أعلنت الحكومة المصرية، صباح الثلاثاء، رفع أسعار عدد من المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات، في خطوة قالت إنها تأتي في ظل الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
وتضمنت الزيادات الجديدة رفع سعر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيهًا، فيما ارتفع سعر السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر.
كذلك ارتفع سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا، وأسطوانة 25 كجم من 450 إلى 550 جنيهًا، إلى جانب رفع سعر غاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب.
بالتزامن قررت لجنة تسعير المواد البترولية رفع أسعار الغاز الطبيعي لتموين السيارات والاستهلاك المنزلي، من 10 جنيهات إلى 13 جنيهًا، للمتر المكعب، بما يعادل 30%، وشمل القرار تعديل أسعار الغاز الطبيعي للمنازل وفقًا لشرائح الاستهلاك المختلفة.
وزادت الشريحة الأولى، التي تشمل الاستهلاك حتى 30 مترًا مكعبًا شهريًا، من 5 جنيهات إلى 6 جنيهات للمتر المكعب، بزيادة قدرها جنيه واحد. أما الشريحة الثانية، التي تتراوح بين 30 و60 مترًا مكعبًا شهريًا، فارتفع سعرها من 6 جنيهات إلى 8 جنيهات للمتر المكعب، بزيادة قدرها جنيهين، فيما ارتفع سعر الشريحة الثالثة، التي تزيد على 60 مترًا مكعبًا شهريًا، من 9 جنيهات إلى 12 جنيهًا للمتر المكعب، بزيادة قدرها 3 جنيهات.
وتأتي زيادات أسعار الوقود للمرة الثالثة خلال عام، إذ سبق أن رفعتها الحكومة المصرية في أبريل وأكتوبر 2025، بنسبة بلغت 13%، وشملت الزيادة بنزين 95 (21 ج/لتر)، 92 (19.25 ج/لتر)، 80 (17.75 ج/لتر)، والسولار (17.5 ج/لتر)، في خطوة بررتها بالمساعي لتقليل الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية، ووعدت الحكومة وقتئذ بتثبيت الأسعار، لعام كامل كحد أدنى.
كذلك أعلن مجلس الوزراء، الثلاثاء، عن حزمة من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين.
فضلًا عن ترشيد استهلاك أعمدة الإنارة واللوحات الإعلانية في الشوارع والميادين العامة، بجانب التنسيق مع الشركاء الدوليين في قطاع الطاقة لضمان انتظام الإمدادات لاحتواء التداعيات وضمان استقرار إمدادات الطاقة والأسواق المحلية.
وجاءت القرارات تزامنًا مع دخول التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يومه الثاني عشر، ووسط تبادل مكثف للضربات الجوية والصاروخية، واستهداف منشآت عسكرية ونفطية ونووية إيرانية، وامتدت تداعيات الصراع إلى أكثر من 12 دولة في المنطقة، تضمنت دول الخليج العربي ولبنان والأردن والعراق.
وأدى التصعيد إلى اضطرابات حادة في حركة الملاحة البحرية والجوية، إذ أصبح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية، شبه مغلق أمام حركة السفن التجارية، مع تراجع الحركة بنسبة تصل إلى 70–90%، ودفعت المخاطر الأمنية كبرى شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الرحلات بنحو 10 إلى 15 يومًا ويرفع التكاليف بشكل كبير.
ذلك بالتزامن مع عرقلة هجمات الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لحركة الشحن، مما تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والشحن عالميًا، وسط مخاوف من تفاقم نقص المواد الخام وتأخر الإمدادات الصناعية والغذائية لأسابيع أو أشهر.
نوصي للقراءة: تسعيرة النقل في مصر: صراع الأجرة والوقود

تحرك برلماني عاجل
في تحرك برلماني عاجل تقدمت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير البترول بشأن الزيادات الأخيرة في أسعار المنتجات البترولية وتأثيرها على المواطنين، مشيرًة إلى أن الحكومة رفعت أسعار بنزين 80 بنسبة 17%، والغاز الطبيعي للسيارات 30%، والغاز المنزلي بين 20% و30%، وأنابيب البوتاجاز 22%، ما أثار حالة من القلق لدى المواطنين.
وتساءلت عن المعايير الاقتصادية والاجتماعية التي استندت إليها الحكومة في اتخاذ القرار، خاصة مع تراجع سعر النفط عالميًا إلى نحو 90 دولارًا للبرميل، موضحة أن أسعار الطاقة شهدت زيادات كبيرة منذ 2014، مطالبة الحكومة بتوضيح آليات التسعير، وخطط حماية المواطنين من الأعباء الاقتصادية، والإجراءات المتخذة للحد من انعكاس هذه الزيادات على أسعار السلع والخدمات.
وتعقيبًا تقول لـ”زاوية ثالثة” إن تبرير رفع أسعار الوقود بالظروف الاستثنائية المرتبطة بالعوامل الجيوسياسية، لا يعكس الواقع الفعلي، إذ أن الزيادات التي شهدتها الأسعار خلال السنوات العشر الماضية كانت تتجاوز بكثير التبريرات الرسمية؛ فالحكومة لا تخفض الأسعار عندما تنخفض أسعار النفط عالميًا، كذلك المبالغة في تقدير تحسن الأسعار بعد انتهاء النزاعات غير دقيقة وغير موثوقة”.
وتعتقد “مها” أن ارتفاع أسعار الوقود خلال عشر سنوات يعكس فشلًا واضحًا في إدارة الملف الاقتصادي العام، وأن السياسات الحالية تؤثر على كافة القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك النقل والخدمات اللوجستية، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة المعيشة للمواطنين، موضحة أن برامج الحماية الاجتماعية المعلنة، مثل تكافل وكرامة وبطاقات التموين، لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للشعب المصري، والقدرة الشرائية للمواطنين لا تحتمل مزيدًا من الزيادات في الأسعار، وأن الشارع يعاني من ضغوط كبيرة نتيجة هذه السياسات.
وحول ترشيد استهلاك الطاقة، تقول إن الحكومة أعلنت التزامها بذلك في أكثر من مناسبة، لكنها ترى أن الأولوية يجب أن تكون لتطبيق إجراءات فعالة في المباني العامة والإضاءة والتكييف قبل فرض أي ضغوط على المواطنين، مؤكدةً أن التطورات الإقليمية تؤثر على الاقتصاد المصري لا تبرر السياسات الحالية التي تزيد من هشاشة المواطنين اقتصاديًا.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي للشؤون الدولية، أن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، التي تراوحت بين 14% و17%، تمثل حلقة جديدة في سياسات اقتصادية حمّلت المواطنين العبء الأكبر من الأزمات منذ تولي حكومة مصطفى مدبولي السلطة في 2018، موضحًا أن أسعار الوقود شهدت قفزات كبيرة خلال هذه الفترة، إذ ارتفع بنزين 80 من 5.50 إلى نحو 20.75 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا، فيما ارتفع السولار إلى 20.50 جنيهًا.
ويُحذّر البياضي في بيان له كذلك من أن زيادة السولار تؤثر مباشرة على النقل وأسعار السلع والخدمات، بينما أن الأجور لم تواكب التضخم، معلنًا تقدمه بطلب إحاطة لمساءلة الحكومة حول أسباب الزيادة، وهيكل التسعير، وغياب الحماية الاجتماعية الكافية للمواطنين.
وكشف عضو مجلس النواب أنه تقدم بطلب إحاطة لمساءلة الحكومة حول أسس الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، وإجمالي ما حققته الخزانة العامة من الزيادات المتتالية، ولماذا يتحمل المواطن وحده كلفة الأزمات الإقليمية والدولية، وأين ذهبت وعود الحماية الاجتماعية، ولماذا لا تعلن الحكومة بشفافية هيكل تسعير الوقود والتكلفة الفعلية والضرائب والرسوم المفروضة عليه.
وأكد البياضي أن الحكومة تبرر الزيادة الأخيرة باضطراب أسواق الطاقة عالميًا، لكنه شدد على أن الأزمات العالمية ليست مبررًا لرفع المساءلة، بل سببًا لمضاعفتها، لأن السؤال الحقيقي ليس لماذا ارتفعت الأسعار عالميًا، بل كيف تعاملت الحكومة مع هذه الأزمة، وما الذي فعلته لحماية المواطنين من آثارها بدلًا من نقلها بالكامل إلى جيوبهم.
بالإضافة إلى ذلك تقدم البياضي بسؤال برلماني عاجل موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري البترول والكهرباء، بشأن مدى جاهزية الحكومة لإدارة ملف الطاقة وضمان أمن الإمدادات في ظل التصعيد العسكري المتصاعد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وامتداده الإقليمي، وانعكاساته المرجّحة على الاقتصاد الوطني وأمن الطاقة.
وأكد في سؤاله أن المنطقة تشهد تصعيدًا بالغ الخطورة يعيدها إلى ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الأزمات”، في ظل ارتفاع مخاطر الملاحة وتكاليف الشحن والتأمين وتقلبات أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يفرض ضغوطًا مباشرة على الموازنات العامة للدول المستوردة للطاقة، ومن بينها مصر.
وأشار إلى أن منظومة الكهرباء في مصر شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب في إمدادات الغاز، لافتًا إلى أن بيانات الوكالة الدولية للطاقة تُظهر أن الغاز الطبيعي شكّل نحو 76% من توليد الكهرباء في مصر عام 2023، بما يجعل أي تراجع في الإمدادات أو قفزة في التكلفة خطرًا مباشرًا على استقرار الشبكة الكهربائية.
وأضاف أن مصر عادت خلال الفترة الأخيرة إلى الاعتماد بشكل متزايد على واردات الغاز الطبيعي المسال، إذ سجّلت واردات قياسية بلغت نحو 8.92 مليون طن في 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 11 مليون طن في 2026، وفق تقديرات دولية، وهو ما يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب محليًا.
نوصي للقراءة: على وقع الحرب.. اقتصاد مصر مكشوف من كل الجبهات

رفع أسعار الوقود للمرة الـ21
شهدت أسعار الوقود في مصر منذ يوليو 2019 موجات ارتفاع متصاعدة؛ إذ بلغ سعر بنزين 80 في يوليو 2019 نحو 6.75 جنيه، و92 نحو 8 جنيهات، و95 نحو 9 جنيهات، فيما سجلت أسعار السولار 6.75 جنيه، وأسطوانة البوتاجاز 65 جنيهًا، والمازوت الصناعي 4500 جنيه للطن.
وفي أكتوبر من العام نفسه تراجع سعر بنزين 80 إلى 6.50 جنيه و92 إلى 7.75 جنيه و95 إلى 8.75 جنيه، مع تثبيت سعر السولار عند 6.75 جنيه، وخفض سعر طن المازوت الصناعي إلى 4250 جنيهًا.
وخلال عام 2020 تراوحت أسعار البنزين بين 6.25 و6.50 جنيه للبنزين 80، و7.50 – 7.75 جنيه للبنزين 92، و8.50 – 8.75 جنيه للبنزين 95، بينما ظل سعر السولار غالبًا عند 6.75 جنيه، ولكن في الفترة من أبريل إلى أكتوبر 2021، بدأت أسعار البنزين بالارتفاع تدريجيًا، ووصل سعر البنزين 80 إلى 7 جنيهات، و92 إلى 8.25 جنيه، و95 إلى 9.25 جنيه، مع تثبيت السولار عند 6.75 جنيه، وارتفاع طن المازوت الصناعي إلى 4200 جنيه، والغاز الطبيعي للسيارات 3.75 جنيه للمتر المكعب.
وفي عام 2022 استمرت الزيادات، إذ سجل بنزين 80 ما بين 7.25 و8 جنيهات، و92 ما بين 8.50 و9.25 جنيه، و95 ما بين 9.50 و10.75 جنيه، بينما وصل السولار إلى 7.25 جنيه للتر.
وسرعان ما ارتفعت الأسعار في عام 2023 بشكل ملحوظ، ووصل سعر البنزين 80 إلى 10 جنيهات، و92 إلى 11.50 جنيه، و95 إلى 12.50 جنيه، فيما بلغ سعر السولار 8.25 جنيه للتر.
وشهدت أسعار البنزين في 2024 زيادة متسارعة، إذ بلغ سعر البنزين 80 نحو 13.75 جنيه، و92 نحو 15.25 جنيه، و95 نحو 17 جنيهًا، والسولار 13.50 جنيه، مع وصول سعر المازوت الصناعي إلى 9500 جنيه، وغاز السيارات إلى 7 جنيهات للمتر المكعب.
وقفزت أسعار الوقود مرتين في 2025، إذ ارتفع سعر لتر بنزين 95 إلى 19 جنيهًا في أبريل، وبلغ سعر لتر بنزين 92 نحو 17.25 جنيه، وسعر لتر بنزين 80 حوالي 15.25 جنيه، بينما سجل السولار 15.50 جنيهًا للتر، فيما استقر سعر غاز السيارات عند 7 جنيهات للمتر المكعب، وسعر المازوت الصناعي عند 10,500 جنيه.
وتراوحت أسعار أسطوانات البوتاجاز المنزلية 12.5 كجم بين 150 و200 جنيه، والأسطوانات التجارية بين 300 و400 جنيه، مع تثبيت المازوت المورد للكهرباء والصناعات الغذائية.
وفي أكتوبر 2025، شهدت الأسعار زيادة جديدة، ليصل سعر بنزين 95 إلى 21 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 19.25 جنيه، وبنزين 80 إلى 17.25 جنيه، والسولار إلى 17.50 جنيه، فيما ارتفع سعر غاز السيارات إلى 10 جنيهات للمتر المكعب، في خطوة تعكس استمرار الضغوط على أسعار الطاقة في السوق المحلي.
وفي 10 مارس الجاري، طبقت أحدث زيادة، إذ بلغ بنزين 80 نحو 20.75 جنيه، و92 نحو 22.25 جنيه، و95 نحو 24 جنيهًا، والسولار 20.50 جنيه، بينما ارتفع سعر غاز تموين السيارات إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب.
ويرى الدكتور حسام عرفات، أستاذ هندسة البترول والتعدين ورئيس الشعبة العامة للمواد البترولية السابق، أن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود والغاز في مصر، جاءت في سياق ما وصفته الحكومة بالظروف الاستثنائية، بالتالي لا تندرج ضمن الآلية المعتادة للتسعير التلقائي للوقود، والتي تُطبَّق دوريًا كل ثلاثة أشهر، في الأسابيع الأولى من يناير وأبريل ويوليو وأكتوبر، مع سقف للتغيير لا يتجاوز 10% صعودًا أو هبوطًا.
غير أن الزيادة الأخيرة تجاوزت هذه الحدود، وجاءت في توقيت لا يتوافق مع المواعيد الدورية المقررة، ما يشير، بحسب وصفه، إلى أن القرار اتُّخذ في إطار استثنائي خارج المسار المعتاد للجنة التسعير.
ويلفت “عرفات” إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، خصوصًا التصعيد المرتبط بالحرب بين إيران وإسرائيل، أسهمت في زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغط على العملات في الأسواق الناشئة نتيجة خروج بعض الاستثمارات الأجنبية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الزيادة الأخيرة التي بلغت نحو ثلاثة جنيهات للتر، زيادة كبيرة نسبيًا تقترب من 17%، وتوقيتها غير مناسب اجتماعيًا في ظل تزامنها مع اقتراب الأعياد، لكن الحكومة لجأت لها لتعويض جزء من تكاليف دعم سلع إستراتيجية أخرى مثل الخبز والزيت والسكر، وإعادة توزيع الموارد بين بنود الإنفاق المختلفة”.
كذلك يتوقع أن تمتد آثار ارتفاع أسعار الطاقة إلى قطاعات اقتصادية متعددة، خاصة القطاع الصناعي، نتيجة زيادة تكاليف النقل والشحن والتأمين والمواد الخام المستوردة، وهو ما يحدث بجميع دول العالم كنتيجة طبيعية.
ويشرح عرفات أن الزيادة الأخيرة شملت معظم أنواع المحروقات، بما في ذلك غاز السيارات والغاز المنزلي وأسطوانات البوتاجاز، متوقعًا أن الزيادة المفاجئة قد تفتح المجال لارتفاعات غير رسمية في بعض المناطق بسبب ضعف الرقابة على حلقات التوزيع، كذلك عنصر المفاجأة في إعلان القرار وتطبيقه خلال ساعات قليلة يحد من قدرة المستهلكين على الاستعداد له، وقد يخلق فرصًا للممارسات الاحتكارية في السوق.
ويضيف أن رئيس مجلس الوزراء أشار إلى احتمالية خفض الأسعار مستقبلًا إذا تراجعت الأسعار العالمية، وهو احتمال يراه واردًا لكنه يظل مرتبطًا بعدة عوامل رئيسية تتحكم في تسعير الوقود محليًا، وهي سعر النفط عالميًا، وسعر صرف الدولار، وتكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، لافتًا إلى أن الحكومة كانت قد خفّضت أسعار الوقود خلال عام 2020 في ظل جائحة كورونا بمقدار 25 قرشًا للتر.
وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، صرح خلال مؤتمر صحفي، الثلاثاء، بأن تداعيات الحرب الإقليمية الأخيرة تسببت في اضطرابات حادة بسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاع الطاقة، ما انعكس على أسعار السلع والخدمات، موضحًا أن سعر برميل النفط قفز من نحو 69 دولارًا قبل اندلاع الحرب إلى 84 دولارًا، ثم 93 دولارًا، وبلغ لاحقًا 120 دولارًا قبل أن يتراجع إلى ما بين 92 و93 دولارًا، وهو ما خلق فجوة كبيرة بين الأسعار الفعلية والتقديرات التي بُنيت عليها الموازنة العامة.
وأشار “مدبولي” إلى أن تقلبات السعر اليومي للنفط باتت تؤثر بشكل مباشر على معادلات التسعير، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لضمان استمرار توافر إمدادات الوقود والغاز لقطاعات الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي، مضيفًا أن الدولة كانت أمام خيارين: إما تثبيت الأسعار وتحمل الخزانة العامة كامل الزيادات، أو اتخاذ إجراءات استباقية للحفاظ على استقرار الاقتصاد واستمرار الإنتاج.
وأوضح أن الحكومة اختارت المسار الثاني مع استمرار تحمل جزء كبير من التكلفة، نافياً تحميل المواطنين كامل أعباء الزيادة، مشيرًا إلى أن الموازنة بُنيت على سعر يقارب 61 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع السعر لاحقًا بنحو 50%.
نوصي للقراءة: تسلسل زمني لارتفاع أسعار الوقود منذ ثورة يناير حتى الآن

ارتفاع كلفة المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية
ومن جهته يؤكد الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام، أن ما قامت به حكومة مدبولي من زيادات قياسية في أسعار الوقود خلال شهر رمضان وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة للمواطن، كان أمرًا مفاجئًا، وكان الأجدى انتظار انتهاء الحرب لتقييم التداعيات الاقتصادية واتخاذ القرار الأنسب، معتبرًا أن قرار الزيادة لم يكن له أي مبررات اقتصادية، خاصة بعد أن تراجعت أسعار النفط التي استندت إليها الحكومة من 120 دولارًا للبرميل إلى 90 دولارًا، ومن المتوقع أن تستمر الأسعار في التراجع مع الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية من قبل الدول الكبرى.
ويشرح لـ”زاوية ثالثة” أن الحكومات عادة ما تتعامل مع القفزات المؤقتة في أسعار النفط عبر بدائل متعددة، منها تخفيض ضريبة الوقود، زيادة المعروض، تكثيف الواردات، أو اللجوء للمخزون الاستراتيجي، بينما القرارات الاقتصادية تُبنى على زيادات مستدامة وليست على طفرات مؤقتة، مضيفًا أن الحكومة المصرية كان لديها نية مسبقة لرفع أسعار الوقود استجابة لضغوط خارجية، أبرزها برنامج صندوق النقد الدولي واتفاقه على خفض دعم الوقود، وأنها انتظرت الفرصة المناسبة، والتي وجدتها في قفزة سعر النفط الحالية وصدمة الطاقة الناتجة عن الحرب.
ويلفت إلى تعهد رئيس الوزراء بعدم زيادة الأسعار ثم التراجع عنه ليس الأول من نوعه، مشيرًا إلى التجربة السابقة مع تعويم الجنيه، حيث تم إجراؤه عدة مرات رغم التعهد بعدم العودة له، وأن هذا ينسحب على قرارات رفع الأسعار، إذ تُراعى في اتخاذها مصالح أخرى مثل زيادة الإيرادات ومدى رضا المؤسسات المالية الدولية، وليس مصلحة المواطن مباشرة.
ويشير إلى أن زيادة أسعار الوقود وما يترتب عليها من زيادات في أسعار النقل والمواصلات والسلع الغذائية والفائدة وإيجارات السكن وفواتير الكهرباء والمياه، ستغذي موجة جديدة من التضخم، مما يضغط على قيمة العملة وكلفة المعيشة والقدرة الشرائية للمواطن، موضحًا أن ذلك يؤثر على كل الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك قطاع الزراعة (تكلفة الري ونقل السلع)، والقطاع الصناعي (تكلفة الإنتاج)، وقطاع النقل (زيادات محتملة في أسعار مترو الأنفاق والقطارات والمواصلات العامة)، إضافة إلى تأثيره على مناخ الاستثمار وأسواق الصرف ومعدلات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وكانت لجنة الأزمات المركزية قررت تبني حزمة إجراءات استباقية تشمل ترشيد الإنفاق الحكومي عبر خفض استهلاك الوقود والكهرباء في الجهات والمشروعات كثيفة الاستهلاك، مع متابعة المحافظين لترشيد إضاءة الشوارع وضبط الإعلانات، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق بتأجيل المصروفات غير العاجلة وتقليص السفر والمؤتمرات، مع التركيز على استكمال المشروعات القريبة من الانتهاء.
بجانب تشديد الرقابة على الأسواق ودراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري لمنع الاستغلال، وإعادة تسعير بعض المنتجات البترولية لمواجهة جزء من ارتفاع الأسعار العالمية.
كذلك أعلنت الحكومة، في 10 مارس، عن تعزيز برامج الحماية الاجتماعية بمد دعم مستفيدي “تكافل وكرامة” والأسر الأولى بالرعاية لشهرين إضافيين، مع إعداد حزمة لتحسين الأجور اعتبارًا من العام المالي 2026/2027، بما يدعم القوة الشرائية ويحافظ على استقرار الأسواق.
ويرى الخبير الاقتصادي زهدي الشامي، أن الحكومة استغلت الظرف الدولي لتسريع وتيرة رفع الأسعار. وأوضح أن أسعار النفط العالمية شهدت بالفعل قفزة مؤقتة وصلت إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، قبل أن تتراجع إلى حدود 90 دولارًا، ما يعني أن الارتفاع لم يكن مستقرًا بما يبرر زيادات كبيرة في الأسعار المحلية.
وينتقد الزيادات الأخيرة التي وصلت إلى نحو 17% في أسعار الوقود، واصفًا إياها بأنها زيادات كبيرة لا تتناسب مع التطورات الفعلية في الأسواق العالمية، وتأتي في سياق مسار مستمر لرفع أسعار الطاقة في مصر خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن الاتجاه العام للسياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة يقوم على زيادة أسعار الطاقة في إطار التزامات مرتبطة ببرامج الإصلاح الاقتصادي والاتفاقات مع المؤسسات المالية الدولية، وأن الأسعار المحلية تتحرك في اتجاه الارتفاع حتى في الفترات التي تشهد فيها الأسواق العالمية انخفاضًا نسبيًا.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أسعار أنبوبة البوتاجاز شهدت زيادات كبيرة ومتتالية خلال نحو عشر سنوات، وارتفاع أسعار البنزين والسولار سينعكس مباشرة على معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة، خاصة مع الزيادة الفورية في تعريفة النقل والمواصلات في العديد من المحافظات، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات المختلفة”.
ويضيف أن هذا التأثير لا يقتصر على النقل فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث تعتمد عمليات الإنتاج والتوزيع على الطاقة والنقل، ما يعني أن أي زيادة في أسعار الوقود تنتقل تدريجيًا إلى الأسعار النهائية للسلع التي يتحملها المستهلك، محذرًا من استمرار هذه الزيادات سيؤدي إلى مزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات والخدمات الأساسية، إلى جانب ما وصفه باختلالات في منظومة الأجور والمعاشات مقارنة بمعدلات التضخم.
ويشير الشامي إلى أن تقدير حجم الفقر في مصر أصبح أكثر صعوبة في ظل توقف نشر بعض البيانات الرسمية المتعلقة به، إلا أنه يرى أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة، خاصة بعد تحرير سعر الصرف وتراجع قيمة الجنيه، أدت إلى اتساع نطاق الفقر خلال السنوات الأخيرة، كما أن انخفاض قيمة العملة يؤدي تلقائيًا إلى تراجع القوة الشرائية للدخول، خصوصًا عند قياسها بالدولار أو مقارنة أسعار السلع المستوردة، وهو ما ينعكس في النهاية على مستوى المعيشة.
ويضيف أن مصر كانت تُصنَّف سابقًا ضمن الدول ذات الدخل المتوسط، إلا أن تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار أسهما في تقليص مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين، ما أدى إلى اتساع شريحة الفئات الأكثر تأثرًا بالضغوط الاقتصادية.
ويشدد على أن استمرار زيادات أسعار الطاقة دون سياسات موازية لحماية الدخول وتحسين مستويات الأجور قد يؤدي إلى تعميق الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، داعيًا إلى تبني سياسات اقتصادية تراعي الأبعاد الاجتماعية وتحد من آثار التضخم على المواطنين.

كيف تتحرك أسعار الوقود في مصر؟
يوضح الدكتور محمد سعد الدين، رئيس لجنة الطاقة في اتحاد الصناعات المصرية ورئيس جمعية مستثمرى الغاز المسال، أن قرارات تحريك أسعار الوقود في مصر ترتبط بالآلية المعمول بها منذ سنوات من خلال لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية، والتي تعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية هي سعر خام برنت عالميًا، وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه، إضافةً إلى تكاليف التداول والنقل والتأمين، مبينًا أن هذه العوامل الثلاثة شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، ما أدى إلى زيادة تكلفة المواد البترولية، بنسبة لا تقل عن 50%.
ويرى رئيس اللجنة أن زيادة أسعار الوقود محليًا بنحو 15% لا تعكس كامل الزيادة في التكلفة، وأن الدولة ما تزال تتحمل جزءًا من الدعم، مبررًا تحريك الأسعار بعدم رغبة الحكومة في تحمل الموازنة العامة كامل الزيادة، والذي قد يؤدي إلى صعوبات في توفير المنتجات البترولية وظهور أزمات في الإمدادات.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “تحريك الأسعار يأتي في إطار تقاسم الأعباء بين الدولة والمواطن خلال الأزمة الحالية في أسواق الطاقة، وأتوقع أن هذه الأزمة مؤقتة وترتبط بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، ولجنة التسعير التلقائي يمكن أن تتجه إلى خفض الأسعار في حال تراجع سعر النفط عالميًا وانخفاض سعر الدولار، لكن أي تغيرات في الأسعار العالمية تحتاج عادةً إلى فترة لا تقل عن شهرين حتى تنعكس على قرارات التسعير المحلية”.
ويعزي سعد الدين الزيادات المتتالية في أسعار الوقود خلال السنوات الأخيرة، إلى الفجوة الكبيرة التي كانت موجودة بين الأسعار المحلية القديمة والتكلفة الفعلية للمنتجات البترولية، موضحًا أن الدعم كان يغطي جزءًا كبيرًا من التكلفة، إلاّ أن تزامن ذلك مع تحرير سعر صرف الجنيه أدى إلى زيادة هذه الفجوة، إذ ارتفع سعر الدولار من نحو 8 جنيهات إلى مستويات أعلى بكثير، وهو ما أدى إلى ارتفاع التكلفة الفعلية للوقود، معتبرًا أن ذلك لا يعني اختفاء الدعم بالكامل، بل يعكس في جانب كبير منه زيادة تكلفة الاستيراد والطاقة عالميًا إلى جانب ارتفاع سعر الدولار.
وبشأن زيادات أسعار أسطوانات البوتاجاز يشير إلى أن السعر الطبيعي للأسطوانة عند خروجها من المستودع يتراوح بين 200 و250 جنيهًا تقريبًا، لافتًا إلى أن الزيادات التي قد تصل إلى 270 أو 280 جنيهًا تكون نتيجة تكاليف نقلها إلى المنازل، عازيًا أي أسعار أعلى من ذلك إلى ممارسات غير قانونية من بعض المتعاملين في السوق.
وبسؤاله عن تأثير زيادة أسعار الطاقة على الأنشطة الصناعية، يقول: إن “حجم التأثير يعتمد على نسبة تكلفة النقل في المنتج النهائي، وزيادة أسعار الوقود بنسبة 17% لا تعني زيادة مماثلة في أسعار السلع، لأن النقل يمثل نسبة محدودة من تكلفة الإنتاج؛ فإذا كانت تكلفة النقل تمثل نحو 10% من تكلفة المنتج النهائي، فإن زيادة أسعار الوقود قد تؤدي إلى ارتفاع السعر النهائي بنسبة تتراوح بين 1.5% و2% فقط”، رغم ذلك يتوقع أن الشركات ستضطر إلى تعديل أسعار منتجاتها لتعويض الزيادة في تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما سيتحمله المستهلك بالضرورة.
وفي المقابل يلفت إلى أن حزمة إجراءات اتخذتها مصر خلال العام الماضي، لتأمين احتياجاتها من الغاز، من بينها استقدام سفن للتغييز وإبرام اتفاقيات توريد مع عدد من الدول مثل الجزائر وقطر والسعودية والإمارات، معتبرًا أن هذه الإجراءات، إلى جانب تحسن الإنتاج المحلي من الغاز تدريجيًا، تسهم في تقليل احتمالات حدوث أزمة في الإمدادات ونقص في السوق.
وكانت أسعار أسطوانة البوتاجاز المنزلية في مصر (سعة 12.5 كيلوجرامًا)، شهدت زيادات متتالية خلال العقد الأخير، إذ ارتفع سعرها 11 مرة في الفترة ما بين عامي 2016 و2026، وفقًا للبيانات الرسمية والتقارير الإعلامية، وكانت أولى الزيادات في نوفمبر 2016، عندما ارتفع سعر الأسطوانة من 8 جنيهات إلى 15 جنيهًا، بزيادة بلغت نحو 87.5%.
وفي يونيو 2017 تضاعف السعر مرة أخرى ليصل إلى 30 جنيهًا بدلًا من 15 جنيهًا، بنسبة زيادة بلغت 100%، ثم ارتفع السعر في يوليو 2018 إلى 50 جنيهًا بدلًا من 30 جنيهًا، بزيادة قدرها 66.7%.
واستمرت الزيادات في السنوات التالية، إذ ارتفع السعر في يوليو 2019 من 50 جنيهًا إلى 65 جنيهًا بنسبة 30%. وبعد ذلك بعامين، وتحديدًا في ديسمبر 2021، زاد السعر من 65 إلى 70 جنيهًا بنسبة 7.7%، ثم ارتفع خلال عام 2022 إلى 75 جنيهًا بدلًا من 70 جنيهًا بنسبة 7.1%.
وشهد عام 2024 زيادتين متتاليتين، الأولى في مارس من 75 إلى 100 جنيه بنسبة 33.3%، والثانية في سبتمبر حين قفز من 100 إلى 150 جنيهًا بنسبة 50%.
كذلك تواصلت الزيادات في عام 2025، من 150 إلى 200 جنيه بنسبة 33.3%، ثم إلى 225 جنيهًا في أكتوبر بزيادة بلغت 12.5%. وفي أحدث زيادة، ارتفع سعر الأسطوانة المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا، بنسبة زيادة بلغت نحو 22.2%.
نوصي للقراءة: رفع أسعار الوقود للمرة الـ20.. الحكومة تختار الطريق الأسهل.. والشعب يدفع

تأثر قطاعات النقل والصناعة
أعقبت الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، ارتفاعات فورية في تعريفة النقل العام والخاص في عدد من المحافظات، في قطاع النقل العام والجماعي، إذ أعلنت محافظة القاهرة تعديل تعريفة عدد من خطوط النقل الجماعي، وتراوحت الزيادات بين جنيه وثلاثة جنيهات بحسب نوع الخط والمسافة، وارتفعت تعريفة (الميني باص) العادي من 18 جنيهًا إلى 19 جنيهًا، بينما زادت تعريفة (الميني باص) المكيف من 22 جنيهًا إلى 25 جنيهًا.
كذلك شهدت بعض خطوط الحافلات الكبيرة زيادات تتراوح بين جنيهين وثلاثة جنيهات، خصوصًا الخطوط التي تربط القاهرة بالمحافظات المجاورة، وفي محافظات أخرى مثل الغربية والمنوفية والسويس، أعلنت الإدارات المحلية تعليق لوحات وبانرات في المواقف تتضمن التعريفات الجديدة، مع زيادات تراوحت في المتوسط بين 10% و20% في تعريفة الحافلات والنقل الجماعي.
أما في قطاع النقل الخاص، ارتفعت تعريفة سيارات السرفيس والأجرة بنسب متفاوتة تراوحت بين 15% و20% حسب الخطوط والمسافات. ففي القاهرة، زادت تعريفة بعض خطوط السرفيس الداخلية نحو 2 إلى 5 جنيهات للرحلة، وجرى تعديل تعريفة التاكسي الأبيض، إذ ارتفع سعر فتح العداد من 11 جنيهًا إلى 13 جنيهًا، وسعر الكيلومتر من 5 جنيهات إلى 6 جنيهات.
وبالنسبة لتطبيقات النقل الذكي، لم تعلن الشركات عن زيادات رسمية مباشرة في التعريفة، إلا أن مؤشرات الاستخدام وشكاوى بعض المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى ارتفاع غير مباشر في تكلفة الرحلات بنسبة تراوحت بين 10% و15%، نتيجة زيادة تكاليف الوقود التي يتحملها السائقون.

تطور أسعار النقل العام والخاص
ويشرح الدكتور حافظ السلماوي، أستاذ هندسة الطاقة بكلية الهندسة في جامعة الزقازيق والرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، أن قرارات تحريك أسعار الوقود في مصر لا تُبنى على الأسعار اليومية فحسب، بل على متوسط الأسعار المتوقعة خلال فترة معينة، مع الأخذ في الاعتبار توقعات أسعار العقود الآجلة، موضحًا أن الحكومة تضع في الحسبان عوامل عدم اليقين، مثل توقف الإنتاج في بعض الدول وإغلاق مضيق هرمز.
ويقول إن تأثير هذه الأحداث لا ينتهي بمجرد انتهاء الأزمة، بل يستمر حتى تعود قدرات الإنتاج إلى المستويات الطبيعية، كما تُؤخذ مؤشرات السوق العالمية وأسعار المخزون الاستراتيجي للدول الكبرى في الاعتبار ضمن مراجعة التقديرات.
ويشير إلى أن التأثير المباشر لارتفاع أسعار الوقود يكون على قطاع النقل، سواء نقل الأفراد أو البضائع، بينما باقي القطاعات مثل الزراعة أو المطاعم تتأثر بشكل أقل، إذ إن الاستخدام المباشر للوقود فيها محدود، أما الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل صناعة الصلب والأسمدة والأسمنت، فأوضح أن الأسعار الحالية للغاز الطبيعي لم تشملها بعد، رغم ارتفاع تكاليف الغاز المسال المستورد نتيجة وقف إمدادات الغاز الإسرائيلي، مؤكّدًا أن تأثير ارتفاع الغاز الطبيعي سيكون أكبر على هذه الأنشطة الصناعية مقارنة بتأثير أسعار البترول.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “مصر تستورد نحو 30% من احتياجاتها من الطاقة، سواء من البترول أو الغاز، ما يجعل الاقتصاد المصري حساسًا لتقلبات الأسعار العالمية، وجزء من الإنتاج المحلي يتم تسعيره وفق معادلات مشاركة الإنتاج، ما يعني أن أسعار البترول والغاز المستوردة من شركاء أجانب تتأثر بالأسعار العالمية، وهذه التغيرات تنعكس جزئيًا على السوق المحلي”.
وفيما يتعلق بإجراءات ترشيد الاستهلاك في حال استمرار الأزمات، أفاد السلماوي بأن الحكومة سبق أن لجأت إلى إجراءات مؤقتة، مثل إيقاف مصانع الأسمنت لمدة قصيرة واستبدال الغاز بالمازوت لتوفير الطاقة لقطاع الكهرباء، مؤكدًا أن أي تمديد للأزمة قد يضطر الدولة إلى استيراد الغاز بأسعار أعلى، مع مراعاة قدرة المواطنين على التحمل، وإدارة التوازن بين تكلفة الطاقة واستقرار السوق المحلي.
ويشير إلى أن مصر تعمل على محورين رئيسيين: زيادة نصيب الطاقات المتجددة المحلية في خليط الطاقة، وبناء تخزين استراتيجي للغاز والبترول، بما يخفف الصدمات المستقبلية في حال تقلبات الأسواق. ومع ذلك، يؤكد أن تحقيق هذه الاستراتيجيات يحتاج إلى وقت، وحتى ذلك الحين سيظل الاقتصاد معرضًا للصدمات في أسعار الطاقة.
ختامًا يمكن القول إن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود في مصر، تعكس تداخل عوامل داخلية وخارجية، تتراوح بين تقلبات أسواق الطاقة العالمية، وتداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة، إلى جانب اعتبارات الموازنة العامة وسياسات خفض الدعم.
وبينما ترى الحكومة أن القرار يهدف إلى احتواء جزء من الضغوط المالية وضمان استمرار توفير الطاقة في السوق المحلي، يحذر خبراء واقتصاديون من اتساع تأثيراته على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع، بما قد يغذي موجة جديدة من التضخم.