قبل شهر فقط، كان قلب الطفل ياسين نبيل، البالغ من العمر 13 عامًا، نابضًا بأمل الشفاء من اللوكيميا (سرطان الدم). تحسنت حالته واستقرت، وكان يحضر كتبه الدراسية إلى القسم الداخلي العلوي بمستشفى “هرمل للأطفال”، ليواصل مذاكرته ويحافظ على تفوقه الدراسي، إذ كان الأول على مدرسته ومحافظة دمياط. لم يكن يتخيل أن حياته ستنتهي بعد أسابيع قليلة من خصخصة المستشفى، ولم يكن الوحيد الذي واجه هذا المصير.
وفي مارس الماضي، نقلت الحكومة المصرية إدارة المستشفى إلى شركة “إليفات برايفت أكويتي” بالشراكة مع المركز الفرنسي للأورام “جوستاف روسيه الدولي”، بموجب قانون منح التزام المرافق العامة. عقب هذا الانتقال، تغيرت ملامح المستشفى بشكل جذري: أُقيل طاقم التمريض القديم واستُبدل بآخرين غير مدربين، غادر معظم الأطباء، توقفت المستشفى عن استقبال حالات جديدة من الأطفال مرضى السرطان، وخاصة من المؤمّنين صحيًا، وبدأت تظهر مشكلات في توفر الأدوية وسوء المعاملة. في خضم هذه الفوضى، تدهورت حالة ياسين، وفقًا لخالته.
تقول خالة ياسين لـ”زاوية ثالثة”: “منذ تغيير اسم المستشفى، أهملوا علاجه. تدهورت حالته ولم يكن العلاج متوفرًا، فاشترينا له حقنًا من السوق السوداء بكلفة بلغت 600 ألف جنيه، إضافة إلى أدوية أخرى على نفقتنا. كنا نأمل أن يشفى، لكنه توفي. وبعد وفاته بفترة قصيرة، توفيت زميلته في القسم، الطفلة ياسمين”.
لم تكن مأساة ياسين حالة فردية، بل جزء من سلسلة متصاعدة من الشكاوى التي بدأت تتوارد من أسر الأطفال المصابين بالسرطان عقب تغيير إدارة المستشفى. من بين هؤلاء، رنا عادل (اسم مستعار)، وهي أم لطفلة مصابة باللوكيميا، تضطر للسفر منذ عامين من الفيوم إلى القاهرة لتلقي العلاج بمركز هرمل. لكن الأوضاع، كما تقول، انقلبت رأسًا على عقب بعد نقل إدارة المستشفى إلى المركز الفرنسي للأورام “جوستاف روسيه الدولي”، إذ اختفت معظم الأدوية الأساسية لعلاج السرطان، وازدادت التعقيدات الإدارية والبيروقراطية.
توضح رنا أنها استخرجت خطاب الموافقة على العلاج من التأمين الصحي، لكن موظفي المستشفى يرفضون استلامه لأنه صادر باسم “هرمل” لا “جوستاف روسيه”. وحين تحاول استخراج تقرير طبي جديد، يرفض الطبيب بدعوى عدم معرفته بالطفلة، رغم تأكيدها أن ملفها موجود ويمكنه الاطلاع عليه. يطلب منها الحضور في اليوم المخصص للجرعة، رغم أن الدخول مستحيل بدون الخطاب.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “رفض مساعدتي رغم أنني جئت من الفيوم، وقال: أنا لا أعرفها. واضطررت لإحضار ابنتي وهي صائمة منذ الليلة السابقة لتلقي حقنة الظهر، لكننا ننتظر لساعات طويلة لإنهاء الإجراءات، وفتح بنك الدم، وحجز غرفة العمليات. نظل ننتظر حتى العصر، رغم صيام الطفلة وتحملها مشقة السفر في الجو الحار”.
وبعد معاناة طويلة، تحصل على التقرير الطبي من عيادة المستشفى، لكنها تُفاجأ برفض فرع التأمين الصحي في الفيوم إصدار خطاب الموافقة، لأن المستشفى أصبح تابعًا للقطاع الخاص. يُطلب منها مراجعة المجالس الطبية، وتستغرق الإجراءات أسبوعًا كاملًا قبل أن تحصل على تأكيد بأن المرضى القدامى سيواصلون العلاج على نفقة التأمين، بينما تُرفض الحالات الجديدة.
تضيف: “تفاجأنا بأن طاقم التمريض الكفء استُبدل بأفراد من الأمن والمطبخ، لا يُجيدون حتى تركيب الكانيولا. أصبحنا نخاف على أطفالنا، فهؤلاء ليسوا مدرّبين. حتى موظفو المعمل غادروا، والأطباء الذين كانوا يتابعون حالات الأطفال لم يعودوا موجودين. المعاملة تغيرت، ويعاملوننا كمتسولين”.
هذه الشكاوى لا تتوقف عند أسرة رنا، إذ تتطابق روايتها مع ما ترويه هناء سعيد (اسم مستعار)، والدة طفلة أخرى مصابة بالسرطان. تؤكد لـ”زاوية ثالثة” وفاة عدد من الأطفال بعد وقف علاجهم داخل المستشفى، وتشير إلى أن صيدلية “جوستاف روسيه” لم تعد تصرف أي علاج خارجي، ما يدفع الأهالي للبحث عنه في الصيدليات أو شرائه من السوق السوداء، فيما يُقدَّم للأطفال فقط العلاج الكيميائي.
تقول: “توفي الأطفال أمل، وياسين، ومرمر، ونور، وياسمين. يوجد الآن ثلاثة أو أربعة أطفال فقط في القسم العلوي. الطفلة أسماء دخلت الطوارئ لتلقي الجرعة التاسعة عشرة، لكن الإهمال تسبب في تآكل المفصل، وهي الآن محجوزة في حالة سيئة”.
وتتابع: “أصبحوا يفرضون إجراءات معقدة جدًا. لأجل حقنة الظهر، نُجبر على استكمال كل إجراءات الدخول، وتصوير الأوراق، وتوفير بنك دم، وحجز كيس دم، وسداد رسوم غرفة العمليات، وإحضار طبيب التخدير، وكل ذلك والطفل صائم. توقّفوا عن حجز المرضى نهائيًا، ويطلبون منا العودة لاحقًا. كيف يُترك طفل مريض بالسرطان في المنزل بعد تلقيه جرعة علاجية ثقيلة؟”.
أما نبيلة عبد الرحمن (اسم مستعار)، والدة طفل آخر، فتقول لـ”زاوية ثالثة” إن طفلها تعرض لخطأ طبي داخل المستشفى بعد خصخصته. أوضحت أن طبيبة أوعزت للتمريض بحقنه بجرعة كيماوي كاملة، رغم أن المقرر له هو 1 ملليغرام فقط تُقسَّم على مرتين. أدى ذلك إلى ارتفاع حرارته إلى 39 درجة، رغم أن صفائحه الدموية كانت 40,000، ونسبة الأنيميا لديه 7، ورغم ذلك خضع لإجراء “البذل” (سحب عينة من النخاع الشوكي) في هذا التوقيت. تضيف أن الطبيبة نفسها أعطت حقنة الظهر لطفلة أخرى غير مخصصة لها، فأصيبت بتشنجات، وظلت محجوزة بالمستشفى لأكثر من أسبوع.
وتضيف: “نتحمّل مصاريف باهظة. كنت أشتري خافض الحرارة على نفقتي، وكل ما يحتاجه الطفل يكتبونه في ورقة ويطلبون منا إحضاره من الخارج. إحدى الأمهات ظلت ابنتها في قسم الرعاية اليومية لثلاثة أيام، على كراسي غير مخصصة للنوم، وفي السادسة صباحًا كان رجل الأمن يخرجها إلى الشارع بحجة أنه لا يجوز بقاؤها هناك”.
كل هذه الشهادات تنعكس على خلفية قرار رسمي أصدرته الحكومة المصرية في 20 مارس الماضي، يقضي بمنح التزام إدارة وتشغيل وتطوير مستشفى دار السلام للأورام (المعروف سابقًا بـ”الهرمل”) إلى شركة “إليفات برايفت أكويتي”، بالشراكة مع المركز القومي الفرنسي للأورام “جوستاف روسيه الدولي”. وبموجب القرار، أصبح المستشفى فرعًا رسميًا تابعًا للمركز الفرنسي تحت اسم “جوستاف روسيه الدولي – مصر”، ضمن خطة حكومية لتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في قطاع الصحة.
ويستند القرار إلى القانون رقم 87 لسنة 2024 بشأن تنظيم منح التزام المرافق العامة للمنشآت الصحية، والذي صدّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 23 يونيو 2024. ينص القانون على تنظيم إنشاء وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية عبر نظام الالتزام، مع استثناء مراكز ووحدات الرعاية الأساسية، ومراكز صحة الأسرة، وعمليات الدم وتجميع البلازما التي ينظمها القانون رقم 8 لسنة 2021، باستثناء ما يُعد من هذه العمليات خدمات مكملة.
نوصي للقراءة: من يتحمل مسؤولية معاناة مرضى مركز هرمل للأورام بعد الخصخصة؟
تسارع وفيات الأطفال
من داخل المستشفى، تنقل الممرضة منى السيد (اسم مستعار) شهادتها حول التغييرات التي طرأت على الرعاية الطبية بعد خصخصة مستشفى هرمل ونقل إدارته إلى معهد “جوستاف روسيه” الفرنسي. تقول لـ”زاوية ثالثة” إن الإدارة الجديدة، خلال شهري أبريل ومايو، أغلقت قسم رعاية القلب، ونقلت الأطفال المرضى من الطابق الثالث، المخصص للحالات المشخّصة والخاضعة للعلاج الكيماوي بإشراف مباشر من الأطباء، إلى الطابق الرابع، الذي خُصص سابقًا للحالات الجديدة غير المشخّصة. هذا القسم، بحسب منى، لا يوفّر المتابعة الطبية الكافية، ولا تتوفر فيه فرق طبية ثابتة، مما يزيد من احتمالية الخطأ في جرعات العلاج ويعرض المرضى لمضاعفات خطيرة.
وتضيف أن الإدارة أنشأت بدلًا من القسم السابق وحدة خاصة بالعلاج الاقتصادي، وأن هذه التغييرات تزامنت مع الاستغناء عن معظم طاقم التمريض والأطباء، بما فيهم هي نفسها.
تقول منى لـ”زاوية ثالثة”: “المرضى الذين نُقلوا إلى الطابق الرابع لم يتلقوا المتابعة الطبية المطلوبة. بعض العلاجات أُعطيت دون التأكد من ملاءمة الجرعة للحالة، في ظل غياب إشراف الأطباء بشكل دائم”.
وتتابع: “ما لا يقل عن خمسة أطفال من مرضى السرطان توفوا خلال تلك الفترة، وهم: نور مجدي، أمل ياسر، ياسين نبيل، شاهندة حمدي، وياسمين أحمد. بعض هذه الحالات كانت تحتاج فقط إلى رعاية طبية دقيقة، لكن غياب المتابعة تسبب في مضاعفات يمكن تفاديها. من بين الحالات، الطفل ياسين الذي كان في حاجة إلى إجراء عملية بذل، لكن المستشفى رفض تنفيذها، وطُلب من أسرته توقيع إقرار بالخروج على مسؤوليتهم الشخصية. الأسرة أحضرت سيارة إسعاف مجهزة، لكن إجراءات خروجه تعطّلت لساعات، ما تسبب في تدهور حالته. كما أخبرتني والدة الطفلة ياسمين أن الأطباء أبلغوها بعدم توفر علاج، وطلبوا منها أخذ ابنتها إلى مكان آخر”.
وتشير منى إلى أن عدد الأطفال الذين كانوا يتلقون العلاج في المستشفى قبل خصخصته بلغ نحو 250 طفلًا، لكن المستشفى توقف عن قبول الحالات الجديدة، وبدأ يضغط على الأسر لتحويل أبنائهم إلى مستشفى 57357. ونتيجة لذلك، انخفض عدد الأطفال المترددين إلى نحو 70، بينما انخفض عدد المحجوزين منهم إلى ما بين 7 و8 فقط.
تقول: “في السابق، كنا نحاول توفير العلاج للأطفال حتى في حالات عدم قدرة أسرهم على دفع التكاليف. اليوم، لا تُقدَّم أي مساعدة من الطاقم الجديد، حتى في الحالات الحرجة”.
وتدعو منى، في حديثها إلى “زاوية ثالثة”، الجهات المختصة إلى التدخل، مؤكدة أن غياب الرعاية الطبية داخل المستشفى يؤثر مباشرة على فرص الأطفال في العلاج.
تنص الاتفاقية الموقعة بين وزارة الصحة والسكان وشركة “إليفات برايفت أكويتي” على إدارة وتشغيل المستشفى لمدة 15 عامًا، بهدف رفع كفاءة الخدمات الطبية وزيادة القدرة الاستيعابية من 154 إلى 257 سريرًا. وبموجب الاتفاق، تلتزم الشركة بتخصيص 70% من الخدمات لمرضى التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، على أن تسدد نسبة 3% من الإيرادات السنوية للحكومة، بما لا يقل عن 15 مليون جنيه سنويًا، مع زيادات تدريجية تبدأ من السنة الرابعة للعقد.
وتشمل الاتفاقية تنفيذ خطة تطوير شاملة للبنية التحتية، وتوفير المعدات الطبية الحديثة، وبناء مبنى امتداد جديد، وإدارة المستشفى وفقًا لمعايير معهد “جوستاف روسيه”، إضافة إلى تدريب الكوادر الطبية وتحمّل التكاليف التشغيلية والاستثمارية. في المقابل، تتولى وزارة الصحة تقديم الدعم اللوجستي، واستخراج التراخيص، والإشراف على التزام الشركة بالمعايير المحددة للجودة والتشغيل.
نوصي للقراءة: قانون الخصخصة يهدد مستقبل الرعاية الصحية بمصر
إهمال وتعنيف واعتداء
المعاناة من نقص الأدوية وسوء المعاملة والإهمال داخل المستشفى بعد خصخصتها، لم تقتصر فقط على الأطفال مرضى السرطان وذويهم، بل امتدت لتشمل مختلف مرضى ومريضات الأورام في مستشفى “جوستاف روسي”؛ إذ تروي “حنان محمد”، المريضة بسرطان الثدي، لـ”زاوية ثالثة” كيف تدهورت الخدمات في المستشفى، وبات الكثير من المرضى الذين يتلقون العلاج الكيميائي، يأتون إلى المستشفى ليجدوا أن جرعاتهم غير متوفرة، أو أن علاجهم غير موجود.
تقول: “كنت في المستشفى يوم 14 يوليو، ووجدت أن هناك أدوية متوفرة وأخرى غير متوفرة. بالنسبة لحالتي، من المفترض أن أتلقى حقنة “زوميتا” كل ثلاثة أشهر. في السابق، كانوا يقومون بعمل قرار علاج على نفقة الدولة، وكنا نجدده كل ستة أشهر أو كل بضع جرعات.. الآن، تغير الوضع تمامًا. أبلغوني أن القرار القديم لم يعد ساريًا. آخر جرعة حصلت عليها كانت بتاريخ 20 مايو، لكنهم قالوا إن هذا القرار لا يُعتد به ويجب أن أقدم طلبًا جديدًا من البداية. عندما تقدمت للحصول على القرار الجديد لحقنة الزوميتا، طلبوا مني تقديم تحليل مع الطلب، وهذا إجراء غير صحيح طبيًا، حيث من المفترض أن أقوم بالتحليل في نفس يوم أخذ الحقنة للتأكد من أن جسمي والكلى بحالة جيدة، وإذا لم تكن كذلك، يتم تأجيل الجرعة”.
وتُبيّن المريضة أن حقنة الزوميتا هي علاج مقوٍ للعظام، لأنها تعاني من انتشار ثانوي للورم في عظام الظهر نتيجة لسرطان الثدي، معتبرة أن الشرط الجديد هو مجرد عرقلة إدارية لتعطيل حصول المرضى على الحقنة، مشيرة إلى أنها قدمت القرار الجديد بالتحاليل المطلوبة في 30 يونيو، وحتى هذه اللحظة، لم يظهر القرار على صفحتي في موقع وزارة الصحة، ولم توافق عليه المجالس الطبية بعد.
وتضيف: “الكثير من المرضى يأتون لأخذ جرعات الزوميتا أو الكيماوي أو الزولادكس أو الفيمايرا، ولا يجدونه، معظم الأدوية غير موجودة في المستشفى، والمرضى الذين يحتاجون للعلاج الكيماوي الذي لا يحتمل التأجيل، خاصة “الكيماوي الأحمر”، يقال لهم إنه غير موجود نهائيًا في المستشفى. من المفترض أن أتناول مكمل غذائي “الكالسيوم” مع علاجي الهرموني، لأن العلاج الهرموني يسبب هشاشة العظام، لكنهم لم يعطوني إياه بحجة عدم توفره، وكل ما أعطوني إياه كمسكن للآلام هو الباراسيتامول”.
وتؤكد المريضة أن الكثير من المرضى قدموا بلاغات للشرطة في قسم مصر القديمة، ضد المستشفى وفي يوم 15 يوليو، حضرت لجنة من قسم الشرطة إلى المستشفى وكانوا يستمعون لشكاوى المرضى، لكن الإدارة هددت من يشتكي بالتعسف معه واضطهاده، وهناك دعوات للتصعيد وتنظيم وقفة احتجاجية ضد المستشفى.
فيما تكشف نورا سامي (اسم مستعار) وهي مريضة سرطان تتلقى علاجها بالمستشفى أنها وغيرها من المريضات تعرضن لسوء المعاملة والتعنيف اللفظي من الأمن ومحاولة التعدي عليهن بالضرب حين حاولن تصوير الوضع بالمستشفى، فقامت بالاتصال بشرطة النجدة والتي أحضرت من فورها قوة من شرطة قسم مصر القديمة إلى المستشفى، تضم أمين شرطة ونقيب والذين استمعا إلى شكاوى المرضى، بينما تعهدت مسؤولة في المستشفى بتوفير الأدوية الناقصة خلال يومين وهو الأمر الذي لم يتحقق، مبينة أن المرضى يمهلون المستشفى حتى نهاية الأسبوع الجاري، وإذا لم يتوفر علاجهم سيصعدون ضد إدارتها بتقديم بلاغات جماعية للنيابة العامة وشكاوي المواطن لرئاسة مجلس الوزراء، وتنظيم وقفة احتجاجية داخل المستشفى.
وبالتزامن مع نقص الأدوية وسوء المعاملة، يكشف أحد المرضى لـ”زاوية ثالثة” كيف وصل الإهمال داخل المستشفى إلى نشوب حريق في أحد المحولات الكهربائية الخاصة بغرفة المولدات، صباح يوم الثلاثاء الماضي فاشتعلت فيه النيران بالكامل ثم انطفأ، ونتيجة لذلك، احترقت وحدة تكنولوجيا المعلومات المسؤولة عن الشبكة بالكامل، ولم يتمكن فني تكنولوجيا المعلومات وقتئذٍ من فعل أي شيء لإصلاح العطل، في حين ظل جميع المرضى منتظرين منذ وقت وصولهم المعتاد حتى الساعة الخامسة والنصف أو السادسة مساءً، دون أن تصدر نتائج تحاليلهم لأن الشبكة معطلة ولا يوجد اتصال بالإنترنت، واستمر هذا الوضع حتى احتج جميع الموجودين ورفعوا أصواتهم، وفي النهاية قاموا بإصدار النتائج يدويًا.
نوصي للقراءة: الحكومة تُقيد الحق في الصحة: لائحةٌ جديدة تُعيدنا إلى الوراء
تهديد الحق في العلاج المجاني
تحت ضغط الظروف المتدهورة في مستشفى “جوستاف روسيه”، يحذر أطباء ومختصون من أن ما يجري يمثل تهديدًا مباشرًا للحق الدستوري في العلاج المجاني. من بينهم الدكتور عمر مهران، رئيس جمعية “جبر القلوب” الخيرية، وأحد محاربي السرطان، الذي يوضح لـ”زاوية ثالثة” أن مرضى المستشفى يواجهون نقصًا شبه شامل في الأدوية الأساسية لعلاج الأورام، بما في ذلك الجرعات التي يجب الحصول عليها في مواعيد دقيقة لا تقبل التأخير، وإلا يتسبب ذلك في فشل الدورة العلاجية بالكامل واضطرار المريض إلى البدء من جديد، ما يؤدي إلى مضاعفات صحية وتكاليف إضافية.
يقول: “كل يومين أو ثلاثة، يموت طفل جديد من مرضى السرطان نتيجة الإهمال ونقص الأدوية. الأطفال الستة: نور مجدي، أمل ياسر، ياسين نبيل، شاهندة حمدي، مرمر، وياسمين أحمد علي، توفوا بعد تدهور حالتهم لأنهم تُركوا دون علاج، بحجة عدم توفر الأدوية داخل المستشفى”.
ويضيف أن الإدارة الجديدة، من وجهة نظره، تتبع سياسة تهدف إلى دفع المرضى للمغادرة من خلال سوء المعاملة وغياب العلاج، وإجبارهم إما على ترك المستشفى أو اللجوء لشراء الأدوية من السوق السوداء بأسعار باهظة. ويشير إلى أن المرضى وأسرهم يواجهون تعنتًا في الإجراءات، وإهانات متكررة، قد تصل أحيانًا إلى الاعتداء الجسدي، في حال مطالبتهم بحقوقهم، فضلًا عن فقدان ملفاتهم الطبية في بعض الأحيان، دون توضيح أو متابعة.
وفي السياق ذاته، يرفض محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، خصخصة المستشفيات التي أُنشئت بأموال دافعي الضرائب، سواء عن طريق البيع أو التشغيل أو التأجير، ويرى أن هذا التوجه لا يبرره عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها الدستورية، ولا توصيات البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي. ويؤكد أن الدستور المصري لعام 2014 ينص على تخصيص 3% من الموازنة العامة للصحة، وأن إهمال هذه النسبة يتعارض مع الأسس الدستورية للحق في العلاج.
ويقول فؤاد إن قانون “منح الالتزام”، الذي تم بموجبه نقل إدارة المستشفى، لم يُعرض على مجلس النواب ولم يخضع لنقاش برلماني، وتم التوقيع عليه بسرعة. ويشير إلى أن مركز “جوستاف روسيه” هو مؤسسة طبية دولية مرموقة، لم تكن لتخوض تجربة كهذه دون وجود جهة محلية تضمن مصالحها، وهو ما يفسّر، حسب قوله، تأسيس شركة “إنترناشيونال مصر جوستاف روسي”، التي يرأس مجلس إدارتها الدكتور أحمد مرسي، رئيس اللجنة الرئاسية لدعم صحة المرأة، معتبرًا أن هذا الوضع يمثل تضاربًا واضحًا في المصالح.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “العقد الموقع مع الشركة مجحف. المستثمر يسعى لتحقيق أرباح، ويخطط لتقليص عدد العاملين بنسبة 70%، وقد وافقت الحكومة على ذلك، مع الإبقاء على 25% فقط من القوة العاملة. كما أن الدولة تتحمل 70% من التكاليف، وهو بند مبهم لا يضمن لا حقوق المرضى ولا حقوق العاملين”.
ويضيف أن الفريق الطبي الفرنسي لم يصل إلى مصر حتى الآن، رغم بدء التشغيل رسميًا، ويؤكد أن تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التي قال فيها إن المستشفى مخصص فقط لعلاج سرطان الثدي غير صحيحة، موضحًا أن “هرمل” كان مستشفى عامًا لعلاج مختلف الأورام، ويضم وحدة لزراعة النخاع، وأخرى للقلب تبرع بها نادي الروتاري. ويذكر أن المستشفى افتُتح عام 2014 بتكلفة 230 مليون جنيه، ضمن خطة توسعية تشمل مبنى جديدًا بقيمة مليار جنيه.
ويتابع: “اطلعنا على العقد ولم نجد فيه أي بنود جزائية تُلزم الشركة إذا أخلّت بالتزاماتها. فهل لدى الحكومة أدوات فعلية للرقابة أو المراجعة؟ على الأرجح لا. المرضى الآن يتنقلون بين مستشفيات مختلفة بحثًا عن العلاج. المتابعة الطبية داخل المستشفى تراجعت بعد استبدال الأطباء القدامى بآخرين جدد لا يعرفون تفاصيل الحالات”.
ويرى أن تحويل المستشفى إلى التشغيل عبر القطاع الخاص انعكس سلبًا على حياة المرضى، إذ تأخرت جلسات العلاج الكيماوي، ما أدى إلى تدهور أوضاعهم الصحية. كما توقف استقبال الأطفال، وسُجلت حالات وفاة بينهم نتيجة تأخر العلاج، من بينهم: ياسين، مرمر، وياسمين. كما حُرم المرضى من الأدوية الأساسية مثل “زوميتا”، بسبب عدم توفرها لدى هيئة الشراء الموحد، ما اضطر بعضهم لدفع مبالغ تصل إلى 5000 جنيه مقابل الاستمرار في العلاج، رغم أن المستشفى حكومي ومجاني في الأصل.
ويختتم رئيس المركز حديثه لـ”زاوية ثالثة” بالتحذير من أن خصخصة المستشفيات المتخصصة في علاج الأورام تهدد مباشرة الحق في العلاج المجاني، وتفتح المجال لاستغلال المرضى ماديًا، وتدهور مستوى الرعاية في غياب آليات رقابة فعالة. ويعتبر أن الدولة تخلت عن التزاماتها في توفير الرعاية الصحية المجانية لصالح نموذج ربحي لا يراعي الفئات الأضعف.
نوصي للقراءة: تداعيات إلغاء تكليف الأطباء في مصر
تحركات رسمية؟
من جهته، يشير النائب الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب المصري، إلى أنه سبق أن تقدّم بطلب إحاطة في البرلمان بشأن مستشفى “جوستاف روسي” وخصخصة المستشفيات الحكومية. ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” معارضته لهذا التوجه، محذرًا من أن إشراك القطاع الخاص في إدارة مستشفيات كبرى قد يقوّض مسؤولية الدولة تجاه صحة المواطنين، ويؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الصحية المقدّمة للطبقات الأشد احتياجًا.
يقول: “أرى أن خصخصة قطاع حساس مثل الصحة العامة سيؤدي إلى إشكاليات كبيرة، وقد يهدد العدالة في تقديم الخدمة. هذا التوجه ستكون له انعكاسات سلبية مباشرة على جودة الرعاية الصحية، خاصة للفئات الفقيرة ومحدودي الدخل؛ فالقطاع الخاص ليس جهة خدمية أو غير هادفة للربح، بل يسعى لتحقيق أرباح”.
ويعبّر البياضي عن مخاوفه من نية الحكومة طرح 18 مستشفى حكوميًا إضافيًا للتشغيل عبر القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن المستثمرين لا يستهدفون المستشفيات الضعيفة أو المغلقة، بل يسعون إلى الاستحواذ على المستشفيات الكبرى التي تقدم خدمات واسعة لعدد كبير من المرضى.
وفي أول تحرّك رسمي من وزارة الصحة، عقد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، اجتماعًا مع ممثلي شركة “إيليفيت”، إلى جانب الدكتور أحمد مرسي، المدير التنفيذي لـ”جوستاف روسي إنترناشيونال مصر”، في 19 يوليو الجاري، لمناقشة أداء مستشفى “جوستاف روسي” (هرمل سابقًا) بعد ورود شكاوى من المرضى بشأن تأخر صرف العلاج وتراجع مستوى الخدمة عقب تسليم إدارته إلى المركز الفرنسي.
ووجّه الوزير بتسهيل الإجراءات الطبية والإدارية، وإنشاء وحدة لتلقي الشكاوى وقياس رضا المرضى، وتسريع إصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة، التي بلغ عددها 12 ألف قرار خلال شهر ونصف. كما شدّد على دعم عمل لجان التأمين الصحي وضمان توافر الأدوية، مؤكدًا استمرار الرقابة على أداء المستشفى بالتعاون مع الشريك الفرنسي، مع التوسّع في استقدام خبراء لتدريب الفرق الطبية.
وفي اليوم نفسه، أصدرت إدارة مستشفى “جوستاف روسي – مصر” (هرمل سابقًا) بيانًا أكدت فيه استمرار تقديم الخدمات العلاجية دون انقطاع، وتمديد ساعات العمل حتى التاسعة مساءً، وفتح قسم الطوارئ على مدار الساعة، دون توقف خلال فترة تسليم الإدارة. وذكرت أن المستشفى حقق عددًا من الإنجازات خلال 45 يومًا من الإدارة، في إطار شراكة استراتيجية مع معهد “جوستاف روسي” الفرنسي، تهدف إلى تطوير الرعاية الصحية في مصر وفقًا للمعايير العالمية، مع الحفاظ على هوية المستشفى كمؤسسة مصرية تخدم جميع المواطنين.
ومع تمسّك الحكومة بخطابها المطمئن، وإصرار الإدارة الفرنسية على تقديم وعود التطوير، تبقى الوقائع على الأرض شاهدة على عكس ذلك؛ فالدواء ما زال غائبًا، والخدمة تتآكل، وشكاوى المرضى تتراكم دون مجيب. وفي ظل هذا التراجع، تبدو الحاجة ماسة إلى رقابة مستقلة لا تخضع للمصالح، وإلى إرادة سياسية تضع كرامة المريض فوق منطق الاستثمار، لتعيد الاعتبار لفكرة الصحة العامة بوصفها حقًا لا امتيازًا، ومسؤولية لا سلعة.