close

من يحمي المسيحيين من قانون المسيحيين؟

وافق مجلس الوزراء المصري على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بـ142 مادة تشمل الزواج والطلاق والحضانة والميراث، وسط جدل حول دور الكنيسة وغياب الحوار المجتمعي.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

وافق مجلس الوزراء المصري مؤخرًا على تعديلات، مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، تمهيدًا لإحالته إلى البرلمان لمناقشته والتصويت عليه، وبعد جدل أثير حول عدم نشر مسودة رغم الموافقة عليه، نشرت عددًا من المواقع الصحفية مسودة القانون الذي تضمن 142 مادة، إذ يتضمن عدد من البنود المحورية من بينها (الخطبة – الزواج – أسباب التطليق والبطلان ـ الانحلال المدني لبعض الطوائف ـ الحضانة – الرؤية – الإستزارة – الولاية التعليمية – النسب المفقود ـ المواريث)، وغيرها.

من جانبه، أوضح المستشار محمود حلمي الشريف وزير العدل، وفي تصريحات صحفية أن مشروع القانون يستهدف توحيد الإطار التشريعي المنظم لشؤون الأسرة بعد سنوات من الاعتماد على لوائح متعددة ومتباينة، مشيرًا إلى أنه يشمل أحكام  (الخطبة – الزواج – أسباب التطليق والبطلان ـ الانحلال المدني لبعض الطوائف ـ الحضانة – الرؤية – الإستزارة – الولاية التعليمية – النسب – المفقود ـ المواريث)، وغيرها.

وفي حين تؤكد الجهات الرسمية من بينها وزارة العدل أن مشروع القانون جاء نتيجة مشاورات ممتدة مع الطوائف المسيحية وممثلي الكنائس، يرى حقوقيون ومحامون وباحثون تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” أن الحوار لم يتخطى التشاور مع ممثلى الكنائس وأن غياب المسودة الكاملة يحول دون إجراء تقييم حقيقي لمضمونه، ويقوّض فكرة “الحوار المجتمعي الحقيقي” التي يُفترض أن تسبق إقرار تشريعات تمس الحياة الشخصية لملايين المواطنين.

وتصاعدت حدة الجدل مع ظهور ملامح أولية لبعض البنود، لا سيما المتعلقة بالطلاق، والزواج الثاني، والحضانة، والميراث، والتي أثارت انتقادات واسعة. ويرى متحدثون في هذا التقرير أن هذه البنود تعكس فلسفة تشريعية تمنح دورًا مركزيًا للمؤسسة الدينية، على حساب المسارات المدنية وحقوق الأفراد.

وتنص المادة 3 من الدستور المصري، على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية”، وكان مجلس الوزراء شكل لجنة قانونية برئاسة ممثل عن وزارة العدل، وعضوية ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية، وممثل عن الطوائف المسيحية، تختص بدراسة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، وإعداده في صورته النهائية؛ تمهيداً لاتخاذ اللازم في هذا الشأن.

وأوضح بيان مجلس الوزراء أنه تم عقد 35 اجتماعاً للجنة حتى 20 أبريل 2026، بحضور جميع الطوائف، ووضع مشروع القانون بعد سلسلة من الحوارات العميقة والموسعة مع ممثلي الطوائف المسيحية، وذلك من كبار القيادات الدينية ومستشاريها القانونيين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، للتوصل إلى صيغة قانونية توافقية روعي فيها عدم المساس بالمسائل العقائدية للطوائف المعنية بالقانون، وأن يكون المشروع شاملاً لجميع مسائل الأحوال الشخصية.

 

نوصي للقراءة: 550 مليار دولار على البنية التحتية في عشر سنوات.. الحكومة تبني والمطر يهدم


مسودة القانون

جاء الجدل حول مسودة مشروع القانون في الأساس بسبب غياب الحوار المجتمعي حوله قبل الموافقة عليه، رغم تأكيد الجهات الرسمية أن المسودة حازت على موافقة جميع الطوائف المسيحية

في هذا السياق، يرى إسحاق إبراهيم، مدير وحدة المساواة وعدم التمييز في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين لا يُعد شأنًا دينيًا فحسب، بل يرتبط أيضًا بالدستور والقانون وحقوق المواطنين، إلى جانب أبعاده الاجتماعية.

ويؤكد “إبراهيم”  لـ”زاوية ثالثة” أن أي تشريع في هذا السياق يجب أن يُطرح لحوار مجتمعي واسع يضم مختلف الأطراف المعنية، وتشارك فيه المنظمات الحقوقية والنسوية، إلى جانب نقابات المحامين والخبراء القانونيين، في مراحل إعداد القانون وتقييمه وتعديله، ويشدد على أن قصر النقاش على الحوار بين الكنيسة ووزارة العدل لا يرقى إلى مستوى “الحوار المجتمعي”، الذي يتطلب، في حدّه الأدنى، نشر مسودة القانون وإتاحة مناقشتها عبر جلسات تضم أصحاب الخبرات والتجارب ذات الصلة.

فيما يرى سعيد فايز، المحامي والباحث في القانون الجنائي، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، في مختلف مسوداته المتعاقبة حتى الآن، يكشف عن فلسفة تشريعية تركز على حل إشكاليات المؤسسة الكنسية، أكثر من معالجة مشكلات المواطنين أنفسهم.

ويشير، في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، إلى أن المسودات التي ظهرت منذ عام 2021 وحتى النسخ المتداولة مؤخرًا، اتسمت بغياب الشفافية، إذ ظل النص النهائي محصورًا بين جهات رسمية والكنيسة، دون إتاحته للنقاش العام أو حتى للمتخصصين.

ويوضح أن أحد أبرز ملامح هذه المسودات هو تقييد الانتقال بين الطوائف، مع الإبقاء على الاحتكام في بعض الحالات إلى قواعد مستمدة من لائحة الكنيسة الأرثوذكسية، حتى بالنسبة لأفراد ينتمون إلى طوائف أخرى. ويرى أن ذلك يطرح تساؤلات حول مدى دقة وصف القانون بأنه “موحد”، مشيرًا إلى أن بنيته تقوم على أبواب عامة إجرائية، تليها أبواب خاصة بكل طائفة، لا سيما في المسائل الخلافية مثل الطلاق.

ويرى أن مشروع القانون الجديد أيضًا لا يزال يحمي قرارات الكنيسة ويجعلها محصنة خاصة ما يتعلق بـ”الزواج الثاني”من الطعن القضائي، في ضوء سوابق قضائية شهدت تدخل المحاكم في هذا الملف، من بينها الأزمة التي أعقبت حكم حكم المحكمة الإدارية العليا 2008 الزواج الثاني، الذي ألزم الكنيسة بإصدار تصريح زواج ثانٍ، وهو ما قوبل برفض من البابا شنودة الثالث.

ويؤكد “فايز” أن غياب طرح مشروع القانون للنقاش المجتمعي يحرم المشرّع من الاستفادة من خبرات المتخصصين وتجارب المتضررين، ويزيد من احتمالات الطعن بعدم الدستورية. ويشدد على أن تطوير التشريعات”خاصة في مجال الأحوال الشخصية” يجب أن يستند إلى فهم حقيقي للتحولات الاجتماعية، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون حوار مجتمعي واسع. كما يؤكد على أن التعتيم على مشروع القانون يثير مخاوف من صدور نصوص غير مكتملة أو غير قابلة للتطبيق، في وقت يفترض أن يصدر قانون متوازن بين المرجعيات الدينية والحقوق القانونية للمواطنين.

ومن جانبها، ترى ماريان سيدهم، المحامية والباحثة القانونية،  أن غياب الحوار المجتمعي  لمسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين لا يُعد استثناءً، بل يأتي ضمن نمط أوسع في إدارة التشريعات في مصر، حيث تُطرح القوانين دون شفافية كافية أو تقييم حقيقي لفعاليتها.

وتقول في حديثها لـ”زاوية ثالثة”  إن المشكلة لا تتعلق فقط بمرحلة إصدار القانون، بل بكل المراحل السابقة عليه، التي يفترض أن تضمن جودة التشريع وقدرته على معالجة مشكلات قائمة. وتضيف أن غياب معايير واضحة لتقييم أثر القوانين، أو لقياس مدى استجابتها لاحتياجات المواطنين ومؤسسات العدالة، يجعل كثيرًا من هذه التشريعات غير فعّالة في التطبيق.

وفي ما يخص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، تشير سيدهم إلى خصوصية العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، إذ يُترك تنظيم هذا الملف إلى القيادات الكنسية، ما يقلل من مساحة النقاش العام حوله، وترى أن هذا الترتيب يريح الطرفين؛ الدولة من جهة، والمؤسسة الكنسية من جهة أخرى، لكنه يأتي على حساب الاستماع إلى المواطنين أنفسهم وفهم مشكلاتهم الفعلية.

توسع دور المؤسسة الدينية

شهدت قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر تطورات متعددة على مدار أكثر من قرن، إلا أن الإشكاليات الأساسية لا تزال قائمة. فمنذ عصر المجالس الملية في أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بلائحة 1938 التي أصدرتها الكنيسة، ثم تعديلات عام 1955، وصولًا إلى لائحة 2008، ظل تنظيم هذه المسائل قائمًا على أطر لائحية متفرقة دون وجود قانون موحد لكل هذه المسائل.

وتفاقمت الأزمة مع لائحة 2008،التي نشرت في الوقائع المصرية في العدد 126، وتضمنت تعديل لأسباب الطلاق ووضعت خمسة أسباب فقط بخلاف لائحة 38 التى نصت على  تسعة أسباب، قاصرة الأمر على “الزنا أو تغيير الدين”.

من جهتها، ترى ماريان سامي الباحثة والكاتبة الصحفية، أن غياب الشفافية حول مشروع القانون، وعدم طرحه للنقاش المجتمعي، يكشفان عن إشكاليتين أساسيتين: الأولى أن تمثيل المسيحيين في مصر لا يزال يُدار عبر المؤسسة الدينية، والثانية أن الدولة تتعامل مع ملايين المواطنين المسيحيين من خلال القيادات الكنسية، لا باعتبارهم أفرادًا أصحاب حقوق مدنية مستقلة.

وتقول لـ لـ”زاوية ثالثة” أن هذا النهج، رغم ما يبدو فيه من حماية للحقوق الدينية، يحمل أثرًا سلبيًا واضحًا، إذ يعزز التعامل مع المسيحيين كجماعة دينية، لا كمواطنين متساوين أمام القانون، خاصة في ما يتعلق بقانون ينظم تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد. ما قد يؤدي إلى إهدار الحقوق المدنية التي يفترض أن تكفلها الدولة لجميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.

وتصف “ماريان” الوضع بأنه يشير إلى ” تغول” المؤسسة الدينية، يقابله تراجع من الدولة عن دورها في حماية الحقوق المدنية. وترى أن غياب الحوار المجتمعي ” الحقيقي” يرتبط أيضًا بنظرة داخل المؤسسة الكنسية تعتبر أن المواطنين المسيحيين، خصوصًا العلمانيين، ليسوا طرفًا في صناعة القرار.

وتشير إلى أن هذا الإقصاء ليس جديدًا، بل يمتد إلى عقود، منذ ما بعد عام 1952، حين تراجع دور العلمانيين في إدارة شؤون الكنيسة، بعد أن كانوا فاعلين من خلال “المجلس الملي”. وتوضح أنه حتى مع إعادة تفعيل المجلس في عهد البابا شنودة الثالث، ظل خاضعًا لتوازنات داخلية تحد من استقلاله، في سياق تاريخي من التوتر بين التيار العلماني والرهباني حول تمثيل المسيحيين أمام الدولة.

وتلفت إلى أن «لائحة 1938» التي وضعها مجلس ملي ذي طابع مدني، تضمنت أسبابًا متعددة للطلاق، مثل العنف واستحالة العشرة والإدمان والسجن، وهي، بحسب وصفها، تعكس فهمًا واقعيًا لمشكلات الحياة الزوجية. وتضيف أن الجدل حول هذه اللائحة يعكس في جوهره صراعًا على السلطة، أكثر منه خلافًا دينيًا بحتًا.

وفيما يتعلق بالوضع الراهن، ترى ماريان أن المؤسسة الكنسية لا تبدي رغبة حقيقية في إشراك المواطنين في نقاش عام، بل تنظر إليهم بوصفهم “رعايا”، بينما تتبنى الدولة هذا التصور، ولا تسعى إلى إقرار مسار مدني موازٍ يتيح للأفراد إدارة شؤونهم الشخصية بعيدًا عن سلطة المؤسسة الدينية.

وتعتبر أن منح الأفراد حرية أوسع في مسائل الأحوال الشخصية قد يُنظر إليه داخل المؤسسة الكنسية كتهديد لنفوذها، خاصة أن هذه المؤسسة تملك سلطة واسعة على قرارات الزواج والطلاق والزواج الثاني. وتنتقد بعض الخطابات التي تقلل من شأن العنف الزوجي، أو تضع معايير مرتفعة للغاية للاعتراف به كسبب للطلاق، متسائلة عن مدى عدالة ذلك بالنسبة للنساء.

كما تطرح ماريان تساؤلات أوسع تتعلق بالإطار الدستوري، معتبرة أن تقسيم المواطنين على أساس ديني في بعض المواد الدستورية يكرّس هذا النمط من الإدارة، ويؤثر على طبيعة القوانين المنظمة للأحوال الشخصية.

 

نوصي للقراءة: 30 ألف باحث يستغيثون: تخصيص أراضي مركز البحوث الزراعية لـ”مستقبل مصر” يهدد الأمن الغذائي

مشروع القانون تثير تساؤلات وانتقادات

تضمنت مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين الجديد، تعديلات على تنظيم العلاقة الزوجية، إذ ينص على إمكانية إلحاق بنود تعاقدية بالزواج، تشمل شروطًا تتعلق بعمل الزوجة أو الالتزامات المالية، بما يتيح”حال الإخلال بها” اللجوء إلى القضاء بطلب الطلاق أو التعويض. وفي ملف إنهاء العلاقة الزوجية، يُبقي المشروع على مرجعية كل كنيسة في الطلاق، مع توسيع مفهوم “الزنا” ليشمل صورًا مختلفة من الخيانة، وتقسيم إنهاء الزواج إلى البطلان والانحلال والتطليق، إلى جانب تحديد حالات لبطلان العقد، مثل إخفاء أمراض أو تقديم مستندات غير صحيحة، فضلًا عن  استحداث مواد للطلاق لم تكن موجودة في القانون الحالي من بينها الإلحاد.

كذلك يتضمن المشروع بنودًا لتنظيم النزاعات، من بينها عدم الاعتداد بتغيير الملة أو الطائفة كوسيلة للتحايل القانوني، مع الإبقاء على دور الكنيسة في منح تصاريح الزواج الثاني، حتى في حال صدور أحكام قضائية بالطلاق. ويضع القانون ضوابط صارمة للزواج مرة أخرى بعد الطلاق، إذ يحظر زواج من تم تطليقه لعلة الزنا، أو غيّر ديانته، أو انتقل إلى طائفة أخرى، إلا بعد الحصول على تصريح من الكنيسة، وفقًا لقواعدها. وعلى صعيد الحقوق المالية والأسرية، ينص على مبدأ المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، إلى جانب تنظيم مسائل النفقة والحضانة، واستحداث آليات مثل “الاستزارة” والرؤية الإلكترونية. فضلًا عن جعل الأب في الترتيب الثاني للحضانة مع إبقاء سن الحضانة عند 15 عام.

وفيما يتعلق بتنظيم الزواج والطلاق، يرى إسحاق إبراهيم،  أن فلسفة القانون ينبغي أن تقوم على ضمان حقوق متساوية لطرفي العلاقة الزوجية، سواء خلال قيامها أو عند إنهائها. كما ينتقد استمرار منح الكنيسة سلطة شبه مطلقة في تنظيم زواج المسيحيين، معتبرًا أن ذلك يحرم المتضررين من وجود مسارات مدنية بديلة يمكن اللجوء إليها.

أما فيما يخص إسقاط الحضانة عن الطرف الحاضن في حال زواجه، لا سيما الأم ،  يصفه إسحاق بأنه إجراء غير مبرر، ولا يستند إلى أساس قانوني أو واقعي، إذ ترتبط الحضانة، في جوهرها، بعنصري الرعاية والعاطفة. ويؤكد أن الأصل هو بقاء الحضانة مع الأم، بغض النظر عن حالتها الاجتماعية، طالما لم تتأثر حقوق الطفل، مشددًا على أن “مصلحة الطفل الفضلى” يجب أن تظل المعيار الحاكم في جميع الأحوال.

وفي ملف الميراث، يوضح إبراهيم أن اللوائح الكنسية تقر بالفعل مبدأ المساواة، إلا أن الإشكال كان يكمن في القانون المدني، الذي كان يشترط موافقة جميع الورثة لتطبيق الشريعة المسيحية. وفي حال اعتراض أحدهم، كان يُلجأ إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وفي ضوء المادة الثالثة من الدستور، التي تدعم تطبيق شرائع غير المسلمين في مسائل الأحوال الشخصية، مع إقرار القانون الجديد بالمساواة في الميراث لا يتوقع تعارضًا مستقبليًا في هذا الشأن.

وينتقد المحامي والباحث القانوني سعيد فايز بعض البنود المتداولة، مثل النص على جواز التفريق حال “ثبوت الإلحاد”، متسائلًا عن آليات الإثبات القانونية، وتداعيات ذلك على الوضع القانوني للفرد لاحقًا، خاصة في ظل غياب إطار قانوني للزواج المدني في مصر. ويشير إلى أن هذا يخلق إشكاليات عملية، إذ قد يجد الشخص نفسه خارج أي منظومة قانونية تتيح له تكوين أسرة بشكل معترف به.

وفيما يتعلق بأسباب الطلاق، يشير إلى استمرار الاعتماد على مفهوم “الزنا” كسبب رئيسي، مع إدخال ما يُعرف بـ”الزنا الحكمي”، الذي يوسّع نطاق التفسير ليشمل سلوكيات لا ترقى إلى المفهوم التقليدي. ويرى أن هذا التطور يعكس محاولة لمواكبة التحولات الاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تفسيرات فضفاضة قد تُستخدم بشكل إشكالي. كما ينتقد النصوص التي تحظر الزواج الثاني في بعض الحالات، حتى بعد وقوع الطلاق، معتبرًا أن ذلك قد يضع الأفراد في أوضاع قانونية واجتماعية معقدة، خاصة في غياب بدائل مدنية.

شروط أكثر تعسفًا

وفقًا لورقة بحثية بعنوان “معضلات قانون الأحوال الشخصية في مصر: واقع يُكرّس التمييز ويُهمّش حقوق النساء والأطفال”، صادرة عن مركز الإنسان والمدنية للأبحاث الإنسانية والاجتماعية، شهد تنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر تعددًا في المرجعيات القانونية، حيث يُنظَّم الزواج والطلاق وفق لوائح الطوائف المسيحية الرئيسية: الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، إلى جانب الإطار القانوني العام. وتُطبق هذه اللوائح في ضوء القانون رقم 1 لسنة 2000، مع اشتراط اعتراف الدولة بالطائفة قبل عام 1955 وعدم تعارض لوائحها مع النظام العام، وهو ما يضع حدودًا لتطبيق الشريعة المسيحية ويجعلها محصورة في نطاق ضيق يتعلق أساسًا بالأحوال الشخصية.

وأوضحت الورقة أن التداخل بين لوائح الطوائف والقانون المدني والدستور أدى إلى حالة من عدم الاتساق في التطبيق القضائي، خاصة في قضايا الزواج والطلاق والميراث. وطرحت الورقة انتقادات تتعلق بوجود قيود صارمة على الطلاق داخل بعض الطوائف، إذ يُحصر في حالات محددة أبرزها الزنا، مع تفسير موسّع له في بعض اللوائح ليشمل صورًا من السلوك الإلكتروني أو العلاقات غير الجسدية. كما لا يتيح النظام القانوني للمسيحيين بدائل مثل الخلع، ما يضع بعض النساء في أوضاع قانونية معقدة عند تعذر استمرار الحياة الزوجية.

وتشير بعض الإشكاليات المطروحة في الورقة إلى تأثر وضع المرأة المسيحية بهذه القيود، سواء داخل الطائفة أو في حالات الزواج المختلط، حيث تُطبق أحكام الشريعة الإسلامية في بعض المسائل مثل الحضانة والميراث عند اختلاف الدين. كما أن الانتقال الديني قد يترتب عليه آثار قانونية معقدة على الأسرة والأبناء. ويُنظر إلى هذا التداخل بين المرجعيات القانونية والدينية باعتباره أحد أسباب استمرار الجدل حول الحاجة إلى إطار قانوني أكثر وضوحًا وتوحيدًا، يضمن قدراً أكبر من الاستقرار والعدالة في تنظيم العلاقات الأسرية.

من جهتها تلفت ماريان سيدهم، إلى أن شعور بعض المسيحيين بأنهم “أقلية” قد يدفع إلى تبني مواقف أكثر تحفظًا تجاه إتاحة خيارات مثل الطلاق أو الزواج المدني، وهو ما انعكس بالفعل على طبيعة التشريعات المقترحة. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى وجود تفسيرات لاهوتية داخل الكنيسة نفسها أكثر مرونة في ما يتعلق بالطلاق، جرى طرحها في فترات سابقة.

وتقارن ماريان بين الوضع في مصر ودول أخرى تتيح الزواج المدني، حيث يمتلك الأفراد بدائل قانونية خارج الإطار الديني، ما يسمح لهم بتجاوز القيود المفروضة داخل المؤسسات الدينية، وهو ما تفتقده الحالة المصرية. كما تتطرق إلى بعض التداعيات الاجتماعية، مثل لجوء بعض الأفراد إلى تغيير الديانة أو التحايل القانوني للخروج من زيجات متعثرة، معتبرة أن غياب حلول قانونية عادلة يدفع إلى مسارات أكثر تعقيدًا، قد تفتح الباب لانتهاكات أو استغلال.

وفي ما يتعلق ببنود القانون المتداولة، تشير إلى أن ما تم تسريبه لا تعتبر تغييرات جوهرية، خاصة في ملف الطلاق، الذي لا يزال مقيدًا بشروط صارمة. وتنتقد إدخال مفاهيم مثل “الزنا الحكمي” أو إضافة أسباب مثيرة للجدل مثل الإلحاد أو الميول الجنسية، متسائلة عن آليات إثباتها وتأثيرها الاجتماعي، وما قد تخلقه من وصم إضافي للأفراد.

وتؤكد أن كثيرًا من القيود المقترحة، سواء في الطلاق أو الزواج الثاني، قد تدفع الأفراد إلى البحث عن طرق بديلة للالتفاف عليها، كما حدث سابقًا في قضايا تغيير الملة، معتبرة أن التضييق القانوني لا يلغي المشكلة بل يعيد إنتاجها في صور أخرى.

وتنتقد ماريان  استمرار خضوع الزواج الثاني لموافقة الكنيسة، واصفة الإجراءات المرتبطة به بأنها تمس كرامة الأفراد، خاصة مع تدخل المؤسسة في تفاصيل شخصية. كما تعترض على إسقاط الحضانة في حال زواج الطرف الحاضن، معتبرة أن ذلك يضر بمصلحة الطفل ولا يستند إلى منطق قانوني سليم. كما تثير تساؤلات حول بعض البنود المتعلقة بتنظيم تفاصيل مثل عمل المرأة أو تعليمها ضمن عقد الزواج، معتبرة أنها قضايا محسومة في الواقع الاجتماعي، ولا ينبغي تقييدها بنصوص تعاقدية جامدة.

وفي ختام حديثها، تشدد سيدهم على أن غياب البيانات والدراسات التي تستند إليها هذه المواد يطرح علامات استفهام حول جدواها، مؤكدة أن أي تشريع فعال يجب أن يُبنى على فهم دقيق للمشكلات التي يسعى إلى حلها، لا أن يضيف قيودًا جديدة دون مبرر واضح.

أما ماريان سامي الكاتبة الصحفية، تنتقد حذف باب “التبني” الذي كان منصوصًا عليه في لائحة 1938، معتبرة أن ذلك تم دون نقاش مجتمعي كافٍ، رغم أن التبني ليس محظورًا دينيًا في المسيحية. وترجّح أن يكون هذا الحذف مرتبطًا بتعقيدات قانونية أوسع، لكنها ترى أن المؤسسة الدينية لم تدافع بما يكفي عن إدراجه.

وتؤكد على الحاجة إلى وجود قانون مدني موازٍ، يتيح للمواطنين المسيحيين تنظيم شؤون الزواج والطلاق عبر القضاء، بعيدًا عن القيود الدينية، مشيرة إلى أن بقاء سلطة الكنيسة في منح تصاريح الزواج الثاني يعني استمرار الأزمة، حتى في حال حصول الأفراد على أحكام قضائية بالطلاق.

وفيما يتعلق بملف الميراث، تشير ماريان  إلى أن مبدأ المساواة بين الذكور والإناث ليس مستحدثًا، بل هو قائم بالفعل في اللوائح الكنسية السابقة، واستند إليه مواطنون في الحصول على أحكام قضائية تقر هذا الحق. 

وتوضح ماريان أن الدستور المصري الصادر عام 2014، وكذلك القانون رقم 1 لسنة 2000، ينصان على خضوع المسيحيين واليهود في مصر لشريعتهم في مسائل الأحوال الشخصية، بما في ذلك الميراث. إلا أن التطبيق القضائي في بعض الحالات يظل محل إشكال، في ظل استمرار تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية استنادًا إلى قوانين سابقة، من بينها قانون المواريث الصادر عام 1943 وبعض أحكام القانون المدني، بما يؤدي إلى تداخل في المرجعيات القانونية.

وفي حالات ميراث المسيحيين، قد يحدث تعارض بين تطبيق الشريعة المسيحية والقانون العام، خاصة إذا لم يتفق الورثة جميعًا على الاحتكام إلى الشريعة المسيحية، أو في حال لجوء أحد الأطراف إلى المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وفي هذه الحالة، تُثار إشكاليات تتعلق بترجيح المرجعية القانونية الواجب تطبيقها، وما إذا كان يُعتد بالإجماع العائلي أو بالقانون العام المنظم للمواريث. متسائلة حول جدوى إعادة النص على المساواة دون معالجة هذا التعارض، أو وضع آليات واضحة تضمن توحيد التطبيق القضائي.

الورقة البحثية أوضحت كذلك، أن النساء المسيحيات في مصر تعاني من صعوبات ملحوظة في الحصول على الطلاق، تتمثل في تضييق أسباب الخلع وحصرها في ” الزنا” وعدم إمكانية اللجوء إلى الخلع كما هو الحال في الشريعة الإسلامية، كما أن تغيير الديانة أو الطائفة لا يضمن لهن الحصول على الطلاق بسهولة. وتضطر بعضهن إلى التحول إلى الإسلام للحصول على الطلاق، لكن العودة إلى المسيحية لاحقًا يعرضهن لمشكلات إدارية وقانونية واجتماعية كثيرة.

وأشارت أن  هذه القيود تأتي في سياق أوسع من التحديات التي تواجه النساء المسيحيات، إذ يتقاطع العنف الأسري “الجسدي والنفسي والاقتصادي” مع قيود دينية وقانونية على إنهاء الزواج أو إعادة الزواج. كما تبرز إشكاليات إضافية في حالات الزواج المختلط، حيث تُطبق قواعد الشريعة الإسلامية في مسائل مثل الحضانة والولاية والميراث، بما قد يؤثر على حقوق المرأة والأطفال في بعض الحالات. ويؤدي هذا التداخل بين المرجعيات القانونية والدينية إلى تعقيد الأوضاع الأسرية، ويفتح نقاشًا مستمرًا حول الحاجة إلى منظومة أكثر اتساقًا تضمن الحماية القانونية المتساوية.

في ظل هذا الجدل المتصاعد، يظل مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين معلقًا بين وعود التوافق ومخاوف الإقصاء، وبين اعتبارات دينية وحقوق مدنية لم تُحسم بعد. فغياب الشفافية، واستمرار حصر النقاش داخل دوائر  يطرح شكوكًا أعمق بشأن آليات التشريع، وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن المشروع جاء ثمرة حوار ممتد، يرى منتقدوه أن أي قانون لا يُبنى على مشاركة حقيقية وعلنية يظل عرضة للرفض المجتمعي والطعن القانوني. 

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search