في بيان لافت صدر منتصف يوليو الجاري، انتقد صندوق النقد الدولي استمرار تدخل المؤسسة العسكرية في الأنشطة الاقتصادية بمصر، محذرًا من أن هيمنة الدولة، وخصوصًا القوات المسلحة، تُعيق النمو وتحد من فرص العمل والاستثمار. وكشف التقرير الصادر ضمن المراجعة الرابعة لبرنامج القرض البالغة قيمته 8 مليارات دولار، للمرة الأولى، عن امتلاك المؤسسة العسكرية 97 شركة، من بينها 73 في القطاع الصناعي وحده، معتبرًا أن هذا الوضع “يعرقل النمو ويمنع خلق فرص عمل حقيقية للقطاع الخاص”.
جاءت انتقادات الصندوق بعد أشهر من التأجيل بطلب من الحكومة المصرية، وفي ظل تصاعد الانتقادات لتأخر طرح شركات الجيش للبيع، وعلى رأسها “وطنية للبترول” و”صافي للمياه”، رغم الوعود الرسمية المتكررة بإدراج أسهمهما في البورصة خلال عام 2025. وبينما تسعى الحكومة إلى طمأنة الصندوق عبر خطوات تدريجية، وصف التقرير الاقتصاد المصري بلغة حادة بأنه “رهينة” للسيطرة الحكومية والإدارة العسكرية.
أقرت مصر مع صندوق النقد الدولي في مارس 2024 اتفاقية تسهيل ائتماني موسّع بقيمة 8 مليارات دولار، تمتد لمدة 46 شهرًا، بهدف مواجهة أزمة نقص العملة الصعبة والتضخم المرتفع التي شهدتها البلاد خلال عامي 2022 و2023. وساهم رفع قيمة القرض إلى 8 مليارات دولار في جذب تمويلات واستثمارات خارجية مهمة، إضافةً إلى تحرير سعر الصرف بالكامل لدعم الاقتصاد وامتصاص الصدمات الخارجية. في هذا السياق، أطلقت الحكومة حزمة إصلاحات شملت تخفيف دعم الطاقة وخفض العجز، بينما اشترط الصندوق إحراز تقدم ملموس في خصخصة الشركات الحكومية وتعزيز دور القطاع الخاص.
صرف الصندوق حتى الآن أربع دفعات من القرض، كان آخرها بقيمة 1.2 مليار دولار في إبريل 2025، فيما تُعلّق الدفعتان الخامسة والسادسة على موافقة مجلس الصندوق بعد التحقق من استيفاء الشروط المطلوبة. ومن المقرر عقد المراجعتين الخامسة والسادسة المدمجتين في خريف 2025، بعد تأجيلهما لإتاحة مزيد من الوقت أمام القاهرة لاستكمال الإصلاحات. وربط الصندوق قبل نحو أسبوعين استكمال المراجعتين بإنجاز أهداف رئيسية، من بينها خصخصة حصص في شركات حكومية، وضبط سياسة الإقراض الحكومي من البنك المركزي. وسيؤدي توقيع مجلس المديرين التنفيذيين على نتائج المراجعتين إلى صرف شريحة تمويلية إضافية تُقدَّر بنحو 2.5 مليار دولار، مما قد يخفف الضغط على الاحتياطيات ويدعم تدفق الاستثمارات على المدى المتوسط.
وفي هذا الإطار، أعلن مسؤولون مصريون أن الحكومة ستطرح 11 شركة مملوكة للدولة، من بينها مؤسستان ماليتان وأربع شركات تابعة للجيش، في البورصة خلال عام 2025، لتلبية شروط الصندوق وزيادة حصيلة الخصخصة.
نوصي للقراءة: ثكنات تجارية: كيف أصبح الجيش لاعبًا اقتصاديًا أول؟

كيف نقرأ انتقادات الصندوق؟
يؤكد الباحث الاقتصادي محمد رمضان، في تصريحات خاصة إلى “زاوية ثالثة”، أن مصر لا تملك حتى الآن خطة واضحة أو معلنة لتخارج الشركات التابعة للقوات المسلحة من السوق المدني، رغم تعهدها بذلك في إطار اتفاقها مع صندوق النقد الدولي.
ويقول رمضان: “لا توجد لدينا خطة معلنة لتخارج شركات الجيش. كل ما جرى الإعلان عنه في الوثيقة الرسمية يتعلق بشركتين فقط، هما ‘الوطنية للبترول’ و‘صافي للمياه’. وعلى مدار العامين الماضيين، تواترت الأخبار بشأن طرح هاتين الشركتين، تارةً بالحديث عن بيعهما لمستثمر استراتيجي، وتارةً أخرى عن طرح جزء من أسهمهما في البورصة، إلا أنه حتى الآن لم تُطرح أي منهما، ولا توجد خطة واضحة في هذا الشأن”.
ويضيف: “صندوق النقد الدولي مُصرّ على هذا الشرط باعتباره جزءاً من الاتفاق الأساسي الموقع مع مصر، والذي ينص على إدماج القطاع الخاص ومنع الممارسات غير التنافسية التي تقوم بها الشركات المملوكة للحكومة، بما في ذلك الشركات المملوكة للجهات السيادية مثل القوات المسلحة. لكننا حتى الآن لا نمتلك خطة معلنة، وكل ما لدينا شركتان يفترض طرحهما، إلا أن ذلك يتأخر باستمرار”.
ويتابع: “لا أحد يعرف إجابة واضحة عن سبب تأخر الطرح. هناك من يعزو الأمر إلى أسباب فنية متعلقة بالإجراءات والأوراق، وهناك من يرى أن السبب هو غياب العروض السعرية المناسبة، وهي تفسيرات تتراوح بين التحليل والتكهن، لكن السؤال يظل مطروحًا: لماذا لم يتم الطرح حتى الآن؟”.
وبشأن السيناريوهات المتوقعة مع صندوق النقد، يرى رمضان أن الصندوق يمارس ضغوطًا واضحة في هذا الملف، لكنه يعتقد أن الصندوق في النهاية لن يربط استمرار البرنامج بالكامل بملف تخارج الشركات السيادية. ويوضح: “الصندوق يضع أولويات أخرى، وعلى رأسها السياسة النقدية، لا سيما ما يتعلق بمرونة سعر الصرف، وهو جانب يتصدر اهتماماته. أما الإصلاحات الهيكلية مثل تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية أو بيع الأصول، فهي خطوات تستغرق وقتًا في التنفيذ. ومن المحتمل أن يتفق الصندوق مع الحكومة المصرية على تأجيل بعض خطوات البيع لحين تحسن أوضاع سوق المال أو وصول عروض استثمارية أفضل. هناك دائمًا مساحة للمناورة في هذا الجانب”.
وعن الإجراءات المنتظرة من الحكومة خلال الفترة المقبلة، يوضح رمضان: “المراجعتان الخامسة والسادسة من المرجح أن يتم دمجهما في مراجعة واحدة، إذ لم يعد هناك مجال للفصل بينهما كما كان يحدث سابقًا. وأعتقد أن الحكومة ستمضي في مسار بيع الأصول العامة كخيار رئيسي، سواء من خلال الطرح في البورصة أو البيع المباشر لمستثمرين استراتيجيين، إلى جانب تخارجها من حصص في شركات كبرى، كما حدث في صفقات الاستحواذ التي أُبرمت خلال عامي 2022 و2023. أما ملف اقتصاد الجيش، فلا يزال غامضًا إلى حد كبير، ولا توجد معطيات واضحة حول ما سيحدث فيه باستثناء طرح الشركتين المذكورتين”.
وفيما يتعلق برفع الدعم عن المنتجات البترولية، يوضح رمضان أن هذا الملف يبقى مرتبطًا بمستوى التضخم. ويقول: “أعتقد أن رفع الدعم عن المشتقات البترولية وارد الحدوث، لكن من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة ستتخذ هذا القرار قبل نهاية العام أم لا، نظرًا لحساسية وضع التضخم. التضخم في مصر ما زال يسير في مسار غير مستقر، يرتفع في شهر وينخفض في آخر، وهو ما يثير القلق. أي زيادة جديدة في أسعار البنزين أو المشتقات البترولية قد تؤدي إلى موجة تضخمية إضافية، وهذا ينعكس سلبًا على أسعار الفائدة، التي لا تزال مرتفعة في مصر. نحن بحاجة ماسة إلى خفض معدلات التضخم حتى نتمكن من تقليل أسعار الفائدة وتحسين وتيرة النشاط الاقتصادي، وذلك لا يتحقق إلا عبر إصلاحات هيكلية جادة”.
وفي تقريره ربط صندوق النقد بشكل مباشر بين بطء تنفيذ برنامج الخصخصة وحاجته إلى دمج المراجعتين المقبلة وتأخيرها، فقد أشار التقرير إلى تراجع الحصيلة المتوقعة من بيع الأصول الحكومية من 3 مليارات دولار إلى 0.6 مليار دولار بنهاية الربع الرابع من 2024 نتيجة تراجع وتيرة التخارج، ووفق نائب المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك، فإن تعثر تطبيق سياسة التخارج هو سبب تأجيل المراجعة الخامسة ودمجها مع السادسة، وشدّدت كوزاك على ضرورة تعميق الإصلاحات بقطاع الأعمال العام وخفض دور الدولة في الاقتصاد، وتسريع وتيرة بيع حصص الشركات الحكومية والسيادية لضمان انسياب الشريحة القادمة من التمويل.
في ضوء هذه المواقف، تبدو الشريحة المقبلة مرتبطة بتحقيق نتائج ملموسة في خصخصة الشركات وتعميق مشاركة القطاع الخاص، وقد بَدَت لهجة صندوق النقد أكثر صراحة في مطالبة مصر بتقليص الحضور الاقتصادي العسكري والدفاعي وخلق بيئة تنافسية نشطة، وهو ما يلقي بظلاله على توقيت صرف الدعم التالي لميزانيتها.
وتخوض مصر منذ سنوات طويلة مسارًا معقدًا من الإصلاحات الاقتصادية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، كان أحدث فصوله الاتفاق المبرم في ديسمبر 2022 للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار ضمن “تسهيل الصندوق الممدد” (EFF)، وهو برنامج يهدف إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية وتعزيز النمو بقيادة القطاع الخاص. ورغم أن الاتفاق تضمن إجراء ثماني مراجعات دورية لتقييم التقدم في تنفيذ الإصلاحات، إلا أن تنفيذ البرنامج واجه تباطؤًا ملحوظًا، انعكس في تأخر المراجعة الأولى والثانية، وتزامن الثالثة والرابعة، ما ألقى بظلاله على المراجعة الخامسة التي جاءت في ظل ضغوط اقتصادية متفاقمة.
نوصي للقراءة: المراجعة الخامسة لصندوق النقد: أصول الدولة للبيع.. والفقراء أول الضحايا

متى تنتهي هيمنة الجيش على الاقتصاد المصري؟
في تحقيق نُشر نهاية مايو الماضي، تحت عنوان “ ثكنات تجارية: كيف أصبح الجيش لاعبًا اقتصاديًا أول؟، كشفت زاوية ثالثة سيطرت شبكات تجارية واقتصادية تابعة للجيش المصري على غالبية القطاعات الصناعية والتجارية والإنشائية، كما كشف التحقيق عن تمدد إمبراطورية الجيش المصري الاقتصادي منذ 2014 لتسيطر على قطاعات واسعة، وتزيح القطاع الخاص، مستخدمة امتيازات ضريبية ويد عاملة مجنّدة.
من جهته انتقد تقرير صندوق النقد الأخير بلهجة نقدية قوية تماهي دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري، وهو تحول في الموقف بعد سنوات من التلميحات الخجولة. فقد انتقد الصندوق تدخل الجيش في أنشطة مدنية مثل شراء الأراضي وشركات خاصة، مؤكّدًا أن هذه السيطرة الواسعة يجب أن يُصحح وضعها.
ولفت التقرير إلى أن المؤسسة العسكرية تملك 97 شركة تعمل في قطاعات عدة (73 منها بالقطاع الصناعي)، تستحوذ على نحو 36% من بعض الأسواق المدنية (مثل الرخام والصلب والأسمنت)، وحذّر الصندوق من أن امتيازات هذه الشركات (إعفاءات ضريبية وتسهيلات أرضية) تُثني المستثمرين الخاصين عن المنافسة. وهو ما صيغ بشكل لافت في التقرير بالقول إن “سيطرة الدولة على الاقتصاد تعرقل النمو وتمنع خلق فرص عمل حقيقية للقطاع الخاص”.
ومنذ عام 2014، مع تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، اتّسع النفوذ الاقتصادي للقوات المسلحة المصرية بوتيرة غير مسبوقة. تمدّدت الشبكة الاستثمارية التابعة للمؤسسة العسكرية لتشمل عشرات الشركات والمشروعات في مختلف القطاعات المدنية، من البناء والتطوير العقاري إلى الصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية.
وفي حين أبدت مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قلقها مرارًا من التداخل العسكري في الاقتصاد، يزداد الاهتمام المحلي والدولي بتحليل تداعيات هذا الحضور على عدالة المنافسة والتنمية المستدامة. في هذا التحقيق، تقدم زاوية ثالثة قراءة تفصيلية لهذه الظاهرة، مدعومة بشهادات ميدانية وإحصاءات من مصادر موثوقة.
أسهمت سيطرة القوات المسلحة على قطاعات اقتصادية واسعة في خلق بيئة تنافسية غير متكافئة، تضعف من قدرة القطاع الخاص – بل وحتى الشركات الحكومية المدنية – على البقاء والمنافسة. إذ تتمتع الشركات التابعة للجيش بامتيازات حصرية، تشمل الإعفاء من الضرائب والجمارك، واستخدام المجندين كقوة عمل منخفضة الكلفة، فضلًا عن تفضيلها في الإسناد المباشر للمشروعات الحكومية.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو دخول الجيش سوق صناعة الإسمنت، حيث أنشأ عام 2018 مصنعًا ضخمًا بطاقة إنتاجية بلغت 13 مليون طن سنويًا، رغم أن السوق كان يعاني أصلًا من فائض في المعروض. هذا الدخول الكاسح، كما نقلت وكالة رويترز، تسبب في اختلال ميزان السوق، وأدى إلى تكبد شركات خاصة – بينها مستثمرون أجانب – خسائر فادحة، بل واضطرت بعض الشركات إلى تعليق أنشطتها أو مغادرة السوق.
هذه الامتيازات الممنوحة للمؤسسة العسكرية، مقرونة بالإعفاءات والاستثناءات، تثير قلقًا متزايدًا لدى مجتمع الأعمال المحلي والدولي، خصوصًا مع تصاعد الإسناد المباشر للمشروعات دون منافسة مفتوحة. وقد حذرت تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أن هذه الهيمنة تعيق تطور القطاع الخاص، وتُضعف قدرته على خلق فرص العمل، وهو ما ينعكس على مؤشرات الاستثمار.
فبحسب بيانات البنك الدولي، بلغ متوسط الاستثمار الخاص في مصر خلال العقد الماضي نحو 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما لا يتجاوز خُمس متوسط الاستثمار الخاص في الدول متوسطة الدخل. كما تراجع تصنيف مصر في مؤشر الحرية الاقتصادية الصادر عن مؤسسة هيريتدج إلى المرتبة 130 من أصل 178 دولة عام 2021، ما يعكس بيئة عمل خانقة تحت وطأة تدخل الدولة والجيش في السوق.
وتُشير تقييمات صدرت عن مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد إلى أن توسّع الدور العسكري أضعف من وتيرة النمو الاقتصادي. ويقول الخبير الاقتصادي إسحاق ديوان، في هذا السياق، إن “الاقتصاد الذي يهيمن عليه العسكريون أقل قدرة على تحقيق نمو مستدام من اقتصاد تُديره نخب مدنية، حتى وإن كانت فاسدة”، مرجعًا ذلك إلى أن الضباط يحتكرون الموارد والصفقات بطريقة تتجاوز ما كان يحدث في عهد رجال الأعمال المحسوبين على نظام مبارك.
وفي هذا السياق يرى يرى الخبير الاقتصادي زهدي الشامي أن حجم النشاط الاقتصادي التابع للمؤسسة العسكرية في مصر بات واسعًا ومؤثرًا بشكل كبير، رغم غياب الأرقام الدقيقة من الجهات الرسمية، ويقول: “الدولة عادةً ما تقلل من حجم مساهمة الجيش في الاقتصاد، لكن الواقع يظهر أن هناك عددًا كبيرًا من الأنشطة الاقتصادية التي أصبحت تحت سيطرة المؤسسة العسكرية، وهو أمر له تبعات متعددة”.
ويشير إلى أن هذا الوضع يؤدي إلى خلل كبير في بنية الاقتصاد، لكونه يؤثر على توازن السوق والعدالة التنافسية، موضحًا: “عندما تدخل مؤسسة لا تخضع لنفس القواعد القانونية والمحاسبية التي يخضع لها القطاع الخاص أو حتى القطاع العام، فإن ذلك يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، ويؤدي إلى طرد قطاعات كاملة من السوق”.
ويضيف أن “الجيش لا ينفذ كل شيء بنفسه، فبعض المشاريع تتم عبر شركاته، وبعضها يتطلب عمالة مدنية، لكن في نهاية الأمر هناك تهميش للقطاع الخاص، وخصوصًا المشاريع الصغيرة التي تضررت بشكل مباشر من دخول الجيش في مجالات متنوعة، من بيع السلع الغذائية إلى تنفيذ المشروعات الكبرى”.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الجيش المصري يسيطر على ما بين 25% إلى 40% من الاقتصاد المصري. ويتمتع الجيش بمزايا تنافسية تجعل من الصعب على القطاع الخاص منافسته. أول هذه المزايا هو الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية بموجب قوانين مثل المادة 47 من قانون ضريبة الدخل لعام 2005.
والمادة 19 من قانون الإعفاءات الجمركية التي تنص على: “ أن يعفى من الضريبة الجمركية وفقـاً للشروط والأوضاع التي تحددها اللائحة التنفيذية ما تستورده وزارة الدفاع وأجهزتها، والشركات والوحدات والهيئات التابعة لوزارة الإنتاج الحربى، والمخابرات العامة، ووزارة الداخلية، من أسلحة وذخائر وتجهيزات ووسائل نقل، وسيارات الركوب الخاصة للاستعمال الرسمي بوزارة الدفاع، ومواد وأدوات وآلات ومهمات وأجهزة طبية وأدوية باسم هذه الجهات أو لحسابها، وذلك كله لأغراض التسليح أو الدفاع أو الأمن، وبدون شرط المعاينة.
نفذت القوات المسلحة مشاريع ضخمة في قطاعات متعددة ضمن البنية التحتية، الإسكان، الصناعة، الزراعة، والسياحة، تشمل المشاريع البارزة توسعة قناة السويس (2014-2015) بتكلفة 8 مليارات دولار، وبناء العاصمة الإدارية الجديدة، التي تديرها شركة تابعة للجيش بنسبة ملكية 51%. كما نفذت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة 276 مشروعًا بقيمة 198 مليار جنيه مصري حتى عام 2021، بما في ذلك 25 طريقًا في سيناء بطول 1185 كيلومترًا. في الصناعة، أنشأت الجيش مصانع للأسمنت والرخام، واستحوذت على حصص كبيرة في إنتاج الفوسفات والذهب. في الزراعة، تدير الجهاز الوطني للخدمات مشاريع زراعية واستزراعًا سمكيًا باستخدام عمالة المجندين.
نوصي للقراءة: تصفية الأصول: هل تبيع مصر أملاكها لسداد الديون؟

خريطة بيع الأصول: المستشفيات في المقدمة
في إطار التزاماتها مع صندوق النقد الدولي، أعلنت الحكومة المصرية عن خطة لبيع أربعة أصول حكومية خلال العام المالي الجاري، بقيمة تُقدّر بنحو 3.6 مليار دولار، وذلك بهدف تسريع وتيرة تخارج الدولة من بعض القطاعات الاقتصادية، وقد أثار هذا التوجه جدلاً واسعاً، خاصة فيما يتعلق بإمكانية إشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية. في يونيو 2024، صدّق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على قانون يمنح القطاع الخاص حق إدارة وتشغيل بعض المستشفيات العامة، مما أثار مخاوف من خصخصة الخدمات الصحية الأساسية. ورغم تأكيدات الحكومة بأن المستشفيات ستظل مملوكة للدولة، وأن الهدف هو تحسين جودة الخدمات من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، إلا أن البعض يرى أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الصحية وارتفاع تكاليف العلاج، مما يثقل كاهل المواطنين، خاصة الفئات الأقل دخلاً.
تُعد تصفية أصول الدولة أحد الأدوات الاقتصادية التي تلجأ إليها الحكومات لتحقيق أهداف مالية معينة؛ وتصفية الأصول تعني عملية تحويل الأصول المملوكة للدولة، مثل العقارات، والشركات، والبنى التحتية، إلى سيولة نقدية من خلال بيعها أو خصخصتها. تستخدم الحكومات هذه العملية لتحقيق عدة أهداف اقتصادية ومالية، منها تقليص الدين العام، أو تحسين الكفاءة الاقتصادية لجذب الاستثمارات؛ وغيرها. في اليونان مثلًا، لجأت الحكومة إلى بيع بعض الأصول العامة كجزء من برنامج الإنقاذ المالي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي خلال أزمة الديون التي واجهتها البلاد في العقد الماضي. وفي الهند؛ قامت الحكومة الهندية بخصخصة العديد من الشركات العامة، بما في ذلك شركات الطيران والمصافي النفطية، في محاولة لتعزيز الكفاءة المالية وجذب الاستثمارات وفق Financial Times.
وكانت الحكومة أعلنت، منتصف يوليو الماضي ضمن برنامج عملها المُقدم لمجلس النواب-، مشروعًا لإنشاء لجنة تصفية الأصول تتبع وزارة المالية بهدف تحقيق 20 – 25 مليار جنيه سنويًا للخزينة من عائدات التخارج خلال الأعوام المقبلة. وتحويل نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي من عائدات التخارج إلى الموازنة لخفض دين أجهزة الموازنة. وجاء تشكيل اللجنة ضمن برنامج يهدف إلى تخفيض الدين العام في مسارات قابلة للاستدامة، وذلك باستمرار توجيه الفائض الأوّلي واستخدام جزء من حصيلة التخارج وبرنامج الأطروحات الحكومية لزيادة إيرادات الموازنة لخفض حجم الاقتراض الحكومي، ويستهدف ذلك خفض فاتورة خدمة دين أجهزة الموازنة ليصل إلى (42.6%) من المصروفات العامة في عام 2026/ 2027 ضمن استراتيجية متكاملة، لوضع معدل الدين في مسار نزولي، وفق برنامج الحكومة.
تسويق الحكومة المصرية لبرنامج بيع الأصول يتركّز على هدف رئيسي: توفير سيولة دولارية عاجلة لدعم احتياطي النقد الأجنبي، وسداد الالتزامات قصيرة الأجل، في ظل ندرة التدفقات الدولارية وارتفاع أعباء خدمة الدين الخارجي. وتشير تصريحات وزارة المالية إلى أن الدولة تأمل في تحصيل أكثر من 3 مليارات دولار خلال 2025 من خلال بيع حصص في شركات مملوكة لها، ضمن ما يعرف بـ”برنامج الطروحات الحكومية”. لكن رغم أهمية هذه الخطوة على المدى القصير، فإن عدداً من الاقتصاديين يحذرون من مخاطر التفريط في أصول استراتيجية دون وجود رؤية متكاملة لإعادة استثمار العوائد، أو ضمان استمرار تقديم الخدمات المرتبطة بها. ويشير المراقبون إلى أن بيع أصول تدر أرباحًا سنوية لصالح موازنة الدولة، مثل شركات الطاقة أو البنية التحتية أو المؤسسات المالية العامة، يعني فقدان الدولة لأدوات مهمة لضبط السوق وتوفير موارد مستدامة.
من ناحية أخرى، يرى بعض المراقبين أن اعتماد الحكومة على بيع الأصول كوسيلة لتغطية عجز الميزان الجاري وسداد الديون قد لا يكون حلاً طويل الأجل، بل معالجة مؤقتة لأزمة هيكلية أعمق، تتعلق بضعف الإنتاج المحلي، وانخفاض الصادرات، وتراجع السياحة. وتزداد هذه المخاوف حين لا تُعلن الحكومة بشكل واضح عن خريطة البيع، أو معايير اختيار الشركات، أو طبيعة الشركاء المحتملين، خاصة في ظل وجود جهات سيادية تدير ملفات البيع بشكل غير معلن.
وفي الوقت الذي تشير فيه الدولة إلى أن الشراكات مع مستثمرين خليجيين أو صناديق استثمار سيادية تهدف إلى “جذب التمويل الأجنبي المباشر”، فإن الخبراء يؤكدون أن ما يجري في كثير من الحالات لا يتجاوز كونه نقل ملكية لا يحقق بالضرورة قيمة مضافة للاقتصاد، بل قد يعمّق الفجوة بين الدولة والمواطنين إذا لم تُدار العملية بشفافية وعدالة.