ألمح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، منتصف سبتمبر الجاري، إلى احتمال عدم التعاون مجددًا مع صندوق النقد الدولي بعد انتهاء البرنامج الحالي في 2026، والممتد منذ نحو 10 أعوام، حصلت مصر خلالها على عدة قروض، بالمقابل التزمت الحكومة بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الصعبة التي شملت تحرير سعر الصرف، تقليص دعم الطاقة، وتوسيع برنامج الطروحات الحكومية. ورغم أن هذه الخطوات ساعدت على تأمين تمويل خارجي ومنحت الاقتصاد قدرًا من الثقة لدى المؤسسات الدولية، وفق ما تقوله الحكومة، إلا أنها تركت أيضًا آثارًا اجتماعية قاسية تمثلت في موجات تضخم متتالية وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين.
تصريحات مدبولي، خلال لقاءه مجموعة من رؤساء التحرير، والتي حملت تأكيدًا أن مصر “ لن تحتاج إلى برنامج جديد من صندوق النقد الدولي”، تزامنت مع تصريحات أخرى صادمة، جاءت على لسان المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، محمود محيي الدين، حول تباطؤ نمو الاقتصاد المصري خلال 10 سنوات، و ثبات مؤشرات الناتج المحلي مشيرًا إلى عدم الجدوى من الاستمرار على ذات الوتيرة.
محيي الدين، وهو أحد الأسماء البارزة في مجال الاقتصاد، وأيضًا تردد اسمه في مرات سابقة لشغل منصب رئيس الوزراء أو أحد وزراء المجموعة الاقتصادية، في معلومات لم تؤكدها أو تنفيها الجهات الرسمية، قال في تصريحات تلفزيونية إن “ الاقتصاد المصري منذ 2015 و2016، شهد مسارًا متواصلًا من التعاون مع صندوق النقد الدولي في إطار ما عُرف ببرنامج “التثبيت”، والذي من المقرر أن ينتهي في نوفمبر 2026”. موضحًا أن هذا التعاون ارتبط بطبيعة اقتصاد يدار بمنطق إدارة الأزمات، لكن الوقت قد حان للتحرر من تلك العلاقة التي فرضت قيودًا على حركة الاقتصاد، رغم أنها كانت ضرورية في حينها لمعالجة اختلالات مالية ونقدية برزت منذ 2015.
بدأت مصر النسخة الحالية من برنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2022، عندما وافق الصندوق على برنامج التسهيل الممدد (EFF) بقيمة حوالي 7.45 مليار دولار، ومن المقرر أن يمتد هذا البرنامج حتى أكتوبر 2026. ثم أضيف في مارس 2025 ترتيب جديد تحت اسم تسهيل الصلابة والاستدامة (RSF) بقيمة حوالي 1.22 مليار دولار، ليواكب احتياجات التمويل المرنة للحكومة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية. لكن القاهرة خاضت برامج سابقة مع الصندوق منذ 2016، بدءًا ببرنامج التسهيل الممدد الأول الذي أعقب تحرير سعر الصرف واستمر حتى 2019، تلاه تمويل طارئ Stand-By في 2020، واستعداد ائتماني (RFI) خلال نفس الفترة، ما يجعل تعامل مصر مع صندوق النقد تجربة ممتدة منذ نحو عقد من الزمان، لكنها تتوج حاليًا ببرنامج يمتد حتى نهاية 2026، وهو الذي يُعد المرجع الرئيسي لأي تصريحات حكومية عن “الخروج من برامج الصندوق”.


ما دوافع قرار الحكومة؟
يرى الدكتور محمود الجرف، -أستاذ القانون الدولي والقانون الدولي الاقتصادي-، إن الحديث عن قدرة مصر على فك الارتباط مع صندوق النقد الدولي بعد 2026 لا يستند إلى أرضية واقعية، واصفًا التفاؤل الرسمي والمساندة الإعلامية لهذه التصريحات بأنه “تجاهل للأزمة الحقيقية”، موضحًا في تصريحات إلى زاوية ثالثة أن معدل النمو لم يكن ثابتًا كما يُروج له منذ 2015، وأن الاقتصاد المصري يعاني من أزمات هيكلية لم تُعالج رغم عقد كامل من التعاون مع الصندوق.
ويشير الجرف إلى أن ما جرى ليس خطة بديلة بقدر ما هو تأجيل مؤقت لبعض الاشتراطات، بعد أن رأت الحكومة أن لديها سيولة بالعملة الأجنبية يمكن أن تعتمد عليها لفترة قصيرة. لكنه يحذر من أن هذه السيولة سرعان ما ستنفد، لتعود الحكومة مجددًا إلى نفس النقطة: تنفيذ شروط الصندوق من أجل الحصول على مزيد من القروض. “الحديث عن قرار مستقل أو فك ارتباط نهائي مع الصندوق هو مجرد خطاب سياسي لا يعكس الواقع”، على حد وصفه.
يتفق معه الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية محمد رمضان إذ يقول إن الحكومة المصرية تلجأ عادة إلى صندوق النقد الدولي في أوقات الأزمات، باعتباره مصدرًا لشهادة الثقة التي يحتاجها الاقتصاد أمام المستثمرين والأسواق الدولية. ويضيف: “الوضع الحالي لا يشهد ضغطًا كبيرًا على ميزان المدفوعات نتيجة بيع بعض الأصول مؤخرًا، وهو ما وفر للحكومة هامشًا للحركة، لكن يظل السؤال: ماذا سيحدث عند وقوع أزمة جديدة؟”.
ويؤكد رمضان أن الصندوق لا يتدخل إلا في لحظات الانكماش والاختلال، بهدف دعم الثقة واستقرار المؤشرات الكلية للاقتصاد، غير أن الإصلاحات التي ارتبطت ببرامجه لم تُثمر عن نتائج ملموسة في مصر على مدار سنوات طويلة. ويوضح أن مصر ليست مُلزمة بالاستمرار في البرنامج حتى نهايته، إذ يمكنها وقف التعاون في أي وقت حتى لو لم تحصل على كامل القرض، “لكن التجربة أثبتت أن العودة إلى الصندوق تبقى حتمية متى ظهرت أزمة جديدة”.
صندوق النقد vs. إمبراطورية الجيش الاقتصادية: كيف يراها؟ وكيف ردت مصر؟

ماذا تقول الأرقام؟
يُظهر أحدث تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في 31 أغسطس الماضي أن مصر ما زالت في قلب التزاماتها مع الصندوق، رغم التصريحات الحكومية المتكررة حول “الاستقلال الاقتصادي” أو “الاستعداد للخروج من برامج الصندوق” خلال السنوات المقبلة. إذ تشير بيانات الصندوق إلى أن حصة مصر (الـQuota ) تبلغ 2.03 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (SDR)، لكن ما اقترضته يفوق هذه الحصة بعدة أضعاف، ما يعني أن مصر تستخدم أكثر من ثلاثة أضعاف حصتها في التمويل من الصندوق، ما يعكس حجم الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتغطية الاحتياجات التمويلية.
تجدر الإشارة إلى أن حقوق السحب الخاصة (SDR) هي أصل احتياطي دولي أنشأه صندوق النقد الدولي عام 1969 بهدف تكميل الاحتياطيات الرسمية للدول الأعضاء، وتوفير سيولة دولية تساهم في استقرار النظام النقدي الدولي، وهي ليست عملة بحد ذاتها، بل تمثل وحدة حسابية مبنية على سلة من خمس عملات دولية رئيسية: الدولار الأمريكي، اليورو، اليوان الصيني، الين الياباني، والجنيه الإسترليني. كذلك تستخدم كأداة مالية دولية يمكن للدول الأعضاء تحويلها إلى عملات قابلة للتحويل عبر الاتفاق مع دول أخرى، وتُستخدم أساساً كاحتياطي نقدي يُكمل الاحتياطيات الأجنبية للدول، ويُساعد في تسوية المدفوعات الدولية أو سداد القروض مع صندوق النقد.

وتعمل مصر مع صندوق النقد، حتى الآن على برنامجين الأول هو: التسهيل الممدد (EFF) بقيمة 6.11 مليار وحدة SDR، وافق عليه في ديسمبر 2022 وينتهي في أكتوبر 2026، وقد سحبت مصر منه 2.42 مليار فقط. والثاني هو تسهيل الصلابة والاستدامة (RSF) بقيمة مليار وحدة SDR، بدأ في مارس 2025 وينتهي أكتوبر 2026، ولم يتم السحب منه حتى الآن.

وفيما يتعلق بالالتزامات، تواجه القاهرة في السنوات الخمس المقبلة أعباءً ثقيلة لسداد الديون المترتبة عليها لصندوق النقد الدولي، حيث تشير الجداول إلى أن العامين 2026 و2027 يمثلان ذروة هذه الاستحقاقات. ففي عام 2026، تصل مستحقات السداد إلى ما يزيد عن 2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (SDR)، وهو ما يعادل تقريباً 2.6 مليار دولار بأسعار السوق الحالية. ويمثل هذا التحدي المالي ذروة في جدول السداد الذي يتراجع تدريجياً في السنوات اللاحقة حتى عام 2029.

مقارنة بالفترة التي شهدت جائحة كورونا بين 2020 و2021، حيث لجأت مصر إلى قروض طارئة واستعداد ائتماني بقيمة تجاوزت 5.7 مليار وحدة SDR للتعامل مع أزمة فجائية نتيجة توقف السياحة وتراجع الاستثمار، فإن الوضع اليوم يعكس أزمة هيكلية معقدة، وفقًا للمراقبين. فيما يتضمن برنامج التعاون الحالي مع صندوق النقد برنامج التسهيل الممدد وبرنامج الصلابة والاستدامة، واللتان تعكسان مواجهة مصر لضغوط ديون خارجية عالية وعجز في ميزان المدفوعات، إلى جانب تحديات تتعلق بمستوى الإنتاجية والتصنيع في الاقتصاد الوطني.
وفي قراءة لتطور الدين الخارجي لمصر سجلت السنوات العشر الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في حجم الدين، حيث سجل في يونيو 2015 نحو 48 مليار دولار فقط، ليرتفع في نهاية 2016 إلى حوالي 55.8 مليار دولار، ومع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي في 2016 وما تبعه من تحرير سعر الصرف، قفز الدين إلى 82.8 مليار دولار في 2017. واستمر التصاعد خلال السنوات التالية، فوصل إلى 96.6 مليار دولار في 2018، ثم 106.2 مليار دولار في 2019، ليتجاوز حاجز 123.5 مليار دولار في 2020.
وفي ظل تداعيات جائحة كورونا، ارتفع الدين الخارجي إلى 137.8 مليار دولار بنهاية 2021، ثم إلى 162.9 مليار دولار في نهاية 2022. وفي عام 2023 بلغ الدين حوالي 168 مليار دولار، قبل أن يتراجع قليلًا إلى 155 مليار دولار في يناير 2025 وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري.

يقول الخبير الاقتصادي والقيادي بحزب التحالف الشعبي-، إلهامي الميرغني في حديث إلى زاوية ثالثة إن مصر سددت نحو 38 مليار دولار قروض خارجية عام 2024 بحسب ما قاله رئيس الوزراء، كذلك كشف البنك الدولي أن مصر تواجه تحديًا ضخمًا في سداد 43.2 مليار دولار من التزامات ديون خارجية خلال أول تسعة أشهر من عام 2025. يرتبط المبلغ المشار إليه، وفق الميرغني بالديون الخارجية المتراكمة التي تشمل سداد قروض وودائع واتفاقيات مبادلة عملة للبنك المركزي والبنوك التجارية حيث يتضمن المبلغ 5.9 مليار دولار من الفوائد و37.3 مليار دولار من أصل القروض، لذلك تواجه الحكومة المصرية والبنك المركزي والبنوك التجارية تحديات كبيرة في سداد هذه المبالغ الكبيرة.
إلى ذلك يوضح الميرغني في حديثه معنا أن الحكومة تعهدت ببيع الأصول في خطاب النوايا الذي قدمته للصندوق قبل الحصول على القروض ومنذ 2016 وحتى الآن وكل ما تفعله هو بيع كل ما تملكه وفاء للديون ولتنفيذ التخارج الاقتصادي الذي تعهدت به للصندوق. وفي ضوء هذا التوجه، حولت الحكومة عشرات المستشفيات العامة الي المجالس المتخصصة وأصدرت قانون لتأجير المستشفيات العامة الحكومية، ويضيف:” شاهدنا جميعا ما حدث في مستشفى الهرمل وحرمان المرضي الفقراء من العلاج، وهو ما سبق وحذرنا منه، وكذلك تطرح تأجير المدارس الصناعية فهي تحولت الي سمسار لعمليات البيع والتأجير بغض النظر عن التنمية وحق المصريين في العلاج والتعليم.”
نوصي للقراءة: المراجعة الخامسة لصندوق النقد: أصول الدولة للبيع.. والفقراء أول الضحايا

هل تملك الحكومة خطة للتخارج؟
يقول الدكتور محمود الجرف أن مصر لا تستطيع التخلي عن صندوق النقد لخمسة أسباب جوهرية: أولها ضخامة المديونية الخارجية التي تجاوزت 165 مليار دولار، وثانيها أن وجود برنامج مع الصندوق يعد شهادة ثقة للمستثمرين والأسواق العالمية. وثالثًا، أن الصندوق يمثل بوابة لصناديق التمويل العالمية، حيث تشترط كثير من المؤسسات الدولية موافقته قبل منح أي قروض أو استثمارات.
أما السبب الرابع فيكمن في اعتماد مصر على القروض لتوفير الدولار وسد عجز ميزان المدفوعات، بينما يتمثل السبب الخامس في معاناة الاقتصاد المصري من عجز مزمن في الميزان التجاري وضعف الصادرات مقابل اعتماد كبير على الاستيراد.
ويشدد أستاذ الاقتصاد في حديثه معنا على أن ما يجرى الآن هو “عشوائية في الإدارة الاقتصادية”، مشيرًا إلى أن زيادة أسعار المحروقات، حتى في ضوء تأكيد الحكومة على أنها الزيادة الأخيرة، ليست إلا انعكاسًا مباشرًا لاستمرار الارتباط مع الصندوق. ويضيف: “التصريحات الرسمية التي تصوّر الأمر كقرار داخلي مستقل أو كمرحلة جديدة من الاستقلال الاقتصادي تتناقض مع حقيقة أن مصر لا تزال مقيدة بالالتزامات تجاه الصندوق، وما نشهده اليوم ليس سوى استباق لتقديم الولاء بعد تصريحات غير مدروسة لا تعكس الواقع”.
ويؤكد الجرف أن الحل لا يكمن في المراهنة على التصريحات السياسية أو على مسكنات مؤقتة، بل في العمل الجاد على تقليص الاستهلاك والتقشف الحقيقي، دون المساس بالسلع الاستراتيجية التي تمس حياة المواطنين مباشرة. “رفع الأسعار قد يكون طريقًا سهلًا للحكومة، لكنه طريق بلا عودة، لأن ما يرتفع لن يعود أدراجه، والنتيجة النهائية هي مزيد من الضغط على المواطنين دون معالجة جذرية للأزمة”.
وفي تقييمه للفترة الماضية، يشير الباحث الاقتصادي محمد رمضان إلى أن الاقتصاد المصري لم يحقق تقدمًا جوهريًا خلال العقد الأخير، وأن الخلط بين ما يطرحه الصندوق وما تنفذه الحكومة يحتاج إلى مراجعة دقيقة. مشيرًا إلى أن المسار الذي اتخذته الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية لم يكن مفروضًا بالكامل من الصندوق، بل جاء نتيجة خيارات حكومية معلنة، بينما اقتصر دور الصندوق على المراجعات الدورية وتقديم الملاحظات”. ويرى أن الاعتقاد السائد حول شروط خارجية صارمة يفرضها الصندوق لا يعكس الواقع، إذ أن الحكومة المصرية كانت صاحبة اليد العليا في رسم السياسات الاقتصادية.
ويعتبر الباحث أن جوهر الأزمة يكمن في ضعف الإنتاجية والتصنيع المحلي، وهي قضايا لم تُحل حتى الآن. ويضيف: “الصندوق أرجع هذا الوضع إلى تدخل الدولة والأجهزة السيادية في الاقتصاد، لكن هذا تفسير غير دقيق، فالإصلاحات الهيكلية يمكن أن تتحقق حتى في ظل وجود الدولة إذا توفرت الحوكمة ومكافحة الفساد وضمان المنافسة العادلة”. ويرى أن الحكومة أخطأت بالتركيز على مشروعات البنية التحتية والقطاع العقاري على حساب الصناعة والابتكار والقطاعات ذات القيمة المضافة، لافتًا إلى أن “التخلي عن هذا المسار كان أولى بكثير من إعلان التخلي عن الصندوق”.
ويختم رمضان بالقول إن مصر، بعد عشر سنوات من التعاون مع صندوق النقد، لم تحقق قفزة اقتصادية حقيقية، ليس بسبب الصندوق وحده، بل نتيجة للخيارات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة نفسها. “الحديث عن نهاية مطلقة للتعاون مع الصندوق ليس إلا عنوانًا سياسيًا، بينما الواقع يفرض أن مصر ستظل بحاجة إلى هذا الإطار الدولي كلما واجهت أزمة جديدة”، على حد تعبيره.
وتخوض مصر منذ سنوات طويلة مسارًا معقدًا من الإصلاحات الاقتصادية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، كان أحدث فصوله الاتفاق المبرم في ديسمبر 2022 للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار ضمن “تسهيل الصندوق الممدد” (EFF)، وهو برنامج يهدف إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية وتعزيز النمو بقيادة القطاع الخاص. ورغم أن الاتفاق تضمن إجراء ثماني مراجعات دورية لتقييم التقدم في تنفيذ الإصلاحات، إلا أن تنفيذ البرنامج واجه تباطؤًا ملحوظًا، انعكس في تأخر المراجعة الأولى والثانية، وتزامن الثالثة والرابعة، ما ألقى بظلاله على المراجعة الخامسة التي جاءت في ظل ضغوط اقتصادية متفاقمة.
ترافقت هذه الضغوط مع أزمة عملة أجنبية خانقة، وارتفاع قياسي في معدلات التضخم، وانخفاض قيمة الجنيه المصري بشكل متسارع، مما دفع الحكومة للبحث عن حلول عاجلة، من بينها تسريع وتيرة برنامج الطروحات الحكومية وبيع بعض أصول الدولة إلى شركاء استراتيجيين محليين ودوليين. ومع دخول مصر في المراجعة الخامسة، برزت بقوة قضية بيع الأصول العامة كأحد الشروط الأساسية لصندوق النقد، وهو ما أثار موجة من النقاش الحاد داخليًا، خاصة بعد تداول معلومات عن طرح مؤسسات خدمية حساسة للبيع، كالمستشفيات الحكومية وبعض الهيئات العامة.
أكمل صندوق النقد الدولي في 11 مارس الماضي مراجعته الرابعة لبرنامج القرض المبرم مع مصر، وهو ما أتاح للحكومة الحصول على شريحة جديدة بقيمة 1.2 مليار دولار. وبذلك ارتفع إجمالي ما سحبته القاهرة إلى نحو 3.207 مليار دولار من أصل القرض المتفق عليه والبالغ ثمانية مليارات دولار. ويمثل هذا المبلغ نحو 40% من القيمة الأصلية للقرض، أي ما يعادل قرابة 119% من الحصة التي يحق لمصر اقتراضها من الصندوق.
وبدأت المراجعة الخامسة رسميًا في مايو الماضي، بعد تأجيلات متكررة أثارت مخاوف حول التزام الحكومة بالبرنامج المتفق عليه. ويأتي ذلك في أعقاب صرف الشريحة الرابعة من القرض في مارس الماضي، بقيمة 1.2 مليار دولار، عقب تقييم إيجابي للمراجعة المجمّعة الثالثة والرابعة. تركّز هذه المراجعة على عدة محاور حاسمة، أبرزها: استكمال التحرير الكامل لسعر الصرف، تقليص دور الدولة في الاقتصاد، تعزيز الشفافية في المؤسسات العامة، وتسريع وتيرة بيع الأصول المملوكة للدولة، بما في ذلك شركات رابحة وهيئات خدمية. وتعد هذه النقطة الأخيرة الأكثر إثارة للجدل، لا سيما في ظل تداول تقارير عن إمكانية إشراك القطاع الخاص في إدارة أو امتلاك مؤسسات خدمية حساسة مثل المستشفيات التعليمية.