في يوليو 2024، بدأت رحلة معاناة عبد الحميد قطب، المشخص بضمور العضلات وشلل الأطفال، حين انتهت صلاحية بطاقة الخدمات المتكاملة الخاصة به، وحاول تجديدها مرتين، لكن طلبه قوبل بالرفض دون مبررات واضحة، ولم يتمكن من ضم معاش والده المتوفى، ما تسبب بتفاقم أزمته المالية.
وخلال محاولات التجديد تكبد عبد الحميد نفقات مالية تصل إلى 4 آلاف جنيه، إذ أجرى فحوصات متعددة شملت أشعة رنين مغناطيسي داخل المستشفى العسكري بشبين الكوم في محافظة المنوفية، إلى جانب رسم عصب وعضلات في جامعة شبين الكوم، تنفيذًا لمتطلبات الكشف الطبي، ورغم حصوله على شهادة تأهيل مهني منذ عام 2009، واستخراجه لبطاقة الخدمات المتكاملة في 2019، وقبوله سابقًا في القومسيون الطبي الخاص بسيارات المعاقين وحصوله على خطاب صالح لمدة عام، لم يتم قبول طلبه لتجديد البطاقة لمرتين على التوالي.
يحكي لـ”زاوية ثالثة” أنه توجه إلى مكتب التأهيل الاجتماعي في شبين الكوم للاستفسار عن سبب تكرار رفض الاعتراف بإعاقته، رغم وجود إعاقات ثابتة لديه، وهناك أبدى الموظفون دهشتهم من القرار، في ظل وضوح إعاقته واستيفائه للأوراق المطلوبة، لكن ذلك لم يغير شيئًا بطبيعة الحال.

تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة، أيضًا كان بمثابة تجربة معقدة ومؤسفة بالنسبة إلى أحمد محمود، المصاب بشلل الأطفال منذ الطفولة والمقيم بمدينة المنصورة في محافظة الدقهلية، كشفت عن تعقيدات كبيرة في إجراءات القومسيون الطبي، التي اضطر لخوضها على مدار العامين الماضيين، عقب انتهاء صلاحية البطاقة الصادرة له عام 2019، إذ وجد نفسه مضطرًا في 2024 إلى إعادة التقديم عبر المنظومة الجديدة التي تشترط الحجز الإلكتروني والخضوع لكشف طبي شامل أمام القومسيون الطبي.
عقب ذلك انتظر أحمد عدة أشهر للحصول على موعد الكشف، في ظل غياب معلومات واضحة حول مكان أو توقيت الفحص، ما اضطره للتوجه إلى المجالس الطبية للاستفسار، قبل أن يتلقى إخطارًا بموعد الكشف، ولاحقًا أجرى الفحوصات المطلوبة، بما في ذلك الأشعة، داخل مستشفى حكومي تم تحديده له سلفًا، غير أن نتيجة التقييم التي انتظر أشهر أخرى قبل حصوله عليها، صنّفته ضمن فئة الإعاقة البسيطة، وهو ما اعتبره غير منطقي، متسائلًا عن معايير هذا التصنيف، خاصة في ظل اختلاف حالات الإعاقات الحركية.
وتشمل تصنيفات الإعاقة المستحقة لبطاقة الخدمات المتكاملة، وفقًا لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية: الإعاقة الحركية كالشلل الدماغي، الشلل الرباعي أو النصفي، شلل الأطفال الشديد، بتر الأطراف، وتيبس المفاصل، والإعاقة البصرية، وتتضمن كف البصر (العمى التام) أو ضعف البصر الشديد الذي لا يمكن تصحيحه بالنظارات، والإعاقة السمعية: فقدان السمع التام أو ضعف السمع الشديد (55 ديسبل فأكثر)، والإعاقات الذهنية الشديدة، التوحد، ومتلازمة داون، وصعوبات التعلم المحددة واضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة، والحالات الشديدة من الاضطرابات النفسية والانفعالية التي تعيق الوظائف اليومية، أمراض الدم مثل: الهيموفيليا، ضمور العضلات، وأمراض القلب المتقدمة التي تهدد الحياة، قصار القامة ممن يقل طولهم عن 140 سم، والإعاقات المتعددة.
وكانت وزارة التضامن الاجتماعى بدأت في فبراير 2023، تقسيم بطاقة الخدمات المتكاملة وفقًا لألوان محددة تشير لنسبة الإعاقة ودرجتها؛ إذ تم تحديد اللون الأزرق للإعاقات الشديدة وبالغة الشدة، والأخضر للإعاقات المتوسطة، والأرجواني للإعاقات البسيطة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “كان تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة يتم يدويًا، إذ يطّلع موظف مكتب التأهيل التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، على الحالة ويُنجز الإجراءات، خاصة للحالات الشديدة التي لم تكن تحتاج إلى تقارير طبية جديدة، ولكن خلال العام 2024 تغيرت الإجراءات، وأصبح من الضروري الحجز إلكترونيًا للكشف الطبي من خلال وزارة الصحة، وإجراء الفحوصات والأشعة، ثم انتظار النتيجة، وهي عملية تستغرق عدة أشهر”
هذه الإجراءات تسببت في معاناة مستمرة لذوي الإعاقة خلال العامين الأخيرين، سواء في ما يتعلق باستخراج كارت الخدمات أو الاستفادة من المزايا المرتبطة به، مثل الحصول على سيارة مجهزة طبيًا، والتي تعثرت إجراءاتها أيضًا لفترات طويلة، بحسب ما يؤكد أحمد، منتقدًا كذلك طول فترات الانتظار داخل مقار الكشف، وعدم مراعاة ظروف ذوي الإعاقة، خاصة الحالات غير القادرة على التحمل لفترات طويلة.
ويشكو كذلك من أن إجراءات التظلم معقدة وطويلة، وقد تستغرق أكثر من عام، وربما تصل إلى عامين أو ثلاثة في بعض الحالات، مع وجود أعداد كبيرة من الطلبات وقلة عدد الحالات التي يتم البت فيها شهريًا، كذلك رفض التظلم يضع المريض أمام خيارات محدودة، قد تصل إلى الانتظار لسنوات أو إعادة التقديم من البداية.
ويضيف: “المشكلة لا تقتصر على الإجراءات فقط، بل تمتد إلى غياب قنوات فعالة للتواصل مع المسؤولين أو الاستجابة لشكاوى المتضررين”، مطالبًا بإعادة النظر في آليات التقييم والتصنيف، وضمان تحقيق العدالة والمساواة بين جميع ذوي الإعاقة، دون تمييز بين فئاتهم.
بدوره خاض محمد البريشي، المقيم بمحافظة بورسعيد ولديه إعاقة حركية، رحلة معقدة مع البيروقراطية وما وصفه بـ”تضارب القرارات والتعنت الإداري”، من القومسيون الطبي بمستشفى التكامل، الواقع بحي غيط النصاري في محافظة دمياط، أثناء محاولته استخراج بطاقة الخدمات المتكاملة وتجديد رخصة القيادة الخاصة لذوي الإعاقة، رغم حيازته تقارير طبية موثقة تثبت حالته.
محمد الذي تعرض لحادث مروري عام 2013 أسفر عن إصابات متعددة، شملت كسورًا في الحوض ومفصل عنق الفخذ والركبة، إلى جانب كسر أعلى الركبة، خلّف لديه عجزًا بنسبة 35% وأدى لاستخدامه مفصلًا صناعيًا، انتهت صلاحية رخصة القيادة الخاصة به في عام 2024، وعندما توجه وقتئذٍ إلى إدارة المرور لتجديدها، تم تحويله إلى القومسيون الطبي، وتصادف في ذلك الوقت أنه كان بصدد استخراج كارت الخدمات المتكاملة، فقرر إنهاء الإجرائين معًا.
يروي لـ”زاوية ثالثة”، أنه استوفى جميع الفحوصات المطلوبة، بما في ذلك الأشعة والتقارير الطبية ورسم العصب والعضلات، وأخبرته رئيسة القومسيون الطبي بقبوله مبدئيًا وأن البطاقة ستصدر أسبوع إلى عشرة أيام، مع متابعة الإجراءات عبر الشؤون الاجتماعية بكفر سعد، إلا أنه فوجئ لاحقًا بإبلاغه بضرورة الحضور إلى جلسة إعادة عرض على اللجنة.
يقول: ” وضعتني رئيسة القومسيون أمام خيارين: إما الحصول على الرخصة الخاصة أو بطاقة الخدمات المتكاملة، وهو قرار غير مفهوم، رغم ذلك اخترت البطاقة نظرًا لاحتياجي إليها للحصول على سيارة مجهزة تتناسب مع حالتي الصحية”.
رغم ذلك تفاجئ بإبلاغه بأن المجالس الطبية في القاهرة، رفضت حالته بدعوى عدم وجود عجز، الأمر الذي حرمه من الحصول على بطاقة الخدمات، بينما وافق القومسيون على منحة رخصة القيادة الخاصة لذوي الإعاقة، صالحة لمدة ثلاث سنوات فقط، وهو ما اعتبره جهدًا وعبئًا ماديًا إضافيًا، إذ سيضطر لإعادة الإجراءات بشكل دوري.

وخلال العام الماضي تعرض الطفل سليم عبد الرازق المصاب بضمور العضلات (دوشين)، ذو الأعوام الستة المقيم مع والدته بمحافظة الجيزة-، لرفض حالته مرتين خلال الكشف الطبي للحصول على بطاقة الخدمات المتكاملة، رغم ثبوت حالته بتقارير طبية صادرة عن التأمين الصحي وحكم قضائي.
وتحكي والدته آية زكي، لـ”زاوية ثالثة”، أنها أحضرته لتوقيع الكشف الطبي عليه في المجلس الطبي بمنطقة الفردوس في 6 أكتوبر، لكن اللجنة رأته غير مستحق للبطاقة لأنه لم يجلس بعد على كرسي متحرك، رغم وجود أعراض واضحة تؤثر على حركة الطفل، مثل صعوبة الصعود والنزول وحمل الأشياء.
عقب الرفض الأول، لم تستسلم الأم وتقدمت بتظلم، وبعد انتظار عدة أشهر تم تحديد موعد آخر للعرض على القومسيون الطبي في مقر التأمين الصحي بحي الهرم، لكن تم رفضه أيضًا بنفس المبرر، مع مطالبتها بإعادة محاولة التقديم بعد 3 أو 4 سنوات.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ إجمالي عدد طلبات الكشف الطبي للحصول على بطاقة الخدمات المتكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، المسجلة عبر الموقع الالكتروني الخاص بالمجالس الطبية المتخصصة، منذ إطلاقه في 14 يناير 2022 وحتى 5 أبريل 2026، نحو 2,805,456 طلبًا، جرى تحديد مواعيد العرض على اللجان لـ 2,798,333 طلبًا منها، وحضر لإجراء الكشف الطبي 1,748,509 مواطنين، في حين تخلف 987,724 عن الحضور.
واُستكملت إجراءات الكشف الطبي لنحو 1,194,242 حالة، بينما طُلب من 554,267 مواطنًا استيفاء فحوصات أو أبحاث إضافية لتحديد درجة الإعاقة بدقة، فيما تم الانتهاء من إجراءات 1,142,706 مواطنين وتحويل بياناتهم إلى وزارة التضامن الاجتماعي لاستكمال باقي الإجراءات، ويبلغ عدد اللجان الطبية العاملة ضمن المنظومة 551 لجنة متخصصة على مستوى الجمهورية.
معاشات منهوبة باسم القانون: أطفال ذوو الإعاقة ضحايا الولاية في مصر

إجراءات مرهقة ومكلفة ماديًا
على مدار العامين الماضيين وجد مرضى ضمور العضلات في مصر، أنفسهم مضطرون لخوض إجراءات مرهقة بدنيًا ونفسيًا ومكلفة ماديًا، دون مبرر واضح؛ إذ يُجبرون على تكرار الفحوصات والأشعة ورسم العضلات في القومسيون الطبي، عند انتهاء صلاحية بطاقة الخدمات المتكاملة، رغم أن المرض من الإعاقات الثابتة التي لا يُرجى شفاؤها، كذلك معاش يصبح معلقًا فور انتهاء اللبطاقة لحين الانتهاء من إجراءات التجديد، رغم استمرار الإعاقة وثبوتها، ووصفت ذلك بأنه خلل تشريعي يستدعي المراجعة، بحسب شريفة مطاوع، رئيسة مجلس إدارة الجمعية المصرية لمرضى ضمور العضلات.
وتكشف لـ”زاوية ثالثة” أن تكلفة الفحوصات تتراوح بين 2000 و4000 جنيه في الحد الأدنى، مع اشتراط إجراء التحاليل والأشعة في جهات محددة، ورفض التقارير الطبية الصادرة من أماكن أخرى، ما يضاعف الأعباء على المرضى، لافتة إلى أن الإجراءات قد تُعاد أكثر من مرة بسبب عدم قبول الأوراق، أحيانًا وفق تقديرات غير واضحة من القائمين على التقييم.
تقول: “بعض المرضى يتعرضون للرفض في المرة الأولى عند التقدم للحصول على الكارت أو تجديده، قبل أن يتم قبولهم لاحقًا بعد التظلم، وهو ما يطيل أمد الإجراءات إلى ما بين 3 و6 أشهر في المتوسط، ويزيد من معاناة المرضى وأسرهم، خاصة مع صعوبة تنقل الحالات المتقدمة”.
وتنتقد رئيسة الجمعية استمرار إلزام المرضى بتجديد الكارت بشكل دوري كل 3 أو 5 سنوات، بعدما كان يُجدد سابقًا كل 7 سنوات، معتبرة أن هذا الإجراء غير منطقي بالنسبة لحالات لا يمكن أن تتحسن طبيًا، مشيرة إلى أن تصنيف ضمور العضلات يتدرج أحيانًا من إعاقة متوسطة إلى شديدة بحسب تطور الحالة، إلا أن آليات التقييم لا تعكس دائمًا هذا التدرج بشكل دقيق.
وتضيف: “طبيعة المرض تتسم بالتدهور التدريجي، إذ يفقد المرضى القدرة على الحركة تدريجيًا وقد يصل الأمر إلى صعوبات في التنفس، ما يجعل تكرار الإجراءات الطبية عبئًا قاسيًا، خاصة في المراحل المتقدمة”، مطالبة بآلية أكثر مرونة، بحيث يتم إصدار الكارت مرة واحدة أو تجديده تلقائيًا على فترات زمنية طويلة (قد تصل إلى 10 سنوات)، مع الاكتفاء بالتحقق من بقاء الحالة على قيد الحياة، دون إعادة الفحوصات كاملة.
ولا يختلف الوضع كثيرًا، بالنسبة إلى المصابين بأمراض الدم؛ إذ يتم رفض عدد كبير من حالات الهيموفيليا، وهو اضطراب وراثي نادر يمنع تجلط الدم بشكل صحيح، مما يؤدي إلى نزيف مطول أو داخلي، بسبب عدم توفر تحاليل الأجسام المضادة المرتبطة بعلاج هيمليبرا، المستخدم للحد من النزيف الناتج عن نقص العامل الثامن، وهو بروتين حيوي في بلازما الدم ضروري لتخثره، ما يؤدي إلى رفض الحالات رغم استحقاقها، بحسب ما تؤكد عبير أحمد، والدة طفل مصاب بالهيموفيليا.
وتكشف لـ”زاوية ثالثة” عن جانب آخر من الأعباء التي يتحملها المرضى وذويهم، قائلة: “كنا سابقًا نستخرج التقارير من مستشفيات حكومية، أما الآن فنُحوَّل إلى مستشفيات عسكرية، ما يزيد الأعباء المالية، التي لم تكن تتجاوز 50 جنيهًا، أما الآن فقد تصل إلى 6 آلاف جنيه، بين تحاليل طبية ورسوم كشف، وتستغرق الإجراءات عدة أشهر، ومع ذلك قد لا تُثبت الإعاقة بسبب عدم توفر تحاليل الأجسام المضادة المرتبطة بالعلاج”.
وتوضح أن بعض المرضى كانوا يلجأون في السابق للتقديم ضمن فئة الإعاقة الحركية، بسبب صعوبة وتعقيد إجراءات فحوصات أمراض الدم، ويتم قبولهم بالفعل، إلا أن التعديلات الجديدة، التي تفرض التقديم تحت تصنيف واحد فقط، أدت إلى رفض هؤلاء المرضى، سواء عند التقديم كإعاقة حركية أو كأمراض دم، معتبرة أن الفحوصات الحالية، مثل رسم الأعصاب، تؤدي إلى استبعاد الحالات الناتجة عن مضاعفات الهيموفيليا، وهو ما يجعل بعض المرضى لا يتم قبولهم ضمن أي تصنيف.
وتأتي شكاوى ذوي الإعاقة المتعلقة بإجراءات استخراج وتجديد بطاقة الخدمات المتكاملة، رغم إصدار وزيري الصحة والسكان والتضامن الاجتماعي، للقرار رقم 726، في أكتوبر 2023، بشأن تشكيل لجنة عليا دائمة بهدف تحسين منظومة بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة.
ووفقاً للقرار فإن اللجنة منوط بها التحقق من التحديات التي تواجه سير العمل في مكاتب التأهيل الاجتماعي واللجان الطبية، وضع أطر تنفيذية جديدة لتيسير استخراج بطاقة الخدمات المتكاملة، استحداث أساليب لسرعة حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على حقوقهم، كما يتولى مسؤولو وزارة التضامن الاجتماعي صلاحية الاطلاع على تقارير الكشف الطبي ضمن المنظومة الإلكترونية المشتركة.

تقليل أعداد المستفيدين من الدعم
يبلغ عدد ذوي الإعاقة في مصر نحو 10 ملايين مواطن، بينهم 1.2 مليون فقط لديهم بطاقة الخدمات المتكاملة، بحسب تصريحات لوزيرة التضامن الاجتماعي، الدكتورة مايا مرسي في 2024، بينما تشير تقديرات ذكرها الدكتور عبد الهادي القصبي، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ، في يناير عام 2026، إلى وجود حوالي 12 مليون مواطن من ذوي الإعاقة في مصر، وهم يمثلون حوالي 15% من إجمالي السكان.
ويشرح محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، أن منظومة القومسيون الطبي والمجالس الطبية المتخصصة تشهد تغييرات متكررة في متطلبات الكشف والإجراءات، وتتضمن طلب أوراق وفحوصات إضافية، كما أن إجراءها يقتصر على مستشفيات محددة، وهو ما يفرض قيودًا إضافية على المرضى، سواء من حيث الوصول أو التكلفة التي ترتفع في بعض الحالات لتصل إلى 6 آلاف جنيه.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “القومسيون الطبي هو الجهة المسؤولة عن تحديد نسب الإعاقة ومدى أحقية المواطنين في الحصول على كارت الخدمات المتكاملة والمعاشات المرتبطة به، وخلال العامين الماضيين رُصدت حالات لعدد من المستفيدين الذين تم استبعادهم من المعاشات بعد سنوات طويلة من الحصول عليها، بدعوى أن القومسيون لم يعد يثبت وجود العجز لديهم، رغم استمرار معاناتهم من مشكلات صحية تتعلق بالحركة أو النطق أو الإبصار”.
ويعتبر أن هذه الإجراءات تأتي في سياق محاولات ترشيد الإنفاق وتقليل أعداد المستفيدين من الدعم، محذرًا من تداعياتها الاجتماعية والإنسانية، خاصة على الفئات الأكثر هشاشة التي تفقد مصدر دخلها بشكل مفاجئ، مشيرًا إلى واقعة انتحار أحد المواطنين أمام القومسيون الطبي في دمياط، مؤخرًا يعد مؤشرًا خطيرًا على حجم الضغوط التي قد يتعرض لها المتضررون من هذه السياسات، داعيًا إلى الاستماع إلى شكاوى المرضى ومراجعة آليات التقييم داخل القومسيون الطبي، بما يضمن تحقيق العدالة وعدم استبعاد مستحقين من الدعم دون مبررات واضحة.
وتشهد منظومة بطاقات الخدمات المتكاملة مشكلات هيكلية متعددة، في مقدمتها غياب المعايير الواضحة لتقييم الإعاقات، ما يؤدي إلى تصنيفات غير دقيقة تمس حقوق المستحقين؛ إذ أن تقسيمها إلى ثلاث فئات (شديدة، ومتوسطة، وبسيطة) يثير إشكاليات ومخاوف لدى ذوي الإعاقة من أن حدوث تمييز بينهم في الحقوق والخدمات، مثل: أحقية الحصول على سيارة مجهزة أو بعض المزايا الاجتماعية، تزامنًا مع وجود توجه غير معلن لتقليل أعداد المستفيدين من خدمات ذوي الإعاقة، من خلال خفض درجات الإعاقة أو رفض بعض الحالات، بحسب محمود مطاوع، رئيس جمعية شعاع الخير لحقوق ذوي الهمم.
وينتقد رئيس الجمعية، آلية التقييم الوظيفي لكارت الخدمات المتكاملة، وهو المرحلة الثانية الحاسمة بعد الكشف الطبي، والتي تتم عبر مقابلة شخصية بمكتب التأهيل لقياس مدى تأثير الإعاقة على أداء الشخص لوظائفه اليومية، بهدف تحديد درجة ونوع الإعاقة لضمان استحقاق البطاقة، معتبرًا أنها تمنح موظفين إداريين سلطة إعادة تقييم الحالة، حتى في وجود تقارير طبية صادرة عن لجان متخصصة؛ إذ يمكنهم تغيير تصنيف الإعاقة الصادر عن القومسيون الطبي، وهو ما اعتبره خللًا جوهريًا في المنظومة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “إن استخراج أو تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة قد يستغرق نحو عام، وهو ما يترتب عليه أضرار مباشرة، مثل وقف المعاشات أو فقدان بعض الامتيازات المرتبطة بسريان البطاقة، وهو إجراء إداري يضر بالمستحقين، واشتراط سريانها للحصول على الخدمات، يضع ذوي الإعاقة في مأزق”.
كذلك ينتقد القيود المفروضة على حق التظلم، موضحًا أن الإجراءات طويلة وغير فعالة، وقد تنتهي بالرفض دون مسار واضح للإنصاف، كما أن اللجوء للقضاء لا يمثل حلًا عمليًا بسبب طول أمد التقاضي، مضيفًا أن المعاشات تتوقف لحين الانتهاء من إجراءات التقييم أو التظلم، والتي قد تمتد إلى عام أو أكثر، ما يترك الأسر دون مصدر دخل خلال هذه الفترة”.
فيما يرى فادي الإيبياري، رئيس جمعية نور الشمس لرعاية ذوي الهمم، أن التحول إلى نظام الحجز الإلكتروني ل تجديد كارت الخدمات المتكاملة وتوقيع الكشف الإلزامي عبر مستشفيات محددة تسبب في إطالة فترات انتظار ذوي الإعاقة، إذ قد يستغرق الحصول على موعد للكشف عدة أشهر دون وضوح بشأن التوقيت أو مكان الفحص، ما يضطر بعض المرضى للتوجه شخصيًا إلى مقار المجالس الطبية للاستفسار.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “طول فترات الانتظار داخل مقار الكشف وغياب الإتاحة وعدم مراعاة الظروف الصحية للحالات، يمثل عبئًا إضافيًا، كما أن إجراءات التظلم تمتد لفترات طويلة تصل إلى سنوات، في ظل تكدس الطلبات، ويضع رفض التظلم، المعاق أمام مسار معقد قد يتطلب إعادة التقديم منذ البداية بعد فترة انتظار طويلة”.
ينتقد كذلك آليات تصنيف الإعاقات إلى بسيطة ومتوسطة وشديدة، معتبرًا أنها تخلق تمييزًا بين ذوي الإعاقة الواحدة، وتؤثر على مستوى الخدمات والحقوق التي يحصلون عليها.
وفاة لاعب بارالمبي تكشف الإهمال المؤسسي بحق ذوي الهمم في مصر

تحركات برلمانية وقرار حكومي
في ظل تزايد شكاوى ذوي الإعاقة من تعقيد الإجراءات وطول مدتها، تقدمت نيفين إسكندر باقتراح برغبة في 29 يناير الماضي، إلى وزيرة التضامن الاجتماعي، دعت فيه إلى استثناء بعض فئات الإعاقات الثابتة طبيًا ووظيفيًا من إعادة التقييم الدوري المرتبط بتجديد بطاقة الخدمات المتكاملة، بسبب الأعباء غير المبررة التي تقع على أصحاب الإعاقات الدائمة، مثل الإعاقات الحركية الشديدة والبصرية الكاملة وحالات البتر، وهو ما يمثل عبئًا غير مبرر على أصحابها وأسرهم.
وتشير النائبة إلى استجابة وزارتي الصحة والتضامن لهذا المقترح، إذ تم إلغاء إعادة الكشف لهذه الفئات، خاصة لحاملي كارت الخدمات المتكاملة المميكن، إلا أن هذا القرار حديث نسبيًا ولا يزال قيد المتابعة للتأكد من تطبيقه الفعلي، وفي المقابل، تعزي تشديد الإجراءات وتعقيدها يعود جزئيًا إلى وقائع سابقة تتعلق بإصدار بطاقات خدمات متكاملة لغير المستحقين، نتيجة استغلال بعض الموظفين لمواقعهم الوظيفية، ما دفع الجهات المعنية إلى إحكام الرقابة، وإن كان ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب المستحقين.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “منذ بداية عملي البرلماني، أتلقى شكاوى متكررة من المواطنين بشأن تعقيد الإجراءات، وطول فترات الانتظار، وغياب وضوح أسباب رفض بعض الحالات، بجانب ارتفاع تكلفة الفحوصات والتحاليل المطلوبة، التيا تمثل عبئًا كبيرًا على ذوي الإعاقة، خاصة في ظل محدودية المعاشات، وأرى ضرورة إعادة النظر في هذه التكاليف، إما من خلال تخفيضها أو تحميلها على كارت الخدمات المتكاملة، لا سيما أنها تُجرى داخل مستشفيات حكومية”.
وتشدد على ضرورة إعادة تقييم معايير القومسيون الطبي، ووجود دليل واضح ومعلن لتصنيف الإعاقات إلى بسيطة ومتوسطة وشديدة، بما يضمن العدالة والشفافية في التقييم. وانتقدت بعض الممارسات، مثل سحب كارت الخدمات من ذوي الإعاقات السمعية حال استخدامهم أجهزة تعويضية، معتبرة أن استخدام الوسائل المساعدة لا يلغي وجود الإعاقة، وإنما يساعد على التكيف معها.
كذلك تشير إلى عدم تهيئة مقار الكشف ومكاتب التأهيل لاستقبال ذوي الإعاقة، سواء من حيث غياب كود الإتاحة أو عدم ملاءمة البيئة للأشخاص ذوي الإعاقات الحركية أو الذهنية، فضلًا عن عدم مراعاة طبيعة بعض الحالات التي لا تحتمل الانتظار لفترات طويلة أو التواجد في أماكن مزدحمة.
وتضيف: “توجد بعض أوجه القصور في منظومة صرف الدعم، من بينها حالات لم يصل فيها كارت الخدمات إلى مستحقيه، أو تم صرف المعاش من قبل أشخاص آخرين، ما يعكس استمرار وجود ثغرات رغم جهود الميكنة”، داعية إلى تحقيق التوازن بين مكافحة الفساد وضمان وصول حقوق ذوي الإعاقة إلى مستحقيها.
وخلال مارس الماضي أصدر الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، والدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، قرارًا بإعفاء أصحاب الإعاقات المستدامة الحاصلين على كارت الخدمات المتكاملة المميكن من إعادة الكشف الطبى عند التجديد، مع استمرار تمتع جميع الحاصلين على الكارت بكافة المزايا طوال فترة سريانه دون إجراءات إضافية، ومنح مهلة حتى نهاية 2026 لحاملي الكارت غير المميكن لتحديث بياناتهم ضمن المنظومة الرقمية، مع العمل على تقليل فترات الانتظار للكشف الطبي.
وفي أبريل 2026 وافقت لجنة التضامن الاجتماعي وحقوق الإنسان بمجلس الشيوخ، برئاسة عبد الهادي القصبي، على مقترح برغبة مقدم من النائب محمود تركي، لمعالجة أزمة وقف المستحقات المالية لذوي الإعاقة بسبب تأخر تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة، أكد خلاله أن التعليمات الحالية تسقط الاستحقاق إذا لم يُجدَّد الكارت خلال 6 أشهر، رغم أن التأخير غالبًا إداري، ما يؤدي إلى وقف المعاشات دون مبرر، ويضر بالأسر الأكثر احتياجًا.
وأوصى النائب بمدّ مهلة التجديد، وعدم تحميل المواطن مسؤولية التأخير، وصرف المستحقات بأثر رجعي، إلى جانب إنشاء نظام إخطار إلكتروني ورسائل نصية لتنبيه المستفيدين قبل انتهاء البطاقة، لضمان استمرارية الحقوق.
ورغم التحركات البرلمانية وقرارات إصلاحية بدأت ملامحها في الظهور، تكشف شهادات ذوي الإعاقة عن معاناة إنسانية يعيشها ملايين المواطنين في مصر، جراء قصور الممارسات على أرض الواقع، وبطء وبيروقراطية الإجراءات، الذي يهدد وصول الحقوق إلى مستحقيها، ويجعلهم يتحملون أعباء الانتظار والتكاليف المادية، مما يستدعي إصلاح منظومة القومسيون الطبي، عبر تقليل الإجراءات أو تسريعها، وإعادة بناء معايير التقييم على أسس شفافة، وتوفير بيئة ملائمة لذوي الإعاقة، وضمان استمرارية حقوقهم دون انقطاع بسبب تعقيدات إدارية.