تشهد الأسواق المصرية خلال شهر فبراير الجاري ارتفاعات ملحوظة في أسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية داخل السوق الحرة، مدفوعة بزيادة موسمية في الطلب مع اقتراب شهر رمضان، وذلك رغم إعلان تراجع معدل التضخم السنوي إلى 12.5% في فبراير 2025 مقابل 23.2% في يناير من العام نفسه، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ويعكس هذا التباين فجوة متنامية بين المؤشرات الكلية وتكاليف المعيشة الفعلية، في ظل تقديرات رسمية تشير إلى تجاوز معدل الفقر 30% من السكان بحسب رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، وبلوغه 32.5% وفق البنك الدولي، بينما يعيش نحو 66.2% من المصريين تحت خط الفقر العالمي المحدد عند 6.8 دولار يوميًا وفق تعادل القوة الشرائية.
وتشير بيانات منشورة في عدد من الصحف المحلية إلى تسجيل سلع غذائية أساسية زيادات يومية متتابعة في أسواق التجزئة الحرة خلال فبراير الجاري، من بينها زيت عباد الشمس الذي ارتفع إلى 90.05 جنيهًا للتر بزيادة قدرها 4.86 جنيه، وزيت الذرة الذي سجل زيادة بلغت 8.17 جنيه للتر ليصل إلى 107.86 جنيهًا، إلى جانب الدواجن الطازجة التي ارتفعت بنحو 0.88 جنيه لتسجل 110.18 جنيهًا للكيلوغرام. كما شهدت أسعار البيض زيادة ملحوظة خلال الأسبوع الأول من الشهر، بنحو 7 جنيهات للكرتونة، في حين ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء الطازجة بواقع 5.63 جنيه للكيلوغرام لتسجل حدًا أدنى قدره 399.72 جنيهًا، وسجلت أسعار الأسماك والمأكولات البحرية زيادة بنسبة 1.7%.
وخلال الشهر نفسه ارتفع سعر كيلو السكر المعبأ من 27 جنيهًا ليتراوح بين 30 جنيهًا إلى 33.8 جنيهًا للكيلو، وبلغ سعر كيلو السمن الصناعي 105.08، بزيادة قدرها 2.29 جنيه، كما ازداد سعر الفول المعبأ بنحو 4.82 جنيه للكيلو ليصل إلى 59.98 جنيهًا، وشهدت أسعار الأرز تحركات سعرية متباينة ليسجل نحو 35.5 جنيه للكيلو خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير، لكنه انخفض نسبيًا لنحو 33 جنيهًا، بينما سجلت بعض الخضروات مثل البصل والبطاطس ارتفاعات يومية تتراوح بين 2% و3%، وسجل الدقيق والعدس تذبذبًا في الأسعار.
في المقابل، حافظت السلع التموينية المدعومة التابعة لوزارة التموين على استقرار أسعارها طوال الشهر، حيث ظل سعر السكر التمويني عند 12.60 جنيهًا للكيلو، وزيت الخليط (800 مل) عند 30 جنيهًا، والدقيق عند 18 جنيهًا للكيلو، ضمن منظومة تضم نحو 33 صنفًا مدعومًا.
ويُظهر التفاوت بين أسعار السلع المدعومة ونظيرتها في السوق الحرة، مثل الفارق بين سعر السكر التمويني البالغ 12.60 جنيهًا وسعره في السوق الحرة الذي يصل إلى 33.8 جنيهًا، اتساع فجوة سعرية تعكس تباين مسارات الحصول على الغذاء، في ظل اعتماد شرائح من المواطنين جزئيًا أو كليًا على السوق الحرة لتلبية احتياجاتها الغذائية، إلى جانب استمرار عمل منظومة الدعم الحكومي التي توفر أسعارًا ثابتة نسبيًا للفئات المستفيدة من البطاقات التموينية.
يرى الخبير الاقتصادي والقيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، زهدي الشامي، أن المواطنين يستقبلون شهر رمضان في ظل زيادات ملحوظة في أسعار السلع الغذائية التي يرتفع الطلب عليها تقليديًا خلال هذه الفترة، وهو ما يتيح، بحسب تقديره، مجالًا أمام بعض المنتجين والتجار لإقرار زيادات إضافية في الأسعار، بما يفاقم الضغوط على قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
ويضيف أن حديث الحكومة عن استقرار الأسعار يستند إلى تباطؤ معدل زيادتها لا إلى تراجعها الفعلي، مشيرًا إلى أن احتساب معدلات التضخم يتم انطلاقًا من مستويات سعرية مرتفعة وصلت إليها الأسواق بالفعل خلال الأعوام السابقة، وهو ما دفع شريحة من المواطنين إلى خفض استهلاكهم، خاصة بعد الزيادات الكبيرة التي شهدها عام 2022 واقتربت من 70%.
ويقول لـ زاوية ثالثة إن “معدل الزيادات الشهرية، الذي تراجع إلى نحو 0.2% بنهاية العام الماضي، عاد للارتفاع مع بداية العام الحالي، مسجلًا نحو 1.2% في يناير”، مرجعًا ذلك إلى زيادات في سلة السلع الغذائية الرئيسية، من بينها الدواجن التي ارتفعت أسعارها بأكثر من 40% خلال الشهر الأخير، واللحوم الحمراء بنسبة 20%، إلى جانب زيادات في سلع أخرى مثل الزيت والسكر والأرز، فيما تجاوزت أسعار السلع المرتبطة بعادات الاستهلاك الرمضانية، مثل المكسرات والياميش، قدرة شريحة من المستهلكين.
ويوضح أن الحكومة تعلن عن مواجهة ارتفاع الأسعار من خلال استيراد الدواجن المجمدة وتنظيم معارض “أهلا رمضان” ومنافذ البيع الحكومية، إلا أن فعالية هذه الإجراءات تظل، في تقديره، محدودة، إذ طُرحت الدواجن المجمدة المستوردة بسعر بلغ 115 جنيهًا قبل أن يُخفض إلى 100 جنيه، وهو مستوى سعري يقترب من أسعار الدواجن المحلية، في حين لا تختلف نسب التخفيض المعلنة داخل هذه المعارض كثيرًا عن تلك التي تقدمها سلاسل التجزئة الكبرى.
نوصي للقراءة: مصر الأكثر تضررًا من تضخم أسعار الغذاء.. لماذا؟
سوق احتكاري وليس منافسة
في السياق ذاته، تؤكد الدكتورة سعاد الديب، رئيسة الجمعية الإعلامية لحماية المستهلك، أن أسعار السلع الغذائية الأكثر طلبًا تشهد زيادات موسمية قبيل شهر رمضان منذ سنوات، في ظل سوق محلي يتحكم فيه عدد محدود من كبار التجار، وهو ما يدفع الدولة في بعض الأحيان إلى اللجوء للاستيراد، كما حدث سابقًا مع الدواجن والبيض، مشيرة إلى أن زيادات الأسعار هذا العام تتزامن مع تراجع نسبي في سعر صرف الدولار.
وتقول في تصريحات لـ”زاوية ثالثة” إن الأسواق شهدت حالة من الركود خلال الفترة الماضية، قبل أن يرتفع الطلب مع اقتراب شهر رمضان، نظرًا لتضاعف استهلاك المواد الغذائية خلاله، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية، ما دفع شريحة من المستهلكين إلى تقليص استهلاك اللحوم والدواجن والاستغناء عن بعض السلع غير الأساسية مثل الياميش والمكسرات.
وتعزو الديب تفاوت الأسعار داخل قطاع التجزئة إلى تعدد الحلقات الوسيطة في سلاسل التوريد، بما يؤدي إلى مضاعفة التكلفة النهائية للسلعة قبل وصولها إلى المستهلك، متوقعة تراجع الأسعار بعد انتهاء شهر رمضان وعيد الفطر مع انحسار الطلب الموسمي.
من جانبه، يشير محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، إلى استمرار حالة الركود في مبيعات اللحوم وبعض السلع الرمضانية مثل الياميش والمكسرات، رغم وفرتها مقارنة بالأعوام السابقة، مرجعًا ذلك إلى ارتفاع أسعارها، مضيفًا أن مبيعات اللحوم تراجعت هذا العام مقارنة بالعام الماضي، مع تركيز غالبية المستهلكين على شراء السلع الأساسية.
ويرى أن زيادة الطلب على السلع الغذائية مثل السكر قبيل رمضان تسهم في ارتفاع الأسعار، بالتوازي مع سعي بعض التجار إلى تعظيم هوامش الربح، معتبرًا أن معارض “أهلا رمضان” أسهمت هذا العام في زيادة إتاحة السلع الغذائية وكبح ارتفاع أسعارها نسبيًا مقارنة بالموسم الماضي، الذي شهد مستويات سعرية أعلى بفعل ارتفاع سعر الدولار.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن أسعار الدواجن سجلت زيادة بنحو 30 جنيهًا للكيلوجرام مع اقتراب شهر رمضان، ما دفع الحكومة إلى الإعلان عن فتح باب استيراد الدواجن المجمدة، وهو ما تبعه خفض نسبي في الأسعار من قبل المنتجين والتجار، لكنها لا تزال عند مستويات مرتفعة، فيما لم تشهد الخضروات زيادات كبيرة رغم ارتفاع الطلب، نظرًا لطبيعتها سريعة التلف.
نوصي للقراءة: الأمن الغذائي في مصر.. 21% فقر و49% بلا غذاء كافٍ

تراجع في مدخلات الإنتاج وارتفاع في أسعار التجزئة
جاءت الزيادات الأخيرة في أسعار بعض السلع الغذائية عقب تراجع ملحوظ في أسعار عدد من المدخلات الأساسية خلال يناير من العام الجاري، مقارنة بمستوياتها في الفترة نفسها من عامي 2024 و2025، وفق بيانات أسعار الجملة لدى المصانع والمزارع حتى نهاية يناير 2026، والتي اطلعت عليها “زاوية ثالثة”.
في سوق الحبوب، انخفض سعر القمح الروسي بنسبة استخراج 11.5% من 21,600 جنيه في يناير 2024 إلى 12,400 جنيه في يناير 2026، مسجلًا تراجعًا بنسبة 42.6% خلال عامين، وبنسبة 5.7% مقارنة بعام 2025، فيما تراجع سعر الدقيق استخراج 24 من 24,000 جنيه إلى 13,800 جنيه خلال الفترة نفسها، بنسبة انخفاض بلغت 42.5% خلال عامين و11.8% على أساس سنوي. كما انخفض سعر الدقيق استخراج 27 من 24,200 جنيه في 2024 إلى 14,000 جنيه في 2026، بنسبة تراجع 42.2% خلال عامين و11.4% مقارنة بالعام الماضي.
وفي قطاع الزيوت، تراجع سعر زيت الأولين المكرر من 81,000 جنيه في 2024 إلى 56,000 جنيه في 2026، بنسبة انخفاض بلغت 24.7% خلال عامين و8.9% بين عامي 2025 و2026، كما انخفض سعر السكر المكرر من 34,000 جنيه إلى 22,800 جنيه خلال الفترة نفسها، بنسبة تراجع 32.9% على مدار عامين و21.9% خلال العام الأخير.
وسجلت أسعار الذرة الصفراء، سواء الواردات من الأرجنتين أو البرازيل، انخفاضًا من 19,800 جنيه في 2024 إلى 12,000 جنيه في 2026، بنسبة تراجع 39.4% خلال عامين و11.1% مقارنة بالعام الماضي، فيما تراجع سعر الذرة الأوكرانية من 18,900 جنيه إلى 11,800 جنيه خلال الفترة نفسها، بنسبة 37.6% خلال عامين و6.4% سنويًا.
أما الأرز الأبيض العريض البلدي، فانخفض سعره من 29,800 جنيه في 2024 إلى 24,000 جنيه في 2026، بنسبة تراجع بلغت 19.5% خلال عامين و14.3% مقارنة بعام 2025، بينما سجل الفول البلدي تراجعًا محدودًا من 47,000 جنيه في 2024 إلى 46,000 جنيه في 2026، بنسبة انخفاض 2.1% خلال عامين، بعد أن كان قد ارتفع إلى 48,000 جنيه في 2025. وفي المقابل، انخفض سعر الفول المستورد من 32,000 جنيه إلى 26,000 جنيه خلال الفترة نفسها، بنسبة 18.8% خلال عامين و16.1% على أساس سنوي.
كما تراجعت أسعار البيض الأبيض (كرتونة 30 بيضة بالمزرعة) من 148 جنيهًا في يناير 2024 إلى 110 جنيهات في يناير 2026، بنسبة انخفاض بلغت 25.7% خلال عامين، و26.7% مقارنة بعام 2025، بعد أن سجلت 150 جنيهًا في يناير من العام الماضي.
من جهته، يوضح الدكتور علاء عز، أمين عام غرفة التجارة الدولية واتحاد الغرف الإفريقية ومستشار رئيس اتحاد الغرف المصرية، أن أسعار الجملة للسلع الغذائية الأساسية مثل الزيت والقمح والذرة والسكر والدقيق تُعلن وفق مؤشرات تسعيرية محددة، في حين تتسع الفروق السعرية داخل أسواق التجزئة الحرة تبعًا لاختلاف العلامات التجارية وتكاليف التعبئة والتغليف والنقل، إلى جانب هوامش الربح التي تضيفها الحلقات الوسيطة في سلاسل الإمداد، والتي تشمل تجار الجملة ونصف الجملة والتجزئة حتى وصول السلعة إلى المستهلك النهائي.
ويشير إلى أن هذه الفروق تقل نسبيًا داخل الجمعيات الاستهلاكية ومعارض “أهلا رمضان”، نظرًا لاعتمادها على التوريد المباشر من المنتجين أو المستوردين، لافتًا إلى أن أسعار التجزئة تختلف أيضًا باختلاف الموقع الجغرافي ومستويات الإيجارات التجارية، بينما يظل سعر بيع الجملة من المصنع أو المزرعة أو المستورد نقطة الأساس في المقارنة.
ويضيف أن الشركات المنتجة تُعدل تسعير منتجاتها وفقًا لتغيرات التكلفة الإنتاجية، في ظل زيادات متكررة في أسعار المحروقات خلال العام الماضي، وما تبعها من ارتفاع في تكاليف النقل وفواتير الكهرباء وأجور العمال عقب زيادة الحد الأدنى للأجور، موضحًا أن تراجع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه لم يعوض سوى جزء محدود من هذه الزيادات، في حين يحدد الموزعون وتجار التجزئة أسعار البيع النهائية وفقًا لتكاليف التشغيل وطبيعة الطلب المحلي.
ويقول لـ”زاوية ثالثة” إن “القانون المصري يجرّم الممارسات الاحتكارية مثل حبس السلع، بينما لا يفرض تسعيرًا جبريًا على معظم السلع، بما يتيح للتاجر تحديد سعر البيع وفقًا لهيكل التكلفة، مع احتفاظ المستهلك بحرية الاختيار بين المنافذ المختلفة”.
ويرجع الزيادات الأخيرة في أسعار البيض والدواجن إلى زيادة الطلب الموسمي مع اقتراب شهر رمضان، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن مستويات الأسعار الحالية تظل أقل مقارنة بالفترة نفسها من عامي 2024 و2025 بنسبة تصل إلى 40%، في ظل استقرار نسبي في أسعار الصرف، موضحًا أن الحكومة تدخلت عبر فتح باب استيراد الدواجن المجمدة للحد من ارتفاع الأسعار.
وينفي حدوث زيادات في السعر الرسمي لبيع السكر بالجملة، عازيًا أي ارتفاع داخل أسواق التجزئة إلى تداعيات قرار فتح باب التصدير، مؤكدًا أن المخزون الاستراتيجي من السكر يتجاوز مليون طن بما يغطي أكثر من عام من الاستهلاك المحلي، في وقت يقل فيه سعر البيع المحلي عن نظيره العالمي.
ويشير إلى أن دورة الزيادات السعرية المرتبطة بارتفاع الطلب الموسمي تستمر عادة لنحو أسبوعين، حتى استقرار المعروض وتراجع وتيرة التخزين الاستهلاكي، لافتًا إلى انتشار نحو 3700 ركن وشادر لمعارض “أهلا رمضان” في مختلف المحافظات، تطرح السلع الغذائية بأسعار مخفضة بهدف الحد من التقلبات السعرية خلال الشهر.
ويؤكد توافر رصيد من السلع الغذائية الأساسية يتراوح بين 3 و12 شهرًا، من بينها مخزون الزيوت الذي يغطي نحو 7 إلى 8 أشهر، والقمح من 4 إلى 6 أشهر، والسكر من 6 إلى 7 أشهر، بالإضافة إلى شحنات تصل إلى 924 ألف طن لم تُفرغ بعد في الموانئ المصرية، ونحو 2.9 مليون طن أخرى في طريقها إلى البلاد، فضلًا عن التعاقدات الجاري تنفيذها، إلى جانب أرصدة سلاسل التوزيع التي تغطي متوسط 47 يومًا، والمخزون المنزلي الذي يضيف نحو 19 يومًا إضافيًا من الاستهلاك.
نوصي للقراءة: عندما تصبح اللحوم ترفًا طبقيًا.. مصر تواجه تحدي الأمن الغذائي

التضخم وانخفاض القدرة الشرائية
يلقي الطلب الموسمي المرتبط باقتراب شهر رمضان بظلاله على أسعار السلع الغذائية القابلة للتخزين، في ظل زيادة الإقبال عليها، وهو ما قد يدفع إلى مزيد من الارتفاعات مع بداية الشهر. وفي الوقت نفسه، سجل معدل التضخم الذي أعلنه البنك المركزي في فبراير الجاري تراجعًا طفيفًا بنحو 0.3%، وفق ما يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد شوقي، الذي يتوقع موجة تضخم موسمية في أسعار المواد الغذائية خلال الفترة من فبراير وحتى منتصف مارس المقبل.
ويقول لـ”زاوية ثالثة” إن القيمة الفعلية لدخول الأسر تراجعت نتيجة ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت في وقت سابق نحو 40%، قبل أن تنخفض إلى 11.9%، في حين لم تشهد الأجور زيادات موازية، ما انعكس على القدرة الشرائية للأسر، ودفع بعضها إلى تقليص استهلاك البروتين الحيواني لصالح البروتين النباتي. ورغم ذلك، تحاول الأسر الحفاظ على أنماط الاستهلاك المرتبطة بشهر رمضان والعيد من خلال شراء المنتجات الموسمية بكميات أقل أو الاتجاه إلى علامات تجارية ومنافذ بيع منخفضة التكلفة.
ويرى أن المجمعات الاستهلاكية والمعارض الرمضانية تسهم في الحد من ارتفاع أسعار الغذاء خلال الفترة الحالية عبر توفير سلع بأسعار مخفضة، مرجعًا تفاوت الأسعار في أسواق التجزئة إلى تفاوت آليات التسعير في ظل خضوعها لاعتبارات العرض والطلب. ويضيف أن تحقيق استقرار نسبي في الأسعار يظل مرهونًا بزيادة الإنتاج المحلي، في ظل اعتماد السوق على الواردات لتغطية نسبة كبيرة من احتياجاته الغذائية.
تأتي ارتفاعات الأسعار قبيل شهر رمضان في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري؛ إذ بلغ معدل التضخم السنوي في يناير 2026 نحو 10.1% لإجمالي الجمهورية و11.9% في المدن، مع اتجاه نزولي مقارنة بذروة عام 2023، فيما استقر سعر صرف الجنيه أمام الدولار في نطاق يتراوح بين 46.7 و46.9 جنيهًا خلال الفترة الأخيرة.
ورغم توقعات بتجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 4% خلال العام المالي الجاري، واستقرار الاحتياطيات الأجنبية، تظل الضغوط المعيشية حاضرة لدى شريحة من الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل، خاصة في ظل بلوغ الحد الأدنى للأجور 7000 جنيه شهريًا، مقابل متوسط أجر أقل في القطاع الخاص، وهو ما يحد من قدرة هذه الفئات على استيعاب الزيادات المتكررة في أسعار السلع الغذائية.
ويرى الخبير الاقتصادي أن استمرار تدفقات النقد الأجنبي من مصادر مثل السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر والصناعات التحويلية وتحويلات المصريين بالخارج قد يسهم في تقليص عجز الموازنة وتخفيف الضغوط التضخمية على المدى المتوسط، بما قد ينعكس تدريجيًا على مستويات الأسعار.
وتعكس الزيادات المسجلة خلال فبراير تداخل العوامل الموسمية المرتبطة بزيادة الطلب مع تحديات هيكلية في سوق الغذاء، إذ تشير المؤشرات الرسمية إلى مسار نزولي نسبي لمعدلات التضخم، بينما تظل الزيادات في أسعار بعض السلع محسوسة في إنفاق الأسر اليومي، خاصة مع استمرار الفجوة بين أسعار السوق الحرة ومنافذ الدعم.
وفي ظل استمرار الضغوط السعرية على السلع الأساسية، وتباطؤ تحسن القدرة الشرائية رغم تحسن بعض المؤشرات الكلية، يظل ملف أسعار الغذاء مرتبطًا بتفاوت مستويات الدخل والإنفاق بين الفئات الاجتماعية المختلفة، مع تزايد حساسية هذه الفئات تجاه التقلبات السعرية مع اقتراب شهر رمضان.