close

165 ألف جنيه للعودة إلى القاهرة: مصريو الخليج بين تذكرة لا يملكونها وعمل قد يفقدونه

يعمل ما بين 4 و5 ملايين مصري في دول الخليج ويرسلون نحو 41.5 مليار دولار سنويًا إلى مصر، بينما تتعرض المنطقة لهجمات بأكثر من 1400 صاروخ وطائرة مسيّرة منذ بداية التصعيد العسكري.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

لم يتخيل أحمد علي أن تتحول رحلة قصيرة إلى الإمارات، لزيارة شقيقه المقيم في دبي، إلى كابوس، مع إندلاع العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، السبت الماضي، أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني، علي خامنئي وتدمير  عدة مواقع إيرانية، وردًا على ذلك أطلقت طهران أكثر من 400 صاروخ بالستي و1000 طائرة مسيرة تجاه قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج والأردن والعراق، وسط اعتراضات جوية وخسائر بشرية محدودة نسبيًا وأضرار مادية في بعض المطارات والمنشآت.

خطط علي للعودة إلى القاهرة جوًا في الأول من مارس، لكنه تلقى رسالة من فلاي دبي تُعلمه بإلغاء الرحلة، بسبب إغلاق المجال الجوي وتعليق الرحلات، ليجد نفسه عالقًا رفقة أخيه، ينتابه القلق والخوف مع اندلاع أصوات الانفجارات الناجمة عن محاولات التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية. فيما أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، عن سقوط 35 مسيرة إيرانية داخل أراضيها، تسببت في مصرع ثلاث وافدين وإصابة 58 آخرين بينهم مصريين.

وما بين نيران الحرب والخوف على مصدر الرزق الوحيد، يقف مئات وربما ألاف المصريين المتواجدين بدول الخليج، وسط الحرب، على أمل أن تهدأ الأمور سريعًا وتعود الحياة لطبيعتها، أو تساعدهم وزارة الخارجية في الإجلاء، بحثًا عن مسار آمن للعودة؛ إما برًا عبر سلطنة عمان في رحلة تستغرق ساعات طويلة وسط طرق وعرة، حتى يصل إلى مطار مسقط، ومنه إلى مصر، أو من خلال الطريق البري إلى السعودية، ثم الانطلاق من مطار جدة إلى مطار القاهرة، بينما تعيش أسرهم في مصر قلقًا شديدًا، وهم يتابعون أخبار الحرب التي لا تتوقف عبر القنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي على مدار اليوم.

وعلى مقربة كان عمرو حسين المقيم في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، ويعمل بإحدى الشركات القريبة من مطار زايد الدولي، متواجدًا مع زملائه في مقر عمله في الأول من مارس الجاري، حين سمعوا صوت انفجار عنيف، وسرعان ما علموا أن مصدره، اعتراض طائرة مسيرة استهدفت المطار، ما أسفر عن سقوط شظايا نتج عنها حالة وفاة واحدة و 7 إصابات، وإثر ذلك قررت إدارة الشركة إخلاء مقرها وتعليق العمل به مؤقتًا، على أن يباشر موظفوها عملهم عن بعد، من منازلهم.

إثر ذلك اضطر عمرو للبقاء في السكن، الذي يشاركه به ثلاثة آخرين من زملائه الوافدين، ينتابهم الخوف والقلق كلما سمعوا دوي انفجار قريب، ومن حين لآخر يتلقى مكالمة من مصر، لأحد أقاربه وأصدقاءه القلقين، ورغم الخوف بشأن طول أمد الحرب أو اتساعها، إلاّ أن أكبر مخاوف عمرو هي أن تتسبب في تسريحه من عمله ويعود إلى أهله خالي الوفاض؛ وهو يعول أبويه المسنين وزوجة وثلاث أبناء ويُسدد أقساط قرض كان قد حصل عليه لشراء مستلزمات زواج شقيقته، العام الماضي؛ لذا لا يُفضّل أخذ إجازة والعودة إلى وطنه عند استئناف الرحلات الجوية، خوفًا من ألاّ تتاح له فرصة العودة والوقوع في طابور البطالة.

ومنذ 28 فبراير تجاوز إجمالي الهجمات الإيرانية على دول خليجية وعربية بها قواعد أمريكية، 1400 صاروخًا وطائرة مسيّرة، إذاستُهدفت قاعدة العديد الجوية ومواقع مدنية في العاصمة القطرية الدوحة، ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 16 شخصًا وأضرار في المطار الدولي ومنشآت سياحية.

وفي الإمارات، طالت الضربات قاعدة الظفرة الجوية ومطار دبي الدولي ومبانٍ سكنية، مخلفة ثلاثة مدنيين على الأقل وإصابة 58 آخرين وأضرارًا في البنية التحتية، كما شنت هجمات على مطار الكويت الدولي وقواعد عسكرية أمريكية، منها قاعدة علي السالم، والسفارة الأمريكية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين على الأقل وإصابة 32 شخصًا، كذلك تعرضت البحرين والسعودية والأردن وعُمان والعراق لهجمات استهدفت مطارات ومنشآت نفطية وقواعد عسكرية، فضلًا عن التصعيد بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، تزامنًا مع إغلاق جزئي لمضيق هرمز.

وبالتزامن تشهد حركة الطيران بين دول الخليج ومصر، اضطرابات واسعة على خلفية الإغلاق الجزئي أو الكلي للمجالات الجوية في عدد من الدول الخليجية، وتعرض مطارات رئيسية لأضرار، أبرزها: مطار دبي الدولي، زايد الدولي في أبوظبي، مطار حمد الدولي في قطر، مطار الكويت الدولي، مطار البحرين الدولي، ومطاري الملك خالد والملك عبدالعزيز الدولي في السعودية، ومطار مسقط الدولي بسلطنة عُمان.

ومنذ اندلاع الحرب، أعلنت مصر للطيران تعليق الرحلات الجوية إلى 13 وجهة عربية، تضمنت: (الكويت، دبي، الدوحة، البحرين، أبوظبي، الشارقة، القصيم، الدمام، أربيل، بغداد،عمّان، بيروت، مسقط)، فيما أكدت وزارة الطيران المدني تشغيل 69 رحلة من أصل 116 مخططًا إلى دول الخليج، وإلغاء 47 رحلة.

وفي السادس من مارس الجاري أعلنت الشركة، عن تسيير رحلات طيران تدريجية ذهابًا وعودة، من دبي والدمام، بعد تعليق سابق بسبب التوترات الإقليمية، غير أن أسعار الرحلات أثارت صدمة العديد من المصريين العالقين؛ إذ وصل سعر رحلة العودة من دبي إلى حوالي 165 ألف جنيه، وارتفع سعر المقعد على طائرة العودة من الدمام إلى 73 ألف جنيه.

وتعد دول الخليج الست، أكبر تجمع للعمالة المصرية في الخارج؛ إذ تستضيف نحو 4 إلى 5 ملايين مصري، من بينهم 1.4 إلى 1.5 مليون في السعودية وحدها، ونحو 1.3 مليون في الإمارات، وحوالي 300 ألف مصري في قطر، وفي الكويت نحو 667 ألفًا، أما البحرين فتتراوح التقديرات بين 30 و40 ألفًا، ويتراوح العدد في عُمان بين 50 و96 ألفًا. وفي الأردن تتراوح التقديرات بين 900 ألف إلى 1.25 مليون مصري، فيما يقدر عدد المصريين في لبنان بنحو 11 ألفًا، في العراق يوجد نحو 1500 إلى 2000 مصريًا.

يصف أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، مسار التصعيد العسكري الراهن  بأنه يحمل درجة عالية من عدم اليقين، قد تنزلق الحرب إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا، وتمتد من نطاق زمني لا يتجاوز عشرة أيام إلى عدة أسابيع، مُبينًا أن إيران تتجه، إلى توسيع نطاق المواجهة باعتبارها تخوض اختبارًا حاسمًا لبقاء النظام الحاكم، ورفع كلفة العمليات على الولايات المتحدة وحلفائها عبر استنزاف منظومات الدفاع الجوي وإرباك المشهد الإقليمي، معتبرًا أن اتساع رقعة الاستهدافات، إلى المنشآت الحيوية والمطارات ومنشآت نفطية أو بنى تحتية، يشير إلى أن الصراع قد لا يظل محصورًا في الأهداف العسكرية وبالتالي يتقلص هامش الأمان تدريجيًا، وترتفع المخاطر الأمنية كلما طال أمد المواجهة.

ويرى “سلطان” في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن استمرار التوترات قد يدفع الحكومات الخليجية إلى اتخاذ إجراءات أمنية وتنظيمية استثنائية تؤثر على حركة الطيران، والاستثمارات، وتدفقات العمالة الوافدة، موضحًا أن أي اضطراب طويل الأمد سينعكس بالضرورة على الأنشطة الاقتصادية، ومن ثم على أوضاع المقيمين الأجانب، ومن بينهم العمالة المصرية، رغم ذلك يستبعد حدوث تحول استراتيجي واسع على المدى القريب، إلاّ إذا طال أمد الأزمة، مما سيؤدي لتراجع تحويلات المصريين نتيجة تعطل بعض الأعمال أو عبر ضغوط اقتصادية أوسع في دول الاستقبال، وبالتالي ينعكس على الاقتصاد المصري.

 

نوصي للقراءة: الحرب على إيران.. كيف يلامس التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي حدود مصر؟


تداعيات التصعيد على الجاليات المصرية

يقول السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة، لـ”زاوية ثالثة” إن استهداف مواقع تضم قواعد أو عناصر أمريكية داخل بعض دول الخليج إلى تعطّل أنشطة اقتصادية وخدمية، واتجاه قطاعات للعمل عن بُعد، إلى جانب تصاعد الشعور بعدم الأمان وحالة عدم اليقين بشأن أمد الحرب، بجانب توقف أو تراجع صادرات النفط والغاز، التي تمثل النسبة الأكبر من إيرادات دول الخليج، لافتًا إلى أن أمد الحرب، يرتبط بمدى سعي إيران لإظهار رد انتقامي يتناسب مع حجم الاستهداف الذي تعرضت له، وحجم الضغوط الإقليمية والدولية على الولايات المتحدة لاحتواء الصراع، وأن استمرار العمليات بهدف إسقاط النظام الإيراني قد يطيل أمد المواجهة لأشهر، وهو سيناريو بالغ الخطورة على استقرار الخليج والشرق الأوسط ككل.

وبشأن المصريين العالقين في الدول العربية المتضررة، بسبب تعليق بعض الرحلات الجوية، يعتقد حسن أن فترات التعليق القصيرة يمكن التعامل معها بالانتظار ما لم تكن هناك حالات طارئة، وفي هذه الحالة يمكن اللجوء إلى مسارات بديلة برية أو إلى مطارات في دول مجاورة مثل السعودية، مؤكدًا أن السفارات والقنصليات المصرية لديها قنوات اتصال مفتوحة مع الجاليات منذ سنوات، خاصة منذ جائحة كورونا، لتقديم الدعم والتنسيق مع السلطات المحلية عند الحاجة، وأن قيادات الجاليات والمؤسسات المصرية في الخارج تلعب دورًا مكملًا في التواصل والتنسيق مع البعثات الدبلوماسية لضمان سرعة الاستجابة لأي مستجدات.

وفيما يتعلق بالعمالة المصرية، يوضح أن التأثير سيظل محدودًا إذا بقي التصعيد في إطار زمني قصير لا يتجاوز عدة أسابيع، سيتأثر المصريون شأنهم شأن مواطني دول الإقامة،  لكنه يحذر من أنه في حال طال أمد الحرب وتعرضت شركات أو مصانع لخسائر كبيرة، فقد تلجأ إلى خفض العمالة أو تجميد التوظيف، ما سينعكس على أعداد العاملين وتحويلاتهم المالية إلى مصر، كذلك يتخوف من عواقب اضطراب سلاسل إمداد الغذاء والاحتياجات الأساسية لدول الخليج، والذي سينعكس سلبًا على أوضاع الوافدين ومن بينهم المصريين، ما لم تجد الدول مسارات بديلة للتوريد عبر أطراف ثالثة.

من جانبه يرى السفير علي الحفني، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الضربات التي طالت أهدافًا داخل بعض دول الخليج تمثل بالضرورة خطرًا مباشرًا على الجاليات المقيمة هناك، ومن بينها الجالية المصرية المنتشرة بكثافة في مختلف دول مجلس التعاون، والتي تصل أعدادها في بعض الدول إلى مئات الآلاف وتتجاوز المليون، كما هو الحال في السعودية، مدينًا استهداف أراضي دول عربية ذات سيادة، لاسيما أنها أعلنت بوضوح كونها ليست طرفًا في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو ما ينعكس بدوره على الأمن القومي المصري. 

ورغم ذلك يستبعد الحفني حدوث موجات عودة واسعة للجاليات المصرية في الوقت الراهن، لكون المصريين في دول الخليج مرتبطون بأعمالهم وأسرهم واستقرارهم المعيشي، بينما قد يختار بعض الأفراد العودة لمصر مؤقتًا بدافع الاحتياط الشخصي، دون أن يعني ذلك تحولًا واسع النطاق في أوضاع العمالة. أما بشأن جاهزية السفارات والقنصليات المصرية، فيؤكد أن البعثات الدبلوماسية قائمة وموجودة للتعامل مع الظروف العادية والاستثنائية على حد سواء، وأن لديها الخبرة والتجربة الكافيتين لتقديم الدعم اللازم للمواطنين في حال تطور الأوضاع، مؤكدًا أن ما شهدته حركة الطيران من تعديلات أو إلغاءات لا يقتصر على الشركات المصرية، بل شمل شركات دولية عدة أعادت تقييم مساراتها في ضوء الأوضاع الأمنية، معتبرًا أن هذه الإجراءات تندرج ضمن التداعيات الطبيعية لأي تصعيد عسكري.

من جهتها، رفعت  وزارة الخارجية حالة الاستعداد القصوى بالبعثات المصرية، مؤكدة متابعتها لأوضاع أبناء الجالية المصرية لضمان تقديم الدعم والرعاية القنصلية اللازمة، مطالبة إياهم بتوخى الحذر والبقاء على تواصل دائم ومستمر مع السفارات والقنصليات المصرية، والالتزام بكافة التعليمات التي تصدرها سلطات الدول المقيمين بها، كما أعلنت عن إجراءات لتيسير وتسريع استخراج جوازات السفر للمصريين المقيمين في الخارج، تضمنت تقليص مدة الإصدار إلى أقل من أسبوع.

بدورها أعلنت السفارة المصرية في الرياض،  السماح للمصريين القادمين برًا من الدول المجاورة للمملكة العربية السعودية، بالحصول على تأشيرة دخول اضطرارية مباشرة عند الوصول إلى المنافذ البرية للسعودية.

بدوره وجّه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، شركات المحمول العاملة في مصر بمنح المشتركين خمس دقائق دولية مجانية للاتصال بعدد من الدول العربية، هي: المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، الكويت، والأردن؛ وذلك للاطمئنان على ذويهم في ظل الحرب.

وفي خطوة أثارت الجدل بدأت مصر تطبيق زيادة رسوم التأشيرة الاضطرارية لدخول البلاد من 25 إلى 30 دولارًا، اعتبارًا من الأول من مارس 2026، عبر المنافذ والمطارات.

ويعتقد مساعد وزير الخارجية الأسبق أن المشهد الحالي ينذر بإطالة أمد المواجهة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على وجود تفاهمات قريبة بين الأطراف المتصارعة، خاصة مع حالة الارتباك التي يشهدها الداخل الإيراني عقب استهداف قيادات بارزة، وما يقابله من إصرار أمريكي على تحقيق أهدافه من التصعيد، وهو ما سينعكس على أسواق الطاقة، وحركة رؤوس الأموال، والاستثمارات، والسياحة، والملاحة البحرية، والتجارة الدولية، فضلًا عن التأثيرات النقدية والمالية المرتبطة بأسعار العملات.

 

نوصي للقراءة: كيف أربكت معارك إيران والاحتلال الإسرائيلي إمدادات الغاز في مصر؟

تراجع تحويلات المصريين بالخارج

تعتقد النائبة راوية مختار، وكيلة لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن تفاقم الحرب واتساع نطاق التصعيد العسكري في المنطقة قد يؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وهو أمر وارد في ظل الاضطرابات الإقليمية، معتبرة أن الدولة المصرية تستعد لذلك بتحركات استباقية للحفاظ على استقرارها الاقتصادي وأمن مواطنيها في الخارج. 

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “السفارات المصرية في مختلف دول العالم على أتم استعداد للتعامل مع أي تطورات قد تمس الجاليات المصرية، والدولة تتحرك دائمًا بخطوات احترازية لحماية مواطنيها، وأي عمليات إجلاء أو عودة جماعية عادة ما ترتبط بظروف استثنائية وطارئة، وفي حال استمرار الأوضاع بصورة خطرة قد تتخذ وزارة الخارجية إجراءات لإعادة المواطنين حفاظًا على سلامتهم”، مشيرة إلى أن التأثيرات تتركز في مناطق محددة بدول الخليج، بينما تستمر الحياة بصورة طبيعية في مناطق أخرى.

وتشير النائبة إلى أن هناك مسارات بديلة يجري الاستعانة بها، من بينها الانتقال برًا إلى السعودية، مضيفة: أن “السلطات السعودية بدأت في منح تأشيرات استثنائية للمصريين القادمين عبر المنافذ البرية في ظل تعطل بعض الرحلات الجوية، مع استمرار حركة الطيران إلى بعض المدن السعودية باستثناء مناطق محددة تأثرت بالتطورات الأمنية”.

وبشأن قدرة سوق العمل المحلي على استيعاب أعداد محتملة من العائدين، ترى وكيلة لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن ما يدور هي سيناريوهات طارئة وليست أوضاعًا دائمة، ومثل هذه الحالات يتم التعامل معها باعتبارها استثنائية ومؤقتة، رغم ذلك تشير إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة على مصر، تمثلت في تحركات في أسعار الدولار والذهب بالتزامن مع التصعيد، مؤكدة على ضرورة متابعة التطورات بحذر، للتعامل مع مختلف السيناريوهات حفاظًا على أمن المواطنين واستقرار الدولة.

يُقدَّر إجمالي العمالة المصرية في دول الخليج بنحو 4 إلى 5 ملايين شخص، يتركز معظمهم في قطاعات التعليم والصحة والهندسة والبناء والخدمات، وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 نحو 41.5 مليار دولار، بزيادة تقارب 40.5% مقارنة بعام 2024 الذي بلغت فيه التحويلات 29.6 مليار دولار.

وتمثل دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، ما يزيد عن 60 إلى 70% من إجمالي هذه التحويلات، إذ تُقدّر التحويلات السنوية من السعودية بنحو 8 إلى 10 مليارات دولار، ومن الإمارات بنحو 3.6 مليار دولار خلال 2024/2025.

وتُعد التحويلات أحد أكبر مصادر العملة الأجنبية لمصر في بعض السنوات، متجاوزة إيرادات السياحة وقناة السويس والصادرات، وأسهمت في دعم احتياطي النقد الأجنبي الذي تجاوز 50 مليار دولار بنهاية 2025، وتعزيز استقرار سعر الصرف ودعم النشاط الاقتصادي المحلي.

ويعتقد الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن الحديث عن عودة جماعية للعمالة المصرية من دول الخليج على خلفية التصعيد العسكري ضد إيران، لا يزال سابقًا لأوانه، مشيرًا إلى تجارب سابقة، مثل الأزمة الليبية، أظهرت أن عودة العمالة تأتي بعد فترة ممتدة من الصراع، وليس في مراحله الأولى، وقد يؤدي استمرار الأزمة لعدة أشهر، إلى تداعيات من هذا النوع، مشيرًا إلى أن حالة التذبذب في أسعار صرف العملات الأجنبية منذ اندلاع الصراع أدت إلى اضطراب في وتيرة تحويلات المصريين بالخارج.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “استمرار الأزمة لفترة طويلة قد ينعكس على دخول العاملين في الخارج، وبالتالي على حصيلة التحويلات الدولارية، التي تمثل أحد أهم موارد النقد الأجنبي لمصر، أي تراجع في هذا المورد، حتى بنسب محدودة، قد يؤثر على سعر الصرف والاحتياطي النقدي، خاصة إذا تزامن مع خروج استثمارات أجنبية قصيرة الأجل أو تراجع إيرادات السياحة وقناة السويس، ما قد يخلق ضغوطًا “مشابهة لتلك التي شهدتها مصر خلال أزمة الحرب الروسية–الأوكرانية.

وفيما يخص احتمالات تقليص العمالة الأجنبية في دول الخليج، يوضح أن هذا السيناريو يظل مرهونًا بمدى طول أمد الصراع، مؤكدًا أن القطاعات الأكثر عرضة للتأثر في حال استمرار التوتر هي السياحة والإنشاءات والطيران، محذرًا من تداعيات محتملة، حال إغلاق مضيق هرمز، لاعتماد بعض دول الخليج على الاستيراد البحري للغذاء، وهو ما قد يرفع تكاليف النقل ويضغط على اقتصاداتها.

ويتوقع العمدة أنه في حال تصاعدت المخاوف الأمنية، قد يتجه أعداد من المواطنين الخليجيين إلى قضاء فترات مؤقتة في مصر، وهو ما قد يمثل دفعة إيجابية لقطاع السياحة نظرًا لارتفاع معدلات إنفاق السائح الخليجي وطول فترة إقامته مقارنة بغيره، لكنه في الوقت نفسه يستبعد حدوث موجة عودة واسعة للعمالة المصرية، مرجحًا أن قدوم بعضهم سيكون في إطار إجازات مؤقتة لحين اتضاح الرؤية، وليس نتيجة استغناء جماعي عنهم.

بدوره يشرح خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن التصعيد العسكري حتى الآن يتركز على القواعد والمواقع العسكرية الأمريكية في بعض الدول، وليس على الأنشطة الاقتصادية بشكل مباشر، ما يعني أن قطاعات الأعمال في دول الخليج ما زالت تعمل بصورة طبيعية نسبيًا، أما في حال توسع نطاق الضربات ليشمل شركات أو منشآت مدنية، خاصة التي تضم استثمارات أمريكية، فيتوقع أن تتأثر بعض القطاعات مثل النفط، والسياحة، والمقاولات، وهو ما قد ينعكس على جزء من العمالة المصرية العاملة بها، وبالتالي يؤدي إلى تراجع محدود في تحويلات العاملين بالخارج.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “التأثير سيظل محدودًا حال بقاء التصعيد لفترة قصيرة، أما إذا تطور إلى صراع إقليمي واسع أو ممتد، فإن التداعيات ستطال الاقتصاد العالمي بأكمله، بما في ذلك احتمالات اضطراب “سلاسل الإمداد وإغلاق مضيق هرمز، ما قد يدفع بعض الشركات إلى تقليص العمالة مؤقتًا”، معتقدًا إمكانية دمج جزء بسيط من العمالة المصرية التي قد تعود لمصر، في السوق المحلي، خاصة في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، نظرًا لما تمتلكه من خبرات مهنية،.

بالمقابل يُحذّر إيهاب سعيد، خبير أسواق المال، من أن عودة أعداد كبيرة من العمالة المصرية بشكل مفاجئ، في حال تفاقم الصراع، قد تمثل صدمة لسوق العمل المحلي، الذي لا يحتمل استيعاب هذه الأعداد في وقت قصير، ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتأثر ملايين الأسر التي تعتمد على دخول العاملين بالخارج كمصدر رئيسي للإنفاق.

ويشير سعيد إلى أن التداعيات الاقتصادية بدأت بالفعل في الظهور، لاسيما على الاقتصاد المصري، من خلال تخارج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل (الأموال الساخنة)، إلى جانب احتمالات تراجع حركة الملاحة في قناة السويس حال تصاعد التوترات أو تعطل بعض مسارات التجارة.

وفي حين يستبعد حدوث موجات عودة خلال الأيام الأولى من التصعيد، فإنه يُحذر من أنه في حال استمرار الصراع لعدة أشهر، فقد يتم تقليص العمالة الأجنبية في بعض القطاعات الأكثر تأثرًا مثل السياحة والإنشاءات والطيران.

ويشير إلى أن حالة القلق الناتجة عن التوترات الإقليمية والتغيرات الأخيرة في سعر الصرف أدت إلى اضطراب في وتيرة تحويلات المصريين في الخارج، موضحًا أن بعض العاملين قد يؤجلون تحويل مدخراتهم انتظارًا لتحسن سعر الصرف، مشيرًا إلى أن استمرار الأزمة قد ينعكس لاحقًا على دخول ، العاملين أنفسهم، ومن ثم على حصيلة التحويلات الدولارية، مؤكدًا أي تراجع ملحوظ في التحويلات سيؤثر بصورة مباشرة على سعر الصرف والاحتياطي النقدي، خاصة أنها تمثل أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي لمصر، إلى جانب قناة السويس والسياحة.

يقف ملايين المصريين في الدول المتضررة من التصعيد العسكري ولاسيما الخليج، بين مطرقة المخاطر الأمنية الناتجة عن التصعيد العسكري من ناحية وسندان القلق من شبح التسريح، باحثين عن أي بارقة أمل بانفراجة قريبة تعيد الاستقرار إلى المنطقة.

وبالتزامن تبقى السيناريوهات مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيدًا إذا طال أمد المواجهة أو اتسعت رقعتها، ما لم يتم احتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى صراع إقليمي شامل، يعيد رسم خريطة الاقتصاد والطاقة وحركة العمالة في المنطقة، وحتى تتضح الصورة، يظل الحذر سيد الموقف، وتبقى أعين المصريين في الخارج وأعين ذويهم في الداخل معلّقة بتطورات المشهد.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search