close

فائض خريجين أم فشل تخطيط؟ تقليص التكليف يفتح أزمة جديدة في المنظومة الصحية

أكثر من 60% من الأطباء المصريين يعملون خارج البلاد، بينما تقلص تكليف خريجي الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي إلى 45% و40% و25% فقط.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

تتصاعد أزمة تكليف خريجي المهن الطبية في مصر، بسبب استبدال وزارة الصحة والسكان، نظام التكليف من التعيين التلقائي لجميع خريجي كليات طب الأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة، بنظام جديد يعتمد على الاحتياج الفعلي للمنشآت الصحية، الأمر الذي أدى إلى تقليص نسبة التكليف لتشمل فقط 45% من الصيادلة، 40% من أطباء الأسنان، و25% من العلاج الطبيعي، بجانب التأخير في الإعلان عن حركة النيابات، والذي كان مقررًا في ديسمبر الماضي.

ففي 21 فبراير الماضي، أعلنت وزارة الصحة والسكان، عن بدء حركة التنسيق لتكليف خريجى كليات العلاج الطبيعى دفعة 2023 (الدور الأول والثانى)، بنظام التنسيق الإلكترونى العام للدفعة، للعمل بوحدات الوزارة بالمحافظات وبعض الجهات الأخرى، على أن يتم التوزيع، وفقًا للمجموع، التوزيع الجغرافي، وحاجة المستشفيات.

وأثار القرار الذي سيُطبّق بأثر رجعي على خريجي دفعات 2023 و2024 و2025، احتجاجات واسعة من النقابات الطبية والنواب، اعتبره خريجون تهديدًا لمستقبلهم، مطالبين بتكليف لكامل الدفعات ووضع معايير واضحة وعادلة لتوزيع القوى البشرية.

ويأتي ذلك بعد نحو 4 أعوام من إقرار اللجنة العليا للتكليف، استمرار تكليف خريجي الكليات الطبية والتمريض والعلوم الصحية، لدفعة 2022 وما بعدها، وفقًا للاحتياجات الفعلية لوزارة الصحة؛ وذلك اعتبارًا من حركة تكليف 2025، مع رفض إلغاء التكليف نهائيًا، والالتزام بالقانون رقم 29 لسنة 1974.

وسبق أن أعلنت وزارة الصحة والسكان، في أغسطس العام الماضي، عن شروط حركة نيابات الأطباء لشهر مايو 2025،  والتي تتضمن دفعة ديسمبر 2023 وما قبلها، وأهمها: قضاء عام عمل فعلي للتخصصات العادية، و6 أشهر للتخصصات المُلحة، مع إمكانية التقديم عبر موقع تكليف الأطباء، على أن يتم التسجيل في الفترة المحددة شرط أساسي لتجنب اعتباره تنازلاً عن النيابة.

وكانت الإدارة العامة لشئون التكليف بوزارة الصحة، قد وافقت في سبتمبر 2023، على استكمال إجراءات تكليف الأطباء البشريين والصيادلة وأطباء الأسنان والفئات الطبية الأخرى، الذين صدرت لهم قرارات تعديل قبل انتهاء عامي التكليف ولم يتمكنوا من تنفيذها بسبب انتهاء المدة، والتي تتضمن إخلاء الطرف واستلام العمل للمكلفين وفق قرارات تعديل التكليف خلال 90 يومًا من تاريخ انتهاء التكليف، مع إسقاط أي فترة انقطاع من مدة الخدمة في حالة عدم تسكين المكلف على درجة مالية.

القرار الصادر عن الإدارة العامة لشئون التكليف بوزارة الصحة والسكان في سبتمبر 2023

 

وكغيره من خريجي كليات العلاج الطبيعي في مصر، يشعر خالد عبد الرحمن، الذي تخرج ضمن دفعة 2023، بالقلق على مستقبله المهني بسبب قرار تقليص التكليف، والذي يرى أمه لا يعكس حجم الاحتياج الحقيقي لخدمات العلاج الطبيعي في مصر؛ إذ يقترب عدد سكان البلاد من 120 مليون نسمة، بينما لا يتجاوز عدد أخصائيي العلاج الطبيعي نحو 18 ألف فقط، وهو رقم يعتبره ضئيلاً مقارنة بالطلب المتزايد على هذا التخصص داخل المنظومة الصحية، مشيرًا إلى أن العلاج الطبيعي لم يعد خدمة تكميلية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من مسار العلاج في العديد من الحالات، مثل: إصابات العظام والأعصاب، وإعادة التأهيل بعد العمليات الجراحية، والإصابات الرياضية، فضلًا عن دوره في التعامل مع الأمراض المزمنة وتأهيل كبار السن.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الكثير من القرى والمناطق البعيدة تفتقر إلى وحدات علاج طبيعي كافية، ما يضطر المرضى إلى السفر إلى محافظات أخرى للحصول على جلسات العلاج، هذا الأمر يمثل عبئًا كبيرًا على المرضى، خاصة أن العلاج الطبيعي يتطلب جلسات متكررة ومنتظمة قد تمتد لأسابيع أو أشهر”.

ومن هذا المنطلق، يرى خالد أن تكليف الخريجين يمكن أن يساهم في سد هذا العجز وتحسين توزيع الخدمات الصحية بين المحافظات، مؤكدًا أن العلاج الطبيعي ليس رفاهية طبية، بل جزء أساسي من حق المرضى في العلاج والتأهيل واستعادة قدرتهم على الحركة وممارسة حياتهم بشكل طبيعي.

بدورها تقدمت النقابة العامة للعلاج الطبيعي بمصر، بنداء عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، للمطالبة بتكليف جميع خريجي دفعة 2023 من كليات العلاج الطبيعي، عقب صدور قرار اللجنة العليا للتكليف الذي اقتصَر على 1366 خريجًا فقط، مؤكدة أن تغيير قواعد التكليف دون فترة انتقالية يهدد الاستثمار في التعليم الخاص والأهلي والدولي، ويؤثر سلبًا على مستقبل آلاف الخريجين، في وقت تعاني فيه قطاعات الدولة مثل المستشفيات الجامعية ووحدات الرعاية الأساسية ووحدات الطب الرياضي من نقص حاد في الأخصائيين.

وطالبت النقابة بتأجيل تطبيق نظام التكليف حسب الاحتياج لمدة 3-5 سنوات، وتشكيل لجنة مشتركة بين وزارتي الصحة والتعليم العالي ومجلس النواب لتحديد احتياجات سوق العمل، بجانب وقف منح تراخيص لكليات جديدة وضبط أعداد المقبولين بما يتناسب مع فرص العمل والتدريب.

حالة القلق والغضب بعد تقليص أعداد المكلفين لم تقتصر على خريجو كليات العلاج الطبيعي فحسب؛ إذ توضح سارة ماهر، خريجة إحدى كليات الصيدلة الحكومية دفعة 2023، أنها وزملائها ينتمون إلى آخر دفعة درست وفق “النظام القديم” في كليات الصيدلة، وهو النظام الذي التحقوا به على أساس أن التكليف الحكومي حقٌ مقرر بعد التخرج، مؤكدة أن تطبيق نظام الاحتياج عليهم يمثل أثرًا رجعيًا لقرار لم يكن قائمًا وقت التحاقهم بالكلية.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن دفعتها كان من المفترض أن تدخل حركة تكليف 2024، بينما جرى الحديث في البداية عن تطبيق النظام الجديد على حركات لاحقة، ما جعل كثيرين يشعرون بأنهم وجدوا أنفسهم فجأة داخل قرار لم يكونوا طرفًا فيه، كما أنهم لا يتحملون مسؤولية التوسع الكبير في إنشاء الكليات الخاصة والأهلية وزيادة أعداد الخريجين خلال السنوات الأخيرة.

وتتذكر أن سنوات الدراسة الطويلة والضغط الأكاديمي الكبير الذي مرت به كان يهدف إلى الحصول على فرصة عمل مستقرة تتيح لها كسب رزق كريم، ثم اضطرت هي وزملائها للانتظار ثلاث سنوات بعد التخرج على أمل التكليف، داعية الحكومة إلى إعادة النظر في القرار وتكليف دفعتها كاملة.

ويتوافق موقفها مع بيان النقابة العامة لصيادلة مصر، الذي أكد أن خريجي دفعة 2023 انتظروا نحو ثلاث سنوات منذ تخرجهم حتى إعلان حركة التكليف، بالمخالفة للمادة الثانية من القانون رقم 29 لسنة 1974، والتي تنص على تكليف الخريجين خلال عام واحد من تاريخ التخرج، ما تسبب في أضرار مهنية ووظيفية وأثر على استقرارهم المهني.

ورفضت النقابة قرار اللجنة العليا للتكليف بوزارة الصحة بتكليف 45% فقط من خريجي الدفعة، مشيرة إلى أن بعض المؤسسات الصحية أعلنت حاجتها للتعاقد مع صيادلة، ما يدل على وجود احتياج فعلي، داعية إلى تكليف الدفعة كاملة، وإعادة النظر في التوسع بإنشاء كليات الصيدلة الخاصة والأهلية بما يتوافق مع احتياجات الدولة.

الأمر نفسه يعيشه عمرو محمد، أحد خريجي كليات طب الأسنان دفعة 2023، وبسبب حالة الانتظار المفتوح منذ ثلاث سنوات، إذ لا يعرف هو وزملائه حتى الآن ما هو مصيرهم المهني، موضحًا أن مطلبهم الأساسي هو التكليف الكامل لدفعتي 2023 و2024، كونه حقهما الطبيعي والقانوني، خاصة أن قواعد القبول والدراسة استمرت لسنوات وفق نظام مستقر، ولم يتم إخطارهم منذ البداية بأي تغيير جذري في السياسة، معتبرًا أن أي قرار جديد لا يجوز تطبيقه بأثر رجعي إذا كان سيُلحق ضررًا مباشرًا بالخريجين.

ويتساءل: “إذا كانت الدولة ترى أن أعداد الخريجين تمثل أزمة، فلماذا استمرت في التوسع بفتح كليات خاصة وأهلية دون ضبط الأعداد أو رفع الحد الأدنى للقبول؟، غياب التخطيط المسبق لا ينبغي أن يتحمل نتائجه الطلاب بعد سنوات من الدراسة والإنفاق.. هل خطئنا أننا اجتهدنا ودرسنا وانتظرنا فرصة عادلة للعمل في بلدنا؟”.

ويشير إلى أن بعض الوحدات الصحية في محافظة الأقصر التي ينتمي إليها، لا تضم وحدات أسنان من الأساس، بينما توجد وحدات أخرى بها تجهيزات دون أطباء، أو أطباء أكثر من اللازم في موقع واحد، معتبرًا أن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء التوزيع والإدارة، وأن الحل لا يقتصر على تقليص التكليف، بل يتطلب تطوير البنية التحتية، عبر توفير وحدات أسنان مجهزة على مستوى الجمهورية، إمدادها بالخامات اللازمة، تنظيم العمل بنظام الورديات، وتقديم خدمة بأسعار مناسبة تشجع المواطنين على التوجه للوحدات الحكومية.

وكانت هيئة مكتب النقابة العامة للعلاج الطبيعى، قد كلّفت إدارتها القانونية برفع دعوى أمام القضاء الإداري العاجل للطعن على قرارات اللجنة العليا للتكليف، بجانب دراسة الآليات القانونية للانضمام إلى القضايا المرفوعة أمام مجلس الدولة من قبل بعض أعضاء المهن الطبية الأخرى.

 

نوصي للقراءة: تداعيات إلغاء تكليف الأطباء في مصر

 تحركات تضامنية تنتهي بالحبس

تزامنًا مع الأزمة التي أثارت احتجاجات واسعة للخريجين، على مواقع التواصل الاجتماعي، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على الدكتور محمد أسامة السيد، المرشح لعضوية النقابة العامة لأطباء الأسنان (تحت السن)، والدكتور مصطفى محمود عرابي، عضو أمانة الشباب بحزب مستقبل وطن وعضو اللجنة الطبية بحزب الجبهة الوطنية، وبحسب حقوقيون فقد عُرضا في يوم 25 فبراير 2026 على نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026، ووجّهت النيابة لهما اتهامات بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة محظورة، وقررت حبسهما احتياطيًا، على خلفية تحركات قانونية وتضامنية نظمها خريجو دفعة 2023 للطعن في قرار وزارة الصحة بتقليص أعداد المكلّفين إلى نحو 40%.

وتعليقًا يؤكد المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن التعامل الأمني مع الأزمات المهنية لا يمثل حلًا، بل قد يفاقمها، معتبرًا أن تحركات عدد من خريجي الصيدلة وطب الأسنان للطعن على القرار الإداري لوزير الصحة ومطالبتهم بحقوقهم المهنية، تندرج ضمن نطاق حرية التعبير والحق في التنظيم والعمل النقابي واللجوء إلى القضاء.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “اللجوء إلى الحبس الاحتياطي في مثل هذه القضايا يترك أثرًا سلبيًا على المناخ النقابي وحرية التعبير داخل القطاعات المهنية، ويبعث برسائل تخويف قد تعرقل النقاش العام حول السياسات الصحية، في وقت تحتاج فيه المنظومة إلى حوار مفتوح حول أزماتها”.

ويعتقد عدلي أن الجدل الدائر حول تقليص تكليف خريجي المهن الصحية وتأخر إعلان حركة نيابات ديسمبر 2025 يكشف في جوهره عن أزمة تتعلق بغياب الشفافية وإتاحة المعلومات؛ إذ يصعب تقييم وجود عجز أو فائض في الكوادر الطبية، في ظل عدم إتاحة بيانات رسمية واضحة بشأن أعداد الأطباء، وتوزيعهم الجغرافي، وعدد المنشآت الصحية والأسرة المتاحة مقارنة بعدد السكان.

ويضيف مدير المركز أن: “القول بوجود فائض في الكوادر الطبية يتناقض مع شكاوى متكررة من نقص الخدمات في عدد من المناطق، فضلًا عن استمرار هجرة الأطباء إلى الخارج خلال السنوات الأخيرة، ويُمثّل فقدان الكفاءات الطبية خطرًا استراتيجيًا يتصل بالأمن القومي الصحي”.

ويؤكد أن الدولة مطالبة بإدارة مواردها البشرية الصحية بكفاءة، مع مراعاة التزاماتها تجاه العاملين في القطاع والمواطنين، وأن تأخذ في حسبانها كون الخدمات الصحية بطبيعتها، خدمات عامة لا ينبغي أن تُدار بمنطق ربحي بحت، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية التي يتحملها المواطنون، معتبرًا أن معالجة أزمات التكليف والتدريب والهجرة تتطلب رؤية شاملة قائمة على البيانات، واحترام الحقوق الدستورية للعاملين في المجال الطبي.

 

نوصي للقراءة:  الرواتب، الهجرة، والدستور: لماذا حققت النيابة مع ممثل الأطباء؟

الغضب يمتد إلى البرلمان

في ضوء تقليص التكليف والتأخير في الإعلان عن حركة نيابات ديسمبر 2025، تقدّم عدد من نواب مجلس النواب المصري بطلبات إحاطة ومناقشات عامة بشأن أزمة تكليف خريجي المهن الطبية، بما يشمل طب الأسنان، الصيدلة، العلاج الطبيعي، والأطباء عمومًا، وتركزت هذه الطلبات على تأخر صدور قرارات التكليف، تقليص الأعداد تحت مسمى “وفقًا للاحتياج”، غياب الشفافية، وسوء التخطيط في فتح الكليات دون مراعاة احتياجات سوق العمل.

وشملت التحركات عدة نواب، منهم: راوية مختار، إيرين سعيد، نيفين إسكندر، فريدي البياضي، صافيناز طلعت، هناء أنيس رزق الله، حسام خليل، محمد الدماطي، سارة النحاس، ودنيا هاني عبدالعزيز ، والذين طالبوا بآليات تكليف شفافة، توضيح معايير الاحتياج، توزيع عادل للخريجين، وضمان حقوقهم المهنية، إضافة إلى وضع رؤية حكومية واضحة لتوظيف الكوادر الطبية بما يخدم احتياجات الدولة وسوق العمل.

من جتها تنتقد النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب ورئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، استمرار وزارة الصحة في تطبيق نظام تكليف خريجي الكليات الطبية وفق نسب محددة دون مناقشة طلبات الإحاطة المقدمة من النواب بشأن هذا الملف، مشيرة إلى أنه كان من المفترض عقد جلسة طارئة للجنة الصحة نظرًا لحساسية توقيت التكليف وتأثيره المباشر على مستقبل الخريجين، إلا أن هذه الطلبات لم تُدرج حتى الآن على جدول المناقشات.

وتبدي في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، تخوفها من غياب الشفافية وتكافؤ الفرص في آلية تحديد نسب التكليف، مشيرة إلى وجود مؤشرات على احتياج العديد من الجهات الصحية إلى أعداد أكبر من المعلنة، في وقت تلجأ فيه الوزارة لاحقًا إلى التعاقد مع كوادر طبية لسد العجز، معتبرة أن هذا التوجه يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الموارد البشرية، وقد يفتح الباب لشبهة إهدار المال العام، خاصة أن التعاقدات غالبًا ما تكون بتكلفة أعلى وأقل استقرارًا من نظام التكليف.

تقول: “إدراج نظام التكليف في لوائح الكليات الطبية يدفع العديد من الأسر لتحمل تكاليف تعليم مرتفعة على أساس وجود فرصة عمل حكومية بعد التخرج، ما يجعل تقليص التكليف دون تنسيق مسبق مع وزارة التعليم العالي يضع الخريجين أمام واقع مهني غير متوقع”، محذرة من أن عدم تكليف نسبة كبيرة من الخريجين قد يدفعهم إلى البطالة أو انتظار فرص محدودة في القطاع الخاص، الذي يعاني بدوره من تشبع سوق العمل وتراجع بعض فرص التوظيف، خاصة في قطاع الصيدلة، وقد يلجؤون إلى الهجرة للعمل في الخارج، وهو خيار قد لا يكون متاحًا للجميع، خصوصًا النساء.

وتنتقد النائبة آلية المفاضلة الحالية في التكليف، التي تعتمد أساسًا على التقدير أو المجموع، معتبرة أنها قد لا تعكس بالضرورة الكفاءة الفعلية للخريجين في ظل اختلاف سياسات التقييم بين الجامعات الحكومية والخاصة، ما قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة، مشيرة لعدم وضوح الأرقام التي تستند إليها وزارة الصحة لتبرير تقليص التكليف، وأنها سبق أن أبلغت لجنة الصحة بأن تطبيق النظام الجديد سيبدأ مع دفعات لاحقة وليس دفعة 2023، وهو ما يجعل تغيير القرار الآن محل تساؤل سياسي ورقابي. 

بدورها توضح النائبة راوية مختار، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن استمرار العمل بنظام معين لسنوات طويلة خلق توقعًا مشروعًا لدى الخريجين باستمراره، ولا يجوز تغييره بشكل مفاجئ دون مبررات واضحة ودراسة معلنة، منتقدة عدم تقديم وزارة الصحة سندًا قانونيًا أو دراسة لتحديد نسب التكليف وأسس تقدير الاحتياج أو حجم الفائض الفعلي.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “طالبت الحكومة تزويد المجلس بدراسة تخطيطية منشورة توضح منهجية تحديد النسبة، وبيانات توزيع العجز في الوحدات الصحية على مستوى الجمهورية، وإحصاءات بأعداد الخريجين خلال السنوات الخمس الأخيرة مقارنةً بأعداد من بلغوا سن المعاش أو استقالوا، فضلًا عن بيان مدى توافر الدرجات المالية، ومدى توافق القرار مع فلسفة التكليف المنصوص عليها في القانون رقم 29 لسنة 1974، وتوضيح ما إذا كانت الاعتبارات المالية سببًا في تقليص الأعداد”.

وتعتقد أن هناك حالة من عدم الاتساق، إذ تُعلن الحكومة عن عدم وجود عجز، وفي الوقت ذاته تستمر في التوسع بفتح كليات جديدة، متسائلة عن مدى التنسيق بين وزارات الصحة والتعليم العالي والعمل في تحديد احتياجات سوق العمل قبل زيادة أعداد المقبولين بالكليات الطبية.

وتحذر من أن استمرار هذه السياسات قد يسهم في زيادة معدلات سفر الأطباء إلى الخارج، معربة عن قلقها إزاء توقيف عدد من خريجي دفعة 2023 من أطباء الأسنان والصيادلة على خلفية تحركاتهم، داعية إلى رؤية واضحة وعادلة تحقق التوازن بين احتياجات الدولة وحقوق الخريجين، وتضمن استقرار المنظومة الصحية دون إثارة بلبلة في المجتمع.

فيما تؤكد النائبة نيفين إسكندر، عضو لجنة التضامن الاجتماعي بمجلس النواب، أن أزمة تكليف خريجي كليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي ليست وليدة العام الحالي، بل تعود إلى سنوات سابقة تزامنت مع التوسع الكبير في إنشاء الكليات الخاصة والجامعات الأهلية والزيادة الملحوظة في أعداد الخريجين؛ إذ بدأت وزارة الصحة منذ فترة طرح فكرة تقليص التكليف الإلزامي والانتقال إلى نظام التكليف وفقًا للاحتياج، وهو ما كان محل نقاشات متكررة في دورات برلمانية سابقة.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “هناك مخالفة قانونية تتعلق بتأخر إعلان حركة التكليف، فالقانون يُلزم وزير الصحة بإعلان حركة التكليف خلال عام واحد من تخرج الدفعة، بينما تأخر الإعلان لقرابة ثلاث سنوات، هذا التأخير يحرم الخريجين من وضوح المسار المهني، ويضعهم في حالة انتظار غير مبررة”.

وتضيف أن دفعتَي 2023 و2024 التحقتا بالكليات في ظل نظام مستقر جرى العمل به لسنوات، يقوم على تكليف جميع الخريجين، وبالتالي فإن تغيير القواعد بعد تخرجهم يمثل إخلالًا بمبدأ الاستقرار وتكافؤ الفرص. ولفتت إلى أن وزارة الصحة أعلنت في عام 2020 أن نظام التكليف وفق الاحتياج سيُطبق على الطلاب الملتحقين بالكليات بدءًا من ذلك العام، وهو ما يعني أن الدفعات التي سبقتهم ينبغي أن تخضع للقواعد السابقة التي اعتادت عليها، الحالية، وهو ما يعكس – بحسب قولها – خللًا واضحًا في إدارة منظومة التكليف.

وتتابع: “البرلمان تلقى شكاوى عديدة من خريجين في مختلف المحافظات يعبرون عن قلقهم بشأن مستقبلهم المهني، والنواب قدموا مقترحات بديلة يمكن أن تحقق التوازن بين احتياجات الدولة وعدم الإضرار بالخريجين، مثل إعلان حركة التكليف على مراحل زمنية متتالية بدلًا من إلغاء التكليف لجزء من الدفعات، كما تسائلوا حول المعايير التي تعتمد عليها الوزارة في تحديد الاحتياج، والتي يثير غيابها تساؤلات حول كيفية ضمان العدالة والمساواة بين خريجي الدفعة الواحدة، إلا أن وزير الصحة لم يحضر حتى الآن إلى البرلمان لمناقشتها”.

كذلك تشير إلى وجود تناقض بين حديث الوزارة عن عدم الحاجة إلى أعداد إضافية من الصيادلة أو أطباء الأسنان أو أخصائيي العلاج الطبيعي، وبين إعلان بعض المستشفيات التابعة للوزارة احتياجها إلى هذه التخصصات بنظام التعاقد، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة توزيع الكوادر الطبية داخل المنظومة الصحية.

 

نوصي للقراءة:  ما الذي يدفع أطبّاء مصر إلى الهجرة؟

عجزٌ في الأطباء أم زيادة عن الاحتياج؟

رغم الاستياء الواسع في الأوساط النقابية والبرلمانية وبين خريجي كليات الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي، المتضررين من القرار، يبدو أن الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، مصرٌ على قراره، إذ صرح في الـ3 من مارس الجاري، بأن نظام التكليف سيُطبق خلال الفترة المقبلة وفقًا للاحتياج الفعلي، عازيًا القرار إلى دراسات قال إن اللجنة العليا للتكليف أعدتها، أقرها مجلس الوزراء.

وذكر الوزير أن عدد الصيادلة العاملين بالوزارة كان يبلغ 51 ألفًا، عند اتخاذ قرار الدراسة في عام 2022، بينما ارتفع العدد حاليًا إلى 103 آلاف.

فيما أفاد الدكتور محمد علاء الدين، الأمين العام لاتحاد المهن الطبية، في تصريحات إعلامية، أن عدد خريجي طب الأسنان الآن وصل عددهم 120 ألف طبيب أسنان، وبحلول عام 2030 سنصل إلى 230 ألف طبيب، وأن عدد الخريجين في العام يصل لـ12 ألفًا.

وينقل تقرير صحفي حديث عن مسؤولين بوزارة الصحة، أن عدد أطباء الأسنان داخل المنظومة ارتفع من 28,685 إلى 47,299 طبيبًا، في الفترة بين 2022 و2026 ، بينما قُدّر الاحتياج بنحو 3,175 فقط، كما تضاعف عدد الصيادلة من 51,286 إلى أكثر من 103 آلاف، مقابل احتياج قُدّر بنحو 3,525، وزاد عدد أخصائيي العلاج الطبيعي من 8,808 إلى 18,411 رغم أن الاحتياج المُعلن لم يتجاوز 1,026.

وفي المقابل تكشف الإحصائيات أن معدل الأطباء في مصر، يبلغ 8.6 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، أي أقل من طبيب لكل 500 مواطن، بينما المعدل العالمي حوالي 23 طبيبًا، وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء، انخفض عدد الأطباء إلى 97.4 ألف طبيب في عام 2022، مقارنة بـ100.7 ألف في عام 2021، وبحسب وزارة الصحة المصرية، يتخرج حوالي تسعة آلاف طبيب سنويًا، لكن أكثر من 60% منهم يختارون العمل خارج مصر.

من جهته يوضح الدكتور خالد أمين، عضو مجلس نقابة الأطباء، أن الأطباء البشريين ما زالوا يُكلفون بالكامل نظرًا لاستمرار وجود عجز نسبي في بعض المواقع، إلا أن الأزمة الأبرز تظهر لدى أطباء الأسنان والصيادلة والعلاج الطبيعي، حيث تشير وزارة الصحة إلى أن أعدادهم تجاوزت الاحتياج الفعلي والإمكانات المتاحة داخل المستشفيات، معتبرًا أن الأزمة ترتبط في جوهرها بغياب التخطيط الشامل لأعداد المقبولين بالكليات الطبية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “لا توجد بيانات معلنة توضح خريطة التوزيع الفعلية، سواء من حيث عدد الأطباء مقارنة بعدد التجهيزات المتاحة، أو توزيعهم الجغرافي، كما أن النقاش الدائر يفتقر إلى أرقام دقيقة وشفافة يمكن الاستناد إليها في تقييم وجود فائض أو عجز حقيقي”.

ويضيف: “تأخير التكليف أو تقليصه لا ينبغي اختزاله في الوظيفة، خاصة في ظل تدني الرواتب، بل يتعلق أساسًا بفقدان فرص التدريب المنهجي، استمرار تخريج أعداد كبيرة دون تخطيط واضح قد يؤدي إلى بطالة مقنّعة، وتراجع في مستوى الكفاءة المهنية، فضلًا عن زيادة معدلات الهجرة وصعوبات مستقبلية في الاعتراف بالكفاءة المهنية بالخارج”.

ويشرح أن التكليف لا يقتصر على كونه فرصة عمل، بل يمثل مسارًا تدريبيًا منظمًا يخضع فيه الطبيب لإشراف إداري وفني داخل المستشفيات الحكومية، بما يضمن اكتساب الخبرة العملية تحت رقابة أطباء أكبر سنًا وخبرة، لافتًا إلى أن حرمان الخريجين من هذه المرحلة قد يدفع بعضهم إلى ممارسة المهنة خارج إطار تدريبي منظم، ما قد ينعكس سلبًا على جودة الخدمة الصحية وسلامة المرضى، داعيًا لرؤية تخطيطية شاملة تبدأ من تنظيم أعداد المقبولين بالكليات، مرورًا بربط التعليم الطبي باحتياجات السوق، وصولًا إلى ضمان مسار تدريبي منضبط يحمي الطبيب والمريض على حد سواء.

فيما يرى الدكتور أيمن عطية، أن تحديد أعداد المكلفين وفق احتياجات الدولة قد يكون مبررًا من الناحية الاقتصادية، إلا أن المشكلة الرئيسية تكمن في أن الطلاب لم يكونوا على علم بهذا التغيير عند التحاقهم بكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي، السنوات الأخيرة، على أساس أن التكليف نظام مستقر منذ عقود، مستنكرًا عدم الكشف وقتئذٍ عن وجود نية لتغييره.

ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” أن غياب التكليف لا يقتصر تأثيره على مسألة التوظيف فقط، بل يمتد إلى جانب أساسي يتعلق بالتدريب العملي للخريجين، لاسيما أن هذه التخصصات تعتمد بطبيعتها على الجمع بين الدراسة النظرية والتدريب الإكلينيكي تحت إشراف أطباء أكثر خبرة داخل المستشفيات، ويمثل العمل داخل المؤسسات الصحية الحكومية، المسار الأساسي لاكتساب المهارات العملية بعد التخرج.

يقول: “حرمان نسبة كبيرة من الخريجين من هذا المسار التدريبي قد يترك أعدادًا كبيرة منهم دون فرصة حقيقية لاكتساب الخبرة المهنية، والقطاع الخاص لا يمثل بديلًا سهلًا في هذا السياق، إذ تميل المستشفيات الخاصة إلى التعاقد مع أطباء يمتلكون خبرة أو تدريبًا سابقًا في المؤسسات الحكومية أو الجامعية، بما يضمن كفاءة الأداء وتقليل المخاطر المهنية”.

ويحذر من أن غياب مسار تدريبي منظم للخريجين قد يؤدي إلى آثار سلبية على المدى البعيد، سواء على مستقبلهم المهني أو على جودة الخدمات الصحية، موضحًا أن الطبيب الذي لم يحصل على تدريب كافٍ قد يواجه صعوبات كبيرة في ممارسة المهنة بشكل آمن، ما قد ينعكس في النهاية على سلامة المرضى.

لكن عطية يرى أن جزءًا من خلفيات القرار قد يرتبط بالاعتبارات الاقتصادية، في ظل صعوبة استيعاب جميع الخريجين داخل الجهاز الحكومي، معتبرًا أن معالجة هذه المسألة تتطلب تخطيطًا مسبقًا وإعلانًا واضحًا للسياسات الجديدة قبل سنوات من تطبيقها، حتى يتمكن الطلاب من اتخاذ قراراتهم التعليمية والمهنية على أساس معلومات واضحة.

وفي سياق متصل دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى مراجعة التخصصات الدراسية التي لم تعد تلبي احتياجات سوق العمل، مطالبًا الحكومة المصرية باتخاذ قرارات واضحة بشأن التخصصات التي لا توفر فرصًا حقيقية للتوظيف، وذلك حفاظًا على مستقبل الطلاب وعدم إهدار سنوات من أعمارهم دون عائد مهني.

وفي ظل هذا الجدل حول نسب التكليف، تكشف أزمة تكليف خريجي المهن الطبية في مصر عن فجوة أعمق في تخطيط الموارد البشرية الصحية، وتداخل الصلاحيات بين مؤسسات التعليم والصحة وسوق العمل. 

وبين مخاوف الخريجين من البطالة أو الهجرة، وإصرار الحكومة على ربط التكليف بالاحتياج الفعلي، يظل السؤال الأهم هو كيفية تحقيق التوازن بين حقوق آلاف الشباب الذين التحقوا بالكليات الطبية وفق نظام تكليف مستقر، وبين مدى قدرة المنظومة الصحية على استيعابهم وتدريبهم بكفاءة؟.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search