close

الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل يدخل عصر المليون جنيه

تجاوزت أسعار شقق مبادرة “سكن لكل المصريين” حاجز المليون جنيه للمرة الأولى، بعدما بدأت الوحدات في 2014 بسعر 135 ألف جنيه فقط. التقرير يرصد تحولات الإسكان الاجتماعي في مصر، ودور المطورين العقاريين، والفجوة المتزايدة بين الأسعار ودخول المواطنين
Picture of رشا عمار

رشا عمار

تضاعفت أسعار وحدات الإسكان الحكومي المطروحة ضمن المبادرة الرئاسية (سكن لكل المصريين) بنسبة 100%، بحسب الأسعار المعلنة ضمن كراسة الشروط المطروحة مؤخرًا بنسبة 100%، متجاوزة المليون جنيه للمرة الأولى منذ طرح المشروع، في حين تراوحت الأسعار خلال السنوات الماضية بين 300 إلى 400 ألف جنيهًا على أقصى تقدير لوحدات الإسكان الاجتماعي التي تستهدف محدودي ومتوسطي الدخل في مصر.

ونهاية أبريل الماضي، أعلنت وزارة الإسكان عن التعاون مع عدد من المطورين العقاريين لتنفيذ مشروعات المبادرة، للمرة الأولى منذ انطلاق المشروعات في 2014، بدعوى إشراك القطاع الخاص في التنفيذ، وتعزيز كفاءة المنشآت والارتقاء بالمستوى العام للمشروع وضمان استدامته.

وعلى مدار أكثر من 12 عام، روجت الحكومة المصرية لمشروعات الإسكان الاجتماعي التي بدأت في 2014 بغرض توفير سكن كريم لمحدودي ومنخفضي الدخل، والقضاء على العشوائيات، ثم تطورت لاحقًا لتشمل فئات أخرى تحت مظلة المبادرة الرئاسية (سكن لكل المصريين) بمحاورها الثلاثة؛ منخفضي الدخل و الإسكان المتوسط والإسكان فوق المتوسط، لكن القفزات المتتالية في الأسعار، فضلًا عن المشكلات التي واجهت عددًا من المشروعات بسبب سوء التنفيذ في بعض المدن، أفقدت المشروع أهم أهدافه، وفقًا للخبراء والمراقبين.

رحلة الإسكان الاجتماعي إلى ما بعد المليون

شهدت أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي في مصر رحلة تصاعدية واضحة منذ بدء المشروع، مع اختلافات مرتبطة بموقع الوحدة ونوع الطرح والفئة المستهدفة، ففي أول طرح عام 2014، بلغ سعر الشقة مساحة 90 مترًا 135 ألف جنيه، ثم ارتفع في أبريل 2015 إلى 154 ألف جنيه، قبل أن يصل في مراحل لاحقة إلى 184 ألف جنيه ثم 225 ألف جنيه في أحد الطروحات اللاحقة.

الأسعار لم تشهد طفرات قوية خلال السنوات اللاحقة، ففي عام 2018 وصلت إلى 184 ألف جنيه، ثم 225 ألف جنيه في إحدى المراحل، وفي عام 2019، أعادت بعض الإعلانات الأسعار إلى نطاق 184 ألف جنيه ثم 220 ألف جنيه، لكن ذلك كان مرتبطًا باختلاف المواقع الجغرافية للوحدات المطروحة.

الزيادات تأثرت بعدة عوامل، وفق تصريحات رسمية، في مقدمتها تغير مواقع الطرح، وارتفاع كلفة مواد البناء بعد تحرير سعر الصرف في 2016، وما ترتب عليه من صعود أسعار الحديد والأسمنت والتشطيبات بنسب كبيرة، كذلك ساهم اختلاف المدن المطروحة، بين مدن مثل السادات والعاشر من رمضان وأسيوط الجديدة في بعض الإعلانات، وبين طروحات أخرى في مدن القناة والصعيد، في تفاوت الأسعار بين طرح وآخر.

وفي 2024، توسعت الطروحات لتشمل شرائح سعرية أوسع ضمن مبادرات الإسكان المدعوم، وقد أعلنت وزارة الإسكان أسعارًا تتراوح بين 184 ألف وتصل إلى 400 ألف جنيه، للوحدات الجاهزة في المحافظات، بينما تراوحت أسعارها بالمدن الجديدة بين 415 ألفًا و530 ألف جنيه، ووصلت الوحدات التي سيتم تسليمها خلال 36 شهرًا إلى نطاق يتراوح بين 542 ألفًا و700 ألف جنيه.

وفي 2025، فقد سجلت مبادرة “سكن لكل المصريين 7” قفزة أوضح في الأسعار داخل بعض الطروحات، إذ بلغت قيمة الشقة 90 مترًا 850 ألف جنيه، بينما بلغت الشقة 90 مترًا في مشروع الإسكان الأخضر 900 ألف جنيه، مع وجود وحدات أخرى جاهزة للتسليم الفوري بسعر 470 ألف جنيه في أخميم الجديدة بسوهاج، فيما أظهرت طروحات وحدات بمساحات تمتد من 75 إلى 90 مترًا في أكثر من 20 مدينة.

 

نوصي للقراءة: أحلام الإسكان الاجتماعي في مصر: وحدات لا تُسلَّم وأموال لا تعود


لماذا تقفز الأسعار رغم تعهدات الحكومة؟

يرى مدير السياسات بديوان العمران، إبراهيم عزالدين، أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار الوحدات، لا يُعد مفاجئًا، بل يمثل امتدادًا لنهج مستمر خلال العقد الأخير في مشروعات الإسكان الموجهة لمحدودي ومتوسطي الدخل، مثل “سكن لكل المصريين” و”دار مصر” وغيرها.

ويوضح “عز الدين” في حديثه إلى “زاوية ثالثة” أن السؤال الأهم يتعلق بأسباب هذا الارتفاع، مشيرًا إلى أن الدور الحكومي، ممثلًا في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وصندوق التنمية الحضرية، شهد تحولًا جوهريًا؛ إذ لم تعد الدولة تؤدي دور الضامن لتوفير السكن، بل باتت تتعامل مع القطاع العقاري باعتباره مجالًا استثماريًا يستهدف تحقيق العائد، بما يعني تحولها فعليًا إلى مستثمر ومطور عقاري.

ويضيف “عزالدين” أنه وفقًا للأرقام، حققت الجهات والشركات التابعة للحكومة إيرادات تُقدَّر بنحو 90 مليار جنيه من القطاع العقاري خلال عام (2019/2020) فقط، وهو ما يعكس تغلّب البعد الاستثماري على البعد الاجتماعي في سياسات الإسكان.

ويشير إلى أن هذا التوجه ينعكس سلبًا على الفئات المستحقة، لأن مستويات الأسعار الحالية لا تتناسب مع الدخول، خاصة في ظل أن شريحة واسعة من العاملين في مصر لا تحصل حتى على الحد الأدنى للأجور، ما يجعل هذه المشروعات بعيدة فعليًا عن محدودي ومتوسطي الدخل، موضحًا أن هذه الوحدات تحولت، في كثير من الأحيان، إلى هدف للمستثمرين، الذين يلجؤون إلى التحايل القانوني عبر التقدم بأسماء تنطبق عليها الشروط، ثم نقل الملكية لاحقًا، وهو ما يُفرغ هذه المشروعات من هدفها الأساسي.

وفيما يتعلق بالبدائل، يشدد عزالدين على ضرورة إعادة النظر في فلسفة التعامل مع ملف الإسكان، مؤكدًا أنه ينبغي ألا تنظر الدولة إلى نفسها كمطور عقاري، بل تعود إلى دورها كضامن للحق في السكن، وليس كطرف يسعى إلى تعظيم الإيرادات، مؤكدًا أن الحل لا يقتصر على زيادة المعروض من الوحدات، بل يتطلب توجيه السياسات بشكل أكثر دقة نحو المستحقين فعليًا، وهو ما وصفه بالتحدي المعقد في ظل تبني الدولة نهجًا استثماريًا.

ويدعو الباحث المختص بدراسات الإسكان، إلى ضرورة إجراء دراسات دقيقة لتحديد حجم الطلب الحقيقي على الإسكان، وتحليل مستويات الدخل بصورة واقعية، بما يضمن توجيه الدعم للفئات المستهدفة بكفاءة وعدالة، كذلك يطالب بأهمية الاستفادة من الثروة العقارية غير المستغلة، موضحًا أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة، وهو ما يستدعي تفعيل ومراجعة قانون الضرائب العقارية لدفع الملاك إلى إعادة طرح هذه الوحدات في السوق، ويشدد كذلك على ضرورة تشديد آليات الرقابة لمنع تسرب الوحدات إلى المستثمرين عبر التحايل، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

ويشير “عز الدين” كذلك إلى إمكانية تبني نماذج بديلة، مثل الإيجار المدعوم أو الإيجار التملكي، باعتبارها حلولًا أكثر مرونة تتناسب مع طبيعة دخول محدودي ومتوسطي الدخل، مؤكدًا أن تحقيق العدالة في ملف الإسكان يتطلب إعادة التوازن بين البعد الاستثماري والدور الاجتماعي للدولة، بحيث يكون الهدف الأساسي هو توفير سكن ملائم للمواطنين، وليس فقط تعظيم الإيرادات.

من جانبه، يقول الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد السياسي، إن هيئة التنمية العمرانية شهدت خلال الفترة الأخيرة تحولًا واضحًا في طبيعة طرحها للمشروعات السكنية، موضحًا أنها لم تعد تقتصر على شريحة بعينها، وباتت تقدم حزمة متنوعة من المبادرات التي تستهدف مختلف مستويات الدخل، بدءًا من محدودي الدخل مرورًا بمتوسطي الدخل وصولًا إلى الإسكان الفاخر.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن المبادرات المطروحة، مثل “سكن لكل المصريين” و”دارنا”، تعكس هذا التوجه نحو التنوع، إذ تضم وحدات لمحدودي ومتوسطي الدخل إلى جانب وحدات ذات طابع فاخر، مشيرًا إلى أن هذا التوسع يرتبط بشكل مباشر بارتفاع تكاليف البناء خلال السنوات الأخيرة.

ويوضح “العمدة “أن الزيادة الكبيرة في سعر الدولار، الذي ارتفع من نحو 15 جنيهًا قبل عامين أو ثلاثة إلى ما يقارب (50–55) جنيهًا حاليًا، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد البناء وعلى رأسها الحديد، أدت إلى زيادة ملحوظة في تكلفة تنفيذ المشروعات السكنية.

ويلفت إلى أن دخول المطورين العقاريين كشركاء في هذه المشروعات يفرض بطبيعة الحال ضرورة تحقيق هامش ربح، مؤكدًا أن “المطور العقاري لا يمكن أن يعمل دون تحقيق عائد، وبالتالي فإن عنصر الربحية أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة التسعير”.

وفي المقابل، يعتبر أن الميزة الأهم التي توفرها هذه المبادرات تتمثل في إتاحة التمويل العقاري بشروط ميسرة، حيث يمكن للمواطن الحصول على وحدة سكنية بنظام تقسيط يمتد إلى 20 عامًا، وبفائدة منخفضة تصل إلى نحو 8%، وهو ما وصفه بأنه “ميزة لا تتوافر في السوق العقارية التقليدية”.

ويوضح أستاذ الاقتصاد أن ارتفاع سعر الوحدة قد يبدو ملحوظًا، إلا أن توزيعه على فترة سداد طويلة يقلل من عبئه الفعلي على المواطن، مؤكدًا أن هذه الآلية تجعل الوحدات أكثر قابلية للتحمل مقارنة بالطرح الحر، متوقعًا أن يظل الإقبال على هذه المشروعات مرتفعًا، نظرًا لأن المطورين العقاريين خارج إطار المبادرات الحكومية يقدمون فترات سداد أقصر وبفوائد تقترب من أسعار الفائدة البنكية المرتفعة، ما يجعل البدائل أقل جاذبية.

ويعتبر أستاذ الاقتصاد السياسي أن الحصول على وحدة سكنية ضمن المبادرات الحكومية يمثل في حد ذاته شكلًا من أشكال الدعم غير المباشر، في ظل التسهيلات التمويلية المقدمة، والتي تظل العامل الحاسم في جذب المواطنين لهذه المشروعات، بحد قوله.

 

نوصي للقراءة: حكايات من بيوت تنتظر السقوط.. أين ذهبت أولويات الدولة؟


هل ماتزال مبادرات الإسكان لكل المصريين؟

يرى الخبير الاقتصادي ورئيس “مركز العاصمة للدراسات والأبحاث، خالد الشافعي أن مبادرة “سكن لكل المصريين”، وخاصة الطرح الأخير سجلت ارتفاعًا كبيرًا، لا يتوافق مع أهدافها الرئيسية التي تقوم في الأساس على توفير سكن كريم لمحدودي الدخل.

ويقول “الشافعي” لـ”زاوية ثالثة” إنه يتوجب على الحكومة إعادة النظر في هذا التخطيط، وكذلك في الرؤية والاستراتيجية الخاصة بتوفير سكن كريم لكل مواطن يعيش في مصر، وتضع بدائل واضحة، تراعي بشكل حقيقي البعد الاجتماعي، بحيث يكون هناك جزء من السياسات يندمج مع مبادرات “حياة كريمة”، لتحقيق نوع من التجانس والتواصل الدائم بين الحكومة والمواطن المصري.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن المواطن يريد سكنًا كريمًا وآمنًا، في حدود إمكانياته، لذلك مطلوب من الحكومة أن تضع رؤية متكاملة للإسكان الاجتماعي، بحيث تستهدف الفئات محدودة الدخل، مع الأخذ في الاعتبار وجود فئات أخرى من متوسطي ومرتفعي الدخل، وبالتالي يجب أن تطرح برامج متعددة، ووحدات سكنية قادرة على تلبية احتياجات جميع فئات المجتمع المصري.

ويعتقد “الشافعي” أن منظومة الإسكان في مصر تحتاج إلى إعادة فلترة، وإعادة وضع رؤية متكاملة تشمل تقسيم الفئات (أ، ب، ج، د)، وتحديد شكل العمارات، وعدد الوحدات في كل عمارة، وعدد الشقق، والارتفاعات، مشيرًا إلى أن الهدف من ذلك ليس منافسة المطورين العقاريين أو القطاع الخاص، ولكن إيجاد آلية تضمن لكل فئة من المجتمع الحق في الحصول على سكن ملائم، سواء من خلال الحكومة أو وزارة الإسكان أو المطورين المتعاقدين.

ويضيف: “هذا النموذج غير موجود حاليًا بالشكل الكافي، وقد آن الأوان لتوفيره، يجب أن يكون هناك طرح واضح ومتكامل يشمل كافة المشروعات، مثل “بيت الوطن” وغيرها، ضمن رؤية شاملة لكل المناطق الجديدة والمتاحة، سواء في المدن الجديدة أو في عواصم المحافظات والأقاليم المختلفة”.

كذلك يؤكد “الشافعي” أن تحقيق هذا التوازن سيسهم أيضًا في الحد من تدخل السماسرة، والقضاء على من يتاجرون بمبادرات الدولة ويرفعون الأسعار بشكل عشوائي لتحقيق مكاسب على حساب المواطن والوطن. لذلك، فإن التحرك في هذا الاتجاه أصبح ضرورة ملحة.

يتفق الباحث الاقتصادي المختص بالعقار، وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع أحمد أبو علي، أن الطرح الأخير ضمن مبادرة “سكن لكل المصريين” شهد بالفعل ارتفاعًا ملحوظًا في مستويات الأسعار، بما يفوق إلى حد كبير القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين الراغبين في الاستفادة من هذه المشروعات.

ويوضح في حديثه إلى “زاوية ثالثة” أن هذه التطورات تطرح تساؤلات جوهرية بشأن جوهر سياسة الإسكان الاجتماعي، التي يفترض أن تستند إلى ضمان الحق الدستوري للمواطن في الحصول على سكن ملائم بتكلفة ميسرة تقترب من سعر التكلفة، لا أن تتحول إلى آلية تثقل كاهل محدودي ومتوسطي الدخل.

ويعتبر ” علي” أن تبني منطق الاستثمار في قطاع الإسكان ليس مرفوضًا في حد ذاته، لكنه يجب أن يظل محصورًا في المشروعات ذات الطابع الاستثماري، مثل الإسكان الفاخر أو المتوسط، بما يسمح للدولة بتعويض جزء من نفقاتها، ومن ثم إعادة توجيه هذا الفائض لدعم مشروعات الإسكان الاجتماعي الموجهة للفئات الأكثر احتياجًا.

ويشير المحلل الاقتصادي إلى أن التحديات الراهنة انعكست بوضوح على معدلات الإقبال، حيث شهدت العديد من الطروحات الأخيرة ضعفًا نسبيًا في الطلب، سواء في نماذج التمليك التقليدية أو في الطروحات المرتبطة بفكرة الإيجار التملكي، فضلًا عن الطروحات التي تسمح بدخول القطاع الخاص كشريك في تنفيذ مشروعات الإسكان.

ويحذر من أن اتساع دور المطورين العقاريين دون ضوابط واضحة قد يؤدي إلى تسعير مبالغ فيه، يغيب عنه البعد الاجتماعي، وهو ما يهدد بتعميق أزمة الإسكان بدلًا من معالجتها، ويقوض فرص الوصول إلى حلول حقيقية تلبي الاحتياجات الفعلية للمواطنين.

كذلك يلفت إلى أن عددًا كبيرًا من الوحدات السكنية التي طرحتها الدولة في مشروعات مختلفة لا يزال مغلقًا أو غير مستغل، نتيجة ارتفاع تكلفتها وشروط التعاقد عليها، وهو ما يضع علامات استفهام حول مدى توافق هذه الطروحات مع مفهوم الإسكان الاجتماعي، الذي يفترض أن يكون في متناول الفئات المستهدفة، لا بعيدًا عنها.

من يبني الإسكان في مصر؟

قدم التقرير السنوي لمرصد العمران الصادر مؤخرًا تحت عنوان: “من يبني الإسكان في مصر 2024″، قراءة تحليلية لخريطة مشروعات الإسكان في مصر، سواء التي يمولها وينفذها القطاع العام أو مشروعات القطاع الخاص.

بحسب التقرير بلغ إجمالي الوحدات السكنية التي تم بناؤها خلال العام حوالي 1.165 مليون وحدة، مسجلاً انخفاضًا بنسبة 13% مقارنة بالعام السابق، فيما سيطر القطاع الخاص غير الرسمي (ممثلًا في الأفراد والمقاولون غير المرخصين) على السوق بقوة، بتنفيذ نحو مليون وحدة، أي ما يمثل 86% من إجمالي الإنتاج السكني.

أما القطاع العام (الحكومي) فقد ساهم بـ82.7 ألف وحدة فقط (7%)، بينما لم يتجاوز نصيب القطاع الخاص الرسمي (شركات التطوير العقاري) 76.2 ألف وحدة (6.5%). ويُعد هذا أدنى مستوى للإنتاج الرسمي (الذي يشمل القطاع العام والخاص المرخص) خلال السنوات الخمس الأخيرة.

رغم الانخفاض، أشار التقرير إلى أن متوسط الإنتاج السكني السنوي في مصر ظل مستقرًا عند حوالي مليون وحدة على مدار العقد الماضي، فيما أشار إلى وجود فائض في المعروض من الوحدات السكنية، إذ يفوق عدد الوحدات المنشأة عدد الزيجات الجديدة بنسبة 18% في المتوسط، أي فائض سنوي يقارب 185 ألف وحدة.

وفيما يتعلق بالقطاع العام، قسم التقرير إنتاجه بين الإسكان الاجتماعي (المدعوم) والإسكان الاستثماري (هادف للربح)، وعلى مدار السنوات العشر الماضية، بلغ متوسط الإسكان الاجتماعي 74 ألف وحدة سنويًا مقابل 26 ألف وحدة استثمارية، أما في (2024/2023)، فقد عاد الإسكان الاجتماعي ليشكل النسبة الأكبر (72%) من إنتاج القطاع العام، بينما ارتفع نصيب الإسكان الاستثماري تدريجيًا.

وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، فيبرز التقرير أن 88% من الإسكان الرسمي تم تنفيذه في المدن الجديدة، مقابل 12% فقط في المدن والقرى القائمة، ويصل هذا التركيز إلى 98% في الإسكان الاجتماعي، حيث لم يُنفذ سوى 1440 وحدة اجتماعية فقط داخل العمران القائم. ويعزو التقرير ذلك إلى توفر الأراضي في المدن الجديدة، بالإضافة إلى سياسات تقييد التراخيص وتشديد الاشتراطات في المناطق القائمة منذ (2020-2021).

وأكد التقرير أن القطاع غير الرسمي (الأهلي) لا يزال اللاعب الأكبر في توفير السكن في مصر رغم كل الجهود المبذولة للسيطرة عليه، كذلك أوصى بإعادة النظر في السياسات الحالية لدمج هذا القطاع، والاستفادة من المخزون الفائض من الوحدات، وتوجيه الموارد نحو احتياجات أكثر أهمية.

من جانبه، يقول الخبير بسياسات الإسكان ومدير مرصد العمران يحيى شوكت، إن إن الطرح المرتقب للوحدات السكنية يُعد طرحًا استثنائيًا، موضحًا أنه سيتم الإعلان عنه من قبل المطورين العقاريين كلٌ على حدة، وفقًا لمدى إقبالهم على المشاركة، وذلك بالتوازي مع الطروحات التي يقدمها الصندوق.

ويوضح في حديثه مع “زاوية ثالثة” أن قيم مقدمات الحجز تمثل العنصر الأهم بالنسبة للمتقدمين، لافتًا إلى أنها ستكون أعلى في طروحات المطورين مقارنة بإعلانات الصندوق، متوقعًا أن تتراوح بين 30% و50% من قيمة الوحدة، مقابل نحو 20% إلى 40% في طروحات الصندوق، وهو ما يشكل عائقًا حقيقيًا أمام محدودي الدخل.

ويشير إلى أن معالجة هذه الفجوة تتطلب تدخلًا مباشرًا من خلال توفير دعم نقدي يغطي قيمة المقدم، سواء بشكل كامل أو جزئي، بدلًا من قصر الدعم على ثمن الوحدة فقط، أو الجمع بين الأمرين، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص بين المتقدمين من محدودي الدخل.

ويشدد الخبير المختص بدراسات العمران على ضرورة وضع ضوابط عادلة للمقدمات، مقترحًا ألا يتجاوز الحد الأقصى لها ضعفي الدخل السنوي للمتقدم، موضحًا أن تساوي الدخول وفق الشروط الحالية لا يعني بالضرورة تساوي القدرة الفعلية على السداد، في ظل تفاوت الثروات والمدخرات بين الأفراد.

كذلك يوضح أن بعض المتقدمين قد يعتمدون على مدخراتهم أو أصولهم أو دعم عائلي لتدبير مقدم الحجز، وهو ما يخلق تفاوتًا غير عادل في فرص الحصول على الوحدات السكنية، مؤكدًا أن إعادة هيكلة منظومة المقدمات والدعم أصبحت ضرورة لضمان عدالة الوصول إلى السكن.

 

نوصي للقراءة: رغم التكلفة العالية… لماذا أخفقت المدن العمرانية الجديدة في جذب السكان؟

ومن يموله؟

تعتمد المشروعات إلى حد كبير على بيع الوحدات، وقد خصصت الحكومة المصرية 390 مليار جنيه في 2020 لبرنامج الإسكان الاجتماعي، مع إنفاق سنوي متوسط يبلغ حوالي 8.3 مليار جنيه على مدار سبع سنوات مالية. يتكون هذا التمويل من 40% أموال حكومية مباشرة، 24% من إيرادات بيع الوحدات السكنية، و17% من القروض المحلية. كما قدم البنك المركزي المصري دعمًا كبيرًا من خلال تخصيص 20 مليار جنيه في 2014 و20 مليار جنيه إضافية في 2019 لتمويل الرهون العقارية بأسعار فائدة منخفضة، مما ساعد في توفير وحدات سكنية بأسعار معقولة للأسر ذات الدخل المنخفض.

من الخارج، يُعتبر البنك الدولي أحد أبرز المساهمين في تمويل مشروعات الإسكان الاجتماعي في مصر. في عام 2015، قدم البنك الدولي قرضًا بقيمة مليار دولار أمريكي لدعم برنامج الإسكان الاجتماعي ضمن مشروع “التمويل الإسكاني الشامل للنتائج”، والذي ركز على تقديم دعم مالي للأسر ذات الدخل المنخفض وتعزيز مبادرات مثل نظام الهرم الأخضر للتقييم البيئي. كما وافق البنك الدولي في مارس 2020 على تمويل إضافي بقيمة 500 مليون دولار لتوسيع نطاق صندوق الإسكان الاجتماعي والتمويل الإسكاني، مع تشجيع مشاركة القطاع الخاص في هذه المشروعات.

وتتولى وزارة الإسكان، المرافق، والمجتمعات العمرانية إدارة هذه الأموال من خلال صندوق الإسكان الاجتماعي، الذي ينسق التمويل والتنفيذ. يتعاون الصندوق مع عدة جهات، مثل صندوق الضمان والدعم لتدقيق الطلبات وتخصيص الدعم، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لبناء الوحدات، والجهاز المركزي للتعمير، وإدارات الإسكان بالمحافظات. كما يلعب البنك المركزي المصري دورًا من خلال تقديم قروض بأسعار فائدة منخفضة.

وأخيرًا تكشف المعطيات الراهنة، تتضخم الفجوة تدريجيًا بين الهدف المُعلن للمبادرات الحكومية، والمتمثل في توفير سكن ملائم لمحدودي ومتوسطي الدخل، وبين الواقع الذي يعكس ارتفاعًا متسارعًا في الأسعار، وتزايدًا في الاعتماد على آليات السوق والمطورين العقاريين.

وبينما تُظهر البيانات توسعًا في الإنتاج السكني وتنوعًا في الفئات المستهدفة، فإن سيطرة القطاع غير الرسمي على النسبة الأكبر من البناء، وتركز المشروعات الرسمية في المدن الجديدة، إلى جانب ارتفاع مقدمات الحجز وتكاليف التمويل، كلها مؤشرات لا تعكس عدالة الوصول إلى السكن، وقدرة الفئات الأكثر احتياجًا على الاستفادة الفعلية من هذه البرامج.

 

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search