقرب جغرافيًا إلى بؤر العمليات العسكرية.
ويشير “العماري” إلى أن الاقتصاد المصري تأثر بالفعل بعدد من التداعيات المرتبطة بالأوضاع الإقليمية، من بينها اضطرابات الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز وقناة السويس، إلى جانب تراجع عائدات المصريين العاملين بالخارج، لا سيما في دول الخليج.
ويضيف أن الحركة المدنية حذّرت، على مدار السنوات العشر الماضية، من مسار السياسات الاقتصادية، معتبرًا أنها بحاجة إلى إعادة توجيه نحو دعم التنمية المستدامة وتعزيز القطاعات الإنتاجية، الصناعية والزراعية، بما يسهم في توفير مصادر مستقرة للعملة الصعبة. وانتقد في هذا السياق الاعتماد المستمر على الاقتراض، وتوجيه الاستثمارات إلى مشروعات طويلة الأجل، مثل القطاع العقاري، التي لا تحقق عائدًا مباشرًا وسريعًا على حياة المواطنين.
كذلك يؤكد المتحدث الإعلامي للحركة المدنية أن المواطن المصري يتحمل العبء الأكبر لنتائج السياسات الاقتصادية وتداعيات الأزمات الإقليمية، رغم أنه ليس طرفًا فيها، مشددًا على أن هدف الحركة يتمثل في كسر هذه الحلقة، والعمل على إيصال صوت المواطنين إلى صانع القرار من أجل تخفيف الأعباء المعيشية.

كيف ترى الحركة المدنية تداعيات الأزمة الراهنة؟
خلال الجلسة الأولى، انتقد الدكتور جودة عبد الخالق السياسات الاقتصادية التي تسببت فيما وصفه بـ”الهشاشة الاقتصادية”، مرجعًا إياها إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة، إلى جانب تصفية الكيانات الصناعية، خاصة الشركات والمصانع الكبرى، واصفًا برامج صندوق النقد الدولي بأنها تمثل “إفسادًا وطنيًا”.
في المقابل، يرى الدكتور أحمد جلال أن الاقتصاد المصري يقع في ” المنطقة الرمادية”؛ إذ لا يزال يمتلك مقومات تنافسية مهمة، لكنه يعاني في الوقت نفسه من اختلالات هيكلية في السياسات، لا سيما انحياز النمو نحو قطاع العقارات. ودعا إلى تبني برنامج وطني قادر على تجاوز الأزمات من خلال سياسات مبتكرة، مع تفعيل مخرجات الحوار الوطني بوصفها خريطة طريق للإصلاح، مؤكدًا أن تجاوز التحديات يظل ممكنًا إذا توافرت الإرادة السياسية الصادقة وتم توجيه الجهود نحو تعزيز الإنتاج.
في حديثه إلى “زاوية ثالثة” على هامش المؤتمر، طرح الدكتور جودة عبد الخالق وزير المالية الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ملامح “روشتة” للإصلاح الاقتصادي في خمس نقاط رئيسية؛ جاءت في مقدمتها ضرورة إدراج الأمن الغذائي وأمن الطاقة ضمن مفاهيم الأمن القومي، بحيث لا يقتصر هذا المفهوم على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها ركائز أساسية للاستقرار.
ويؤكد “عبد الخالق” على أهمية الحفاظ على استقرار قيمة العملة الوطنية في مواجهة العملات الأجنبية، وأوضح أن المقصود ليس تثبيت سعر الصرف بشكل جامد، بل تحقيق درجة من التوازن والمرونة التي تمكّن العملة من امتصاص الصدمات. مشيرًا إلى أن التراجع الحاد في قيمة الجنيه خلال السنوات الأخيرة “من نحو 9 جنيهات مقابل الدولار إلى ما يتجاوز 50 جنيهًا” خلّف تداعيات اقتصادية واجتماعية وربما سياسية.
ويدعو أستاذ الاقتصاد إلى تعزيز الاعتماد على الذات اقتصاديًا، معتبرًا ذلك ضرورة لا مجرد خيار. وأوضح أن ضعف معدلات الادخار في مصر، التي تتراوح بين 3% و10%، لا يتناسب مع قدرات الاقتصاد، مشيرًا إلى إمكانية رفعها إلى نحو 15–16% عبر سياسات مناسبة. محذرًا من التوسع غير المنضبط في الاستيراد، لما يمثله من استنزاف للموارد وإضعاف للقدرة الإنتاجية المحلية، مؤكدًا على ضرورة ترشيد الإنتاج بما يخدم الاقتصاد الوطني.
وركز وزير المالية الأسبق وأستاذ الاقتصاد على أولوية تحقيق العدالة الاجتماعية بوصفها مبدأً دستوريًا، مؤكدًا أن الحماية الاجتماعية لا يمكن أن تكون بديلًا عنها. معتبرًا أن العدالة تعني إتاحة فرص متكافئة لمختلف الفئات، لا اتخاذ سياسات تؤدي إلى إفقار شرائح واسعة ثم محاولة تعويضها لاحقًا. وفي هذا السياق، أشار إلى اقتراحه السابق بتغيير مسمى وزارة التضامن إلى “وزارة العدالة الاجتماعية” لتعكس هذا التوجه بشكل أوضح.

اقتصاديات التبعية مزيد من الديون والأعباء
خلال الجلسة الثانية، وجّه الكاتب والباحث السياسي عمار علي حسن انتقادات حادة للسياسات الاقتصادية الراهنة،واصفًا حالة الاقتصاد المصري بـ”اقتصاد التبعية” الذي حوّل مصر إلى سوق استهلاكي لمنتجات الخارج. وأشار إلى أن الأزمة لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى خلل هيكلي يتمثل في الفساد الإداري وتقديم الولاء على الكفاءة، ما أدى إلى إهدار الموارد في مشروعات تفتقر إلى دراسات جدوى حقيقية.
ولفت الباحث والكاتب السياسي إلى أن انتزاع الموارد من المواطنين أسهم في تهميش قدرات المجتمع، خصوصًا طاقات الشباب، وأن الحل الاقتصادي يرتبط في جوهره بإصلاح سياسي شامل. محذرًا من تصاعد الضغوط المعيشية وأن الحديث عن “ثورة جياع” مؤشر عن تراجع الإحساس بالأمان المجتمعي. معتبرًا أن استقرار الدولة مرهون باستعادة ثقة المواطن.
وانتقد علي حسن خلال كلمته في المؤتمر، غياب سيادة القانون و ما وصفه بــ” الانتهاكات الدستورية”، مشيرًا إلى إنهما يعيقان جذب الاستثمار، وأن البلاد بحاجة إلى برنامج إنقاذ يعيد للسياسة دورها كقاطرة للاقتصاد.
من جانبه، شدد الدكتور حسن الصادي أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، على أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات قوية، معتبرًا أن حالة الهشاشة الاقتصادية الراهنة تعود إلى سوء إدارة السياسات وليس إلى ضعف بنيوي في الاقتصاد ذاته.
وأوضح خلال كلمته في الندوة أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران أفرزت تداعيات دولية معقدة، مشيرًا إلى أن الصين تعاملت بقدر كبير من الحنكة عبر تأمين احتياطياتها من الطاقة، في حين تواجه دول أخرى أزمات مالية متزايدة.
ودعا الصادي الحكومة المصرية إلى تحديد توجهاتها في السياسة الخارجية بوضوح، واختيار اصطفاف استراتيجي محسوب. كما أكد أن مواجهة التضخم لا ينبغي أن تقتصر على الأدوات النقدية، بل تتطلب تحفيز الإنتاج وزيادة المعروض السلعي. مطالبًا بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، مع توجيه الاستثمارات نحو تنمية “البنية البشرية” من تعليم وتثقيف، بدل التركيز المفرط على المشروعات الإنشائية، مؤيدًا في الوقت نفسه رفع الدعم بشرط ربطه ببرامج فعالة للحماية الاجتماعية وتوفير فرص العمل.
وفي حديثه لـ”زاوية ثالثة”، تناول الدكتور حسن الصادي تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أنه تأثر سلبًا في عدة محاور رئيسية، من بينها تراجع تحويلات المصريين بالخارج، وانخفاض إيرادات قناة السويس والسياحة، إلى جانب ارتفاع تكلفة الاستيراد وضعف القدرة على التصدير. وأرجع ذلك إلى غياب خطط استباقية قادرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية.
وأكد الصادي أن المرحلة الراهنة تتطلب حزمة من القرارات العاجلة لاحتواء تداعيات الأزمة، يعقبها تحرك استراتيجي على المدى الطويل مرتبط بانتهاء التوترات. مضيفًا أن الاقتصادات العالمية أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات خلال فترات قصيرة، متسائلًا عما إذا كانت الحكومة المصرية قادرة على احتواء الأزمة خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، أم أن تداعياتها ستمتد لفترة أطول.
من جانبه، يعتبر إلهامي الميرغني أن الاقتصاد المصري يعاني من “هشاشة هيكلية” نتيجة الاعتماد المتزايد على الديون في تمويل التنمية. وأن حجم الدين المحلي بلغ نحو 11 تريليون جنيه، فيما وصل الدين الخارجي إلى 163 مليار دولار (ما يعادل نحو 7 تريليونات جنيه)، فضلًا عن استيراد سلع بقيمة تقارب 100 مليار دولار سنويًا، إلى جانب الالتزام بشروط صندوق النقد الدولي، التي تشمل تحرير سعر الصرف، وبيع الأصول، وفتح الأسواق، وتقليص الدعم.
ويشير الميرغني في حديثه لـ”زاوية ثالثة” إلى أن نمط التنمية القائم على التوسع في العقارات والمقاولات، أو ما وصفه بـ”التنمية بالمول والكومباوند”، لا يحقق تنمية مستدامة، مؤكدًا أن التجارب الدولية تثبت أن النمو الحقيقي يرتكز على القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعة والزراعة.
يضيف الباحث الاقتصادي أن أعباء خدمة الدين تستحوذ على نحو 65% من مصروفات الموازنة العامة، ما يقلّص قدرة الدولة على تمويل قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة، ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية، في ظل غياب قاعدة إنتاجية قوية.

توصيات ومخرجات المؤتمر
في ختام المؤتمر، شددت الحركة المدنية الديمقراطية على ضرورة تبني حزمة سياسات متوازنة تستهدف تحقيق مسارين متوازيين: تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين ودعم القطاع الإنتاجي على المدى القصير، مع مواصلة تنفيذ إصلاحات هيكلية على المديين المتوسط والطويل، بما يضمن تجنب أي صدمات اجتماعية محتملة.
وفي هذا الإطار، أكدت الحركة أهمية تبني سياسات اقتصادية تضع تحسين مستوى معيشة المواطن في صدارة الأولويات. كما دعت إلى تعظيم الاستفادة من مقومات الاقتصاد المصري، والتعامل مع تداعيات الصراعات الإقليمية باعتبارها فرصًا يمكن توظيفها ضمن رؤية اقتصادية واضحة.
وشملت التوصيات أيضًا ضرورة إعادة تقييم دور الدولة، عبر تعزيز حضورها في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم والصحة، مقابل التخارج التدريجي من بعض الأنشطة التجارية، مع الالتزام بمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص. كما شددت على أهمية إعادة هيكلة الجهاز الحكومي من خلال دمج الوزارات المتداخلة في اختصاصاتها، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وتقليل الازدواجية.
وفيما يتعلق بالسياسات المالية، أوصت الحركة بترشيد الإنفاق العام وإعادة توجيهه نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية، إلى جانب إعداد برنامج وطني يرتكز على تحقيق الأمن الغذائي وأمن الطاقة باعتبارهما من أولويات الأمن القومي. كما دعت إلى التوسع في تطوير مصادر الطاقة، لا سيما الطاقة المتجددة، لتعزيز الاستدامة وتقليل الاعتماد على الخارج.
وعلى صعيد التنمية الصناعية والزراعية، أكدت التوصيات ضرورة إنشاء وتوسيع مناطق صناعية متخصصة لجذب الاستثمارات وتوطين الصناعات المكملة، بالتوازي مع العمل على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في قطاع الغذاء، من خلال تطوير الاستثمار الزراعي وبناء مزايا تنافسية مستدامة.
وفي ختام التوصيات، شددت الحركة على أن تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي يظل مرهونًا بإجراء إصلاحات سياسية وتشريعية متوازية، تضمن ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وتوسيع نطاق الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، بما يدعم بناء مجتمع مدني قوي وفاعل، ويعزز مسار التنمية الشاملة.
وعقدت الحركة المدنية الديمقراطية مؤتمرها الاقتصادي الأول في مارس 2023، تحت عنوان “رؤية استراتيجية نحو تنمية حقيقية للاقتصاد المصري”. وقدمت خلاله رؤية بديلة لمسار الاقتصاد المصري، تقوم على إعادة تقييم السياسات الاقتصادية القائمة ومناقشة أسس التنمية في المرحلة المقبلة. وركز المؤتمر على طرح تصور عام للإصلاح الاقتصادي، يقوم على الربط بين تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين الأوضاع الاجتماعية، مع التأكيد على ضرورة مراجعة الاعتماد المتزايد على الديون باعتباره أحد مصادر الضغوط على الاقتصاد.
ودعت الحركة المدنية خلال مؤتمرها الأول، إلى إعادة توجيه بوصلة الاقتصاد نحو القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة، باعتبارها الركائز الأساسية لتحقيق تنمية مستدامة. وشددت النقاشات على أهمية تعزيز العدالة الاجتماعية، وإصلاح السياسات المالية والنقدية بما يحقق استقرارًا طويل الأمد، إلى جانب التأكيد على أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يحتاج إلى بيئة سياسية أكثر انفتاحًا تضمن الشفافية وتدعم كفاءة إدارة الموارد العامة.